الرئيسية / شبكة فرسان الثقافة / “نقالة” لكل مواطن!!/ محمود المختار الشنقيطي المدني

“نقالة” لكل مواطن!!/ محمود المختار الشنقيطي المدني

أحرف ترفض أن تختفي من مخيلتي .. ولا أستغرب ذلك!


لقد رويت على شفى قبر يُحفر لإحدى من هن مثل أمي رحمهن الله جميعا،ورحم والدي.
كان ابن قريبة أخرى،دُفنت غير بعيد،مكنا وزمانا،كان يحكي معاناتها .. حين تعبت،فحملها إسعاف إلى أحد المشافي .. زعموا عدم وجود “سرير” وظلت لساعات عدة في الممر!!
ومن المصائب ما يخفف المصيبة الشخصية .. في الانتظار رأى”حاجة”أتت وقد لسعتها عقرب .. فطُلب منها أن تنتظر في”الصف” .. فهب فيهم .. من غضبه ..
إن شا الله تموت .. وتتحملوا ذنبها .. وأشهد عليكم الحضور!!
فتم إدخالها دون انتظار.
أما مريضته هو .. أما “ثمرة فؤاده” فقد كانت تنتظر ..
وليست وحدها .. كان إسعاف الهلال الأحمر .. ينتظر “نقالته” أيضا!!
بما أن الأخ المذكور .. سبق له العمل في وزارة الصحة .. فيبدو أن لديه”أرقاما” أو يعرف كيف تسير الأمور هناك ..فاتصل بشخص مسؤول عن”الطوارئ”وتحدث معه .. وشرح له .. إلخ
طلب منه”تقريرا” من المستشفى عن”الحالة”وأن يرسل التقرير على الفاكس.
رفض المستشفى إعطاء التقرير!!
فاتصل مرة أخرى .. غاضبا .. وقال :
الاتصال الثاني سيكون على الملك سلمان!!
وأنهى المكالمة.
بعد قليل جاءه اتصال ..
أُخبر أن والدته – رحم الله والديّ ورحمها – قد حُجز لها في المستشفى الفلاني ..
بقيت في ذلك المستشفى إلى انتقلت إلى رحمة الله.
لو أردنا أن نتحدث عن”قلة الأسرة” في المستشفيات ..
عن نساء ولدن في “أسياب”المستشفيات ..
عن مرضى جاءتهم الموافقة على”العلاج”بعد أن استرد الله – سبحانه وتعلى – أمانته .. لن نتوقف عن الكتابة!!
ذلك،أن عدد المستشفيات محدود .. وعدد البشر في تزايد مستمر .. وقد ربطت الحضارة الحديثة ” الإنسان ” بالمستشفيات .. بالتحاليل .. بالأدوية .. حتى اصبح المستشفى وعلاجاته،وتحليلاته،مثل الأكسوجين .. وظلوا يلحون على “المناعة”بالمضادات،والمسكنات،والأدوية .. حتى قتلوها ..
لازلت أتذكر مقولة كانت شائعة .. “الزكام” .. إذا أخذت الدواء يختفي بعد ثلاثة أيام،وإذا لم تأخذ دواءً … فسيختفي بعد ثلاثة أيام!!
لم تعد المقولة “رائجة”لأن مستوى المناعة قد تضاءل .. كثيرا!!
بل كانت الغرب – الملحد – يقول … يتسلى الأطباء بكتابة “الوصفة”بينما تقوم “الطبيعة”بعملها .. بل هي”المناعة”التي جعلها الله – سبحانه وتعالى – ضمن “تركيبة” الإنسان .. فقضى عليها الطب الحديث.
برزخ : منذ أن وعيت على القراءة وأنا أقرأ تذمرا من”الطب الحديث”.. من تلك القصة التي يقول صاحبها :
أذهب إلى الطبيب وآخذ “الوصفة”. . وأعطيه نقودا .. لأن الطبيب لابد أن يعيش .. ثم أذهب إلى الصيدلي وآخذ الدواء .. وأعطيه نقودا .. لأن الصيدلي لابد أن يعيش .. ثم أرمي الدواء .. لأنني أنا أيضا لابد أن أعيش!!
وصولا إلى كتاب عن الطب الشعبي،ألفته ألمانية .. وقالت فيه :
الطب الحديث ممتاز .. ولكنه كمن يريد أن يصيد عصفورا على شجرة، فيرميه من”مدفعية” فيقتل العصفور .. ويقتلع الشجر .. !!
وقد نشرت ( لوموند ديبلوماتيك)، النسخة العربية، مقالة كتبها ( أندريه غريمالدي) و ( جوزي تيمست)، تحت عنوان :
( ” إصلاح مضاد “باسم العدالة بين المواطنين :
المستشفى الشركة ضد المستشفى العمومي )
((أضرب الأطباء الأجانب الذين يعملون في المستشفيات الفرنسية مرتين خلال هذا الصيف، فهم يقومون بنفس العناية التي يقوم بهانظراؤهم الفرنسيون ولكن مع مداخيل أقل بكثير، هذه أحد مظاهر تدهور المستشفيات العمومية.فمثلا لقد أصبح أكثر جدوى أن تبتر أعضاء مريض بدل العناية به تفاديا لعملية جراحية… كيف نخرج من هذا الانحراف الذي يعارض أخلاقيات الأطباء والخطير بالنسبة للمرضى؟
إن أزمة الاستفتاء التي طالما تحتل العناوين الأولى في الأحداث هي قبل كل شيء أزمة مالية، علما أن فرنسا تخصص 10 في المئة من مجمل ناتجها المحلي للصحة (..) لكن هذا النظام يشهد من الأساس تناقضا بنيويا بين التمويل الحكومي وتقاسم جزء من الخدمات الطبية مع القطاع الخص، أي الطب اللبرالي، وقد انفجر هذا التناقض بفعل تأثير مزدوج من النقص في إيراد الضمان الاجتماعي، وتزايد النفقات بسبب معدل الأعمار(..)والمحاولة الأخيرة الرسمية لمراقبة التقديمات الطبية اللبرالية تعود إلى مشروع ( جوييه) في العام 1995، وقد انتهت بقطيعة بين حزب الغالبية الرئيسي وبين الأطباء، وقد توصلت حكومات اليمين إلى خلاصة بسيطة وحاسمة :
(لن نعود إلى هذا أبدا). والمستغرب أن قسما من اليسار قد أخذ العبرة ذاتها.
وهكذا شهدنا تغيرا في الموقف لدى المدير السابق للضمان الاجتماعي، (..)، ومدير المستشفى السابق (..) وهما يساريان كانا من قبل مقتنعين بأن الصحة ليست سلعة ولا يمكن أن تخضع لقوانين السوق، فالأول وبعد أن أصبح مديرا طبيا في شركة ” التأمينات العامة في فرنسا” قد اقترح (..) خطة تأمين صحي خاص بامتياز مقابل 12000 يورو سنويا. (..) أما الثاني فقد التزم فضائل الأعمال الطبية الخاصة حتى داخل المستشفيات الرسمية لدرجة أنه كتب : (( إن وضع استراتيجية لمستشفى رسمي يشبه بالضبط استراتيجيات سائر الشركات (..) ما يفرض تحليل حركة العمل والزبائن (..) حتى وإن كانت كلمة التسويق ما تزال من المحرمات بسبب دلالتها الفجة، فما يتم السعي إليه هو التسويق. ) ومنطق الخصخصة هذا الذي يلقى إجماعا من اليمين واليسار ( اللبراليين) يقود من جهة إلى رفض زيادة موارد الضمان الاجتماعي، ومن جهة أخرى إلى الحد من المدفوعات (..) في الطب اللبرالي (..) بات لكل عمل رمز مناسب ومبلغ مناسب من المال ترتبط به موارد المستشفيات العمومية. إذا هناك مرضى مريحون ( مثلا من يحتاج إلى عملية جراحية تستدعي دخول المستشفى لفترة قصيرة) ومرضى غير مريحين ( مثلا المريض المصاب بمرض مزمن لا يحتاج إلى عناية بواسطة التكنولوجيا الرفيعة أو الذي لا يستطيع العودة سريعا إلى منزله) وفي مجال مرض السكري يعني هذا أن المريض الذي يخضع لغسل الكلى أو الذي قطع أحد أعضائه يكون مريحا أكثر من المريض الذي يدخل المستشفى لتدارك البتر والغسيل. (..) وهكذا سيعمد الأطباء الإداريين؟ إلى اختيار المريحين على حساب الآخرين لقد باتوا مدفوعين إلى اختيار الرمز “الأقصى” ما يعني ” تضخيم” درجة خطورة حالة المريض وذلك لزيادة قيمة الفاتورة على الضمان الاجتماعي، والحصول كذلك على زيادة في الفواتير بدون خدمات إضافية تقدم إلى المريض، وهذا ما يفضي في النهاية إلى إفراغ صناديق الضمان الاجتماعي من أجل ملئ صناديق المستشفيات.
أضف أن هذا النظام الجديد الفعال كما يتم زعمه لا يسمح بمعرفة ما إذا كانت الأعمال الطبية مبررة أم لا. بل إنه يزيد خطر التشجيع على الإكثار من الوصفات التي لا حاجة لها، لكن المريحة. أخيرا هو لا يأخذ بعين الاعتبار نوعية العلاجات. فإدخال المريض تكرارا إلى المستشفى لكن لفترة قصيرة من أجل معالجة مرض لم يلق العناية الصحيحة هو أكثر ربحا من دخول واحد لفترة أطول مع عناية ذات نوعية جيدة. وليس في هذا شيء من الكاريكاتيور.
ولسوف يجد أطباء المستشفيات أنفسهم وسط صراع أخلاقي بين العناية الصحيحة، وهو واجبهم المهني، وبين المردودية المالية التي أصبحت مهمتهم. وللأسف أن هذه العملية الإصلاحية قد أجريت بالتعاون الوثيق مع بعضهم وبانصياع أكبر عدد منهم. (..) وفي الحقيقة ينوي المروجون لهذا الإصلاح المضاد الانتقال إلى مرحلة أخرى مع فرض تعهد على كل مستشفى(..) بالحفاظ على التوازن المالي بين المدخول والإنفاق، وإذا ما احتاج الأمر إلى وضع “مشاريع اجتماعية” ( أي طرد موظفين بالتعبير الفرنسي) وفي الواقع إن كتلة الأجور تشكل70 في المئة من موازنة المستشفيات، فيجب أن تصبح العنصر ” المتغير في الإصلاح”وهكذا سوف يضطر القطب أو المستشفى إلى وقف بعض الأعمال وخفض عدد الموظفين وحتى إلى إعلان إفلاسه (!) فهل أن هذه السياسة لا تتعارض مع وضع المستشفى العام؟ هذا لا يهم طالما أنه بالإمكان تعديله عبر تحويله إلى مؤسسة( تعمل كشركة خاصة) ذات مهمات خدمة عامة. والفرق الجوهري يكمن عندها في وضع الأجراء الذين سيصبح القسم الأكبر منهم متعاقدا بدل أن يوظفوا بشكل دائم.
والمحطة الأخيرة في عملية الإصلاح، إذا ما أخذنا بقول بعض مؤيديها، سوف تقوم على السماح للمستشفيات بالــ(دخول إلى البورصة) لكي تتمكن بفضل أموال المساهمين من ( الترسمل مجددا للاستثمار). وقد فهمت هذا الأمر تماما محترفات العيادة الخاصة، وعلى الأخص” الشركات العامة للصحة” التي تملك 150 عيادة في فرنسا وإيطاليا، فأعلنت عن ” زيادة مداخيلها بنسبة 14.8 في المئة للعام 2005 مع نسبة نمو نظامية بلغت9.2 في المئة. (..) وقد قام مدير مؤسسة ” أنتوني” الخاصة ( مقاطعة السين العليا ) الذي ينتمي إلى المؤسسة العامة للصحة بمراسلة 1000 طبيب لكي يشرح لهم أن من مصلحة الضمان الاجتماعي أن يُدخلوا المرضى ليس إلى المستشفيات العامة، بل إلى العيادات الخاصة. (..) وكذلك فإنه تحت شعار سلامة المنتفعين، قد تم إغلاق عدد من دور التوليد أو مستشفيات الجوار، وكذلك جاء تقرير السيد(..) ليقترح إقفال 112 قسم جراحي وليس في هذا المنطق الإجرائي الصرف أي تقييم للنوعية الفعلية لرعاية الطبية المتحققة في كل هذه المراكز المعنية، ولا هو يأخذ بعين الاعتبار لا النوعية، ولا التكاليف ولا حتى وجود أشكال معالجة بديلة، وهكذا فإن السلطة الحكومية قد تنساق إلى إغلاق مركز عمليات ينجز ما يقارب 2000 عملية سنويا بنوعية جيدة، وذلك لصالح العيادات الجراحية المنافسة التي تعتمد تعرفة تجاوز كلفة الأتعاب المحددة ..
وقمة السخرية أنه باسم المساواة بين المواطنين إزاء كلفة الطبابة تنوي السلطات الصحية العليا إعادة النظر في تحمل 100 في المئة من تكلفة مرضى السكري، وهؤلاء لا يطرحون أي تعقيدات طبية. الحداثة والسلامة والمساواة والنوعية، كلها ذرائع صالحة لإنجاز عملية الهدم. ){ النسخة العربية من ( لوموند ديلوماتيك)، العدد الصادر يوم الجمعة 15 / 8 / 1427هـ = 8 / 9 / 2006م
على كل حال هذه المشاكل التي يعاني منها “الطب”من الناحية الأخلاقية،أي تحوله إلى”تجارة”يتم الاستثمار فيها،تبدو دون حلٍ.
ولكن الناظر إلى الغرب،وإلى ألمانيا تحديدا،يجد توجها لافتا نحو الطب”البديل” ..
وهنا أعيد سؤالا طرحه أحدهم،عبر شاشة”الإخبارية”إذا لم تخني الذاكرة ..
السؤال حول “نظام الطب البديل”والذي كان جاهزا للطرح .. أين اختفى!
أعود إلى مسألة”النقالة”التي علت هذه الأسطر ..
منظر ذلك”المسعف”ينتظر “نقالته”لم يكن من الصعب عليّ تصوره .. فقد رأيته من قبل!
قبل سنوات .. طلبت إسعافا .. لوالدتي – رحمها الله ورحم أبي – فنقلها لى نفس المستشفى الذي حصلت فيه قصة أخينا .. وكانت قد أجريت لها فيه عملية .. ولكن حين وصلنا .. تبين أن القسم الخاص بمضاعفات مرض “السكر”قد انتقل إلى مستشفى آخر.
المشكلة هنا بسيطة،ليست عدم وجود سرير،ولكن .. “النظام”لا يسمح لإسعاف “الهلال الأحمر”بنقل مريض من مستشفى إلى آخر .. وإنما من “المنزل”إلى”المستشفى”.. ولدى المستشفى الذي ذهبنا له .. إسعاف .. ولكن دون سائق!!
وظل “المسعف”أيضا واقفا .. ينتظر “نقالته”!!
وعبر”واسطة”أيضا .. حضر”سائق الإسعاف” فاسترد “المستعف”المسكين “عهدته”!
الاقتراح هنا ببساطة .. فتح باب “الطب البديل”أو”الشعبي” .. إذ أن المستفيد من تغييبه هم تجار العلاج فقط… رغم أنه هو الآخر لن ينجو من التحول إلى”تجارة” … ولكن شي يسند شي ..
واقتراح صغير آخر .. تأمين “نقالة”لكل مواطن .. فلا تتعطل سيارة الإسعاف في انتظار “النقالة”!

تلويحة الوداع :
لا أعتقد أن أحدا يستطيع تصور”الحنق” الذي ينشأ داخل من يرى عزيزا عليه .. مهملا .. لا شيأ أشد مرارة من وقفة الابن العاجز .. الأب العاجز .. الأخ العاجز .. الزوج العاجز … ذلك”العجز”ربما يتحول إلى”كراهية” .. للنفس … للمجتمع .. إلخ.

أبو أشرف : محمود المختار الشنقيطي المدني

عن admin

شاهد أيضاً

هى فلسطين وليست إسرائيل/محمد سيف الدولة

فى الذكرى المئوية لوعد بلفور لابد من التأكيد على عدة معانٍ وعلى بعض الرسائل المهمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *