الرئيسية / شبكة فرسان الثقافة / كلام في الترجمة/ محمود المختار الشنقيطي

كلام في الترجمة/ محمود المختار الشنقيطي

%d9%85%d8%ad%d9%85%d9%88%d8%af
الحديث عن الترجمة،ومن قِبل من لا يجيد لغة أجنبية

مثل كاتب هذه السطور،ومبتلى بعشق القراءة

أقرب إلى البكاء على الأطلال،شعور غير مريح،على أقل تقدير .. والقارئ تائه مشوش،هل يقرأ الكتاب الأصلي .. أم يقرأ أفكار المترجم ؟ وربما تدليساته !
قبل أيام نشر أحدهم – عبر”تويتر” عنوان كتاب : “مذكرات ضابط عثماني في نجد” أردت أن أسجل العنوان،فعلق أحدهم،أن المترجم حذف بعض الفصول!!
في كل الأحوال ..
لا.بل قبل ذلك،قلت قبلُ أن أخي الدكتور ناجي حين،أعارني كتاب “الطريق إلى مكة” – مع كتاب آخر،أعدته له – طبعة منشورات الجمل،بما أنني سبق أن كتبت عن الكتاب نفسه،كُليمة بعنوان “العجب العجاب في ترجمة كتاب”مقارنا بين طبعة دار العلم للملايين،وطبعة مكتبة الملك عبد العزيز،والفروقات،في حذف بعض المعلومات .. العجيب أن طبعة “الجمل”وطبعة “المكتبة”لنفس المترجم! وهذا يعيدنا إلى في كل الأحوال .. يقول “مانغويل”:
(ما من ترجمة بريئة أبدا. تنطوي كل ترجمة على قراءة،واختيار للموضوع والتأويل،ورفض أو استبعاد نصوص أخرى،وإعادة تعريف بمقتضى شروط يفرضها المترجم الذي يغتنم هذه السانحة مستوليا على لقب المؤلف){ فن القراءة / ألبرتو مانغويل / ترجمة : جولان حاجي / دار الساقي / الطبعة الرابعة 2016}.
بين براءة الترجمة،وعدم براءتها،جبال وأودية من القدرة أو التمكن من اللغة الأصلية للكتاب،واللغة التي يُنقل إليها .. كتب مانغويل .. ( وربما لم يكن بورخيس سيكترث . قال ذات مرة عن النسخة الإنكليزية من رواية وليم بيكفوردVathek { تاريخ الخليفة فاتك} المكتوبة بالفرنسية إن”الأصل قد خان الترجمة”){ص 81 (فن القراءة) .. }.
يخطر في بالي أن أقارن بين ترجمة الكتب،وتحقيقها .. فإن كان المحقق يحاول جمع شتات كتاب ما،بضم نسخه المختلفة بعضها إلى بعض،فإن المترجم يلملم أفكار الكاتب وتضميناته،وإشارته،والتي قد تكون واضحة في ذهن مثقف اللغة الأصلية للكتاب .. ما ذكرني بهذه العلاقة،هو أن مترجم “فن القراءة” كتب في أحد هوامشه .. تماما كما يفعل محقق الكتاب .. (الفكرة مستوحاة مما كتبه كولريدج حول جوهر الإيمان الشعري،وكيف أننا عند القراءة نقوم مؤقتا،وبمحض إرادتنا،بتعطيل أو تعليق عدم التصديق. (لم يضع مانغويل أي هامش في هذا الكتاب،وأورد العديد من الكلمات والفقرات والعبارات والعناوين بلغتها الأصلية،وقد تُرجمت إلى العربية في متون النصوص،محتواة بين قوسين معقوفين.جميع الهوامش،القليلة والمقتضبة في كل الأحوال،من وضع المترجم)(م).){ص 18 (فن القراءة)..}
بناء على هذا التنويه،فإن عبارة { تاريخ الخليفة فاتك} – في النص المنقول قبل هذا النص مباشرة – هي للمترجم .. ويبقى السؤال هل كان عليه أن يخبرني / أو يخبرنا،من هو “فاتك”هذا؟ وفي نفس السياق،وإن بصورة أوضح،لي كقارئ ..جاء عن مانغويل ،دائما ..
(يقترح إمبرت أن بورخيس قد استخدم لغز شارع آركوس كنموذج لقصة “El acercamiento Almotasim”{الدنوّ من المعتصم} ..) {ص 94 ( فن القراءة) ..}
من”فاتك”ومن”المعتصم”؟ وهنا يبرز المأزق،هل ستتحول هوامش الترجمة إلى كتاب آخر؟ وإن كان المترجم لم يبخل علينا .. فشرح مثلا .. (أمام عينيه الذاهلتين يظهر كل شيء في تعداد ويتماني : في الهامش : نسبة إلى وولت ويتمان){ ص 74 (فن القراءة) …}.
وأحيانا “شرح لنا” مثل .. (كان اللقاء الأول لكانتو مع بورخيس،من وجهة نظرها هي،بعيدا عن coup de Ffoudre{“الحبُ من النظرة الأولى”} : في الهامش : بالفرنسية تعني حرفيا”ضربة صاعقة”.) {ص 71 “فن القراءة” .. }.
قول الأستاذ “المترجم”أنه ألزم نفسه بوضع ترجمته للعناوين التي وضعها”مانغويل”بلغتها الأصلية بين قوسين معقوفين .. ربما يحتاج إلى دقة في المتابعة .. فنحن نجد مانغويل يقول :
(درس ديك الختامي : حتى لو جرى إخراس الباحث عن الحقيقة،فإن إخلاصه أو صدقه Sincerity (من اللاتينيةSincerus وتعني”طاهر”أو”نقي”) سيُجهزُ في النهاية على الكذب){ص 141 (فن القراءة) .. }.
عبارة : (من اللاتينية Sincerus وتعني”طاهر”أو”نقي”) بين هلالين،تعني أن الكلام للمؤلف،ولو تغيرت الأقواس .. هكذا مثلا : {من اللاتينية Sincerus وتعني”طاهر”أو”نقي”} لأصبح ما بينهما للمترجم!
من الأشياء التي حيرتني ترجمة كتاب”فن القراءة”،كتب مانغويل : ( نحن القراء نتقبل واقع”الأنا”يتحول إلى شخص يقول لنا ناديني إسماعيل{إشمايل} أو ما رسيل){ص 177 ( فن القراءة) ..}.
فهل يُترجم – لنا نحن قراء العربية – إسماعيل بأنه إشمايل؟ ولو كُتب الاسم باللغة الأصلية،ثم تُرجم بين قوسين،لاستقام الأمر.
من هذه الأفكار التي تتدافع بالمناكب في رأسي وأنا أقرأ .. أو أفكر في موضوع الترجمة .. قول مانغويل :
(الأبيات الأولى من القصيدة ( الكوميديا الإلهية – محمود ) وشهرتها تغنينا عن اقتباسها){ص 177 ( فن القراءة) ..}،هذه الأبيات مشهورة هناك،فهل هي مشهورة لدى القارئ العربي؟ّ ليس هذا فقط،بل كتب المؤلف بعد ذلك .. ( من تتحول إلى حب في نهاية الرحلة)،فيكتب المترجم في الهامش : (يختتم دانتي رحلته بهذه الأبيات في نهاية الفردوس :”هنا خيالي الشاهق خارت قواه / ولكن من حرّك رغبتي وإرادتي،/ كعجلة لا يختل دورانها،/ هو الحب الذي يحرك الشمس وسائر النجوم”){ص 178 ( فن القراءة) ..}،ربما كان من الأولى ترجمة الأبيات التي أغفلها “مانغويل”لشهرتها .. إضافة،أو بدلا من تلك التي أغفلها دون أن يشير إلى شهرتها .. وهذه وجهة نظر قارئ بطبيعة الحال.
في نفس السياق،تقريبا، في كلام حول فن التلاعب بالكلمات ،في الهامش : ( الترجمة هنا لا تفي بالغرض المنشود من اقتباس هذين السطرين (..) نكتفي بالإشارة إلى مثال في اللغة العربية هو الخطبة المونقة الخالية من حرف الألف لعلي بن أبي طالب){ص ص 162 (فن القراءة) ..}
بطبيعة الحال،وأنا أقرأ النص الأصلي،وقبل أن أصل للهامش،تذكرتُ واصل بن عطاء،وتجنبه حرف الراء،لأنه ألثغ .. ثم قرأت هامش المترجم،و إشارته إلى خطبة سيدنا علي رضي الله عنه،والتي لم أسمع بها من قبل،وهذا يجعل المترجم،كل مترجم،في حيرة بين ما يعرفه القارئ وما يجهله.
ويقدم لنا المترجم خدمة أخرى،إضافة إلى نص دانتي،وذلك حين كتب،في الهامش عن”السنارك” : ( مخلوق خيالي تحدث عنه لويس كارول في قصيدته”صيد السنارك”){ص 169 (فن القراءة) ..}.
هذه الخدمة ضنت بها علينا الأستاذة زينة إدريس،مترجمة كتاب”طعام صلاة حب”، فقد توقعت سوزان،صديقة المؤلفة،قائلة : (ستلتقين برجل يوما ما وتغرمين به وينتهي بك الأمر إلى شراء منزل وأرض في بالي”.
وكأنها نوستراداموس.){ص 336}.
لم تتفضل علينا المترجمة بتعريف ” نوستراداموس”هذا!!
حين قرأت الكتاب أول مرة،لم أنتبه إلى هذه النقطة،ولم يكن ثمة “جوجل”بيننا .. كنت منفردا بـ!! لم أكن أنادي المؤلفة “ليز” فضلا عن”بُقول” .. كانت “إليزابيث” .. التي تروي لي قصتها .. ولكن عند القراءة الثانية،وقد أصبحت المؤلفة”بُقول” – بعد رفع التكلف – تنبهت إلى هذا الاسم “نوستراداموس” فأخبرني “جوجل” :
نوستراداموس : أو ميشيل دي نوسترادام 14 ديسمبر 1503 – 2 يوليو 1566 وعادة ما يسمى باسمه اللاتيني نوستراداموس ،وكان صيدلانيا وهو منجم فرنسي.
إذا .. أكان الأقرب،والأفضل أن تترجم الأستاذة “زينة” النص هكذا .. “ستلتقين برجل يوما ما وتغرمين به وينتهي بك الأمر إلى شراء منزل وأرض في بالي”.
وكأنها “منجمة”. أليست “منجمة”هذه هي غاية المؤلفة؟
عموما هذا الكتاب يقدم مثالا للدقة أو للأمانة في الشرح .. فقد جاء على غلافه الداخلي :
(يتضمن هذا الكتاب ترجمة الأصل الإنكليزي
Eat,Pray,Love
حقوق الترجمة العربية مرخص بها قانونيا من الناشر
Bloomsbury publishing
بمقتضى الاتفاق الخطي بينه وبين الدار العربية للعلوم ناشرون ){ (طعام صلاة حب” / إليزابيث جيلبرت / ترجمة : زينة إدريس/ مراجعة وتحرير : مركز التعريب والبرمجة / الدار العربية للعلوم ناشرون / الطبعة الأولى 1430هـ = 2009}.

اقتربت المساحة المخصصة لهذه الحلقة،من الانتهاء،وسأملؤ ما بقي من بياض الورقة بهذه اللمحة من “بُقول” ،وهي تتعلم الإيطالية في روما :
(تعلمنا للتو أن un amica stretta تعني صديقة حميمة. ولكن المعنى الحرفي لكلمة stretta هو ضيقة.،كما نصف الملابس،كالتنورة الضيقة.بالتالي،فإن الصديقة الحميمة بالإيطالية يمكن ارتداؤها كالسترة الضيقة الملتصقة بالجسم،){ ص 69 (طعام صلاة حب” 2009}

أبو أشرف : محمود المختار الشنقيطي

عن admin

شاهد أيضاً

إسقاطات على رواية نفق بوزان/د. ريمه الخاني

فائق محمد حسين الخليلي الصفة الإبداعية :قاص وروائي الجنسية :عراقي مكان و تاريخ الولادة بابل …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *