الرئيسية / ارشيف فرسان الثقافة / أرشيف فرسان الثقافة / تصحيح الصحيح/بروفسور سليمان جبران

تصحيح الصحيح/بروفسور سليمان جبران

تصحيح الصحيح بقلم : بروفسور سليمان جبران بعض الأدباء، أو المثقفين، أو المعلمين، ينصّبون أنفسهم قيّمين على اللغة، ويحترفون تخطئة عباد الله، بحقّ حينا وبغير حقّ أحيانا. هؤلاء هم أصحاب ” قلْ.. لا تقلْ” ، أو قوائم “خطأ…صواب”. لو اقتصر عمل هؤلاء “الغيورين” على تصحيح الخطأ فحسب لهان الأمر. إلا أنهم في الغالب يتجاهلون كلّ التطوير والتوليد والابتكار في اللغة المعاصرة، ويخطّئون كلّ ما يخرج عن النحو أو المعجم الكلاسيكيين. كأنما نحن اليوم نكتب بلغة سيبويه ومعجم ابن منظور، وكلّ ما يشذّ عنهما خطأ لا بدّ من تقويمه. الواحد من هؤلاء أشبه ما يكون بالشرطي الذي “يكمن” على مفترق الطرق لتحرير مخالفات السير: ما دامت مهمّته تسجيل المخالفات وتغريم العباد فلا بدّ من تنفيذ المهمّة بصرامة، واختلاق المخالفات أيضا، في بعض الأحيان، إذا لم يجد مخالفات ومخالفين! يطالع بعض الناس قوائم ” الأخطاء الشائعة” هذه، فيكتشفون أن “الأخطاء”، في لغة الإذاعة والصحافة، والأدب أيضا، أكثر من الهمّ على القلب، وأنهم كيفما كتبوا ومهما احترسوا، واقعون في الخطأ لا محالة !

 

تصحيح الصحيح

 

بقلم : بروفسور سليمان جبران

 

 بعض الأدباء، أو المثقفين، أو المعلمين، ينصّبون أنفسهم قيّمين على اللغة، ويحترفون تخطئة عباد الله، بحقّ حينا وبغير حقّ أحيانا. هؤلاء هم أصحاب ” قلْ.. لا تقلْ” ، أو قوائم “خطأ…صواب”. لو اقتصر عمل هؤلاء “الغيورين” على تصحيح الخطأ فحسب لهان الأمر. إلا أنهم في الغالب يتجاهلون كلّ التطوير والتوليد والابتكار في اللغة المعاصرة، ويخطّئون كلّ ما يخرج عن النحو أو المعجم الكلاسيكيين. كأنما نحن اليوم نكتب بلغة سيبويه ومعجم ابن منظور، وكلّ ما يشذّ عنهما خطأ لا بدّ من تقويمه. الواحد من هؤلاء أشبه ما يكون بالشرطي الذي “يكمن” على مفترق الطرق لتحرير مخالفات السير: ما دامت مهمّته تسجيل المخالفات وتغريم العباد فلا بدّ من تنفيذ المهمّة بصرامة، واختلاق المخالفات أيضا، في بعض الأحيان، إذا لم يجد مخالفات ومخالفين!  يطالع بعض الناس قوائم ” الأخطاء الشائعة” هذه،  فيكتشفون أن “الأخطاء”، في لغة الإذاعة والصحافة، والأدب أيضا، أكثر من الهمّ على القلب، وأنهم كيفما كتبوا ومهما احترسوا، واقعون في الخطأ لا محالة !

 

في الآونة الأخيرة قرأت كتابا من هذا النوع. اشتريته قبل سنين ولم أفتحه إلا اليوم. مؤلف الكتاب هو الأستاذ نسيم نصر، واسم الكتاب  أخطاء ألفناها، وقد صدر في بيروت، سنة 1994. الكتاب من 200 صفحة، وموادّه مرتّبة ترتيبا ألفبائيا، تمتدّ في الفهرس على 11 صفحة ! إلى هذا الحدّ أخطاؤنا التي ألفناها حتى حسبناها صوابا،  و” تتردّد في كتب وصحف ودوريّات ونسمعها على ألسنة محاضرين وإعلاميين”.

هناك طبعا أخطاء كثيرة في تشكيل بعض الألفاظ  وفي صياغتها، قام المؤلف بتصويبها مشكورا. إلا أنه يخطّئ الفاظا وصياغات كثيرة أخرى لأنه ، كما أسلفنا، يحتكم إلى القواعد والمعاجم الكلاسيكية فحسب، متجاهلا مئات السنين من التوليدت والتجديدت والابتكارات التي وصلت بلغتنا المعاصرة إلى ما هي عليه اليوم. لا يمكن بالطبع مناقشة كل “التصويبات” التي أوردها المؤلف، ويصعب علينا الأخذ بها أو بالتفسيرات التي رافقتها، لذا فإننا نكتفي هنا بعيّنة منها، دونما تعليق، ثم نناقش الأستاذ في بعض اجتهاداته أيضا:

 

   ص  9  : دعاية – خطأ ، الصواب : دعاوة.

   ص  24:  تأجير – خطأ  ، الصواب ، إيجار.  

   ص 27 : بحثتُ عنك – خطأ، الصواب : افتقدتك.

   ص31 :  حضر الرئيس بنفسه – خطأ ، الصواب : حضر الرئيس نفسه.

   ص 35 : مباراتان – خطأ ، الصواب : مباريان!

   ص 39 : الحكم العادل ذنّب فلانا أو قضى بتذنيبه – خطأ ، الصواب : الحكم

                     العادل قضى بتذنيب فلان على فلان، أي باعتدائه عليه .

  ص 41 : تشكّلت الوزارة – فيها خطآن، الصواب : تألّفت الوزارة.

  ص 47 : تقييم – خطأ ، الصواب : تقويم.

  ص 57 : تحاشى – خطأ ، الصواب : تجنّب.

  ص 63 : حضّر – خطأ ، الصواب : أعدّ.

  ص 64 : حضرات السادة – خطأ ، الصواب : حضرة السادة.

  ص 66 : أهنّئك بمناسبة كذا – خطأ ، الصواب : أهنّئك بكذا.

  ص 74 : بدون – خطأ ، الصواب : دون.

  ص 80 : زوج ( بمعنى اثنين ) – خطأ ، الصواب : زوجان ( بمعنى اثنين ).

  ص 86 : سويّة – خطأ ، الصواب : معا.

  ص 100: لن أتراجع طالما الحقّ بجانبي- خطأ، الصواب : لن أتراجع ما بقي

                 الحق بجانبي.

 

 هذه عيّنة من “التصويبات ” التي يوردها الأستاذ نسيم نصر في كتابه المذكور متجاهلا ، كما ذكرنا، كلّ التجديدات في اللغة المعاصرة. يجدر بالذكر أيضا أن الأستاذ لا يذكر مراجعه عادة، وهي كلاسيكية بالطبع، كأنما هو المصدر والمرجع.

أخيرا، فالأستاذ، رغم عمله الدؤوب في “التصويب”، لم تسلم تفسيراته وتأويلاته من الخطأ أحيانا. نكتفي هنا بإيراد بعض هذه الأخطاء للتمثيل:

  ص 61 : ” والمُحرِم صفة تعني المانع نفسه من المحرَّمات. وعلى هذا الأساس نسمّي الشهر الأوّل من السنة الهجرية محرَّمًا” . الخطأ هنا في تفسير المحرم طبعا.  فالمؤلف ظنّ أن الفعل أحرمَ، ومنه اسم الفاعل محرِم، هو بمعنى حرّم، لأن إحدى دلالات الوزن أفعل هي التعدية. لكن من دلالات هذا الوزن أيضا: الدخول في مكان أو حالة، مثل : أنجد ( نجد )، أتهم ( تهامة )، أشتى ( شتاء)، أصاف ( صيف). وعليه يكون الفعل أحرم  لازما، ومعناه الدخول في الحرم. ولو كلّف المؤلّف نفسه عناء البحث في القاموس لوجد مثلا ( المنجد ) : “أحرم : دخل في الشهر الحرام|| دخل في الحرم أو في حرمة لا تُهتك”.

 

   ص 84 : ” إذا تناولنا […] كلمة ستّ ، وبحثنا عن متناولها المعنوي لرأيناها [ واللام هذه لا تقع في جواب إذا، وإنما في جواب لو، وهو أحد ” أخطاء ألفناها” أيضا!] تعني معنى لا يبعد عن معنى السيادة، إذ إنه يعني اختصار  “الجهات الستّ”  التي يريد الآخذون به إعطاء السيدة عن طريق تملّك الجهات الستّ”.  بل يورد المؤلف أيضا ثلاثة أبيات للبهاء زهير يورّي فيها ( من التورية في البديع) في كلمة ستّ، والأبيات ذاتها لا تدعم ما ذهب إليه، بل تبيّن خطأه بالذات !

واضح طبعا أن الستّ لفظ من اللغة المحكية، تطوّر من سيّدة . فنحن في المحكية لا نقول سَيّدي بل سِيدي(بمعنى جدّي أيضا)، وفي المؤنث: سِيدْتي

تتحوّل إلى سِتّي، ومنها سِتّ طبعا، بمعنى سيّدة أو جدّة!

  ص 104 : ” أمّا كلمة “عائلة” ، التي رسخت في الاستعمال بمعنى ذوي القربى  الحميمة، وغالبا ما تتألّف من الأبوين والأبناء، فهي صيغة اسم الفاعل مؤنّثا. وأغرب ما في خطأ استعمالها أنها تؤدي، في حقيقة معناها، ضدّ ما حمّلناها من معنى. ﻔ “العائل” القائم بعيالة من هم في عهدته يكفيهم معاشهم. و”العائلة” مؤنّث العائل.  فهل من سبيل إلى اعتماد فصاحة الكلمة وأصالتها البلاغية من منابع العربية، حتى نقلا عن ألسنة العامّة، هذه المرّة، فنستعمل “عيلة” بدلا من “عائلة” ؟

ونردّ على الأستاذ بأسلوبه، فنقول: هل من سبيل إلى اعتماد المراجع لتعرف أن اسم الفاعل تكون دلالته المفعول أحيانا؟ وهل من سبيل إلى النظر في القرآن الكريم: ” ألم يجدك يتيما فآوى، ووجدك ضالا فهدى، ووجدك عائلا فأغنى” ( سورة الضحى 93، 6-8). فهل معنى العائل في الآية الكريمة مَن يعول أم مَن يعال؟!

ما جئنا بهذا البند إلا لتحذير القراء، كلّ القراء، من قبول كل ما يكتب لأنه مكتوب  حبرا على ورق. خصوصا حين يغالي “الغيورون” في تقصّيهم أخطاء العباد، فيعمدون أحيانا إلى تخطئة ما ليس خطأ.  ليس كل ما يكتب صحيحا، وليس كلّ ” تصويب ” صائبا!

 

 ملحقة:  بالإضافة إلى الكتاب أعلاه، قرأت كتابا من تأليف الأستاذ عبد المعطي إسماعيل عبادة، عنوانه: مثابة الكاتب، الخطأ والصواب في اللغة العربية ( القاهرة، 1994). هذا الكتاب أيضا يتناول “الأخطاء الشائعة”، كما يظهر من عنوانه. لكن لا داعي إلى الخوف،  فلن أعرض له أيضا بالتفصيل. مع ذلك لا بدّ لي هنا من إيراد بيتين من الشعر صدّر بهما المؤلّف كتابه، ليرى القراء كيف يصلح الأستاذ أخطاء العباد ويخطئ هو في نظم بيتين اثنين، فيورد الضربين فيهما ( التفعيلة الأخيرة من كل بيت) من نوعين مختلفين، مخالفا بذلك أحكام علم العروض!

هذا الكتابُ ذخيرةٌ       وخريدةٌ    ومثابَهْ

فابسطْ  إلهي نفعَهُ       وامنحْ مؤلفَهُ ثوابَهْ

 

 

بروفسور سليمان جبران – ناقد وباحث ادبي معروف ، أشغل منصب استاذ الادب العربي الحديث في جامعة تل أبيب ، وكان رئيسا لقسم اللغة العربية وأدابها في الجامعة بين ( 1998 – 2002 )

sulaiman jubran

 

عن admin

شاهد أيضاً

بورِكَ الشعب العظيم/الاديب عدنان كنفاني

بورِكَ الشعب العظيم عدنان كنفاني المتمسكون بنظرية السلام عبر المفاوضات، الراكعون في محاريب الصهاينة والأمريكان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *