www.omferas.com
شبكة فرسان الثقافة

بين مسلسلَيْ “قيامة أرطغرل” و”ممالك النار”/أ.د. محمد جمال صقر

0

“قِيَامَةُ أَرْطُغْرُلَ” مسلسل تركي مُتَلْفَز، أُريد باسمه الدلالةُ على نهضة قائد تركي إلى بعث قومه من حالٍ أشبه بالموت إلى حال يطلبون فيها المجد. و”مَمَالِكُ النَّارِ” مسلسل عربي مُتَلْفَز، أُريد باسمه الدلالةُ على احتراق الدول التي كان ينبغي لها أن تتوالى فتعادت وتحاربت. وقصة مثل هذه الدول المتحاربة المتفانية معروفة كثُرت فيها الأقوال والأفعال حتى مُلَّت، وإن وجبت على كل جيل حكايتها! أما قصة نهضة ذلك القائد التركي فمجهولة تُتَلَمَّس لها الأقوال والأفعال تَلَمُّسًا؛ ومن ثم لا يخرج بفائدة جديدة إلا أحدُ مُشاهِدَي المُسَلْسَلَيْنِ دون الآخر.

مسلسل “ممالك النار” عشر ساعات ونصف تقريبا في أربع عشرة حلقة على أربعة عشر يوما (17/11/2019- 30/11/2019)، ومسلسل أرطغرل أربع وتسعون ومئتا ساعة تقريبا في مئة وخمسين حلقة على أربعة أعوام ونصف تقريبا (10/12/2014- 29/5/2019)؛ وكأنما يريد أحد المُسَلْسَلَيْنِ أن يُربّي مشاهديه تربية جديدة –ولاسيما أنه يكمله الآن مسلسل آخر- على حين لا يريد الآخر غير تَنْبِيههم!

شعار المسلسل التركي الكلمة الدالة على الانبعاث بالحروف اللاتينية وأولها حرف “دي=D” مرسوما على هيأة قوس تتوالى بعدها الحروف وكأنها مرسَلة عنها، وتحتها كلمة أرطغرل بالحروف أنفسها -أولها مكسور كتابة (E) على رغم انفتاحه نطقا (A)- معترضةً أحشاءَ سيفٍ يشمله أُفُقُ حرف “دي=D” من كلمة الانبعاث، ثم إن ذلك كله إذا أُميل ليقف على قاعدة حرف “دي=D” بدا مثل مصباحٍ مقبضُه السيفُ المحشوُّ بكلمة أرطغرل على أرضٍ من غيوم توشك أن تمطر؛ فلم يكن أدل منه على اقتران الانبعاث بوضوح الرؤية وشدة الإقبال!

وشعار المسلسل العربي هلال من ريشتَيْ كتابةٍ متصلتَيِ العَجُزَيْنِ مسنونتَيِ الصدرين، مفتوح للأعلى كالذي يعتلي قباب المساجد رمزا إلى رفعة الإسلام الطموح، قد التفَّ عليه أربعَ التفافاتٍ حبلٌ مفتولٌ مثلما تلتف مشنقة على رقبةِ محكومٍ عليه بالإعدام شنقًا إشارةً إلى نهاية طومان باي بطل المسلسل ورمزًا إلى تقييد طموح الإسلام، والهلالُ مشتعل من كل جهةٍ نارًا مُتَلهِّبةً لا يخبو أُوارها، تحته اسم المسلسل “ممالك النار” مكتوبا بخط أشبه بالكوفي، في هيأة تحصينات حربية، على أرض من سواد دامس يوشك -لولا النارُ وما تطاير لها من شَرار- أن يَدْلَهِمّ!

مسرح مسلسل “قيامة أرطغرل” الدنيا المفتوحة: سهولا وجبالا، ومزارع وحدائق، ونهارا وأنهارا ووديانا، وأهازيج وتلاوة قرآن، ما دام المقام أرطغرليًّا- والقلاع والحصون المغلقة: أبوابا وجدرانا، ومسارب وممرات، ونارا ودخانا، وظلالا وسوادا، وعويلا وترانيم كنسية، ما دام المقام غير أرطغرليٍّ. ومسرح مسلسل “ممالك النار” القلاع والحصون المغلقة: أبوابا وجدرانا، ومسارب وممرات، ونارا ودخانا، وظلالا وسوادا، وعويلا -وإن خلا من الترانيم الكنسية- مهما كان المقام! ولذلك استغنى مسلسل “قيامة أرطغرل” بأقل كثيرا جدا مما احتاج إليه مسلسل “ممالك النار”، من نفقات الإعداد، من حيث اصطُنع لهذا دون ذاك مسرحُه كلُّه اصطناعًا!

لغة مسلسل “قيامة أرطغرل” التركية الحديثة على رغم ما اشتملت عليه من معالم التركية العثمانية التي كانت أكثر اشتمالا على ذخيرة اللغة العربية قبل أن يُجرِّدها منها مصطفى كمال أتاتورك بحَمْلته التَّغْريبيَّة. ولقد كنت أستمع إلى المسلسل مُطابَقًا (مُدَبْلَجًا)، ثم استسخفت بعض ما وجدت في مطابقته من إهمال ونقص، فتحولت إلى الاستماع إليه تركيا مترجما. ولغة مسلسل “ممالك النار” عربية معاصرة على رغم ما اشتملت عليه من شواهد قرآنية وحديثية وشعرية معدودة. ولقد اجتهد الممثلون ألا يخطئوا، وبلغوا مبلغا لا بأس به ولاسيما ممثل قنصوه الغوري. واختلفت لُكْنات ممثِّلي المصريين، عن حسن إشارة إلى اختلاف أصولهم، وتوفيق إلى الاستفادة من مجيدي الفُصحى غير المصريين.

جهد كاتب مسلسل “قيامة أرطغرل” كبير، له في كل خطوة موقف إنساني يُسرِّب منه إلى المتلقي ما شاء من عبارات فنية وفلسفية وتربوية مثيرة ومؤثرة، على شدة ولعه بتوليد الفتن الغريبة وتفجير المفاجآت العجيبة. وجهد كاتب مسلسل “ممالك النار” محدود بالسعي الحثيث إلى توليد شواهد الإجرام العثماني الشيطاني، من خلال حرص شديد على مضادّة حال سليم الأول بحال طومان باي.

لقد صُنع مسلسل “ممالك النار” على عجل مشتعل يُبادر أواخرَ مسلسل “قيامة أرطغرل” الذي صُنع على مهلٍ مطمئنٍّ مُبشِّرًا بمسلسل يأتي من بعده اسمه “قيامة عثمان”، سلسلة لا يُدرَى أين ستنقطع، فكأنما عَجِلَ مسلسلُ “ممالك النار” إلى اعتراضها؛ لعله يقطعها؛ فها هي ذي حلقاتُ مسلسل “قيامة عثمان” قد تَسَلْسَلَتْ؛ وسبحان علام الغيوب!  


اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

bodrum escort bayan ankara escort bayan mobile porn wso shell