الرئيسية / شبكة فرسان الثقافة / لقمة مسبحة…../د. ريمه الخاني

لقمة مسبحة…../د. ريمه الخاني

 

طبق المسبحة طبق شعبي محبوب…

قل من يقاوم إغراءه

حمص مسلوق و مهروس وليمون حامض وملح وطحينة زيتية لذيذة

فهو بروتين نباتي خالص، خالٍ بقدر الإمكان من العبث الصحي، هو صديق للمعدة، إلا لو حضر وحش النقرص ، الذي بدأ يتململ في جسده….
لقد عاد مكتئبا، بلا سبب واضح كالعادة، انحساره اجتماعيا يجعلني أحار كيف أساعده، لماذا يقاوم المساعدة؟.
لعبته المفضلة هي الضغط على أزرار الهاتف النقال، وبذلك اكتملت عزلته…
كل يوم يمد هذا الطبق بسعادة وبطريقة فنية فريدة، مزركشا إياه بملعقته الخشبية، يطبق ماتعلمه على موقع اليوتيوب الفيلميّ بعناية فائقة، مقبلا عليه بخبز طازج يحضره خصيصا لنفسه ، ويبدأ بطريقته الخاصة المتوحشة في تناوله.
كنت نصحته مرارا :
– إمضغ اللقمة بروية وهدوء ،لماذا كل هذه السرعة والاندفاع؟؟؟، لن يهرب الطبق ولن يسرقة أحدمنك طعام رخيص مفيد، حتى إذا كانت الكمية غير كافية فإنه يعيد الكرة، فيمد كمية جديدة، يسكبها وهو يتلمظ، بإغراء واضح وشهية رائعة، كانت ترقع غداءه وعشاءه وفطوره ، حين لايعجبه أي صنف آخر غيره…
حين صرخ بألم:
-آخ ..حجرة في نسيج المسبحة الناعم؟ لقد انكسر طرف سني…يا للهول…
نظر للمرآة..حدق بعينيه الصغيرتين..تلفت ونظر لنفسه ، منزعجا جدا..
فعلا لم أر ذلك الكسر بسهولة، فقد كان صغيرا جدا، ومؤلما أكثر، لدرجة أصابه بحزن بغمضة عين، وفي أعلى رباعيته، بحيث لاتراه بالعين المجردة…بل بإحساسك المرهف.
ذهب للطبيب في اليوم التالي…فتبين انكشاف عصبه ومغذيه الوحيد…وضع الطبيب له رقعة بيضاء خزفية عليه..وانتهى الأمر…
لكنني لم أصمت وخرجت غاضبة على ذلك البائع المستهتر..ذلك أنني رأيت بأم عيني بائعين كثيرين ،يدققون في تنقية حبات الحمص الجافة ، فلماذا كان مستهترا ومغضيا الطرف عن أمر هام جدا؟.
فليدقق في حباتها قبل الطبخ والسلق، وليكسب لقمته بشرف.
لكن كالعادة ..صدر منه اعتذار بارد لامعنى له، يظهر عظم اللامبالاة لديه ، وعند مواقف كهذه تحتاج حنكة في تداركها..وكأن لسان حاله يقول:
وماذا أفعل له؟ هذا قدره.
********************
مازلت أتذكر تلك اللحظة ، ومازلت أتذكر إهماله المعتاد في تنظيف أسنانه..وأتذكر تحرجه من تناول أطباقه المفضلة..إنه مازال متألما من تناوله للطعام.
لقد وقع سنه فريسة الإهمال فعلا، والاندفاع المر، كان تلميذا رسب في امتحان الصحة والحرص،وخسر أمرا لن عود كما كان .
عاد الألم يتصاعد..وقد بات نابضا بوضوح..ولأنني قضيت عمري بين فكي القبضة التوربينية التي تفرم الأسنان فرما.لأسنان متهالكة من التسوس، لتراصها، وللإفراط في تناول الحلويات، حتى
بت أعرف تلك الإرهاصات أو البدايات المؤلمة…لقد توفي عصب السن…عظم الله أجركم…
هذا مافهته من الألم النابض، الذي وصفه لي متألما بحرقة:
-هل خسرته فعلا؟.
سبقني للطبيب أعتقد أنه طبيب جيد..، أو من مرتفعي الأسعار، هل ثقتي بهم لاترقى لمهارتهم؟ وهل فعلا يملكون لسانا لايصمت ؟؟،وكأنهم يبحثون عن مستمع لقصصهم الإنشائية وخبرتهم …
لحقت به بلهفة، وكأنني استدرك المشكلة فألغيها ، أو أسري عن نفسي لجريمة بحق قلب قد يتوقف عن الخفقان.
كانت تتقدم تلك العيادة مفتوحة الباب ، والمدخل الصغير ممرضة متزينة بمساحيق رخيصة غير مناسبة، وكعب عالٍ قد يتكسر على وطاة وزنها غير القليل، وهي تحاول تسخين فنجان كباتشينو في معقمة الأدوات الطبية!.
كانت إبرة المخدر التي خرجت من بين يدي الطبيب الكبيرتين، قد دخلت في لثة ناعمة وردية لتخدر الألم وتخدر جبهته وأنفه معا، وكأنها دخلت في قلبي، رفع الرقعة الخزفية، وبات يخرج بقايا العصب..
-إنه متعفن…تفضلي شمي رائحته..
دخلت إبرة تنظيف العصب لأول مرة..وعيناه تتجه لي، تصرخ بلا صوت..تعبر بلا حروف، تتكلم بلا نطق، وكأن قناصا يريد سلبك روحك بلا سبب ولاذنب اقترفته…
أدخله ثانية فتخيلت أكواما من الجثث لاتدري من أصحابها..قتلت بلا ذنب، تشير بسبابتها لقاتلها بحزن…قائلة:
-أنتم من قتلنا..أنتم من تسببتم بكل هذه الآلام…بغبائكم ، بل بتواطئكم..أولنقل أنانيتكم المدمرة.
إلى جنهم وبئس المصير..
أنتم؟؟!!.. من هؤلاء؟؟؟
-هل مازال مصطلح إنسانية عبارة عن غلالة لغوية رقيقة تخفي خلفها وحشا هائلا؟، هل فعلا كنا وحوشا متدثرين بثوب بشر؟.
أدخله للمرة الثالثة، وفضولي يتحرك بعنفوان الأمومة:
-هل هكذا يكون السن قد توفي تماما وبات شكلا با معنى؟.
-نعم ، سنضع له رقعة تغلقه، وقد يتغير لونه..ومن المهم تصويره فهو كما ترين يهتز قليلا..وكأن دماغه لاتملك رأيا محددا ، ولاعزما صائبا، وإن ظهر في الصورة الشعاعية أن فيه شرخا ما
فسوف نحفه ، ونجعله صغيرا جدا ، ونلبسه عباءة خزفية تغطي عورته لتغطيها ولاتظهر عريها…
-نتمنى ألا يصبح أزرق اللون فيختلف عن جيرانه ، والأهم من كل هذا وذاك، ألا يأكل عليه لقمة قاسية ، فيقع هذا الجسد المستعار..
هل كان بالإمكان تأخير هذه العملية؟ وهل كان من الضروري تدارك ضعفه الآن وتوقف العصب المسحوب في تزويده بالكلس والغذاء المناسب فيتهاوى من الضعف ويتكسر وحده مع الوقت؟.
إنها عملية غسيل دماغ سني، لقد تغيرت ديمغرافية السن، وبات شيئا مصطنعا..لاترى منه حقيقته الداخلية…نعم هو في الحقيقة خاوٍ من الداخل، لايملك من حقيقته سوى ربعها…
لم يكن يهمني كل هذا فالأمر طبي بحت لامناص منه ولافكاك…
لكن مالفت نظري..أنه لم يكن يستطيع تناول الطعام به،بعد هذا كله، ومازال يتعثر في تناوله للطعام ، حتى بات نحيلا جدا.
لقد صرت أكثر حذرا من كل شيء، كل شيء، حتى خيالي.. و حريصة على صيانة ماحولي بطريقة مبكرة وسريعة.
لكن سؤالا ..لاطائل منه ، بات يرن على دماغي بإلحاح عقيم مزعج:
-هل كان الطبيب هو المستعار؟، أم دماغنا أم السن؟.
2-7-2017

عن admin

شاهد أيضاً

هى فلسطين وليست إسرائيل/محمد سيف الدولة

فى الذكرى المئوية لوعد بلفور لابد من التأكيد على عدة معانٍ وعلى بعض الرسائل المهمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *