الرئيسية / شبكة فرسان الثقافة / ألف ليلة التركية .. والأسد الجبان!!/محمود المختار الشنقيطي المدني

ألف ليلة التركية .. والأسد الجبان!!/محمود المختار الشنقيطي المدني

في رمضان المبارك .. نعم شهر رمضان …

ذهبت لأشتري كتاب “مدارج السالكين”

فذهب البائع للبحث عنه،وأخذتُ أطالع عناوين الكتب

فوقعت عيني على كتاب”ألف ليلة وليلة التركية” فكان من قضاء الله – سبحانه وتعالى –  وقدره أني اشتريتُ الكتاب .. وعنوانه الكامل “ألف ليلة ولية التركية المسماه مناجاة البلغاء في مسامرة الببغاء” ترجمة / سليم أفندي باز / عربها وقدم لها وحققها : خليل حنا تادرس/ العالمية للكتب والنشر / الطبعة الأولى 2010″

والحقيقة أنني لم أجد مقدمةً ولا تحقيقا،بالمعنى العلمي .. رغم أن الكتاب يعطي مؤشرا على انتشار الثقافة العربية الإسلامية . . فالكتاب مليئ بالشعر العربي .. من الشافعي إلى المتنبي ..

والكتاب يشير كثيرا إلى “القسطنطينية ” بصفتها عاصمة لملك الروم – والتي فتحها محمد الفاتح سنة 1453م – دون الإشارة إلى كونها مدينة إسلامية .. في الوقت الذي أشير إلى “جامع بايزيد” والذي بني بين عامي 1501 / 1506م. وهذا يشير إلى امتداد الفترة التي كُتبت  فيها القصص .. رغم أن خاتمة الكتاب تشير إلى مؤلف واحد .. يقول ..( هذا وأرجو من طالع هذا الكتاب أن يغض الطرف عن عيوبه ويصفح عن مؤلفه ويستر على ذنوبه وأسأل الله أن يجعله نافعا لقارئه ومفيدا لمطالعه وأحمده إذ وفقني على التمام لأنه كما جود براعة المطالع فقد أحسن براعة الختام.){ ص 309}.  

 والكتاب مبني على قصة “رجل”اشترى “ببغاء” مثقف فصيح عالم .. ثم اشترى له”رفيقة” .. وسافر للحج وأوصى الببغاء بالاهتمام بزوجته .. والحقيقة أن القصة ضربت نفسها .. فقد قال الرجل لزوجته وهو مسافر (إذا مضت سنة كاملة ولم أعد من سفري وتحركت فيك الشهوة النفسانية فاجتنبي مصاحبة اللئام لأن من صاحب اللئيم صار لئيما ولكن إذا هويت شابا جميل الصورة ذا حسب ونسب فيباح لك ذلك بشرط أن لا تقبلي على عمل بدون مشورة الببغاء العاقل){ ص 9}.

وقد حصل .. فأغوى”شاب”الزوجة،عبر”عجوز”كما هو المعتاد في قصص ألف ليلة وليلة العربية .. فاستشارت “الببغاء”الأنثى .. فساطتها بلسان اللوم وقرعتها ..

(ألا تستحي أيتها المرأة من ارتكاب إثم كذا فظيع{ هكذا – محمود} .. أنسيت زوجك المحسن إليك ونكست {هكذا بالسين لا بالثاء – محمود} عهودك (..) ألا تخشي سخطه عليك إذا حضر وعلم ما انطوى عليه أمرك فارجعي عن غيك وإلا فسأعلم زوجك بسوء تصرفك فتكوني عبرة لمن يعتبر.){ ص 11}.

 فتخلصت “الزوجة” من هذا الناصحة  في الخفاء .. ثم استشارت”الببغاء “العاقل .. فأخذ يشجعها على الأمر .. وأخذ يقص عليها قصة بعد قصة .. فإذا قال لها .. اذهبي الآن إلى عشيقك .. وفتحت الباب وجدت أن الضوء بان وأصبح الصباح .. على الوهاد والبطاح ..  فعادت إلى غرفتها حزينة باكية .. وهكذا .. قصة بعد أخرى .. حتى فتحت الزوجة الباب .. فإذا بزوجها أمامها.

وفي القصة إشارات “فنية”لطيفة .. لا أعتقد أنها توجد في ألف ليلة ولية العربية .. حين تتحول الزوجة واسمها “قمر السكر” إلى “راوية”تروي  لـ”الببغاء” قصة!!

هذا ما كان من أمر الكتاب أما ما يتعلق بالعنوان .. ففي الكتاب قصة عنوانها (حكاية العَناق والقرد) .. وملخصها أن”الأسد” ملك الغابة اتخذ “القرد” سميرا ومستشارا له ..(فيوما ما سافر الأسد إلى بعض الجهات وأقام القرد وكيلا عنه وأوصاه بأن يحافظ على ذلك المكان حق المحافظة .. وأما القرد لم يقدر على القيام بوظيفته .. بل عجز عن حماية تلك الغابة من وطئ الأجانب فدخلها يوما ما العَناق ولما رأى فيها من المروج اللطيفة ما يقره الناظر عزم على التوطن فيها .. فنظره القرد ذات مرة وقال له :

لماذا هذه الوقاحة أيها العناق ولماذا لا تعرف حدك و تدوس أرض غيرك  مع أن الواجب على كل خليقة أن تعرف شأنها وتحد قدرها ولا تتجاوز حدها (..) فأجابه العناق :كيف تتجاسر أيها القرد على دناءة شأنك أن تقبل عليّ بمثل هذا الكلام المهين مع أنك على جانب عظيم من الحماقة فمن أين تعلم أن هذه الغابة هي ملك الأسد وممن امتلكها حال كونها ملكه .. (..) فهل تظن أنني أخاف من الأسد حتى تهددني به .. فإن كنت تظن الأسد ذا قوة عجيبة فما هو إلا كلب وسوف ترى أنه لا يطبخ في مطبخه { الصواب : لا يُطبخ في مطبخي – محمود} إلا لحم السباع والنمر){ ص 213}.

حكى “العناق” – وهو كما في معجم المعاني .. “حيوان من رتبة اللواحم ومن فصيلة السنانير أكبر من القط قليلا لونه أحمر “وما كنتُ أعرف “عَنَقا”إلى صغير المعاز!!- حكى”العَناق”ما حصل لزوجته فأصيبت بالرعب،ولكنه طمأنها .. وحين عاد الأسد”حكى له القرد ما حصل .. فكان رده 🙁 إن هذه الوقاحة والجسارة ليست من العناق بل ربما تكون من غيره من الوحوش الضارية التي تدعي بالقوة فيجب علينا من الآن أن نكون في غاية الحذر

فأجابه القدر يا سلطن السباع .. هل يوجد في الدنيا من هو أقوى منك (..) أنا أعلم يقينا أن الذي افترى عليك هو العناق لأنني نظرته بعيني وسمعته بأذني فلا تخدع إذا وقم بنا لننتقم منه. فأجابه الأسد :

لا يخال بفكري أن العَناق يتجاسر على مثل هذا الكلام لضعفه ولما اتصف به من الخوف ولكن إن الله فوق كل ذي علم عليم {هكذا – محمود} فلا يجب علينا أن نتهافت على هذا الأمر لأنه ربما تكون شجاعتنا سبب هلاكنا إذ ربما الذي يكون فمه بمثل هذا الكلام {هكذا – محمود} قد احتال علينا ألف حيلة ليهلكنا ){ص 217}.

ولكن القرد أكد له أنه مجرد”عَناق” فذهبا إلى “بيته” وحين أحس بهما قال لزوجته اجعلي أطفالك يبكون .. وإذا سألتك قولي .. لقد فرغ لحم الأسود الذي في مطبخنا .. وحين قالت ذلك الكلام،على مسامع الأسد،رد”العَناق” دعيهم يأكلوا من لحم النمر!!

وفي الحوار تقول  ” زوجة العَناق” مخاطبة بعلها ..( إن أولادك لا يأكلون من لحم السباع البايت بل يريدون لحما طريا.

فأجابها زوجها :

أعطيهم الآن من لحم الأسد البائت حتى يتيسر لنا أسد نقتله وقد كان في هذه الغابة أسد إلا أنه غائب ويحتمل رجوعه قريبا فأقتله وآتيكم به لأنني من مدة طويلة وأنا أحتال على قتله.

فلما سمع الأسد كلام العَناق قال للقرد :

هل سمعت الآن بأذنيك وتأكدت ما قلته {هكذا – محمود} لك من أن الذي افترى علينا ليس هو العَناق بل هو عدو قوي فيجب علينا أن نفر هاربين ونترك هذا المكان. فأجابه القرد :

يا سيدي ..إن الأمر بخلاف ما توهمت لأن هذا الحيوان هو العَناق الذي هو أضعف الحيوانات فلماذا خفت منه .. هلم بنا فترى من هو هذا العدو . وبمثل هذه الكلمات جعل الأسد يتقدم لجهة العَناق .. ){ص 218 – 219}.

فلما أحس العَناق باقتراب الأسد .. أشار لزوجه فكررت كلامها الأول .. وأن صغارها لا يحبون أكل لحم أسد بائت .. فقال،على مسامع الأسد .. ( قد خطر ببالي أمر وهو أنه كان في هذه الغابة أسد (..) فأردتُ أن أنتقم منه وكان غائبا والآن وقد بلغني أنه رجع من سفره وقد تواطأت على قتله مع القرد الذي هو سميره ومستشاره وقد عهد لي القرد أن يحضره بين يديّ بالمكر والحيلة لأنه من أعز أصحابي فلعله ينال توفيقا من الله تعالى ويحضره بين يديّ لأقتله وحينئذ يصير عندنا مؤنة كافية لنا ولأولادنا فأشكر القرد على سعيه وأجعله من أعز المقربين إليّ.

فلما سمع الأسد هذا الكلام اشتد خوفه واتقد غضبه على القرد وقال له :

يا عدو الله .. لقد قصدت أن تهلكني بالحيلة والخداع وأما أنا فإني قاتلك قبل أن يظهر بحر حلمك{ هكذا – محمود} قال هذا ووثب عليه وقطعه إربا إربا وبعد ذلك ولى هاربا  ليأمن من وثبة العَناق عليه فتخلص العَناق بهذه الحيلة وقضى عمره في ذلك المكان عائشا مع زوجته وأولاده بأرغد عيش وأتم هناء){ص 219}.

أعتقد أن رسالة القصة الأساسية .. إضافة إلى”سلاح الخداع النفسي” .. خطأ “الأسد” حين جعل”القرد”صفيه .. بل وأوكل إليه تصريف أمور الغابة في غيابه ..”قرد”!!! أين “أشباله”!! لعله لو فكر ..لوجد أن تسليم الغابة لمنافسة”النمر” أسلم من تسليمها لـ”القرد”..    

وبعد .. فالكتاب مليئ بالتراكيب اللغوية التي تلفت النظر .. وكثر فيه خلط “الذال بالزاء” وفي موضع واحد على الأقل “وضعت السين مكان الثاء” .. كما في “نكست ” بدلا من”نكثت” .. وفيه كذلك تعبيرات ذات صبغة محلية .. أخذها المعرب من بيئته .. مثل قول “القرد لـ”الأسد” :

(أن الذي افترى عليك) .. فـ”المفتري” قريب من التعبير العامي المصري .. فلعل مثل هذه الكتب لو قدمت للطلاب .. لكانت دراسة لغوية .. وتسلية .. وربما .. حثا على القراءة .

 

أبو أشرف : محمود المختار الشنقيطي المدني

عن admin

شاهد أيضاً

السعودية وإسرائيل ومخاوف الوحل اللبناني/ مصطفى إبراهيم

  يبدو أن المرحلة الراهنة تتجاوز الإجابات الجاهزة. الإجماع والدعم اللامحدود من الإدارة الأمريكية لخطوات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *