الرئيسية / شبكة فرسان الثقافة / الجودة في الخط العربي/د. جاسم جاسم

الجودة في الخط العربي/د. جاسم جاسم

بقلم الأستاذ الدكتور جاسم علي جاسم

الصورة الرمزية د. جاسم جاسم

 

 

 

 

 

 

 

لم تكن الجودة موضوعا جديدا في القرن العشرين بل ضاربة الجذور عند العلماء العرب القدامى

ونورد بعض الأمور التي لها صلة بفضيلة الخط، وتحسينه، ومعايير الجودة فيه.

 

1 ً- فضيلة الخط
ناقش العلماء العرب فضل الخط الجيد، وذكروا صفاته ومناقبه. كما ذكروا مثالب الكُتَّاب في هذا الشأن. وفيما يلي نستعرض ما قالوه في هذا الموضوع.
بيَّن القلقشندي( ) فضيلة الخط مستشهداً بالآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة، وأقوال العلماء، التي تُثْبِت هذا الفضل للخط العربي.
قال تعالى: ﴿اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان مالم يعلم﴾( ). فأضاف تعليم الخط إلى نفسه، وامتنَّ به على عباده؛ وناهيك بذلك شرفاً!
وقال جل وعزَّ: ﴿ن والقلم وما يسطرون ﴾( ). فأقسم بما يَسْطُرونه.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿أو أثارة من علم﴾( ) أنه الخط وفي رواية جودة الخط.
ويروى أن سليمان عليه السلام سأل عفريتاً عن الكلام فقال: ريحٌ لا يبقى! قال فما قَيْدُه؟ قال: الكتابة.
وقيل: الخط أفضل من اللفظ؛ لأن اللفظ يُفَهِّم الحاضر فقط، والخطُّ يُفَهِّم الحاضر والغائب. ولله القائل في ذلك يصف القلم.
وأَخْرَسَ يَنْطِقُ بِالمُحْكَمَات وجُثْمَانُه صَامِتٌ أَجْوَفُ
بِمكَّـةَ يَنْطِقُ في خُفْيـَةٍ وبالشام مَنْطِـقُه يُعْرَف
ويذكر القلقشندي( )خبراً عن الصولي يقول: وقد قال إبراهيم بن العباس الصولي الكاتب: أَطِلْ خُرْطوم قلمك. فقيل له: أله خرطوم؟ قال: نعم. وأنشد:
كأن أنوفَ الطير في عَرَصَاتِها خراطيمُ أقلامٍ تَخُطُّ وتُعْجِمُ
وقال عبد الحميد بن يحيى كاتبُ مروان لرغبان، وكان يكتب بقلم قصير البَرْية: أتريد أن يَجُود خطُّك؟ قال: نعم. قال: فَأَطِلْ جِلْفَةَ قَلمَك وأسمْنها، وحَرِّف القطة وأيمنها. قال رغبان: ففعلت ذلك فجاد خَطِّي.
ومن فضائل الخط ما ذكره الأصفهاني( ):
قال عبيد الله بن العباس العلوي: الخطُّ لسانُ اليد.
وقال الحسن بن رجاء: الخط متنزّه الألحاظ ومجتنى الألفاظ.
ووصف أحمد بن إسماعيل خطاً: فقال: لو كان نباتاً لكان زهراً، ولو كان معدناً لكان تبراً، أو مذاقاً لكان حلواً، أو شراباً لكان صفواً.
وسئل بعض الكتاب عن الخط متى يستحق أن يوصف بالجودة؟ فقال( ): “إذا اعتدلت أقسامه، وطالت ألفهُ ولامهُ، واستقامت سطوره، وضاهى صعودَه حدورَه، وتَفَتَّحَتْ عيونَه، ولم تشتبه راؤه ونونُه، وأشرق قرطاسُه وأظلمت أنقاسُه (المداد)، ولم تختلف أجناسُه، وأسرع إلى العيون تصوُّره…” كأنه حينئذ كما قيل:
إذا ما تَـجَلَّـلَ قـرطـاسـَه وسـاوره الـقـلـمُ الأرقـشُ
تَـضمَّـن من خـطِّـه حُـلَّةً كنـقـش الدنانـير بل أنـقش
حـروفاً تُـعيدُ لـعين الكليلِ نشـاطاً ويقـرؤهـا الأخـفش”
ووصف أحمد بن صالح من جارية خطَّاطة آلات كتابتها؛ فقال( ):
“كأن خطَّها أشكالُ صورتها، وكأن مدادَها سوادُ شعرها، وكأن قرطاسَها أديمُ وجهها، وكأن قلمَها بعض أناملها، وكأن بيانها سحرُ مقلتها، وكأن سكِّينَها غنجُ لحظها، وكأن مقطَّها قلب عاشقها”.
و يقول القلقشندي في هذا السياق( ): “… لم يزل الشعراء يَلْهَجون بمدح أشراف الكُتَّاب وتقريظهم ويتغالون في وصف بلاغاتهم وحُسن خطوطهم. فمن أحسن ما مُدِح به كاتب؛ قولُ ابن المعتز( ):
إذا أَخَـذَ القِـرْطَـاسَ خلْتَ يمـينَهُ تُفـَتِّحُ نَـوْراً أَو تُنَظـِّم جَـوْهَرَاً
وقال آخر:
يُـؤَلِّفُ اللُّـؤْلُؤَ المَنْـثُورَ مَنْطِـقُه ويَنْـظِمُ الدُّرَّ بالأقـلام في الكُـتُب
ويذكر العسكري( ): “أن من علامات جودة الخط الترقين، وهو النَّقْطُ في الكتاب، وأن تقرأه على نفسك، وتعتبره وتدبر بعضه ببعض. والشكل أيضاً من علامات الجودة في الخط. وممن مدح كثرة الشَّكل أحمد بن إسماعيل نَطَّاحَة الكاتب، فقال:
مُـسْتَوْدِعٌ قـرطاسَـه حِكـمـا كالرّوْضِ مَيَّـزَ بـينَــه زَهَـرُهُ
وكأنَّ أَحْـرُفَ خَـطـَّه شَـجَـرٌ والشَّـكلُ في أضعـافـها ثَـمَـرُه
ومما يستحسن في هذا المعنى بيت ندر لابن المعتز
بِشَكْلٍ يُـؤْمَـنُ الإشكالُ فيـه كـأنَّ سُـطـورَه أغـصانُ شَـوْكِ”
ويسوق لنا الأصفهاني( ) خبراً حول أهمية الشكل في الشعر؛ يقول فيه: “استهدى من أحمد بن إسماعيل دفتراً فيه (حدود الفراء) فأهداه إليه، وكتب على ظهره:
خُـذْهُ فقد سُوِّغت منـه مُشَـبَّهَاً بالـرَّوض أو بالبُـرْدِ في تَفْوِيفـِه
نُظِمَتْ كما نُظِمَ السحابُ سُطُورُهُ وتـأنَّـقَ الـفَـرَّاءُ فـي تألـيفه
وشكلتُـهُ ونَقطْـتُه فَأَمِـنْتُ مِنْ تصحـيفه ونـجوتُ من تحريـفه
بستـانُ خـطٍّ غـيرَ أنَّ ثِـمارَهُ لا يُـجْتَـنى إلاّ بِشكلِ حُـرُوفِـه
وقالوا: المختار في صلاح الأقلام أن يُطال السنَّانِ ويُسَمَّنَا، وتُحَرَّف القَطَّةُ وتُيَمَّن، ويُفرقَ بين السطور، ويجمعَ بين الحروف”.
وكما أثنوا وأشادوا بجودة الخط ومدحوا أهله، كذلك أُولِعُوا بذَمِّ حَمْقَى الكُتَّاب، ولَهِجُوا يَهْجوهم في كل زمن. ومنه قول الشاعر في هجاء الكُتَّاب( ):
وكـاتـبٍ أقــلامُـــهُ مُـعَــوَدات بـالـغَـلَـطْ
يَـكْشِـطُ مـا يَكْتـُبُــه ثـم يُـعــِيـدُ مـا كَشَـطْ
ويروي العسكري( ) أيضاً: “أن من مناقب خلف الأحمر أنه من أفضل ما عدد من مناقبه أن قال:
لا يَهِم الحاءَ في القراءة بالخـا ء ولا يأخذ إسنادَه عن الصُّحف
وأنشد محمد لأبَّان اللاحِقِي في رَجلٍ كان كُلَّما أخطأ فَقِيلَ له: هذا لا يجوز، قال: في هذا لغة:
يَكْسِرُ الشِّعْـرَ وإنْ عـاتَبْتَهُ في مُحَالٍ قـال فـي هـذا لُـغَةْ”
كما قالوا: جودة الخط إحدى البلاغتين، كما أن رداءة الخط إحدى الزمانتين( ).

2 ً- تحسين الخط
كلما كان الخط حسناً كان له أثر في النفس الإنسانية، وكلما كان رديئاً، قل أثره، وإن كانت أفكاره حسنة( ).
ويذكر القلقشندي( ) أن من علامات حسن الخط؛ مايلي:
“لا خفاء أن حُسن الخط من أحسن الأوصاف التي يتصف بها الكاتبُ، وأنه يرفع قَدْرَه عند الناس، ويكون وسيلةً إلى نُجح مقاصده، وبلوغ مآربه، مع ما ينضم إلى ذلك من الفوائد التي لا تكاد تُحصى كثرة.
وقد قال أمير المؤمنين على رضي الله عنه: (الخط الحسن يزيد الحق وضوحاً).
وقال بعض العلماء: الخط كالروح في الجسد، فإذا كان الإنسان جسيماً وسيماً حسن الهيئة، كان في العيون أعظم، وفي النفوس أفخم، وإذا كان على ضدّ ذلك سَئمتْه النفوسُ، ومجَّته القلوب، فكذلك الخط إذا كان حسنَ الوصف، مليحَ الرَّصف، مفتح العيون، أملس المتون، كثير الائتلاف، قليل الاختلاف، هشَّت إليه النفوس، واشتهته الأرواح؛ حتى إن الإنسان ليقرؤه وإن كان فيه كلام دنيء، ومعنى رديء، مستزيداً منه ولو كثُر، من غير سآمة تلحقُه، وإذا كان الخط قبيحاً مَجَّته الأفهام، ولفظته العيون والأفكار، وسَئِم قارئه، وإن كان فيه من الحكمة عجائبها، ومن الألفاظ غرائبُها.
ويقال: إن الخط مواز للقراءة، فأجود الخط أبينُه، كما أن أجود القراءة أبينها؛ ولا يخفى أن الخط الحسن هو البيّن الرائق البهيج… قال: فينبغي للكاتب أن لا يقدم على تهذيب خطه وتحريره شيئاً من آدابه فإن جودة الخط أولُ الأدوات التي ينتظم بحصولها له اسم الكتابة، ويُحْكم عليه إذا حازها بأنه من أهلها. وقد دخل بحُسن الخط في الصناعة( ) مَنْ إذا فُحص عن مقدار معرفته وجب أن تُنزَّه الكتابة عن نسبته إليها”.
ويتوصل إلى تحسين الخط بعدة أمور منها( ):

الأول: معرفة تشكيل الحروف
قال في “مواد البيان”: وهو الأصل في أدب الخط؛ لأن الخط إنما يسمى جيداً إذا حَسُنَتْ أشكال حروفه، وإنما يسمى رديئاً إذا قَبُحَتْ أشكال حروفه. وحُسن صور حروف الخط في العين شبيهٌ بحُسن مخارج اللفظ العذب في السَّمع. قال: والوجه في تصحيح الحروف أن يبدأ أولاً بتقويمها مفردةً مبسوطة لتصح صورة كل حرف منها على حيالها، ثم يؤخذ في تقويمها مجموعة مركبة، وأن يُبدأ من المركب بالثنائي، والثلاثي، ثم بالرباعي، ثم بالخماسي؛ فإن هذه هي أمثلة الأسماء والحروف الأصلية، وأن يعتمد في التمثيل على توقيف المَهَرة في الخطوط، العارفين بأوضاعها ورسومها واستعمال آلاتها، فإن لكل خط من الخطوط قلماً من الأقلام يصلُح لذلك الخط…

الثاني: لواحق الخط: النَّقْط والإعجام
ينبغي للكاتب أن يُعْجِم كتابَهُ، ويبيِّن إعرابه، فإنه متى أعراه عن الضبط، وأخلاه عن الشكل والنقط، كثر فيه التصحيف وغلب عليه التحريف( ). وأخرج بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: “لكل شيء نورٌ، ونورُ الكتاب العَجْم”.
وقد حكى محمد بن عمر المدائني أن جعفراً المتوكل كتب إلى بعض عُمَّاله: أن أَحْصِ مَنْ قِبَلَك من المدنيِّين وعَرِّفنا بمبلغ عددهم، فوقع على الحاء نقطة فجمع العامل ُ مَنْ كان في عمله منهم وخَصَاهم فماتوا غير رجلين أو واحد”.
وقد روى أن أول من نَقَطَ المصاحفَ ووضع العربية أبو الأسود الدؤلي من تلقين أمير المؤمنين علي رضي الله عنه. فإن أريد بالنقط في ذلك الإعجام، فيحتمل أن يكون ذلك ابتداء لوضع الإعجام، والظاهر ما تقدم، إذ يبعُد أن الحروف قبل ذلك مع تشابه صورها كانت عَرِيَّةً عن النقط إلى حين نَقْط المصحف.
وزاد العسكري( ) على النقط والإعجام سبباً آخر هو: الأخذ من أفواه الرجال؛ في حال عدم الركون إلى صحة الكتابة، والوثوق بمن يُنْقَل عنه.
ولكن عمر( ) يرى أن النقط موجود منذ القديم، حيث يقول: “عُثِرَ على بَرْدِيَّةٍ يرجع تاريخها إلى عام 22 هجرية على عهد عمر بن الخطاب وهي مكتوبة باللغتين العربية واليونانية، وقد نقطت فيها حروفُ الخاء والذال والزاي والشين والنون. كما عُثر على نقش بقرب الطائف يرجع تاريخه إلى عام 58 ثمانية وخمسين في عهد معاوية نقطت فيه أكثر حروفه التي تحتاج إلى نقط. كما أن هناك إشارات في المراجع العربية تدل على وجود النقط في الجاهلية. ومن ذلك:
أولاً: ما رُوِيَ عن ابن مسعود وهو قوله: جَرِّدوا القرآن. قال الزمخشري: أي من النَّقْط والفواتح والعُشور.
ثانياً: ما يرجحه القلقشندي في صبح الأعشى من أن الإعجام وضع على الحروف. وهذا الرأي الأخير هو الأكثر قبولاً في نظري إذ يَبْعُدُ أن تكون الحروفُ متشابهة قد وضعت أول أمرها على هذا اللَّبْس. ومع هذا فقد كان العربُ الخُلَّصُ، يعتبرون نقط الكتاب سوء ظن بالمكتوب إليه. ولذا كانوا يُجرِّدون كُتُبَهم من النقط… ولكن حين اختلط العربُ بالأعاجم وكَثُرَ التصحيفُ في القرآن الكريم، والحديث الشريف، والشعر العربي، وُجدت الحاجةُ المُلِحَّةُ إلى التزام النَّقط في الكتابة”.

الثالث: الشَّكْلُ
قال بعض أهل اللغة( ): هو مأخوذ من شَكْلِ الدابة؛ لأن الحروف تُضْبَط بقيد فلا يلتبس إعرابها، كما تُضبط الدابَّة بالشِّكال، فيمنعها من الهروب. قال أبو تمام( ):
ترى الحادثَ المُسْتَعجِمَ الخَطْبِ مُعْجَماً لديه ومَشْكُولاً إذا كان مُشْكِلاً
ويُرَجَّح أن أول من وضع الشكل كما يذكر القلقشندي هو: أبو الأسود الدؤليُّ؛ وذلك عندما أراد أن يعمل كتاباً في العربية، يقوِّم الناسُ ما فسد من كلامهم: إذ كان قد فشا في الناس. فقال: أرى أن أبتدئ بإعراب القرآن أولاً، فأحضر من يُمْسك المصحفَ، وأحضرَ صِبغاً يخالف لون المِداد. وقال للذي يمسك المصحف عليه: إذا فتحتُ فايَ فاجعل نقطةً فوق الحرف، وإذا كسرتُ فايَ فاجعل نقطة تحت الحرف، وإذا ضممتُ فايَ فاجعل نقطةً أمام الحرف، فإن أتبعت شيئاً من هذه الحركات غنَّة (يعني تنويناً) فاجعل نقطتين. ففعل ذلك حتى أتى على آخر المصحف. وأكثر العلماء على أن أبا الأسود جعل الحركات والتنوين لا غير. وأن الخليل بن أحمد هو الذي جعل الهمزة والتشديد عن الروم والإشمام.
ويضيف عمر( ) “من المعروف أن هذه النقاطَ لم يبتَدعْها أبو الأسود الدؤلي ابتداعاً، وإنما أخذها عن السريان وبالتحديد من النساطرة. وبمرور الوقت وصعوبة حصول الكاتب على مدادين مختلفين في أثناء الكتابة يكْتُبُ بأحدهما الكلمات، ونقاطَ الإعجام، وبالآخر نقاطَ الشكل، ولاضطراره أحياناً إلى كتابة الاثنين بمداد واحد، مما كان يُوقع في لبس، فَكَّر الخليلُ بن أحمد المتوفى 175 هجرية في الاستعاضة عن نَقْط الشكل برموز أخرى هي تلك الرموز التي نستعملها الآن، فَرَمَزَ للفتحة بجرَّةٍ عُلْوية وللكسرة بجرَّةٍ سفلية وللضمة برأس واو وللسكون بدائرة أو برأس جيم بلا نقط، وللشدة برأس شين بغير نقط وللهمزة برأس عين، ولألف الوصل برأس صاد. وبهذا صار من الممكن أن يجمع الكاتب بين شكل الكتاب ونَقْطِه بلون واحد ومداد واحد دون لبس “.
ولقد تشعبت آراء العلماء في قضية الشكل، فبعضهم يؤيد ذلك ويحث عليه، وبعضهم الآخر يعارضه ويرفضه جملة وتفصيلاً. وإليكم بيان ذلك بالتفصيل.

أ- آراء المؤيدين للشكل :
لقد اختلفت مقاصد الكُتَّاب في ذلك( )، فذهب بعضهم إلى الرغبة فيه، والحث عليه: لما فيه من البيان والضبط والتقييد.
قال هشام بن عبد الملك: اُشْكُلوا قرائن الآداب، لئلا تَنِدَّ عن الصواب.
وقال علي بن منصور: حَلُّوا غرائِب الكَلِم بالتقييد، وحَصِّنوها عن شُبَه التصحيف والتحريف.
ويقال: إعجام الكُتُب يمنع من استعجامها، وشَكْلُها يصونُها عن إشكالها، ولله القائل:
وكأنَّ أَحْرُفَ خَطِّه شَجَرُ والشَّكْلُ في أَغْصَانِه ثَمَرُ

ب- آراء المعارضين للشكل :
لقد عارض بعض الكُتَّاب الشكل ورغَّبَ عنه؛ لما فيه من إهانة واستخفاف بالمتلقي لهذا الكتاب( ). ونورد فيما يلي بعض الأقوال للمعارضين لهذه القضية.
قال سعيد بن حميد الكاتب؛ لَأن يُشْكِل الحرفُ على القارئ أَحبُّ إليّ من أن يُعَابَ الكاتبُ بالشكل. ونظر محمد بن عَبَّاد إلى أبي عبيد وهو يقيد البسملةَ فقال: لو عَرفْتَه ما شكلتَه. وقد جَرَّدَ الصحابةُ رضوان الله عليهم المصحف حين جمعوا القرآن من النقط والشكل وهو أجدر بهما، فلو كان مطلوباً لما جَرَّدوه منه.
ويقول أبو نواس في ذم النقط في كاتب نَقَطَ كتاباً أرسله إليه وشَكَله( ):
يَا كَاتِبَــاً كَتَبَ الغداةَ يَسُـبُّنِي مَن ذَا يُطـِيْقُ بَـراعةَ الكُــتَّابِ
لـم تَرْضَ بالإعجام حين كَتَـبْتَه حـتى شَـكَلْتَ عليه بـالإعراب
أحسستَ سوءَ الفـهم حين فعلتَه أم لـم تـثقْ بي في قِـراةِ كتاب
لو كنت قَطَّعتَ الحـروفَ فهمتُها مـن غير وصـلِكَهُنَّ بالأنساب
فأردت إفهــامي .. فقد أفهمتني وصدقت فيـما قلت غير محابي

3 ً- معايير الجودة في الخط
يذكر القلقشندي أن معايير الجودة في الخط على ضربين ( ):

الضرب الأول: حُسْن التشكيل
قال الوزير أبو علي بن مُقْلة: وتحتاج الحروف في تصحيح أشكالها إلى خمسة أشياء:
الأول: التوفية، وهي أن يُوَفَّى كل حرف من الحروف حظَّه من الخُطُوط التي يركب منها: من مقوّس ومُنْحنٍ ومُنْسَطِح.
الثاني: الإتمام، وهو أن يعطى كلُّ حرف قِسمتَه من الأقدار التي يجب أن يكون عليها: من طُول أو قِصَر أو دِقَّة أو غِلَظ.
الثالث: الإكمال، وهو أن يؤتى كل خط حظَّه من الهيئات التي ينبغي أن يكون عليها: من انتصاب، وتسطيح، وانكباب، واستلقاء، وتقويس.
الرابع: الإشباع، وهو أن يؤتى كلُّ خط حظه من صَدر القلم، حتى يتساوى به، فلا يكون بعض أجزائه أدقَّ من بعض ولا أغلظَ، إلا فيما يجب أن يكون كذلك من أجزاء بعض الحروف من الدقة عن باقية؛ مثل: الألف والراء ونحوهما.
الخامس: الإرسال، وهو أن يُرسِلَ يدَه بالقلم في كل شكل يجري بسُرعة، من غير احتباس يُضَرِّسه، ولا تَوَقُّف يرعشه.

الضرب الثاني: حُسْن الوَضْع
قال الوزير: ويحتاج إلى تصحيح أربعة أشياء.
الأول: الترصيف، وهو وصل كلِّ حرف متصل إلى حرف.
الثاني: التأليف، وهو جمع كلِّ حرف غير متصل إلى غيره على أفضل ما ينبغي ويحسن.
الثالث: التسطير، وهو إضافة الكلمة إلى الكلمة حتى تصير سطراً منتظم الوضع كالمسطرة.
الرابع: التنصيل، وهو مواقع المَدَّات المستحسنة من الحروف المتصلة. وهذه المدَّات تستعمل لأمرين:
أحدهما: أنها تُحسِّن الخط وتفخِّمه في مكان، كما يُحَسِّن مَدُّ الصوت اللفظَ ويفخِّمه في مكان.
الثاني: أنها ربما أوقعت ليتم السَّطْر، إذا فضل منه كلمة فتمدَّ التي وقعت في آخر السطر لتقع الأخرى في أول السطر الذي يليه.
وقال الشيخ عماد الدين بن العفيف: مواضع المدِّ أواخر السطور، وتُكرَه إذا كانت سيناً مدغمة.
هذه علامات الجودة في الخط كما ذكرها أهل الصنعة في هذا المجال. وإذا طُبِّقت بشكل دقيق فإن الخط يُوصَفُ بالجودة عند ذلك وإلاّ فلا. والآن نناقش علامات الترقيم كما وضَّحها العلماء القدامى.
انتهى.

عن admin

شاهد أيضاً

دلال المغربي ذكرى عهدٌ ووفاء/بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

في مثل هذا اليوم قبل تسعةٍ وثلاثين عاماً وتحديداً يوم الحادي عشر من مارس عام …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *