www.omferas.com
شبكة فرسان الثقافة

الفلسطينيـون/مصطفى انشاصي

0

الفلسطينيـون


مما تجدر الإشارة إليه؛ أنه في الآونة التي دخل فيها بني إسرائيل إلى فلسطين وسيطروا على بعض المدن العربية فيها*،

كانت هناك قبيلة نسبت إلى جزيرة كريت في البحر المتوسط قد هاجرت إلى فلسطين واستقرت في الجزء الجنوبي الغربي

(منطقة الساحل من يافا إلى غزة)، وأقاموا دولة لهم فيها ومن أهم مدنهم (غزة، عسقلان، أسدود، عقرون، جت، يبنا)،

وهي مدن أنشأتها القبائل العربية التي سكنت فلسطين منذ الألف الثالث قبل الميلاد، وقد اختلف المؤرخون في أصل هذه القبيلة، حيث أجمع غالبيتهم على أن قبيلة (فلست، أو بلست، فلستا أو بلستا) التي جاءت من جزر البحر الأبيض المتوسط بعد انهيار دولتهم أمام موجات هجرات الشعوب الهندوأوروبية القادمة من الشمال، في ذلك الوقت هي من أصل جرماني آري.
وهنا لنا وقفة مع أصل هذه القبيلة: يقول السيد (عبد الرحمن المزين) في كتابه “تاريخ فلسطين العسكري” الصفحات من (73-75): ورد في بعض كتب المؤرخين والباحثين الغربيين أن أصل أهل فلسطين من جزر البحر (قبرص، كريت، مالطة، بحر إيجة)، وللرد على هذه الدعاية المغرضة التي لازالت عالقة في أذهان كثير من شبابنا اليوم لابد من العودة إلى المناطق التي تعرف بجزر البحر، وخاصة الفترة التي ظهرت فيها غزوات قبائل البحر لسوريا ولبنان وفلسطين ومصر.
حيث يُستفاد من كتب الباحثين والمؤرخين أن “ميسينا” الإغريقية عاصمة قبائل الآخيين والتي ازدهرت قرنين من الزمان (1400-1200ق.م) تقريباً، كان لها أسطول بحري وكانت سيدة البحر بحق ولكنها أهملت قوتها البرية، وقد هاجمتها القبائل الدورية واحتلت عاصمة الآخيين “ميسينا” عن طريق البر، وبذلك أصبح أسطول الآخيين في عرض البحر ولم يستطع الرجوع إلى سواحل بلاده، وكان هذا الأسطول يضم إلى جانب الآخيين عناصر من آسيا الصغرى “تركيا” الحالية وبعض الآريين، بالإضافة إلى عناصر من جزيرة قبرص وجزر بحر إيجة، وقد توجه هؤلاء إلى آسيا الصغرى واحتلوها ثم ساروا عبر سوريا براً وبحراً واحتلوا “أوغاريت وصور”، ثم ساروا عبر فلسطين إلى دلتا مصر عن طريق البر والبحر إلا أنهم هزموا أمام ملك مصر رعمسيس الثالث حوالي 1191ق.م براً وبحراً، فتفرقوا إلى شواطئ سوريا الشمالية وآسيا الصغرى وجزر بحر إيجة وسردينيا في إيطاليا، أي أن كل جماعة اتجهت إلى موطنها الأصلي.
أما قبيلة البولاستي أو البولست فقد اتجهت إلى الجزء الجنوبي من أرض كنعان بفلسطين وهو موطنها الأصل، ذلك أن هذه القبيلة (كنعانية) عربية الأصل، عاشت فترة من الزمن في الاغتراب ثم عادت إلى موطنها. ودليله على ذلك:
1-  في المرحلة التي استقر خلالها الفينيقيون خرجت شعبة منهم واستقرت في قبرص التي لا تبعد عن الساحل الفينيقي سفر يوم واحد، وأنه ليصعب التفريق بين أهل قبرص والمهاجرين الجدد في كثير من المواقع. وأنه عندما نشطت التجارة إلى حد كبير مع سكان جزر البحر وبالتالي ازدهرت الصناعات التطبيقية، انتقلت جاليات (كنعانية) فينيقية من الساحل السوري اللبناني الفلسطيني وكونت طبقة تجار، ومارست عبادتهم (الكنعانية) في تلك الجزر وذلك في حدود (1600-1500ق.م)، وقد بقوا فيها حتى أخرجهم منها الدوريون وهذا نفس التاريخ الذي هاجرت فيه قبائل البحر. ويضيف أن هناك شعبة (سامية) كبيرة قد جاءت إلى مصر من عصر الحضارة الأولى، وكان أصحابها من جزر البحر أو الشواطئ الشمالية الشرقية “السورية” ومن ورائها، وقد كانوا من التجار وأصحاب الحرف. وهكذا ترى أن الهجرات (الكنعانية) أو الفينيقية وصلت إلى جزر البحر منذ عصر الحضارة الأولى، أي قبل مجيء قبائل البولستا إلى فلسطين بحوالي 1800ق.م، أي أن (الكنعانيين) استقروا في جزر البحر ومنها قبرص وكريت منذ 3000 سنة ق.م تقريباً.
2-  عندما تعرضت سوريا وفلسطين لهجرات الحثيين والكاشيين والحوريين والميتانيين، الذين تدفقوا إلى شمال العراق وسوريا الشمالية اندفع السكان (الكنعانيون) في هجرات متتالية إلى مصر، إلا أن ملوك الدولة الوسطى منعوها فاتجه معظمها إلى جزر البحر ومنها جزيرة كريت، وهذه القبائل حافظت على عاداتها وتقاليدها (الكنعانية) كما كانت في فلسطين وسوريا ولبنان قبل هجراتها إلى جزر البحر.
3-  قلنا بعد هزيمة ملك مصر لتلك القبائل عادت إلى مواطنها الأصلية ولم يبق منها إلا قبيلة البولست في فلسطين، والظاهر أن بقائها وعدم مهاجمة سكان فلسطين (الكنعانيين) لها راجع إلى أن هذه القبيلة من أصل (كنعاني) آثرت البقاء إلى جانب أقربائها، ويؤكد هذا أن هذه القبيلة قد مارست عبادة الآلهة (داجون عنان، عليان، بعل) دون ضغط من سكان فلسطين، وهي نفس الآلهة التي كانوا يعبدونها في جزر البحر، لهذا لم يشعر السكان المحليون بأنهم غرباء عنهم ولم يدخلوا في حروب مع بعضهم، بل دخلت هذه القبيلة في حروب مع اليهود الذين دخلوا في نفس الفترة إلى فلسطين.
4-  أن أسماء المدن (الكنعانية) والديانة والعادات والتقاليد (الكنعانية) في المدن التي نزلت فيها قبيلة بولستا لم تتغير، وهذا دليل على هوية بولستا (الكنعانية)، ويؤكد (كافين رايلي) في كتابه “الغرب والعالم”: أنه في عام 2000 ق.م كانت حضارة بلاد ما بين النهرين محاطة بعدد من الحضارات التابعة، مثل الكاشيين والحثيين والكنعانيين، الذين منهم الفلسطينيون والآشوريين. وأن تلك الحضارات قد اندمجت في حضارة بلاد ما بين النهرين الأم “الحضارة السومرية”. كما يؤكد (لوتز) في كتابه “تاريخ الحضارة الإسرائيلية”، وفصنه في كتابه “كنعان” على ذكر اسم الفلسطينيين متزامناً، مع ذكرهما (الكنعانيين). وهذا دليل على أن الفلسطينيين إن لم يكونوا (الكنعانيين) ككل، فهم جزء من الحضارة (الكنعانية) التي كانت قائمة في تلك المنطقة[1].
ويقول الأستاذ (حسن حدة): “أن رعمسيس الثالث، أو أيّاً من الملوك والقادة (الكنعانيين)، لم يذكروا من أين جاءت تلك الشعوب” يقصد شعوب البحر. ويذكر أن (بارتون) الفرنسي “لا يستغرب أن الفينيقيين الذين يشكل “الفلاستو” شطرهم الجنوبي، قد احتكروا التجارة والمواصلات البرية والبحرية. وأسسوا مراكز ومستعمرات لهم، في كل من قبرص وصقلية وسردينيا وكروسيكا ومالطا، وفي شمال إفريقيا وأسبانيا وقد هاجموا كريت والساحل (الكنعاني) الشمالي ورأس شمرا التي تخضع كلها للمصريين، واتجهوا بجيشين بري وبحري لمهاجمة رعمسيس الذي هزمهم فرجعوا إلى وطنهم الأصلي فلسطين”[2].
كما يؤكد (نصر شمالي) “أن إبراهيم الخليل قد تغرب في جرار الفلسطينية عند ملك الفلسطينيين، وقد باركه هذا الملك المسمى أبي مالك بقوله مبارك أنت يا إبراهيم من الإله العلي القدير”[3].
ومن اسم هذه القبيلة أخذ القسم الجنوبي الغربي من بلاد الشام اسمه الجديد فلسطين، وكان (هيرودوس) المؤرخ اليوناني أول من أطلق اسم فلسطيا (فلسطين) على القسم الجنوبي الغربي من بلاد الشام حتى مصر، في كتابه الذي وضعه سنة 450 ق.م وكان قبله يطلق على القسم الساحلي ما بين يافا وغزة فقط، واستعمل الرومان هذا الاسم الجغرافي بعد تمرد باركوخبا 135 بعد المسيح وعنهم أخذه الغربيون[4].
وقد كانت المدن الخمس التي استعمروها منظمة في صورة حكومات مدنية كل منها يحكمها سيدها. ومن كل كانت تتألف حكومة اتحادية، والظاهر أن “أشدود” كانت صاحبة السيادة. وقد بلغت قوة الفلسطينيين أوج عظمتها حوالي النصف الثاني من القرن الحادي عشر ق.م، ففي حوالي عام 1050ق.م هزموا العبرانيين واستولوا على التابوت الذي حملوه إلى أشدود. وحوالي 1020ق.م كانوا قد استوطنوا في حاميات الإقليم الجبلي نفسه. وفي خلال حكم شاؤول (طالوت) (1004ق.م) كانوا قد مدوا سلطانهم إلى بلاد داخلية مثل “بيت شان”[5].
واشترك الفلسطينيون في القتال الذي وقع بين مصر وآشور لوقوع بلادهم في طريق القوتين المتحاربتين، وفي القرن الثامن ق.م حاصر قائد جيوش “سرجون الثاني” ملك آشور مدينة “أسدود” واحتلها بعد حصار دام ثلاث سنوات، واحتلت مصر مدينة غزة فزالت سيادة الفلسطينيين السياسية واندمجوا في القبائل العربية التي كونت أهل فلسطين.
وكان للفلسطينيين اليد العليا على الإسرائيليين، وكان السبب في ذلك تفوقهم في السلاح الذي صنعوه من الحديد. وجدير بالذكر أن الحثيين كانوا قد استخدموا الحديد في أوائل القرن الثالث عشر ولكن بصورة محدودة، ولم ينتشر استخدام الحديد في سوريا إلا عند قدوم الفلسطينيين. وقد تفوق كل من تعلم صناعة الحديد من الفلسطينيين خصوصاً والقبائل العربية التي تسكن فلسطين عامة على الإسرائيليين، وبذلك انتقل الفلسطينيين بالحضارة السورية من مرحلة البرونز إلى مرحلة الحديد[6].
من هنا نعلم لماذا كان من فضل الله على سيدنا داود أن ألان له الحديد الذي كان سبباً في تمكن حكمه، وانتصاره على أعدائه. فالقوة والغلبة في ذلك الزمان كانت لمن يملك القدرة على استخدام الحديد وتطويعه لتحقيق حاجته، قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) (سـبأ: آية10). وقد بين الله تعالى الغاية من وراء ذلك بقوله تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) (الأنبياء: الآية80)


*   ونحن هنا لا ننفي الأصل العربي عن بني إسرائيل وهذا ما سنؤكده عند حديثنا عن أصل سيدنا إبراهيم عليه السلام، ولكن نفرق بينهم وبين القبائل العربية التي سكنت فلسطين وعمرتها، للتأكيد على أنهم كانوا طارئين على فلسطين، كما أنهم لم يكونوا من القبائل العربية التي انتقلت للعيش في فلسطين بسلام مع القبائل الأُخرى، ولكن لسوء أخلاقهم وطباعهم السيئة والذميمة دخلوا في صراع مع القبائل العربية الأُخرى، التي رفضتهم في وقت قبلت فيه غيرهم من القبائل العربية الأُخرى، كما أنهم لم يعيشوا أو يعمروا طويلاً في فلسطين، وقد طردوا منها وشردوا في الأرض، ونشروا اليهودية في بعض شعوب العالم، وخاصة الخزر الذين يشكلون اليوم نحو 92% أو أكثر من يهود العالم، وقد اغتصبوا فلسطيننا بدعوى كذبة انتمائهم عرقياً إلى بني إسرائيل الأوائل، وهذا ما يدفعنا للتمييز بين بني إسرائيل والقبائل العربية في فلسطين، لنسقط دعوى هؤلاء الخزر الباطلة بالادعاء بحقهم في فلسطين.

[1] الحرية (مجلة) ناطقة باسم الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، العدد: 702 (1776) بتاريخ 2-8/11/1997م. مقال للأستاذ: محمد سليمان حسن. ص18.

[2] المصدر السابق نفس الصفحة.

[3] المصدر السابق نفس الصفحة.

[4] يوسف هيكل، مرجع سابق، ص40.

[5] سليم حسن، ج9، مرجع سابق، ص516.

[6] عبد الحميد زايد، مرجع سابق، ص382.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.