عجلُ أبي سامي وطيور الجنة
د. فايز أبو شمالة
لا استخف بالحشد الجماهيري الذي هرع إلى ساحة السرايا في قطاع غزة، إنهم شعبنا الفلسطيني المقاوم الصبور، ولا أنفي العلاقة الوثيقة بين ذكرى انطلاقة الكفاح المسلح لحركة فتح، وبين الأجواء الإيجابية العامة التي سادت بين فتح وحماس، ولكنني لا أتفق مع عشرات الكتاب والمحللين والسياسيين الذين بالغوا في قراءة المشهد، وانحرفوا عن جادة الصواب حين استنسخوا أهواءهم السياسية، واستنتجوا ما يدور في عقولهم، فراحوا ينسبون حشود غزة الهادرة بالكرامة والحرية إلى شخص محمود عباس، وراحوا يعتبرون تكاثف الجمع تأييداً لبرنامج الرجل السياسي، متناسين حقيقة غزة الصمود والمقاومة، وحقيقة شعب غزة الذي يتمسك بحقه في العودة، واسترداد تراب وطنه فلسطين مهما طال الأجل.
لقد لاحظت أن الكثير ممن كتبوا عن مهرجان حركة فتح، وبالغوا في الأرقام بعد أن فاجأهم الحشد، لقد لاحظت أن الكثير منهم يقيم خارج قطاع غزة، فانبهروا بالمشهد لأنهم لا يعرفون تفاصيل الحياة الخاصة في غزة المحررة، ولا يتلمسون واقع الحال المعاش للسكان، والذي شكل بحد ذاته قوة ردع بشري للغزاة الصهاينة أنفسهم.
فمن يعش في قطاع غزة يدرك خصوصيتها، ويشعر بالتوتر والقلق الذي يميز حياة معظم سكانها، فالناس في غزة تعيش حالة من الترقب والانتظار، ولهم مزاج عصبي، ولا يعجبهم العجب، ومعظمهم غير راضٍ عن الأوضاع العامة، غاضب على العدو الصهيوني، وغاضب من الوضع المعيشي، تستفزه أتفه الأشياء، ويخاصم الأشباح إن لم يجد من يخاصمه، ولديه من وقت الفراغ ما يسمح بانتشار الشائعة، ولديه من الملل ما يدفعه للبحث عن أي شيء يشغله.
وحتى لا يخطئ أحد في قراءة واقع غزة، سأشير إلى زيارة فرقة طيور الجنة لمدينة خان يونس، قبل أيام معدودات من مهرجان حركة فتح، لقد هرع الناس بعشرات الآلاف إلى استاد خان يونس الرياضي للمشاهدة المجانية، وأغلقت الشرطة الطرق المؤدية للنادي، ولكن دون فائدة، لقد زحف الخلق إلى المكان بشكل هستيري، وتزاحم الناس حتى السقوط على الأرض، ووقوع الإصابات، ليتم نقل عدد من الجرحى إلى مستشفى ناصر الطبي.
وحتى لا يساء الظن بمقالي، سأوجه القارئ إلى اليوتيوب، وأدعوه لمشاهدة لقطات من عجلِ أبي سامي الهارب من الذبح في يوم العيد، ليدرك كيف تجمع المئات من الشباب في أقل من دقيقة، وكيف تمت محاصرة العجل الذي لم يبق له إلا أن يستسلم للذبح مكرهاً.
إن غزة التي تحتشد بالآلاف في لحظة سقوط الصاروخ الإسرائيلي الذي يحمل الموت، إنها جاهزة للاحتشاد بعشرات الآلاف لمشاهدة فرقة العاشقين، ولسماع صوت الفنانة الوطنية ميس شلش، وللمشاركة في الانطلاقات، فلدى شباب غزة فائض من الطاقة التي تبحث عن مشغل، وهي تستحث التنظيمات لاستثمار هذا المخزون الهائل، وأن تفتح مراكز التدرب على السلاح بعيداً عن النظرة الحزبية الضيقة، فما أسلم الطريق التي تعزيز روح المقاومة المسلحة ضد الغاصب الصهيوني !