قراءة نقدية في ديوان ( مشاعرْ على ورق ) لإسراء ادريس
تنويه : هذه القراءة قدمتها في حفل توقيع الديوان الأول للشاعرة
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
السيدات والسادة... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد
قالت العرب : النقد عند الحافرة .. أي النقد عند السبق
يسعدني أن نلتُ شرفَ المثولِ أمامكم وكان لي السبق في هذه القراءة النقدية لديوانٍ هو باكورة إصدارات الشاعرة إسراء عادل ادريس
اسراء سيدة من خليل الرحمن خريجة كلية الهندسة - من جامعة بوليتكنك فلسطين
إحدى وسبعون قصيدة ًعمودية .. وثنتان وعشرون أخرى في مئة وست وخمسين صفحة احتشدتْ كلها في ديوان عنوانه ( مشاعرْ على ورق )
جاءت (مشاعرْ) ساكنة
والأصل أن تأتيَ مشاعرُ بالضم .. لكنها آثرتْ سكونَها فهي تأملُ لمشاعرِها التي ألقتْ بها على ورقٍ أن تصلَ متحركة ً ساخنة ً لا تقبلُ إلا الضم:
إن الحروف إذا هامت لها أرجٌ ** فاحت بقافية واستجلبت أملاً
المهندسة رسمت الكلماتِ بحكمة وهندستْ شعرَها بحنكة ورتبتْ قصائدها الناضجَةَ بدقة حسب سني عمرها رغم أنها في البدايات .. فجاء ديوانُها يتبختر مختالاً كنجم تلألأ في سماء الشعر الحديث حتى صارت القصائدُ قابَ شوقين أو أدنى من حبٍ
كل قصيدة من قصائدها ديوان وكل بيت فيها قصيدة
***
على غلاف الديوان نرى شمعة ً مضاءة ً في وسطٍ بنيّ اختلط بسواد وحولها دوائرُ متناثرةٌ مضيئة تكسو المكانَ بذات اللون الذي كتب فيه العنوان وهذا يعني أنّ الظلام آيلٌ إلى الانقشاع وأنّ الأملَ موجود بحول الله
الروحُ الإيمانية وحبُ الخير وفهمُ الحياة عناصرُ ملهمة اتكأت عليها في سبك قصائدها فجاء الحزنُ دفيناً والهم عميقاً أما الحب فكان جارفاً والشوق قارصاً والجفاء آثماً والفراق فيه الهلاك .. وما خفي من الهمّ أوجع
تقول :
بعضُ الهموم يُذاع فيما بيننا ** لكنّ أوجع همّنا أخفاه
وتقول في قصيدة أخرى :
ولعلّ ما يبدو لأهون وطؤهُ ** مما اختفى وبجوفنا يتقرّحُ
****** من يطالع شعرها يدرك أنها امرأة خبيرة لاكتْ الدنيا ولاكتها وتفهم الناس وتعي حاجاتهم وتعيش هموم الوطن
المرارة فيها حبلى ..وحلمها مسافر قواها خائرة وأفكارها حائرة وهي والدمع توأمان وأوجاعها في القلب كالجبال يجافيها المنام ..الخفوق فيها جنون ..ونبضها لا يعرف السكون وفي كل هذا وذاك تشكل حضوراً متفوقاً ومترعاً بالعميق والجميل
قصائدها ليست طويلة فلا تقاس المقدرة على الشعر بطول النفس .. فحيثما تتوقف الفكرة تغلق القصيدة ..
ماهرة بارعة في اصطياد المعنى في اللحظة المناسبة
قالت تصف نفسها :
أنا معجونة بخمير لطف ٍ ** إذا ما زاد معياراً رباني
أجاجُ ملوحتي لا بدّ منه ** ولا يغنيه تسكيراً حنــاني
أنا مصقولة بعفاف صيت ** يعجُّ مَلاحةً فيما احتواني
وتصف الحبيب بقولها :
أنت أنفاسي إذا ما أُتـْبِعتْ ** أسقمتني لا أراها تـُنصِفُ
حيناً اختارت بعض المفردات ذات الدلالات المتعددة .. ليفسّر قولها بأكثر من معنى
ويتضح هذا في :
قريب منزلي والكل جاري وبي حين الخطا يسمو اعتذاري
وحيناً آخر استخدمت مفردات ذات الدلالة الواحدة :
ولم يأكل لساني لحمَ ميت ** بذكر الله أشغلُه انتظاري
*******أكثرت الشاعرة من مفردات الطبيعة( الكون واللون والشمس والأفق والطيف والشفق والفيافي والصحاري) فكأنها العكاز حين الشعور بالضعف .. ربما لأن هذه المفردات لم تلوثها ترّهات البشر فتحاول أن تستنطقها وتوقظـَها من نومها فنسبتها لنفسها .. لتضفي عليها حركة وتخلق لنا وفرة حركية في العين المتذوقة ،التي تبتهج لكل حركة خاطفة
فالشمس عند إسراء هي شمسها والأفق أفقها والغيم غيمها والسماء سماؤها والليل ليلها .
ومنها قولها :
وجلستُ تحت شمسي برهة .. حتى سرحتُ ونامت العينان
وفي آخر :
تدلّى في سمائي قرص شمسي ** ولا إشراق من بعد احتضان
******وقد تفرّدت بمصطلحات تختلف وفتحت فضاءها الشعري لمسموح عذب من اللغة والمعالجة فاستخدمت الغريب من الكلمات ( الرمرام : العشب ) – (وصيع : صوت العصفور )- (تخثعمت : تلطخت بالدم )- (يتسنّم : يرقى)– (وقَرَتْ – تجمد الدم في الظفر ) – ( نتج : نتاج ونتائج )
العيامى : شدة العطش )
ذلك لتبني لنفسها شخصية شعرية ليست تقليدية لا هي قديمة ولا حديثة
في وسط الذوق الأدبي المقاوم المصلوب بين آلم الكارثة، وبين الرؤيا الجميلة
..فأسلوبها معتدل والأفكار متنوعة تتوزع ما بين شهيق وزفير .. شهيق الوطن وزفير المواطن .. وكأنها الوسط الهندسي بين أصالة القديم وحداثة الجديد فكانت أصالة بلا مغالاة وحداثة من غير إفراط
ومالت إلى شبه الرمزية فقط في بعض العناوين -وربما يكون هذا بنظر بعض المتذوقين مأخذاً .. لكنني أرى أنها أبدعتْ في اختيار ما لا يدل على المحتوى إ وبذلك فهي تثير شهية القارئ أن يطالع ما اختفى خلف هذا العنوان أو ذاك
مثال على ذلك ( نِزالُ المولد) هو أحد هذه العناوين .. من يخطر على باله أن هذا العنوان يحكي عن العيد ؟؟
ومن يخمّن أن ( رفيف سمت ) هو عنوان لقصيدة تحكي عن نفسها ؟؟!
وفي ( طرفة عين ) تحدثت عن التشاحن والفرقة بين الإخوة في البيت الواحد وغيرها وغيرها
***
الشاعرة لا تحبّ اسراء فلم تكتب عن نفسها إلا القليل .. لأنها انشغلت بهموم الناس فوصفت لهم الحياة ( غبار) وفي دندنة قالت:
إن الحياة بلا كلام عابق ** كالورد دون الماء لحظة ما انحنى
فتحدثت عن أحلامهم وقدمت النصح فقالت ( يا صاحبي )
لا تطلب الإحسان من أحدٍ **فإن الوُدّ شيءٌ لا يُساق ويطلبُ
واصبر على عتب الحبيب ولومِه **قد كان من أصل المعزة يَعتبُ
والنذل لا تحزن إذا فارقته ** فالطبع غلاب وهذا أنسبُ
وحاورت البائسين بنهي صريح ( لا تبتئس ) ثم دعت إلى المسامحة فقالت :
سامح وصالح وارجُ عون إلاهنا ** فبلا معونة ربنا لن تفلحا
ولأنها من بيت دين وعلم كما وصفها الشاعر ( عدنان حماد ) الذي كتب المقدمة .. كتبت إلى الله .. وناجته يا الله والتجأت إليه ووصفت حبها العميق لرسول الأمة
وإلى الطفولة ولبنت الخليل ..وللخليل وللوطن
وأكثرت من شعر الحكمة حتى لكأنني أمام شاعرة ذات خبرة عمرها فاق الستين تُنازل في شعرها كبار الشعراء
ان ابن آدم في البلاء مسيّر ** قدرٌ عليه جراحُهُ ودواه
للكل منا في الحياة توجّـعٌ ** وعلى مدى استحماله بلواه
وختمت الديوان بحوار العربية وكأنه درس خصوصي في قواعدها
وكان للأم النصيب الأوفى .. حيث أفردت لها قصيدة هي الأطول .. قصيدة قوامها (أربعة وثلاثو ن ) بيتاً
هذه العناوين تشي بما اكتسبته اسراء من محيطها من فضائل نبيلة فانعكست على شعرها الروح الإنسانية والأسْرية المفعمة بصدق العاطفة
***حبيبة ..رقراقة القلب غزيرة الدمع ,, تشبه أحزانها .. والحزن في قصائدها يُفصح .. وبعضُ التساؤلات تخلق ألف انشطار للإجابة
لا تكاد قصيدة تخلو من الحب وكل ألفاظه القريبة والبعيدة وكل ما يعتمل في القلب من مشاعر
ما أقرب َ مسيل العيون فالدموع على أبواب المدامع الحب في بعض قصائدها في المطالع ..بكل معانيه (الهُيام والاستهام والغرام والعشق والوجد والتوجّد والشغف والجوى والهوى والوداد وكل ما يرافق المحب والعاشق من الدمع والتلوّع والشوق والسهد واللهفة وكما شعراء الجاهلية وقفوا على الأطلال .. وقفت الشاعرة على أبواب عينيها تستحثّ الدموع
وحتى لا تشرد أفكار القارئ هنا وهناك وحتى لا يظن أن الحب عندها فقط كما وصفه صبي البحتري ---
أفردت للحب قصيدة تعريفية تستنكر فيها يوم الحب فقالت :
الحب أن تلقَ الوجوهَ ببسمة* *أن تزرعَ الكلماتِ خيراً في الورى
لما ترى أمّاً تهدهد طفلها ** ترويه عطفاً أنت حباً ها ترى
الحب فينا ليس في يوم بعام ٍ** بل بدقات القلوب وأكثرا

***
من يقرأ قصائدها يدرك أنها شاعرة تعمل على تطوير مضامينها الفكرية وأدواتها الفنية بدأب وإخلاص بوصفها الوسيلة الأولى للسير في طريق الشعر الطويلة
ان المنثور من شعر ديوان ( مشاعر على ورق ) للشاعرة إسراء يثبت حقيقة أنها شاعرة إنسانية لا تكتب الشعر الا لدوافع وجدانية ملحة، حتى تكون القصيدة هي التي تكتبها فتتسلل عبر الفكرة وتعيشها وكأنها تجربة ذاتية أنضجتها الأيام،
ومن يتأمل صورها وتأملاتها وشطحاتها، يجد في عالمها الشعري تجنبا للرمزية والتلميح ،إلا في العناوين أما محتويات القصائد فواضحة تستخدم فيها كل تعبير يساهم في إيصال الفكرة مباشرة وكلها تعبيرعن نفسها حتى لكأنها تشبه قصيدتها ، وتأخذ شكلها وروحها الشعرية
الصور كثيرة أختار منها ما رأيته الأجمل :
وبعض عزيمتي لا زال جنبي ** وكل مقاصدي .. ردمُ اشتياقي
وأيضاً
قدماي في رحم التراب جذورُ** يبس التراب وحاله الديجور
الحل أن أبقى ألملم قوتي ** على المياه من التراب تفورُ
ووصفت الخليل في قصيدة ( أرض الأكرمين ) فقالت
خالٌ على خدّ البلاد بأسرها ** سوداء كالعينين وهي كحيل
بالإضافة إلى قصيدة الغلاف الخلفي

****
عجّت قصائدها بمحسنات بديعية : اللفظية منها والمعنوية
فها هنا ترادف :
كبرت وشاخت في الجيوب أمانُها ** هرِمت جناحاها بخوف ظلام
أجاجُ ملوحتي لا بدّ منه ** ولا يُغنيه تسكيراً حناني
وقالت في آخر :
فيا صاح لولا الجوى ما الهوى ؟ وهل يدّعي الحزنَ من ليس فيه
وهنا طباق :
أراه بصحوتي طيفاً ونوراً ** ويأتيني بأحلامي مراراً
وآخر :
كل الأشياء غدت ذكرى.. الحلوة فيها والمرة
وهنا مراعاة النظير :
تضيق بي الفيافي والصحاري ** بما رحبتْ وينحسرُ الرفاق
وهنا حُسن التقسيم في مديح النبي صلى الله عليه وسلم
عذبُ السجيّة .. باهرٌ بخصاله ..سمح رؤوف ..بالعباد رحيم
أما التصريع .. فرصدتُ لها أربع قصائد على الأقل..
تقول في إحداها ( بحر أدمعي )
وتسألني عن خفائي بتيه ** وأنت الذي من عيوني تعيه
واستخدمت الاقتباس من القرآن والسنة ومن الأمثال الشعبية :وهذا يظهر سعة أفقها ووسع ثقافتها وقربها من القرآن والسنة
ما كُلّفَ الإنسانُ إلا وُسَعه ** هذا كلام الله جل علاه
ومن الآية( لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى)
قالت :
يا صاحبي هذي الحياة لمن سعى ** ليست لأثباطٍ تَجُبّ حِبالها
ومن الحديث الشريف ( لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين .. )
ثقتي المجردة التي كانت قضت ** لا يُلدغ الفطن الذكي ويُرمَح
من الأمثال الشعبية السائرة استلهمت فكرة أخرى فقالت
وأرى وحوشاً تستميت لطعنتي ** وإذا وقعت ترنّحت كل الصور
** سارت في بعض الأحايين عكس التيار ..ففاقد الشيء يعطيه
بقلب متعبٍ أهدى رَواحاً ** ليعطيَ غيره ما يشتهيه
يُقال بأنّ من فقد احتضاناً ** سيعجز عن عطاء الفقد فيه
وفي أخرى لا تعترف بقول الشاعرأبي تمام :
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى **ما الحب الا للحبيب الأولِ
قالت :
دع ْ عنك من قالوا . بأن الحبَ حبُ الأول.. واترك أحاديثاً تُروّج للحبيب الآخر
فالحب حبٌ لا يرتب نفسه .. ذاك الذي يتسلل ..ويُجننُ النبض الذي فيه اتصل -
وآخر ما أقول .. لغة متينة رزينة بلا أخطاء .. على الأكثر يوجد ثلاثة أخطاء فقط
منها أحاديثاً في البيت السابق وصوابها ( أحاديث ) لأنها ممنوعة من الصرف وهذه علامة استفهام .. أضعها عند هذا البيت الذي قالت فيه :
في قصيدة ( إلى الرحمن أشكو )
بفضلك أغنني عمن سواك ** وعن إتيان ((ذنب بالحلال ))
( لم أفهم )
أخيراً ..سيدتي ...
قلتِ في ( حلم )
يوماً سينبلج الظلام وننتشي ** ونعيش في رغد الحياة ونحلمُ
ونجوب آفاق السماء بعـزّنا ** يوماً سيبزغ فجرنا لا نســـأم
ذات يوم
أقول الآن :
سينقشع سوادُ الأفق ويأتي الفرحُ على جناح طيف يحمل البشائر
آن لجريرة الشوق أن تلملمَ صراخها في جراب الصمت وترحل
وفي عالم لا يبشر بحياة يأتي ندى حرفك يصيب صحراء الروح
وقريباً – بإذن الله – سألقاك على متن نجم يسافر في مجرات
الروعة . سيكون يوم مولد قصائد يضمها ديوان آخر وآخر

تحية ... ناريمان الشريف