المعرفة وأثرها في التحرك السياسي



توطئة نظرية



عندما يذكر ابن باجة أسطورة الكهف المشهورة الواردة في كتاب السياسة لأفلاطون وهي فرضية وضعها لجماعة كانت داخل كهف لا تطلع عليهم الشمس، فإنهم كانوا يروا الألوان كلها في الظل، ومن كان عند باب المغارة كان رأى الألوان في الظل، ومن خرج من المغارة كان يرى الألوان على حقيقتها.



هناك أربعة مستويات للإدراك: أدناها (بالسماع) أنا أعرف بالسماع يوم ميلادي وأن شخصين معلومين كانا أبوي، فلم أعرف بالتجربة ذلك ولكن بالسماع.

والمستوى الثاني وهو المعرفة: وهذا ينتج عن تجربة غامضة، فمثلاً أعرف أنني سأموت ذات يوم، لأنني شاهدت أشباهي يموتون دون تساوي العمر أو سبب الموت. وأعرف أن الوقود يشعل النار والماء يطفئها.

والمستوى الثالث هو الإدراك الناجم عن كون ماهية شيء مستنتجة من ماهية شيء آخر، ولكن بطريقة غير مكافئة، مثال ذلك: أن أعرف أن حادثاً ما له علة؛ وإن كنت لا أملك فكرة واضحة عن هذه العلة ولا عن ارتباط بين العلة والمعلول.




المستوى الرابع: وهو الأعلى وفيه (يدرك الشيء من ماهيته وحدها، أو من خلال معرفة علته القريبة). مثال ذلك أنا أعرف أن العقل متحد مع الجسم.

وحسب تصنيف (أوكام)، هناك نوعان من المعرفة: المعرفة العيانية والمعرفة المُجردة، فإذا قلت وأنت تجلس بغرفة يجلس بها فُلان: أن فلان الماثل أمامي جالس في الغرفة، وإن خرجت من الغرفة وقلت: فلان جالس بالغرفة، والأخير ليس حكماً بيِّناً لأني لا أشاهد فلان، فالقول هنا يُحسب على المعرفة المجردة.



ويُرجِع (هيوم) كل إدراكات العقل الإنساني الى حِسِّين متميزين: الانطباعات Impressions والأفكار Ideas والانطباعات وحدها الأصلية أما الأفكار فما هي إلا نسخ عن انطباعاتنا.

يبقى لفظٌ له علاقة بهذا التمهيد النظري، وهو الوعي، والوعي في أحد توصيفاته التعريفية هو القدرة على إنتاج صورة أو إعادة إنتاج صورة معينة. فإن تحدث أحد من المطلعين المسلمين عن معركة أُحد، فإن المستمع إليه سيعيد إنتاج صورة الجيشين المتحاربين: جيش المسلمين وجيش الكفار، ويتصور الجيب المتربص للمسلمين بقيادة خالد ابن الوليد، هذا يُسمى وعي ماضوي (نسبة الى الماضي)، وعندما يريد أحدنا أن يضع صورة أو صوراً عن الحراك العربي الراهن وما ستئول إليه الأوضاع فيما بعد، فإنه سيكون أمام نسخ متعددة وغير متآلفة من حالات لم تفهم إحداثياتها على وجه الدقة، لحداثة الحدث وتشابك العوامل. ولو طلبنا من مائة شخص أن يضعوا تصوراتهم لما يحدث في المنطقة العربية، فإننا سنكون أمام مائة صورة غير متطابقة.



حجب المعرفة السياسية

في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، كان القائمون على الحكومات العربية يُقدمون أنفسهم على أنهم الصفوة التي اختارها الله لإحقاق العدل والرفاه لمجتمعاتهم. وكونهم كذلك، فلا يجوز مناقشتهم ولا يجوز الاعتراض عما يفكرون به، ولا يجوز ممارسة التفكير أو حتى التأمل. ولا يجوز أن يتطوع مَن يضيء الدرب أو يتبرع بشمعة لإنارة الدرب.



فكان من يحتفظ بجهاز الاستنساخ (الرونيو) ببيته، يعرض نفسه لعقوبة أخف درجاتها السجن المؤبد. وكان من يستمع لمحطة إذاعية ك (صوت العرب) يضع نفسه تحت دائرة الشك مدى الحياة. أما المعلم الذي كان يخرج عن (النص) ويحاول أن يشرح مسألة تاريخية أو جغرافية أو أدبية، فإن أقل ما يواجهه هو التوقف عن ممارسة مهنة التعليم مدى الحياة.



باختصار شديد، كانت الرسالة الثقافية والمعرفية من الحكومات العربية لمواطنها هي: أننا (أي الحكومة) نفكر عنك وندافع عنك ونحلم عنك، ونعرف مصلحتك أكثر منك ونحن نتعامل معك كما تتعامل دوائر الصحة في تلقيح الأطفال ضد الأمراض، فلا يحق لهم الاعتراض.



استلهام الأحزاب لدور الحكومة التثقيفي



بالمقابل، كانت الأحزاب السياسية تلقن المنتمين لها ما يتماشى مع أيديولوجياتها هي، فترفض الآخر رفضاً كاملاً أياً كان ذلك الآخر، فاليساري يرفض الحكومة وفكرها كما يرفض القومي والإسلامي وفكرهما، وهكذا يفعل القومي والإسلامي، وكان المسئول يتفحص مكونات فكر من هم في مسئوليته، ويتحرى عن مصادر معلوماتهم، متقمصاً دور الأجهزة الأمنية الحكومية، فوُجد مثقفاً داخل البلاد لا يصلح إلا للون واحدٍ من التعاطي الثقافي. وبنفس الوقت فقد جاهزيته للتحول الى مواطن عصري متحضر يواكب ما يجري في العالم.



عندما رأى المثقفون أن أدوارهم وحركاتهم قد قُننت من جهتين: جهة الحكومة التي تفرض نمطاً معيناً من التفكير والتعبير عما يُفَكَّرُ به، والجهة المرجعية التي ينتمي لها بمصادرة ما يخرج عن النص (الأيديولوجي)، ورأوا أن قدراتهم الإبداعية توقفت بسبب ابتعادها عن الجدلية التي تبقيها حية، وعندما رأوا أن تأثيرهم الجماهيري بات محدوداً أو معدوماً، ابتعد أغلبهم عن أطره المرجعية وانصرف الى إلغاء رغبته في النشاط.



في الاتحاد السوفييتي وفي الدوائر التي كانت تدور في فلكه ذهنياً، كان يُشاع أن سيارة (لادا أو موسكوفيتش) أفضل عشرة مرات من السيارة الألمانية (مرسيدس) أو الأمريكية (شوفرلييه) مثلاً، كان على المستمعين من الرفاق عدم مناقشة ذلك. وكان يقال أن الاتحاد السوفييتي أكبر دولة منتجة للبطاطس في العالم، ولا يُذكر أن المكائن الرديئة والجرذان تأتي على ثلثي هذا الإنتاج.



وفي مناسبات قومية، يتحدث رئيس الاحتفال أن الله يحب هذا الحزب، انظروا الى الأمطار التي نزلت في هذا اليوم المبارك، وفي السنة الثانية وفي الاحتفال بنفس المناسبة، يأتي يوم مشمس، فيقول رئيس الاحتفال (نفسه ) إن الله يحب هذا الحزب، انظروا الى هذا اليوم المشمس الرائع، وفي السنة الثالثة كان يوماً به ريح، وعندما وقف نفس الخطيب، تندر أحدهم وقال: ماذا سيقول رفيقنا؟ هل أن الله يحب الحزب فأرسل تلك الرياح لتلقيح الأزهار؟

أما هجوم أصحاب الفكر الديني، فقصصهم أكثر، إنهم يردون كل شيء الى الابتعاد عن الدين وتأثير الأفكار الغريبة، التي هدمت الخلافة، فهل كان هناك شيوعيون أو بعثيون عندما تمزقت الدولة الإسلامية منذ بداية أول انفصال في عهد الأغالبة في شمال إفريقيا أو عهد اليعفريين في اليمن أو الطاهريين في بلاد فارس؟

إن الفهم السياسي، عندما يقترن بموقف أيديولوجي متزمت، لبناء شرعية غير متفق عليها، فإن أداؤه سيكون محفوفاً بالمخاطر، وسيكون بداية لتوسيع الثغور التي يدخل منها أعداء الكل.



الاندلاق المعرفي الحديث



من خلال الصور السابقة، ونتيجة لفشل أصحاب الخطاب (الحكومي أو المعارض) في جذب الجماهير حولهم، فإن وسائل الإعلام الحديثة (فضائيات؛ إنترنت؛ محطات أف. أم الخ) استطاعت أن تلتهم ملايين المتأثرين بها، فنضال كل الأحزاب العربية بيمينها ويسارها طيلة قرن من الزمان لا يوازي تأثيرها ذلك الجهد المنظم والذكي الذي مارسته قناة الجزيرة خلال عقد ونصف من الزمان.

لا يريد المواطن، نصائح من أحد، أن يبحث عن الغاية من تنظيم ذلك الجهد، ومن وراءه ومن سيستفيد منه في الآخر، ومن هم أصحاب تلك القناة ومن يترأس تلك القناة وأين تدرب، فالناصح أخذ فرصته لإثبات العكس طويلاً، فسنوات عشر أو عشرين وأحياناً كثيرة أكثر من ذلك لم تتمكن لا الحكومات ولا أحزاب المعارضة أن تقدم ما هو (أقل سوءاً) مما قد يأتي، فلماذا سيقبل المواطن أو المتلقي لتلك النصائح من أخذها كمسلمات؟