منتديات فرسان الثقافة - Powered by vBulletin

banner
النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: ثقب في بئر

العرض المتطور

  1. #1

    ثقب في بئر

    ثقب في بئر

    (1)

    اختار فؤاد مجموعة من الأشجار لتكون له مكمناً يستطيع من خلاله رصد حركة أحد عمال البساتين، كانت قبعته ونظارته الشمسية يبعدان عنه شبهة المراقبة، كما كانت أداة (الورنية) في يده التي يقيس بها سماكة الأغصان لمعرفة معدلات النمو السنوية وأثر كل سمادٍ على نسبة النمو.

    علي محرم، أحد العمال التركمان الذين وقع عليهم اختيار دراسة انخفاض الإنتاجية لدى عمال البساتين، كان كأي عامل في ملابسه، يرتدي ملابس أكبر من حجمه قليلاً أو كثيراً، فهذا لم يكن مهماً، طالما أنه في النهاية سيحزمها بحزامٍ عريض صنعه من قطع من القماش القديم، يثبت فيه طرف ثوبه أثناء عمليات الري، كما يثبت فيه مقص التقليم. كان يرمي بحذائه بعيداً أثناء عمله، فيتسلق محلول الطين بالماء من خلال شعر ساقيه وبعض أجزاء القماش المنفلت من ثيابه، وكانت ألوان ملابسه تبدو وكأنها خريطة جغرافية تدلل بألوانها على تدرج الارتفاعات والصحارى فبين البني والأصفر درجات.

    لم يكن علي محرم هو العامل الوحيد الذي يخضع لتلك الدراسة، فكان هناك مئات من العمال الزراعيين المختلفين في اختصاصاتهم وقومياتهم ودياناتهم وطوائفهم وأعمارهم. كما لم يكن فؤاد هو المهندس الزراعي الوحيد المكلف بتدوين دقائق (ساعات) العمل الفعلية، فكان معه عشرون آخرون، الذين قُسِمت أدوارهم في تلك الدراسة.

    (2)

    جلس علي محرم، على حافة الساقية، ولم يكن يخشَ حتى من أن يكون فؤاد مكلفاً بمراقبته، فقد كان يتقاضى اثني وعشرين ديناراً كراتب شهري، في حين كان يقوم بالمرور على عشر حدائق للأهالي مقابل خمسة دنانير شهرياً، مقابل أن يقوم بتشذيب النباتات وسقيها وإزالة الأعشاب من تلك الحدائق بمعدل ساعة عملٍ كل أسبوع.

    كان علي يقنن وقته وجهده حسب ما يحصل عليه من راتبٍ وحسب ما يتناوله من طعام لصرف السعرات الحرارية كل سعرة في مكانها، فجهده اليومي الذي كان موزعاً بين دفع دراجته الهوائية من بيته الذي يبعد عن مكان العمل سبعة كيلومتر، وبين إدامة حدائق الأهالي وبين معاشرته لزوجه وبين عمله الحكومي!

    كان يتلكأ في النهوض من على حافة الساقية، لتفقد انسياب الماء، وإن جاء وقت صلاة الظهر، حمل إبريق الوضوء وابتعد لمدة نصف ساعة ليختفي عن الأنظار، ويعود يقيم الصلاة صامتاً ويطيل في إقامتها أكثر من وقت الصلاة نفسها، ثم يجلس يتمتم بدعاءٍ طويل، وينهض ليخطو عدة خطواتٍ غير محددة، ثم يذهب الى جمع عيدان الأغصان لعمل (الشاي) استعداداً لاستراحة الغداء.

    (3)

    كان فؤاد يدون كل حركة من حركات العامل، ويسجل فقط تلك الدقائق التي يُبذل فيها جهدٌ حقيقي كضرب الفأس بالأرض، وطمر ثقبٍ لجرذٍ تهرب المياه من خلاله دون فائدة، وإزالة بعض الأدغال التي تعيق حركة المياه، وتشرب من المياه كأنها تأخذ ضريبة مرورها جنبها.

    يتأمل فؤاد، فالدوام أوشك على الانتهاء وصاحبه الذي يراقب، لم يزد جهده عن ساعة عمل حقيقية إلا بدقائق قليلة.

    يتساءل: هل الجهد الحقيقي هو أن تبقى عضلات العامل بشغل مستمر طيلة الثماني ساعات التي يحددها القانون؟ من يقول ذلك؟ وهل هناك أحدٌ يبذل جهداً كهذا؟ فمديره بالدائرة مثلاً، يوقع بعض الأوراق بجهد عدة دقائق، ويمضي وقته بالمكالمات الخارجية، أو أسئلة المجاملة لبعض من الموظفات والموظفين، أو في شرب الشاي والقهوة، والحديث عن الكيفية التي مات فيها أحد المذكورين في جلسات المدير مع زواره.

    ثم يعود يتساءل: وهل اثنا وعشرون ديناراً كافيات لإجبار علي محرم على القيام بعمله بطريقة أكثر انضباطا؟ أليس من الظلم أن يأخذ علي راتباً أقل مما يتقاضاه طلاب الدول الشقيقة والصديقة الدارسون في جامعاتنا حيث يتقاضى أحدهم خمسا وعشرين ديناراً، إضافة الى كُلف التعليم والإسكان وغيرها؟

    ولكن فؤاد لم يكن مستعجلاً، لاستخلاص النتائج قبل انتهاء البحث، فالاستنتاج السريع ليس من سمات البحث العلمي، فلا يجوز أن يُقال أن العمال التركمان أقل إنتاجاً من العمال الأكراد أو العرب، ولا يجوز أن يُقال أن العامل المسلم أقل إنتاجاً من العامل غير المسلم، فإن كان كذلك فلا داعي للدراسة.

    ثم عاد لتساؤلاته: أليس ما أقوم به أنا (الآخر) مضيعة للوقت؟ فلو جمعت ما أراقب أنا وزملائي تلك الظاهرة، خلال ثلاث سنوات لفاق ساعات العمل لدى هؤلاء العمال الذين نراقبهم.

    ضحك في سره وقال: إن هناك آلاف بل مئات الألوف من المواطنين من يقومون بأعمال كهذه، فالمخبر لا يؤدي عملاً إلا ما استقاه من المراقبة، والحراس لا يؤدون عملاً محدداً إلا المراقبة، ولو وضعنا الجيوش بأعدادها وعدتها فهي تتدرب وتأكل ويُصرف لها ملابس وتُعالج مجاناً، وقد يتقاعد معظم أفرادها دون أن يطلقوا طلقة واحدة، لكنهم يبقوا يراقبون علهم يطلقون!

    يتبع

  2. #2
    (4)

    نذير شاكر، سائق المدير، ورئيس اللجنة النقابية في الدائرة، يقل طوله عن المترين بقليل، ويكوي بذلته الزرقاء يومياً، التي تظهره وكأنه نموذجاً لإعلانات (الضمان الاجتماعي) ويحلق ذقنه كل يوم بعناية فائقة، منذ أن تحول من سائق ساحبة زراعية، الى السائق الخاص للمدير، بناءً على توصية المكتب الحزبي، ويقف أمام مكتب المدير ويتكلم مع فراش الدائرة، وكأنه يريد تجريب صوته لبداية دوامه، كالذي يريد تجريب الحاكي (الميكرفون) في بداية احتفال.

    يدخل نذير غرفة المدير ويسأله: تحب أن تشرب شيئاً، أستاذ؟
    ـ دعه يحضر لي كوب (قُندار: ماء مغلي مع سكر فقط).
    يدخل فني الساحبات، وأحد موظفي المخازن ليتابعا بعض طلباتهم، بوجود مهندس المشاتل (حلمي) الذي كان أحد المكلفين بتدوين هدر الوقت عند عمال المشاتل، ويجلس الثلاثة في مراقبة المدير الذي مر على موعد تقاعده عشرة أعوام، وقد عمل في أربعة عهود حكم مختلفة، ابتداءً من العهد الملكي. وكان من يراه بشعره الأشيب والذي تقف كل شعرة منه بشكل عمودي على جمجمته، دون أن تلتصق شعرة بأختها، يُهيئ إليه أنه بحضرة شارل ديغول.

    يحاول نذير استعراض مهاراته عله يثبت جدارته في تسلم مهامه الجديدة، من سائق المدير الى رئيس اللجنة النقابية، كان كصياد رمى شبكته في بحر المصطلحات، فأخرج منها ما يعرف استعماله وما لا يعرف، فأخذ يتحدث عن حدث مر في إحدى الدول العربية وأرجع ذلك لتواطؤ الكمبرادورية مع القوى الغاشمة!

    كان يعلم، أن مديره لن يعترض على شيء، ولن يعقب الموظفان اللذان جاءا لمتابعة شؤونهما، على ما يقول.

    سأله المدير: سيد نذير..
    كان حرف السين يخرج مرتبكاً وغير نموذجيا من بين ما تبقى من أسنانه الملخلخة.
    ـ نعم أستاذ
    ـ ما هو اليوم من الأيام؟
    ـ اليوم هو الثلاثاء أستاذ.
    يتدخل موظف المخازن ليقول عبارته اليومية: والله الأيام سريعة أستاذ.

    لم يكن عمال وسواق وفنيو المنشأة يخشون من نذير ولم يحسدوه على مركزه، فلم يثبت بؤبؤا عينيه بمكانهما لأكثر من ثوانٍ، كما أنه لم يكن خبيثاً أو من أولئك الذين يوشون بزملائهم، وكان أكثر مكتسباته التي يحققها من مركزه هو الجلوس بغرفة المدير، والاستماع لأحاديث زواره، ولم تؤرق تلك المكتسبات الكثير منهم حتى يحصلوا عليها.

    لم يكترث نذير لأي موظف ولا مسئول في الدائرة، لكنه كان يخشى من رئيس الفنيين والسواق (عبد الغني)، فرغم أنه لم يكن نقابياً ولا حزبياً، إنما كان يحمل وسامي عمل رفيعين كونه قد حل مشاكل ميكانيكية، في حصاد البطاطس، وزراعة أقلام الغرس، فوفر على الدولة 70% من استخدام العمال اليدويين، كما أنه حل مشكلة تجريح درنات البطاطس التي تتعرض لها أثناء قلعها بالآلات الروسية، فجمع بين آلة قلع البطاطس الروسية وآلة فنلندية وأضاف عليها بعض لمساته المبدعة.

    كانت طريقة (عبد الغني) في التعامل مع السواق والفنيين قاسية وكلماته نابية، وأحياناً يستعمل يديه في لطم الفني على رأسه أو وجهه بما فيهم (نذير). ومع ذلك كان الجميع يحبه حباً شديداً فهو يعلمهم ويربيهم بطريقة قاسية فيستفيدون منه في تنمية مهاراتهم المهنية، كما كان يحظى باحترام المسئولين ليس في الدائرة فحسب بل في عموم البلاد.

    التفت نذير نحو المهندس حلمي، وقال له: لقد وجدت لك البيت، إنه بعيد من هنا حوالي سبعة كيلومترات. وخرجا الاثنان خارج مكتب المدير لإكمال حديثهما.

    (5)

    كان المهندس حلمي بسنواته الست والعشرين، ابن بلد عربي آخر ، وكانت زوجته (إلهام) الطالبة في كلية التربية، وطفلته الرضيعة(رُبى) معه في إقامته بالمدينة، ولكنه كان يبحث عن بيت آخر، وقد علم زملاؤه في فريق البحث عن وضعه، فقاموا بالتنسيق معه للسكن قرب منازل أحد العمال المشمولين بالدراسة، ليتسنى له الوقوف على تفاصيل قد تفيد في استنتاجات الدراسة.

    كانت وجه زوجته إلهام بلون أقرب للشحوب منه الى الحمرة، وكان بصوتها بُحة تفقدها التحكم بارتفاع صوتها وخفضه، بشكل سوي، وكانت تختار طريقة بالكلام، اعتقدت هي أنه يجب التكلم بها في أجواء الجامعة والمدينة. كانت ترتدي زي الجامعة كبقية الطالبات بتنورة رمادية وسترة زرقاء غامقة وقميص أبيض، رغم أنها تحتفظ ببعض فساتين العرس.

    لم يستطع صبحي تصنيف مشاعر زوجته، عندما أخبرها، بوجوب الانتقال الى بيت آخر، وكان قد وضع مبرراً لتحبيب الانتقال الى نفسها، وهو أن هناك أحد عمال المشاتل يسكن بجوار البيت الجديد، وامرأته قد وعدت بأنها ستبقي طفلتهم عندها لحين عودة الأم من الجامعة.

    لم يكن أثاث بيتهم من الكثرة بمكان، حتى يعيق توظيبه لنقله من بيت لآخر، فقد كان يكفي لشاحنة متوسطة حمله مرة واحدة.

    كانت إلهام، وهي تعد الملابس وتضعها في حقائب استعداداً لنقلها، وتضع الجرائد بين مواعين الزجاج وأدوات المطبخ، تتساءل: ماذا لو كنت قريبة من أمي ومن شقيقاتي، وهل يساوي ثقل تلك الغربة والدراسة ما قد سيؤول إليه الوضع بعد التخرج؟ ثم لماذا الدراسة، فأن تحصل الفتاة على شهادة جامعية، هو من الأسباب التي تجعل سوقها أفضل للزواج، فماذا عنها هي: أليست متزوجة وأم لطفلة؟

    تذهب لتعد وجبة لطفلتها، وتبتسم كأنها تدحض المسلمات التي أوردتها في تساؤلاتها: من يقول أن الخريجات الجامعيات أكثر طلباً للزواج من غيرهن؟ ومن يقول أن تلك الشهادات إذا ما تزوجن ستنفعهن بشيء؟ قد تتأفف الفتاة الجامعية وتتعالى على من يطلب يدها، وقد يتردد من يريد طلب يدها لأنه لم ينه دراسته الجامعية، وقد تكتفي الخريجة بقراءة ترجمة الأفلام الأجنبية وهي تعد وجبة من المحاشي لزوجها.

    (6)

    حضرت حليمة زوجة (دخيل) وابنتاها (فتنة) و (زاري) ليساعدن زوجة الأستاذ حلمي، في ترتيب أغراض البيت، وحملت (زاري) وهي الصغرى بين البنتين، حملت رُبى بين ذراعيها وأخذت تناغيها؛ فيما راحت البنت الكُبرى وأمها تتفحصان الأغراض، وقطع الأثاث، فكانتا مندهشتين لجمال تلك القطع، وغرابتها في نفس الوقت، رغم بساطة قطع الأثاث وتواضع أسعارها.

    كانت تنبعث من حليمة وابنتيها رائحةٌ، هي خليط من الزبد المتغلغل بين خيوط نسيج ملابسهن، والذي تحايل على مساحيق الغسيل المتواضعة والتي كانت تدلق عليه مع ماءٍ بشكل متناوب بالشهر مرتين أو ثلاثة عندما تكون هناك مناسبة تستوجب الخروج على المعتاد، مع رائحة اليوريا والنشادر المنبعثة من الاحتكاك بحظيرة الأبقار يومياً.

    كان على إلهام أن تتمرن، على تقبل تلك الصديقات وروائحهن، كعطاءٍ (بالإلزام) وقع عليها.

    لم يدرْ بخلد إلهام، أنها ستفاتح زوجها بذلك الوضع، فأمامها سنتان حتى تتخرج، وربما تُفرج الأمور بعد ذلك ويعود الجميع بسلام لبلدهم.

  3. #3
    (7)

    عندما عادت (إلهام) من الجامعة قبل الظهر بقليل، وذهبت الى إحضار طفلتها من بيت دخيل، وجدت أن الطفلة نائمة ومغطاة بالغطاء الخاص الذي تأخذه معها أينما ذهبت، في حين كان وجهها مغطى بقماشٍ خفيف مشبك يسمح للطفلة أن تتنفس ولا يسمح لجمهرة الذباب أن تخترقه..

    لمحت (إلهام) حليمة امرأة دخيل، وهي رابضة أمام وعاءٍ مسطح، خلط فيه القمح المجروش والبيض المسلوق، وفي جانبها وعاء عميق مصنوع من قش القمح، وضعت فيه صغار طيور الحبش (الديك الرومي: علي شيش)، كانت حليمة تحضر أحد الكتاكيت الصغار بيدها اليسرى، وتُعد له لقمة بيدها اليمنى من الخليط، فتضغط بطرف إبهام يدها اليسرى على أسفل منقاره، فينفرج ما بين طرفي المنقار، فتناوله بيدها اليمنى اللقمة الملائمة لفتحة منقاره.. وتنتقل الى كتكوت آخر بالتناوب، ثم تعاود الكرة على الكتاكيت حتى ينتهي ما في الوعاء من غذاء.

    سألتها: هل يا حليمة تطعمين أولادك مثل هذا الغذاء المُدلل (بيض بالجريش)؟
    ضحكت حليمة، لا لعجزها عن الإجابة، بل لجلال مناسبة طرح السؤال، فلم يخطر ببالها أن تتلقى سؤالاً من هذا النوع.. فكثيرة هي الأسئلة التي ممكن طرحها إذا أجيز طرح هذا السؤال، فأحياناً يقدم التبن والشعير لحمار طيلة عام، في حين أن الحمار لم يقدم خدمة بما يعادل طعام أسبوع، وغير ذلك كثير!

    عندما لم تتلق إلهام جواباً على سؤالها، أرادت مصالحة حليمة بتخفيف شكل السؤال: هل تأكلون من هذه الطيور عندما تكبر؟
    تلعثمت حليمة، حيث لم تتذكر بسنين عمرها الخمسين أنها أكلت من تلك الطيور، حتى بيضها، فأجابت: لا لم نأكل منها..

    خرجت إلهام على تقيدها بالكياسة بعض الشيء وسألت بطريقة سريعة: إذن ما تفعلون بتلك الطيور وبيضها؟
    ـ نجمع بيضها، لترقد بعض الإناث عليه، ثم تفقس كتاكيت جديدة..
    ـ وماذا بعد؟

    نهضت حليمة مسرعةً لتمنع طفلاً رضيعاً في أول سيره من السقوط في (قِدرٍ) للحليب المغلي، الذي وضع جانباً حتى يبرد، وتضاف إليه بضعة ملاعق من (الزبادي) لصنع لبن رائبٍ.. ربما لم تكن حرارة الحليب هي ما جعلت حليمة تنهض بتلك الهمة، بل هو أن الطفل كاد أن يتخطى أطراف القدر ومؤخرته عارية، فأرادت التخلص من الحرج، حتى لا يُنسب لبيت دخيل عدم انتباههم في إنتاج لبن نظيف! أو قد تكون حليمة وجدت في تمثيل دور المنقذ للطفل، مَخرجاً من الملاحظات والأسئلة المتتالية التي كانت تصدر عن إلهام.

    حملت إلهام طفلتها ربى وخرجت وهي لا تزال تفكر بظاهرة الاهتمام بصغار الديك الرومي والمسار الذي تمر به حياة تلك الطيور! وابتسمت فجأة واستنتجت نتيجة سريعة وغير دقيقة، بأن تعليم البنات في معظم البلدان العربية يشبه تلك الظاهرة، فتتعلم البنت حتى تصبح معلمة فتعلم غيرها من البنات.. وهكذا، وليس من الأهمية قياس ما سيتحقق من تلك العملية..

    (8)

    كان أبو ماجد شقيقاً للمدير الذي يعمل تحت إمرته المهندس حلمي، يسكن في بيت قريب من بيت حلمي الذي انتقل إليه حديثاً، وقد توطدت العلاقة بينهما بعد أن تعارفا، وكانت إلهام تقضي عند أم ماجد بعض الوقت، وخصوصاً عند اشتداد الحر، ففي بيت أبي ماجد مبردة صحراوية، في حين لم تكن لدى حلمي وزوجته.

    كان أبو ماجد يصوم وربما يصلي، ولكنه لم يكن خليعاً، ولا يُحسب على المتزمتين دينياً وطائفياً، وكان بنفس الوقت لا ينسى مراسم طائفته الشيعية خصوصا تلك التي يُصنع فيها الهريسة، وكونه من القومية (الشبكية) كان ترتيب عناوين الأشياء يأخذ شكلاً لا يخلو من نكهة محببة..

    عند الظهر، أحضرت ابنة أبي ماجد ماعوناً فيه هريسة لبيت حلمي، فسألها: ما هذا؟ قالت: (هريسة مال حسين) .. طلب منها الانتظار قليلاً، فأفرغ ما في الماعون من هريسة، واستبدله بجزء من طعامهما ( ملوخية بالدجاج)..

    حاول تذوق الهريسة، فكانت مزيجاً من اللحم والدجاج والتين المجفف والعدس واللوبيا والبصل، والمشمش المجفف (القيسي) والزبيب (الكشمش)، هرست وتداخلت نكهاتها بحيث يصعب تصنيفها، أهي مع الحلويات، أم مع المأكولات! حمل تلك الأكلة ووضعها في برميل القمامة الذي يشترك فيه بيته مع بيت أبي ماجد..

    في المساء عندما ذهب حلمي وزوجته وطفلتهما للسهرة، سأل حلمي أبا ماجد: كيف كانت الملوخية مع الدجاج؟
    أجاب: لقد لحقت ب (هريسة مال حسين)!

    (9)

    حاول حلمي تدوين ملاحظات زوجته عن أسرة دخيل، كم عدد الغرف في البيت، كم عدد أولادهم وبناتهم؟ كم غرفة نومٍ يستخدمون؟ هل لديهم ثلاجة وتلفزيون ومجمدة الخ..

    لاحظ حلمي أن زوجته وهي تنقل له المعلومات، أنها تنظر بعين تشبه العين الحاسدة، لكنها ليست كذلك، فهي لم تستهجن أن كل أسرة دخيل المكونة من عشرة أفراد، ينامون في غرفة واحدة، ولم يخطر ببالها حجم المعاناة التي سيلقاها الزوجان في الانفراد دون لفت انتباه الأولاد والبنات، خصوصاً وقد أصبح قسمٌ منهم في سنٍ يستطيع فيها فهم ما يدور حوله.

    وعندما استوقف حلمي زوجته وهي تسرد ما استطاعت تذكره بالتفاصيل قائلا: أراكِ تتكلمين عن تلك الأسرة وكأنك مفتونة بما هي عليه من بؤس!
    ـ ومن قال لك أنهم بائسون؟ فالبائس هو الذي يرسم شكلاً لحياةٍ يحلم بها ويفني معظم عمره، وهو لم يحقق ثلث ما رسم... أما هؤلاء فإن رسمتهم كما يبدو لي مكتملة ولا يطمحون أكثر من إدامتها، فسعادتهم تتجلى ببساطة متطلباتهم!

    ـ هل يُعقل أن هناك أسرة ينام أفرادها كلهم بغرفة واحدة؟
    ـ لا تسقط مشاعرك على ما يُعرض عليك بأدوات عقلك أنت، وبمخزون وعاءه من الجائز وعدم الجائز.. إنك تنظر الى الولد الذي عمره خمس عشرة سنة، على أنه غريب، كما هي الحالة كلها غريبة عن عقلك كوعاء وكأداة، ولكن المسألة بالنسبة لدخيل وزوجته تختلف..
    ـ كيف تختلف؟
    ـ إنهم لم يفارقوا أولادهم وبناتهم منذ اليوم الأول للولادة، فاليوم الأول يتصل باليوم الثاني وهذا يتصل بالثالث حتى يكون اتصاله باليوم الأخير لأعمار بناتهم وأبنائهم.. فقد تعايش الآباء كما تعايش الأبناء مع التطور الزمني بسلاسة ودون تكلف، تماماً، كما يصنع أهل البادية في خيام الشعر ودون أبواب مقفلة وجدران صامتة، وكما كان يصنع سكان الكهوف، عندما كان يعيش عدة عائلات في كهف دون حواجز.

    كان حلمي يستمع بشكل جيد، ويحاول مواضعة ما كُلف به مع الخطوط المرسومة بعناية غير فائقة من خلال حديث زوجته التي هي في طريقها للاختصاص في ما تتكلم عنه..

  4. #4
    (10)

    جلس فؤاد قبالة المدير الجديد ( غانم)، وبينما كان غانم منشغلاً بقراءة البريد الوارد للدائرة، كان فؤاد يتفحص ملامحه جيداً، كان الحاجبان اللذان يعلوان عيني غانم أبرز ما قد يختاره رسام (كاريكاتير) للتدليل على شخصه، فقد كانا كأنهما كُتلتين من الشعر غير المنظم أضيفتا فوق العينين على عجل من مساعد مخرج ليدللا على شيء، حاول فؤاد تذكر هذا الشيء، فلم يكن الحاجبان يغطيان ما فوق العينين بشكل كامل، ولم يكن شعرهما متجانساً لا بلونه ولا بطوله ولا بتنظيمه، فكانا يتوسطان ما فوق العينين، وبحجم يفوق مساحة القزحية (الجزء الملون من العينين) ولون شعرهما كان بين الأشقر والخروبي، وتدور الشعرات بشكل قريب من الحلزوني، بعكس حواجب الناس التي تسبل بشكل طبيعي.

    كان غانم يرفع عينيه بين حين وآخر، يريد مجاملة غانم، دون أن ينطق بكلمة، بل كان يكتفي بمحاولة للابتسام، ثم يعود لمتابعة البريد، قراءة وتوقيعاً.

    تذكر فؤاد ما جعله يقف عند حاجبي غانم، فقد كانا يعطيانه ملمح من ملامح الذئب، بحركة العينين وتقطيب الحاجبين، ربط فؤاد المعلومات التي لديه عن غانم مع ثقافته عن الذئاب.

    فالذئاب لا تعيش في وسط المدن، ولا تتناول طعامها بطمأنينة، ولا تجازف في خوض معركة خاسرة، فالذئب يغافل راعٍ ويخطف أو يقتل خروفاً متأخراً عن القطيع أو شاة مريضة، ونادراً ما رأى ذئباً، أو سمع عن ذئبٍ في حديقة الحيوان.

    كان غانم من قرية ليس بها أي دائرة حكومية، حتى لو كانت مدرسة ابتدائية، وكان سكان تلك القرية يخضعون للحكم المركزي بدرجة تفوق خضوع سكان المدن والقرى الأكبر. شبه فؤاد درجة خضوعهم للدولة دون احتكاك بها بشكل مباشر، بحالة نضج السمك (المسكوف) المتبعة في العراق، حيث تنضج السمكة عن طريق الوهج المنبعث من النار البعيدة عن السمكة المصلوبة على عيدان.

    ابتسم فؤاد في سره، واستغل وقت جلوسه دون انشغال، في الانبهار بنظرية الوهج، فقال أن ازدحام المدن والقرى الكبرى يجعل احتمالية وصول أثر الحكم للمواطنين أقل منها في القرى الصغرى و(الضِيَع)، حيث تكون حالات الانفراد أكثر بالقرى عنها بالمدن فيطول الوهج الأشخاص بطريقة أكثر منها في المدن.

    (11)

    دخل علي محرم، الى غرفة المدير، وكان المدير قد انتهى من معالجة البريد الوارد، وكان يجلس في حضرته، فؤاد وزائرين اثنين آخرين، كانت ملابسهما فاخرة وملامحهما توحي بأهميتهما، وكان الغرض من دخول علي محرم لغرفة المدير، تقديم شكوى من رئيس العمال، ومهندس بساتين الأبحاث.

    بينما كان المدير منشغلاً في الرد على الهاتف، مع المدير العام
    ـ نعم أستاذ، أمرك أستاذ.
    كان علي يسرق جزءاً من نظرة سريعة الى ملابس الجالسين، ويعود الى النظر الى هيئته المبللة والملوثة ببقايا الوحل، فيلتفت الى الخلف ليلقى آثار قدميه الموحلة على أرضية مكتب المدير النظيفة..

    انتهى المدير من المكالمة، ولعله كان يجول عينيه على آثار علي محرم، وهو يرد على مخابرة المدير العام، فما كان باستطاعته تنفيذ رغبته بزجره وهو يرد على المكالمة..

    ـ (إش عندك) تارك شغلك؟
    ـ أستاذ لو سمحت... (توقف علي عن محاولة الحديث) لرنين جرس هاتف آخر من الهواتف الثلاثة التي على منضدة المدير..
    ـ خليه ينتظر.. نرى فيما بعد..
    ثم يعود علي محرم لمحاولة استئناف الحديث: أستاذ، أنت تعرف أنه..
    ـ أعرف ماذا؟ أنت لا تستحي.. امش انصرف الى عملك، وبعدين نشوف..

    فرح علي محرم لطرده من مكتب المدير، فقد كانت آثار عيون الجالسين عليه أكبر من أثر ظلم رئيس العمال، وكان يتمنى أنه لم يأتِ ليشتكي..

    بهذه الأثناء دخل أحد الحراس الليليين واسمه مصطفى وهو من الأكراد، فيناديه الآخرون للتحبب (مصطو) .. كان يعتمر (جراوية: غطاء رأس خاص بالأكراد) ويتمتع بروح حيوية عالية، وكل من يصادفه من الموظفين والعمال، يحاول أن يجعله يتحدث لينعم بحديث طريف.

    المدير: ها (مصطو) (ش رايد؟: ماذا تريد؟)
    ـ أستاذ، أريد إجازة..
    ـ لماذا تريد الإجازة؟
    ـ أريد آخذ (مرتك: امرأتك) للجبل..
    ـ (ضاحكاً) ماذا تعمل بمرتي بالجبل؟
    ـ أستاذ، ( مو مرتك) أنت، (مرتك أنا).

    وقع له المدير طلب الإجازة، بعد أن قدمه كأنه إحدى واجبات الضيافة لضيوفه.

    (12)

    كان لدى فؤاد وأصحابه تعليمات واضحة، في ما يستوجب مراقبته في شأن الإدارة، فإن كان النموذج السابق من طريقة (الباب المفتوح) حيث يدخل المستخدمون الى غرفة المدير دون موانع، لا يؤدي نتيجته فإن هناك صيغٌ أخرى يجب الإيحاء بها للمدراء لتطبيقها، ومنها (الخروج من الباب المفتوح) أي ليخرج المدير الى حيث يوجد المستخدمون ويلتقي بهم.

    كان غانم ينظر بريبة الى فؤاد، لكنه يُجبر نفسه على اتقائه كاتقاء الذئب لفخ وضع للإيقاع به، وبالرغم من أن مركز وظيفة غانم أعلى من مركز وظيفة فؤاد إلا أن غانم كان يبدي احتراماً استثنائياً لفؤاد.. ولهذا لبَّى طلبه في الاقتراح للقيام بجولة، في الحقول والبساتين، وطلب من نذير تجهيز السيارة للقيام بجولة في البساتين والحقول. أخبر نذير من حوله بتلك الجولة..

    شاء فؤاد أن يطلع المدير على ما أراد أن يشتكي منه علي محرم من رئيس العمال..

    عندما نزل المدير وفؤاد من السيارة، كان رئيس العمال باستقبالهما، مرحباً ومبتسماً ومباركاً تلك الزيارة الثمينة، وقام بقص بعض أفرع الأشجار التي كانت تبعد عن رأس المدير حوالي المتر! تعبيراً عن حرصه على تأمين أفضل الأجواء، وليعطي انطباعاً للمدير بضرورة بقاءه قريباً منه في تلك الجولة..

    لمح المدير، علي محرم عن بعد، فقال لفؤاد: أليس ذلك هو العامل الذي كان عندنا في المكتب؟

    انتبه رئيس العمال، وأخذ يتكلم عن العامل وعجزه وكثرة حيله في التملص من العمل. أوقفه المدير عن الاستمرار بالكلام، وطلب منه الانصراف. فرح فؤاد لهذا السلوك من جانب المدير..

    وصل المدير وفؤاد الى حيث يعمل علي محرم..
    ـ (القوة.. القوة).. (تحية تقال للعاملين)
    ـ الله يقويك أستاذ..
    ـ ماذا كان لديك، عندما حضرت للمكتب؟
    ـ لا شيء أستاذ.. مسألة صغيرة وانحلت..

  5. #5
    (13)

    أنهت اللجنة المكلفة باستضافة خبراء التقنيات الزراعية العلمية ترتيبات حفل عشاء في أحد الأندية المرتبطة بمؤسسات الدولة، وقد تم تزويد المسئول الأمني في النادي بأسماء المدعوين، وضرورة الاهتمام والاستجابة لطلبات القائمين على الحفل، مهما كان نوعها، خصوصاً أن هناك من بين المدعوين بعض الخبراء الهولنديين من شركة (وولف آند وولف) والبريطانيين من شركة (إيست مالنغ نورتن)، وبعض خبراء منظمة الأمم المتحدة للزراعة والغذاء (fao).

    وصل المدعوون قبل غروب الشمس بأكثر من نصف ساعة، وكانت المناضد تتسع لثلاثين من المدعوين، تم ترتيبها بحيث يستطيع من كان يجلس على أي مقعد أن يستمع لما يقوله غيره.

    انفرد (أبو غسان) بعيداً عدة خطوات، ليصلي العصر، في حين لم يكتمل الحديث في الطرقات بين المدعوين، الذين كانوا يخطون بعض الخطوات ويتوقفون قليلاً ليتكلموا عن جمال المكان المُطل على النهر، والاخضرار الواضح في مُسطحات النجيل والأزهار والأشجار المُنسقة بشكل جيد.

    كان الخدم المتأنقون كأنهم في استعراضٍ أمام لجنة لرفع درجة تأهيل المطعم والمكان، يقفون بانتظار المدعوين ليسحبوا مقاعدهم تهيئة لجلوسهم.

    أشار غانم باحترامٍ مبالغٍ للبريطانيين الاثنين والهولنديين الاثنين ليجلسوا في أماكن اعتقد هو أنها الأكثر وجاهةً، رغم تشابه المقاعد والمناضد، وعندها سارع نادلان من الخدم المخصصين لسحب كراسيهم بلطف ليجلس الضيوف عليها، واحتاط غانم أن يترك مكاناً لأبي غسان كونه الممثل الإقليمي لمنظمة الزراعة والغذاء التابعة للأمم المتحدة.

    انطلق مجموعة من طباخي النادي، بعيداً أكثر من عشرين خطوة وبجانب النهر تقريباً، حيث يوضع حوض سيراميك مملوء بالماء، وتتحرك فيه أسماك وزنها بين ثلاثة وخمسة كيلوغرامات، لعمل (المسقوف)، فأوقدوا قطع الحطب التي كانت مُعدة سلفاً، كما قام غيرهم بتحضير (مناقل) الشواء للحوم.

    تفحص أحد الإنجليزيين ترتيب الكؤوس والملاعق والشُوَك والفُوَط، فأدرك أن تلك الطقوس مستحدثة، وأنها تنقصها العراقة التي تتلاءم معها.

    (14)

    رحب غانم بالجميع، وابتدأ بالضيوف الأجانب بلغة إنجليزية سريعة كأن منَ لفظها بنغالي أقام في بريطانيا مدة غير كافية، ثم قام بوضع الفوطة على ركبتيه إيذاناً ببدء الآخرين لوضع فوطهم. فهم مجموعة من الجالسين تلك الإشارة، في حين قلد البعض الآخر هؤلاء، وتجاهلت مجموعة الالتزام بتلك الحركة.

    طاف نادلٌ على المدعوين مبتدءاً بالضيوف الأجانب، ليصب لهم في كؤوسهم من قارورة ويسكي لفَّها بقطعة قماش، ويتفقد إشارة غانم بين الحين والآخر، فسكب للأجانب الأربعة، ثم لأبي غسان، ثم وضع معظم الموجودين أيديهم على صدورهم اعتذاراً عن عدم رغبتهم باحتساء المشروب.

    التفت غانم الى أبي غسان، وذكره بأنه قبل الغروب قد صلى صلاة العصر. ضم أبو غسان تلك الملاحظة، وأجاب أنه إذا كان الخمر حراماً، فإن ترك الفرض حرامٌ أكثر.

    لم ينتظر أبو غسان كثيراً ليرد على ملاحظة المدير المحرجة، فاستعدل في جلسته ثم قال: أحياناً كنت أتساءل: ماذا لو أُلغيَّت وزارات الزراعة في الدول العربية، ماذا سيحل بالزراعة في هذه البلاد؟، يصمت قليلاً ويجيب: لا شيء!

    كان أبو غسان يتكلم بحرية وثقة عاليتين أثارت استغراب الجميع، ولم يخمن أحدهم أنه كان قبل أكثر من عشرة سنين لاجئاً سياسياً مع وزير الزراعة الذي يأتمر بأمره هذا المدير، رغم أنه من بلد عربي آخر، ثم أنه لا يتبع للوزير بل يتبع لإدارات الأمم المتحدة.

    ضحك الأجانب الأربعة، بعد أن تُرجمت لهم ملاحظة أبي غسان، وتجرأ أحد الإنجليز للتساؤل عن إعدام وزير الري وخمسة من كبار مهندسي وزارة الري؟

    كانت ملاحظة أبي غسان كافية لجعل غانم يحس بالحرج، والآن جاء تساؤل هذا الإنجليزي، لتجعل حرجه في قمته، حاول التظاهر بأنه سيتفقد الطهاة، لكن أبو غسان أشار إليه بالبقاء منصتاً بشكل جيد.

    تكلم أبو غسان بلغة إنجليزية واضحة دون تلعثم، فقال: لقد كان هذا الوزير وزيراً للري لأربعة عهود متعاقبة، وكان مرتبطاً بحكومتكم البريطانية لإعاقة تنفيذ مشروع سد (أبو ماريِّا)، وكان هو ومهندسوه قد تفننوا بمماطلة الحكومة مراهنين على انقلابٍ يحدث دون البدء بالمشروع، وعندما تشككت هذه الحكومة بسلوكه، وضعته تحت المراقبة، فاكتشفت دوره ومن معه بكل التفاصيل التي تدينه.

    وهذه الحكومة هي نفسها التي سحبت قبل شهور، شهادات خمسة من كبار المهندسين الزراعيين، الذين كانوا وراء استيراد نصف مليون شتلة (سان جوليان a) من إسبانيا لتطعيم الخوخ عليها، بعد أن اكتشفت أن تلك الأصول مصابة ب (النيماتودا).

    تدخل أحد الهولنديين: هذا كثير وفيه خشونة واستخفاف بحقوق الإنسان..
    رد أبو غسان: أو ليس إدخال مثل تلك الأمراض السارية هو استخفاف بلقمة الإنسان وغذاءه وهي من أهم حقوق الإنسان؟

    بادر غانم بالطلب من الأجانب للقيام لمشاهدة كيف تحضير المسقوف والمشاوي بالطريقة المحلية، فهم الأجانب تلك الحيلة ووافقوا للقيام بمشاهدة تحضير الطعام.

    (15)

    عندما سمع عبد الكريم ما دار من نقاش، شكر الله كثيراً أنه لم يغامر ويطلب كأساً من الويسكي، أو زجاجة بيرة، فكيف له أن يتيقن أن مثل تلك اللقاءات لا تكون مخصصة لكشف العورات الداخلية للموظفين، صحيح أنه كان يتناول المشروب في اليابان عندما كان بدورة تقنية هناك، وصحيح أنه كان يعاشر النساء، وصحيح أنه كان يفعل ما يخجل فعله أمام الآخرين في بلده، لكنه لا يدري إن كان ما يفعله لا يسبب له سحب شهادته كالذين استوردوا أصول الخوخ من أسبانيا.

    اقترح أبو غسان أن يقرب المدعوون مقاعدهم من مكان الشوي، لتناول طعامهم وهو ساخن جداً، فهذه الطريقة ألذ وأكثر شعبية.

    فرح الكثير ممن كانوا لا يتقنون تناول الطعام بالشوكة والسكين وتحت مرأى الجميع، فبادروا لحمل مقاعدهم قبل أن يتدخل الخدم في ذلك، وأعادوا ترتيب مقاعدهم بالقرب ممن يطمئنون لهم في كل شيء!

  6. #6
    (16)

    توجه حلمي عند الظهيرة صَوْبَ عمال البساتين، ليشاركهم غدائهم أو ليتفحص ماذا يتناولون في غدائهم. سلك طريقاً كان يحب أن يسلكه في بدايات الصيف، فوق كتف ساقيةٍ مرتفعة عن الأرض بشكلٍ يسمح لها أن توزع مائها على جانبيها من خلال مساربٍ أُعدت لذلك. كان يحب المشي على كتفها ليلتقط ما تستطيع يده من ثمار (التوت) الأحمر الحلو.

    الزمن في منتصف الخريف، فلا توت ولا ثمار غير ثمار الزيتون والحمضيات وبعض أصناف الكمثرى المتأخرة النضج تنتشر على جانبي الساقية. وقد زرعت أشجار التوت بصفوف متوازية مع أشجار (البايرس كارليانا: الكمثرى البرية) لتصد الرياح وتمنع الثمار من التساقط.

    لاحظ نظافة جانبي الساقية من الأدغال (النباتات الغريبة) التي تمتص المياه من الساقية وتُسهِّل عمل القوارض في تسريب مياه الساقية الى أعماق الأرض، دون أن تستفيد النباتات المزروعة منها.

    جلس ليشعل لفافةً من التبغ وتأمل ـ كما يفعل يومياً ـ ألوان أوراق أشجار (الكمثرى البرية) العملاقة والتي أصبحت في الجهة المقابلة له، كل يومٍ ألوانها تختلف عن اليوم الذي يليه، فمن أخضرٍ غامق الى أخضر مصفر الى أصفرٍ محمر الى بُني غامقٍ في بعض أطرافها، كان المنظر يُلهم رساماً محترفاً ليضفي على لوحته تشابكاً رائعاً في الألوان، خصوصاً عندما ينزل الناظر بنظره ليرى من خلال المسافات بين سيقانها أشجار (الكالمنتينا: اليوسفي) ذات اللون البرتقالي الغني والتي تزاحم اخضرار أوراق أشجارها.

    لا تسمح الشجرة النفضية (التي تتساقط أوراقها في الخريف) من أن تسقط ورقة واحدة منها، دون أن تمتص كل عناصرها، ولا يبقى إلا الألياف اليابسة، وفي هذه العملية التي تطول عدة أسابيع، تتغير صبغة الألوان من لون الى لون، منذرة باقتراب أجل تلك الأوراق.

    نفث آخر نَفَس من لفافة التبغ قبل أن يدوس بقدمه عقب سيجارته، وكان النفس الأخير يشبه النَفَس الأول، كان التشبث بلفافة التبغ والشوق لها، متشابهاً فيهما، بعكس وسط السيجارة.

    (17)

    وصل الى كوخ عمال البساتين عند تجمعهم لتناول طعامهم في استراحة مدتها ساعة، رحبوا به ترحيبا ودوداً، وناولوه كرسياً قديماً لا ظهر ولا مساند له، فجلس عليه، وشاغلهم بملاطفتهم وامتداح الشاي الذي يُصنع على الحطب، فناولوه كوباً من الشاي، ورجوه أن يشاركهم طعامهم.

    لم يكن طعامهم جماعياً، بل كانوا يجلسون في حلقة متعرجة قريبين من النار التي تندَّسُ في جوانبها عدة أباريق لصنع الشاي، تفاهم أصحابها على اقتسامها. لاحظ أن البيض المسلوق في بيوتهم والطماطم وعُلبٍ من حليب الأطفال تم استخدامها لوضع اللبن (المخيض) داخلها، مع بصلة يابسة يحملها كل عاملٍ بصرته التي يحتفظ فيها بما أعدت له زوجته من طعام.

    كان أحدهم قد قطع حديثاً له وقت وصول المهندس (حلمي)، وكانت الأعين تتجه إليه ليكمل حديثه، مُشجعةً إياه لإزالة الحرج، فأوجز بإكمال حديثه بالقول: (كَلب ما يبَّعِد .. حصيني ما يفوت). فهم المهندس أنه كان يحكي عن قصة تحرش معينة لاحظها إما في حيِّهِ أو في مكان ما، ولاك الناس في تلك القصة، فأراد القول أن حارس كل فتاة أو امرأة يسكن في داخلها، كما يرابط كلب الحراسة عند دواجن كل بيت، فإن لم يبتعد الكلب فلن يدخل الثعلب لسرقة دجاجة!

    لم يشأ أن يدخل في حديث معهم بهذا الشأن لأكثر من اعتبار، وأهم تلك الاعتبارات أنه كان مشغولاً في حساب ما تحتويه كل وجبة من وجبات العمال من (سعرات حرارية) ليدونها في دفتر ملاحظاته، عسى أن يقف على مسببات انخفاض الإنتاجية.

    (18)

    توقف عند العامل الذي كان يُنظف بالساقية الرئيسية، فسأله عن طبيعة عمله ـ وإن كان يعرفه ـ فأجاب: أستاذ هذا الوقت نُكِّدْ السواقي ونتتبع (الخوَّانَات)، وكان يقصد الثقوب التي في أسفل السواقي التي تهدر كميات المياه.

    كان العمال والمهندسون، يعرفون واجباتهم جيداً، كما تعرف أفراد طوائف النحل والنمل والسناجب الأعمال الواجب القيام بها مع ما يقابلها من تطورات الطقس المختلفة، لكن الفرق عند البشر، يتعلق بما يُضاف من تراكم خبرات ومعلومات تنتقل وِفق أحد ركائز النظرية العلمية وهي عمومية العلم.

    لفت انتباهه، إصرار العامل على التعمق في ثقبٍ، يوسعه، ويهدم من جوانبه ويُدخل فيه أداة حادة، وكأنه يلاحق ثعبان عرف مكان اختبائه. سأله: ماذا تفعل؟ فأجاب: أريد أن أغلق تلك (الخَوَّانة) بشكل نهائي!

    تذكر، أنه في طفولته، وفي بيتهم، حيث كان هناك، بئرٌ لجمع مياه الأمطار، تستخدمه أسرته في الشرب والطبخ وغيره، كانت مياهه تكفيهم طيلة أيام السنة، ولكنه في أحد السنين، لم تكفِ مياهه سوى شهرين، وعندما اندهش أفراد الأسرة من تلك الظاهرة، أجابهم جَدَّهُ: أن هناك ثقب في البئر، لا بُد من تتبعه وإغلاقه.

    انتهى

  7. #7
    قصة رمزية واقعية تحمل من الهم العاملي الكثير.ولو أن القارئ مازال يتساءل
    ماذا فعل المراقبون بعد جمع الحقائق..فقط لرفع الإنتاجي ة؟
    إذا كنتَ لا تقرأ إلا ما تُوافق عليـه فقط، فإنكَ إذاً لن تتعلم أبداً!
    ************
    إحسـاس مخيف جـدا

    أن تكتشف موت لسانك
    عند حاجتك للكلام ..
    وتكتشف موت قلبك
    عند حاجتك للحب والحياة..
    وتكتشف جفاف عينيك عند حاجتك للبكاء ..
    وتكتشف أنك وحدك كأغصان الخريف
    عند حاجتك للآخرين ؟؟

  8. #8
    قصة رمزية واقعية تحمل من الهم العاملي الكثير.ولو أن القارئ مازال يتساءل
    ماذا فعل المراقبون بعد جمع الحقائق..فقط لرفع الإنتاجي ة؟
    إذا كنتَ لا تقرأ إلا ما تُوافق عليـه فقط، فإنكَ إذاً لن تتعلم أبداً!
    ************
    إحسـاس مخيف جـدا

    أن تكتشف موت لسانك
    عند حاجتك للكلام ..
    وتكتشف موت قلبك
    عند حاجتك للحب والحياة..
    وتكتشف جفاف عينيك عند حاجتك للبكاء ..
    وتكتشف أنك وحدك كأغصان الخريف
    عند حاجتك للآخرين ؟؟

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •