الفكرة المكثّفة
في مجموعة (دموع من رمال - د. ميسون حنا) القصصية

بقلم الروائي محمد فتحي المقداد

التركيز الفكريّ مُهِمٌّ جدًا فيما يتناوله الكاتب في محتواه الكتابيّ ونتاجاته؛ فهو يتيح مساحة فَهْمٍ واعية دقيقة للقارئ، وإدراك رسالة ما قرأ بدقّة تنعكس آثاره عليه إيجابًا، هذا الاتّجاه في تخصيص فكرة بالبحث استئثارًا بها، ومن جميع جوانبها تفتيقًا وتأصيلًا أعتقدُ جازمًا بجدواها على المدى البعيد، في سهولة استعادة استذكارها إذا ما تباعد الزمان بها.
وقد استهوتني هذه الجزئيّة الأساسيّة في أيّ عمل كتابيّ، وأميلُ إلى تطبيقه على كتاباتي جميعها، ووجدتُ ذلك عند (د. ميسون حنّا) واضحًا جليًّا ممّا شجّعني على متابعة القراءة بنهَمٍ وتأمّل لمجموعتها القصصيّة (دموع من رمال).
افتتحت مجموعتها بعنوان للنصّ الأوّل (المُهمّش الأوّل) ووصلت متلازمة العنوان إلى (المُهمّش السّابع) لتفرش أجنحتها على مساحة سبعة نصوص أخذت ثلث صفحات المجموعة القصصية، وبذلك تكون فكرة المُهمّشين ظاهرة مُركّزة تسترعي الانتباه، وملاحقتها على الصفحات وبين السطور، لاستطلاع الحالة ومحاولة قراءتها أدبيًا بما تستحقّ.
وللوقوف على دقّة كلمة (المُهمّش) ودلالاتها لا بدّ من مُتابعتها عن الطريق اللغويّ، ليكون المعنى الذي ذهبت إليه الكاتبة واضحًا في أذهاننا: (هامِش: اسم، الجمع: هوامشُ والْهَامِشُ: حاشيةُ الكتاب، جزء خالٍ من الكتابة حول النص في الكتاب المطبوع أو المخطوط، وفلانٌ يعيش على الهامش: مُنفردٌ غير مُندمجٍ في المجتمع.. مُهْمَل.. منعزل).
وبتتبع نشوء حالة التهميش إذا طالت مجموعات بشريّة وعرقيّة وإثنيّة، نتيجة الاضطهاد من فئات استقوَت على الأقليّات، أو في حالة الدكتاتوريّة ذات النهج العدواني، خاصّة إذا كانت قائمة على أصول فكريّة ذات أبعاد قوميّة مُتعالية بشوفينيّها الإقصائيّة الاستئصلاليّة التي لا تقبل بوجود الآخر أيًا كان. نشأت فئات اجتماعية واسعة منزوعة الحقوق والحريّات الشخصيّة والعامّة، بهذا المفهوم هم مُهمّشون، بينما الفئة الأسع تهميشًا النّاتجة بحيثيّاتها من ظروف اقتصاديّة سيّئة عمّمت حالات الفقر الذي صار سمة وأساسًا لكلّ خلل اجتماعيّ، وهو ما عالجته الكاتبة ميسون مجموعتها دموع من رمال على محمل دوائر ومفاهيم التهميش الاجتماعيّ.

العنوان:
بالتوقّف أمام عنوان المجموعة (دموعٌ من رمال)، المؤلَّف من ثلاث كلمات، شكّلت جملة يتوسّطها حرف الجر (من) الذي كان معنيًا بتفسير ماهيّة كلمة (دموع)، وهي جمع دمعة، مصدرها العين، غالبًا ما تصدر من حالة حزن وألم، وفي حالات نادرة من الفرح الشديد، ولما أخبرنا حرف الجرّ أن هذه الدموع هي من رمال؛ يجدر التوقّف لاستيعاب الصّدمة الدّاهشة بمفارقتها الماديّة والمعنويّة. لاختلاف طبيعة الدّموع السائلة الشّفافة، وهي تتماهى تعبيرًا أدبيًّا افتراضيًّا في الجمع بين متناقضيْن طبيعة وتكوينًا، وإسقاط الحالة الفيزيائيّة فيما بينهما خلافًا لكلّ الاعتبارات العلميّة، والضرورات الأدبية تستبيح الممنوع بجواز الإبداع.
كما أن عنوان المجموعة جاء من عنوان نص في داخلها، وفجيعة الموت خلطت أوراق الأم كليمة القلب على وحيدها، وتقول الكاتبة: (اخرج عن صمتك يا أنا؛ فالحزن يتضاعف مع الصمت؛ فالدموع تقول أحيانًا ما يُعجز اللّسان عن النّطق؛ فالمساحة في صدري أوسع لتحتضن حزني، وتتفهّم فجيعتي، ولكن أكادُ أنفجر..) ص74. وإذا عُرف السبب بطُل العجب.

المهمشون:
منذ بدء الخليقة وعلى مدار تاريخ البشريّة عانت مجموعات واسعة منها الفقر، والحديث عن مُخرجاته كبير جدّا دارت حوله أفكار المُصلحين والمفكرين والكُتاب والمخلصين، ولاأدب إسهاماته المؤثّرة في هذا المجال، ولم تكن الأعمال القصصيّة والروائيّة وبعض الشّعر، إلّا مرآة عكستها عين الكاتب الرّاصدة بوعي مُتقدّم على محيطه.
وجاءت الريادة الأدبيّة بتصوير دقيق وأمين للحالة، وفي هذا المقام أيتذكر رواية (نقمة المهمشين – ويكي فورسكول) ولا يمكن الحديث عن المهمشين في الرواية عمومًا من دون ذكر ثلاثيّة الكاتب المغربي (محمد شكري) (الخبز الحافي – وجوه- الشّطّار)؛ فقد أبدع في رصد العالم السّفلي للمهمّشين في طنجة، حيث اختلطت حياة أبطاله مع حياته، ووصف بدقّة وصدق بعيدًا عن التكلّف ما كان يراه، ومثله فعل الروائي السوداني (عبدالعزيز بركة ساكن) في رائعته (مُخيّلة الخندريس) تمامًا وإبراز المعاناة والألم والبحث الدائم عن لقمة تُسكت جوع البطون.
يطول ويطول الحديث الأدبيّ في هذا الاتّجاه، القليل منه يكفينا استشهادًا دلاليًا على موضوعنا، في مجموعة (دموع من رمال) التي رصدت سبعة نماذج اجتماعيّة مُهمّشة، جاءت تباعًا:
-المُهمّش الأوّل: ذلك الشّاب الكسول المُتواكل المُسوّف ليتحوّل إلى مُتسوّل مُحترف: (في الحقيقة طرقتُ أبوابًا كثيرة لأحصل على عمل) ص5. (لكي أفتح مصلحة يلزمني المال، والمال معدوم بدليل أنّي جائع) ص6. (وهكذا امتهنت مهنة كنتُ رافضًا لها، أنا الآن في يسر، ولم أعد جائعًا، لكنّي فقدتُ كرامتي) ص9. صحيح تمامًا أنّ لا كرامة لإنسان عندما يمدّ يده للتسوّل.
-المُهمّش الثاني: شاب عامل مطعم لتحضير الفلافل والساندويتشات للزبائن، بأجر بسيط لا يتساوق مع تواثب أحلامه مثل أقرانه: (أفتح عينيّ.. ولا أرى إلّا الفراغ، منهمك بقلي حبّات الفلافل، أتت فتاة مليحة متورّدة، عقدتُ مقارنة بينها وبين فتاة أحلامي) ص12. (إن حذاءها مهترئٌ كحذائي؛ فليتّحد الحذاءان إذن) ص12. (خسرتُ حلمًا كان يسعدني، قتلته ببساطة عندما أردتُ أن أقحمه إلى واقعي، والواقع والحلم لا يلتقيان، أحدهما عدوّ صاحبه، بل قاتله) ص16.
-المُهمّش الثالث: موظف في شركة خاصة: (الدنيا تتلاعب بنا نحن الغشيمين الذين لا يتقنون اللعب، نحن نتقن فن الدعاء فقط) ص17. في حملة للشركة لتخفيض مصاريفها أعلمت بعص موظفيها بالاستغناء عن خدماتهم بتسريح تعسفيّ، من خلال إجبارهم على الاستقالة تحت التهديد بتهمة تلصق بالموظف الذي يرفض قرار مديره. (أكره فكرة استسلامي، أكره ضعفي وقلة حيلتي) ص20.
-المُهمّش الرابع: هذا أيضًا موظف شركة، متل سابقه بفارق أن الأول عازب والثاني متزوج ذو عائلة، استغنت الشركة عن خدماته بسبب ضائقتها المالية؛ فالإفلاس يدفع إلى حافة الهاوية، والطلبات بالتزاماتها المادية لا تنتظر ساعة الفرج، هي واجبة الاستحقاق، وهنا تظهر إشكالية احترام الذات مع وجود النقود من وجهة نظر، وتنعدم الذات ذوبانًا مع افتقاد النقود.
-المُهمّش الخامس: موظف حكومي بوظيفة مُستخدم في مدرسة، يضطر للاستدانة من زملائه المدرّسين، ومن ثم توسّعت دائرة احتياجاته لتتماشى استداناته المستمرة لتغطية طلبات أسرته الضرورية والثانوية: (الحاجة اللعينة تجبرني أن أطأطئ رأسي وأمدّ يدي، لكني لا أمدّها للتسوّل لا سمح الله وإنما أنا أقترض) ص24. (دائرة أصدقائي تتوسّع، وتتوسّع ديوني، إلى أن يأتي الفرج الذي لا يأتي) ص27.
-المُهمّشة السادسة: زوجة مات عنها زوجها: (كان سندي، غيّبته الأقدار عنّي ليرقد تحت الثرى مُخلفًا ذكرى أثيرة إلى نفسي) ص28. اضطرت للعمل كخادمة في البيوت لإعالة نفسها مع طفلها الذي ينتظره مستقبلًا ابتداءً من المدرسة: (لملمتُ بقايا الأكل عن المائدة، إذ بسيّد الوليمة يهمس في أذني. قائلًا: لا تلقي البقايا في النفاية، بل اجمعيها وخذيها إلى بيتك لتأكلي مع ولدك) ص29. (أجهشتُ بالبكاء، نظر إلي صغيري مُستغربًا، وقال: هل غضبت لأني أكلتُ كثيرًا، أنا لم أقصد.. لكن الأكل لذيذ) ص30. اللقمة والكرامة، قضية دموع المرأة لا تخرج عن قضية اللقمة، والصراع النفسي مع الواقع المرير، والفقر لا يرحم.
-المُهمّش السابع: عامل مياومة توقف عمله؛ نفذت نقوده القليلة أساسًا؛ نتيجة الحظر الوبائيّ للكورونا، الأفواه الجائعة لأطفاله دفعته لخرق الحظر، واقتحام بيت جيرانه في الحارة طلبًا للطعام. (كيف خاطرتَ بخروجك من منزلك، والحظر قائمًا) ص33. (أنا قصدتك سائلًا، أنا للأسف أقفُ ببابك شحّادًا الآن.. هذا هو الواقع، وإن كنتُ كارهًا له) ص34. تساؤلات قلقة. (ماذا سيحلّ في قادم الأيّام؟) ص37.
ثيمة الفق، والحاجة المُلحّة رابط لجانب اجتماعيّ مهم من قطاعات فئويّة مختلفة، نزلت الكاتبة إلى القاع لتقديم هذه النماذج السبعة بعدد أيام الأسبوع، ليس لي كقارئ فقط، بل للفت نظر صاحب القرار إلى هذه الفئات التي تناضل من أجل البقاء، تنتزع لقمتها بقوّة واحتيال على غوائل الدهر. بلغة سليمة بسيطة من مدرسة السهل الممتنع، رشيقة الألفاظ غير المعقدة، برسالة واضحة تمامًا.

عمّان – الأردنّ
24/ 11/ 2020