بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ


المصطلح النحوي بين البصريين والكوفيين


شبكة البصرة


باسل فيصل سعد الزعبي[1]، د. موفق عبدالله القصيري،


د. حاجة سلمى بنت أحمد، د. زمري عارفين


الجامعة الوطنية الماليزية- كلية الدراسات الإسلامية


قسم الدراسات العربية والحضارة الإسلامية





الملخص


تكمن أهمية البحث من كونه يتمحور حول المصطلح النحوي بين المدرسة البصرية والمدرسة الكوفية، وكيفية استخدامه، وهذا يرتبط بالحديث عن أبرز سمات هاتين المدرستين، وأسباب الخلاف بينهما على اعتبار ذلك أنَّه يمثل الأيدلوجية التي على أعتابها يمكن سبر أعماق المصطلح النحوي عند المدرستين، وأهم ملامح الخلاف فيه بينهما. لقد وجد الخلاف بين المدرسة البصرية والمدرسة الكوفية في استخدام المصطلح النحوي، والدليل على ذلك ما وصل إلينا من مؤلفات تمثل أقطاب هاتين المدرستين، بحيث كان التعبير عن الموضوعات النحوية متغايرًا بينهم، ولكن ما يجدر قوله إنَّ المصطلح النحوي البصري هو الذي ذاع صيته واشتهر بين النحاة حتى عصرنا الحاضر، أما المدرسة الكوفية فيمكن حصر المصطلحات النحوية التي اشتهرت عنها بالنعت وعطف النسق. ويرتبط ذلك بالأسلوب الذي اتبعه كلٌّ منهما في السماع والقياس اللغويين على اعتبار أنَّهما الأداة التي من خلالها تم استقراء لغة العرب وتقنينها؛ بغية الحفاظ على النص القرآني، ونزاهته من لحن القول. وبعد ذلك كان التطبيق بأنموذجين لنحويين ينتميان لمدرستين مختلفتين هما ابن النحاس في كتاب إعراب القرآن من المدرسة المصرية، والعكبري في كتابه التبيان في إعراب القرآن من المدرسة البغدادية، وذلك لمعرفة مدى التأثر والاستقطاب عند هذه المدارس بالمصطلح النحوي البصري أو الكوفي على أنَّ إنصاف القول: إنَّ الغالبية المستخدمة في هذين المؤلفين هما المصطلح النحوي البصري.





THE TERM OF SYNTAX BETWEEN AL BASRAH AND AL KUFAH SCHOOLSZ


Basil Faisal Saed Al zubi*


Dr Mowafak Al kusairy , Dr.Hj salmah Ahmad, Dr Zamri Arifin


Universiti kebangsaan malaysia


Faculty of Islamic studies


Department of arabic studies and Islamic civilization


* Email: baselfz@yahoo.com


The core of the present paper is two addresse the different conceptions regarding the definiton of the term “syntax” and the application of this term in arabic literature and islami laws, between main arabic traditional syntax schools namely: Al-Basrah school and Al-Koofah school. To do so the paper refers to two compilations of syntax synthezized by two schoalers whom they reflect both schools that mentioned above. There is no doubt about the fact that these two schools of arabic syntax have the most vivid impact on the arabic literature and as well as on the role of the arabic syntax on the intepretation of islamic laws, which in turn create ahuge deal of contradiction as far as arabic literature and islamic laws “ islamic Fiqeh” are concerend. Hence the advantage that may be drawn from this paper is to open the door for further discussion on the issues of the term “syntax” and the best approach to be adopted in making the arabic syntax more applicable, this is in one hand, and on the other hand is to make arabic language and its literature more relevent to the present modern educational system of language and islamic studies.





المدرسة البصرية


تعتبر البصرة بحق واضعة النحو، وفاتحة أبوابه حيث على أيديهم استغلظ، واستوى على سوقه، فإنَّ علم النحو الذي نما وشاع حتى عصرنا الحاضر هو النحو البصري، فجميع ما يتعلق بالمصطلحات والأصول النحوية وردت عنهم، وذلك أنهم سبقوا الكوفيين فيه نتيجة انشغال الكوفيين بمشاغل ذكرت سابق، وإنَّ استدراكات الكوفيين في ذلك كانت بسيطة تتعلق بالفروع النحوية ومرد ذلك أنهم أخذوا علمهم عن البصريين، وعدا ذلك لم نؤثر عن الكوفيين كتبا نحوية جامعة للنحو. ويمكننا القول هنا إنَّ شهرة البصريين تأتت لهم من خلال أسلوبهم في استقراء اللغة من مصادرها حيث اعتمدوا على السماع والقياس، وكانت طريقتهم في السماع أنهم قيدوا ذلك بمقاييد من مثل البيئة والمكان والثقة والكثرة، وقد اشترطو، وحددوا عمن يأخذون اللغة، وقيدوا ذلك بالقبائل البدوية التي حافظت على لغته، وكانت بعيدة كلَّ البعد عن مخالطة الحواضر والعجم وحددوها بأسد وتميم وقيس، وأخذوا من هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين، كما روي أنَّ الكسائي أعجبه علم الخليل، فسأله من أين علمك؟ فأجابه: من بوادي الحجاز ونجد وتهامة، وهذا يجسد دقة البصريين في الأخذ عن القبائل العربية الخالصة البداوة، وهم يتفاخرون في ذلك، ويدلل عليه قول الرياشي: ((نحن نأخذ اللغة عن حرشة الضباب، وأكلة اليرابيع، وهؤلاء أخذوا اللغة عن أهل السواد أصحاب الكواميخ، وأكلة الشواريز)).[2] ومما يزيد ذلك أنهم كانوا لا يروون إلا من يثقون بهم كلَّ الثقة؛ لذلك خرج من مصادرهم كثير من القبائل العربية؛ لمخالطتهم العجم، أو لشيوع اللحن فيه، ومن أمثلة السماع أنَّ سيبويه في باب ما تكون فيه أنَّ وأنْ مع صلتهما بمنزلة غيرهما من الأسماء قال: قولكنقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي(ما أتاني إلا أنهم قالوا: كذا وكذا)) فأنَّ في موضع اسم مرفوع كأنَّه قال: ((ما أتاني إلا قولهم كذا وكذا)) ومثله قولهم : ((ما منعني إلا أنْ يغضب عليَّ فلان)) والحجة على أنَّ هذا في موضع رفع أنَّ أبا الخطاب حدثنا أنَّه سمع من العرب الموثوق بهم من ينشد هذا البيت رفعًا


لم يمنع الشرب منها غيرُ أنْ نطقت حمامة في غصون ذات أوقالِ





وزعموا أنَّ ناسًا من العرب ينصبون ذلك، وموطن الشاهد في البيت هو ((غيرُ)) مبنية على الضم في محل رفع فاعل، والمصدر المؤول (أن نطقت) في محل جر بالإضافة، ويروى بفتح غير، فيكون المصدر المؤول فاعل[3].


وأما جانب القياس فقد اعتمدوا على أسس عقلية منطقية حيث لا يقيسون إلا على الكثرة المطردة، واغفلوا جانب القلة والشاذ حتى أنهم كانوا يقفون مع ذلك بالتأويل، والتعليل حتى ينقاد مع أقيستهم المطردة، وقد عرف عنهم ولعهم بالقياس حتى أنَّ بعض النحويين المحدثين وصفوهم بغلبة القياس عليهم، فقد روى الزبيدي في كتابه (طبقات النحويين واللغويين): ((إنَّ أول من بعج النحو ومدّ القياس، وشرح العلل هو عبد الله بن أبي إسحاق))[4]، وروى السيرافي: ((كان الخليل الغاية في استخراج النحو، وتصحيح القياس فيه))[5] وقد ذكر سعيد الأفغاني أنَّ لموقع البصرة على سيف البادية ووجود سوق المربد فيها أثره في فصاحة أهل البصرة، وسلامة لغتهم[6]، ومن أمثلة القياس أنَّ سيبويه كان يقيس اسم الفاعل على الفعل المضارع في العمل فيقول: ((وقولك: هذا ضاربٌ زيدًا غدً، فمعناه وعمله مثل : هذا يضرب زيدًا غدًا))[7]، وأما قضية الثقة بالراوي فيدلل عليه أنَّ الأصمعي قال: قلت للطرماح : أين نشأت؟ قال: ((بالسواد، والشعر بالكوفة أكثر وأجمع منه بالبصرة، ولكن أكثره مصنوع ومنسوب إلى من لم يقله، وذلك بين في دواوينهم))[8] هذا هو ديدن البصريين ومنهجهم في القياس، وأنَّهم كانوا يتحرون الدقة في الرواية، والسماع.


ومن أشهر النحاة في المدرسة البصرية أبو الأسود الدؤلي ظالم بن عمرو بن سليمان ت 69 هـ، ونصر بن عاصم الليثي ت89 هـ، وعبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي ت117ه،، وعيسى بن عمر الثقفي ت 149ه،، وأبو عمرو بن العلاء ت 154هـ، والخليل بن أحمد الفراهيدي ت 172هـ، ويونس بن حبيب ت182هـ، وعمرو بن عثمان بن قنبر سيبوية ت180هـ، وأبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش ت211هـ، أبو علي محمد بن المستنير قطرب ت206هـ، وأبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي المبرد ت285هـ، وأبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل الزجاج ت311هـ، وأبو بكر محمد بن السري ابن السراج ت316هـ.





المدرسة الكوفية


تعتبر المدرسة الكوفية من المدارس النحوية التي نشأت، وإن كانت نشأة متأخرة بالنسبة لجارتها البصرة، إلا أنها أوجدت لنفسها مذهباً نحوياً أصبح له قيمة في درس اللغة العربية، خاصة وأنَّ كثيراً من المحدثين النحويين قد أشادوا ببناء الصرح النحوي الكوفي، وجعلوه موافقاً للمنهج الوصفي الحديث للغة، ومن هؤلاء مهدي المخزومي في كتابه (مدرسة الكوفة) وعبد الفتاح الحموز في كتابه (الكوفيون في النحو والصرف) وأحمد أمين في كتابه (ضحى الإسلام) وغيرهم كثير.





ومن هنا بدأ الحديث عن أهم خصائص الكوفيين، وعن طريقتهم في وضع النحو، وعلى ماذا اعتمدوا في ذلك؟ حيث لا بدَّ من الحديث عن أمرين هامين هما السماع والقياس. أما بالنسبة للسماع فالكوفيون لم يكن عندهم قيود للسماع كما كان عند البصريين، والتي تتعلق بالزمان، والمكان والثقة، والكثرة، فهم سمعوا ورووا عن معظم القبائل العربية بادية وحاضرة. وهم بذلك ألغوا قيود السماع البصرية، فكانوا أقرب إلى المنهج الوصفي الحديث في استقراء اللغة الذي يقوم على أساس وصفي استقرائي لظواهر اللغة في أيِّ مكان، أو زمان، ويجسد ذلك أنَّ الكسائي حين سئل عن عدم نصب (أيّ) وسبب بنائها حين نقول: ضربت أيّهم في الدار فقال: لا يجوز، قال: لم؟ قال: أيّ هكذا خلقت. وكان ذلك بحضرة يونس فغضب لذلك.[9] ويجدر الإشارة إلى أنَّ الكوفيين رحلوا إلى القبائل العربية البدوية في أماكنه، واخذو، ورووا عنهم، ويؤكد ذلك أنَّ الكسائي رحل، وأنفذ خمس عشرة قنينةً حبرًا غير ما حفظ. كما إنَّ الدارس لكتاب (معاني القرآن) للفراء يجد فيه عبارات الفراء واضحة جلية تجسد السماع حيث يقول: وسمعت العرب، وسمعت أعرابية، وسمعت أعرابي، وأنشدنا بعض العرب.


أما جانب القياس فالكوفيون حين توسعوا في السماع كان حتماً عليهم التوسع في القياس، فقد كانوا يقيسون على أقوال العرب قليلة وكثيرة، ووجدنا الكسائي يعلن ذلك في قوله:


إنما النحو قياس يتبع وبه في كل أمر ينتفع[10]





ولم يقف أمر القياس هنا بل كانوا يقيسون على الشاذ والنادر، وعلى شواهد شعرية عرف قائلها أم جهل، وأكد ذلك القاسم بن أحمد الأندلسي حين قال: ((الكوفيون لو سمعوا بيتا ًواحداً فيه جواز شيء مخالف للأصل جعلوه أصل، وبوبوا عليه))[11] ومن ذلك وجدنا العلة عند الكوفيين قليلة لا تكاد تخرج عن النوع الأول من العلل وهي علل سماعية تعليمية، وكان نحوهم صاف بعيد عن الجدل وأساليب المتكلمين، حتى أنهم أخذوا بالقراءات جميعه، ومن أمثلة القياس عند الكوفيين إجازتهم تقديم معمول خبر (ما) النافية عليه، نحو: طعامك ما زيدٌ آكلً، وحجتهم في ذلك أنَّهم قاسوا (ما) على (لم ولن ولا)؛ لأنَّها نافية، وهذه الأحرف يجوز تقديم معمول ما بعدها عليها نحو : زيدًا لم أضرب وعمرًا لن أُكرم، وبشرًا لا أُخرج، فإذا جاز التقديم مع هذه الأحرف جاز مع ما[12].


ومن أبرز النحاة الكوفيين وأشهرهم مايلي: أبو جعفر محمد بن أبي سارة الرؤاسي ت175ه، وأبو مسلم معاذ الهراء ت187هـ، وأبو الحسن علي بن حمزة الكسائي ت189هـ،


وأبو زكريا يحيى بن زياد الفراء ت207ه، وأبو جعفر محمد بن سعدان الضرير ت231ه، وأبو يوسف يعقوب بن إسحاق السكيت ت244ه، ومحمد بن أحمد بن عبد الله الطوال ت243ه، وأبو العباس ثعلب أحمد بن يحيى الشيباني المعروف بثعلب ت291ه، وأبو موسى سليمان بن محمد الحامض ت305ه، وأبو بكر محمد بن القاسم الأنباري ت328هـ.





أسباب الخلاف النحوي


تعود أسباب الخلاف النحوي بين البصريين والكوفيين إلى أسباب عديدة من أهمها:


أولاً: الأسلوب والطريقة التي تتبعها المدرسة في السماع والقياس والتعليل، فمثلا ًتحديد السماع والقياس عند البصريين، بينما عكسه عند الكوفيين الذين توسعوا في السماع عن القبائل العربية، وتوسعوا في القياس حتى على القليل الشاذ، وقد توسع ذلك حتى شمل القراءات القرآنية، فالبصريون كان لهم موقف من بعض القراءات التي خالفت القاعدة النحوية عندهم، ثم شاع ذلك على بقية المدارس النحوية. وربما يعود ذلك إلى أنَّ البصرة بحكم موقعها الجغرافي على الخليج العربي جعل عملية الاختلاط بغير العرب عملية سهلة نتيجة الملاحة البحرية؛ وهذا بدوره جعل البصريين يتحرون الدقة في السماع اللغوي عن العرب بالإضافة إلى القياس على الكثرة المطردة


أما الكوفة فبحكم موقعها الجغرافي وهي في وسط العراق فكانت قليلة الاختلاط بغير العرب مما جعل الكوفيين يطمئنون إلى سلامة اللغة، ويضاف إلى ذلك أنَّ انشغال الكوفيين بالفقه جعلهم يطبقون ذلك على النحو فدعاهم إلى التوسع في السماع والقياس.


ثانيًا: التنافس العلمي وإثبات الذات، وهذا أمر غرزي في جبلة الناس كلّ يحب أن يجد لنفسه المكانة، والقدمة، سواء كان على مستوى المدرسة الواحدة أو على مستوى المدارس، وهذا أذكى شعلته بين المدرستين الخلفاء العباسيون الذين لعبوا دورًا هامًّا في تفضيل النحاة بعضهم على بعض، وتقريبهم منهم، بالإضافة إلى إجراء المناظرات بينهم مما جعل الخلاف يدب بينهم، فالعباسيون كانوا يميلون إلى الكوفيين، ويحاولون الانتصار لهم في المناظرات التي كانت تقام مع نحاة البصرة، وقد دونت المؤلفات الكثير من هذه المناظرات مثل ما دار بين الكسائي وسيبويه، وبين الكسائي والأصمعي، وبين المازني وابن السكيت، وبين المبرد وثعلب، ومن نحاة بغداد بين الزجاجي وابن كيسان. وقد أفرد السيوطي لذلك باباً في كتابه (الأشباه والنظائر) سمَّاه (فن المناظرات والمجالسات والمذاكرات)[13]، كما ألف الزجاجي كتاب أسماه (مجالس العلماء) تحدث فيه عن مجالس العلم والمناظرات بين النحاة.


ثالثًا: إنَّ من الأسباب أيضاً العصبية الإقليمية فكل يريد القدمة لبلده، ومن الجدير بالقول: إنَّ الخلاف بين البصرة والكوفة يعود إلى الأحداث الأخيرة من زمن الخلافة الراشدة، حيث بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، وتولي علي- كرم الله وجهه- الخلافة حدث ما حدث بين المسلمين نتيجة القلة المنافقة التي أشعلت نار الفتنة، وكان نتيجة ذلك أن حدث الخلاف بين البصرة والكوفة، فقد عرفت البصرة بأنها عثمانية الولاء، ويدلل على ذلك أنَّ عائشة رضي الله عنه، والزبير وطلحة رضي الله عنهما حين خرجوا من مكة توجهوا إلى البصرة للمطالبة بدم عثمان، بينما توجه علي رضي الله عنه إلى الكوفة، وبعد ذلك كانت وقعة الجمل حيث تمت المواجهة بين علي والكوفيين، وعائشة والبصريين، فظاهر المواجهة بين البصرة والكوفة[14].


رابعًا: الثقافة وطريقة التفكير، وتفصيل ذلك أنَّ حركة الترجمة عن اليونانيين والفرس نشطت مبكرة عند البصريين، ويدلل على ذلك ما قام به ماسرجويه، وابن المقفع من ترجمات، ويضاف إلى ذلك أنَّ فكرة الاعتزال التي ترتبط بالعقل والمنطق، وانعكاس ذلك على الدراسات كان له دوره عند البصريين، ويقابل ذلك الفكر الشيعي عند الكوفيين، والحقيقة أنَّ هذه التراكمات ظلت ترافق جميع النشاطات الأخرى[15].


أمَّا نتائج الخلاف فتلخصت بكثرة المؤلفات التي صنفت في مجال الدراسات النحوية، وكمال نضوجه، وظهور المدارس النحوية بهذه المسميات، إلا أنَّه حين قيل اختلاف الفقهاء رحمة ترى الدراسة أنَّ اختلاف النحاة نقمة على النحو العربي الذي أدى إلى تضخم المؤلفات بعلل، وتقديرات وفلسفة عقلية كان النحو بغنى عنها كل الغنى، فعلى سبيل المثال المؤلفات التي صنفت في اختلاف البصريين، والكوفيين أكثر من أن تحصى، ومن أهمها (اختلاف النحويين) لثعلب، و(المسائل على مذهب النحويين مما اختلف فيه البصريون والكوفيون)، و (المقنع في اختلاف البصريين والكوفيين) لابن النحاس، و(الرد على ثعلب في اختلاف النحويين)، لابن درستويه، و(الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين) لابن الأنباري، و(التبيين في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين) للعكبري، وغير ذلك.





المخالفات في المصطلح النحوي


إنَّ الحديث عن بواكير المصطلح النحوي يرتبط نوعًا ما بالحديث عن بدايات تأسيس علم النحو، والروايات التي قدمت في ذلك على أنَّ ما كان من مصطلحات نحوية في البدايات لا تشكل في حدّ ذاتها إلا إرهاصات أولية على جادة الطريق في علم النحو، فمثلاً أشارت الروايات إلى أنَّ أبا الأسود قد قدم بما يعرف بمصطلح ((النقط)) وهو ما يدل على حركات الإعراب، ومصطلح ((الغنة)) الذي يدل على التنوين، وغير ذلك إنما يشكل جانبًا وصفيًّا لما تمثله دلالة هذه المصطلحات. فمثلاً يمثل موقف يحي بن يعمر مع الحجاج حين قال له الحجاج: ((أتسمعني ألحن على المنبر؟ فقال للحجاج : أما إذا سألتني أيها الأمير فإنك ترفع ما يوضع، وتضع ما يرفع))[16] إشارة يحي بن يعمر إلى حركات الإعراب (الرفع والوضع الذي عنى به النصب).


إنَّ ما سبق يشكل أمثلة يتم من خلالها الحديث عن فترة الرعيل الأول من النحاة، وما برز لديهم من مصطلحات نحوية تتعلق بالأبواب النحوية، فالحقيقة أنَّ هذه الفترة بقيت غامضة، ولم تخرج حقائقها إلى النور، ويكاد يكون السبب الرئيسي في ذلك أنَّه لم تصل مؤلفات تمثل هذه الفترة، وأنَّ ما وصل كان عبارة عن روايات تناولت بشكل مبسط بدايات تأسيس النحو، والاختلاف فيها بينهم.


إنَّ البداية الحقيقية للمصطلح النحوي بصورته الناضجة كانت عند الخليل وسيبويه من خلال أول المؤلفات النحوية وهو (الكتاب) لسيبويه أما ذكر الخليل هنا فذلك يرتبط بكون أنَّ كتاب سيبويه يمثل خلاصة علم الخليل، ثم توافرت جهود النحاة من بعده حتى وصل المصطلح النحوي إلى ما هو عليه. على أنَّ من الواجب ذكره أنَّ جلَّ هذه المصطلحات هي نفسها التي قدمها سيبويه ونحاة البصرة من بعده.





المصطلح النحوي عند البصرة والكوفة


يجدر الحديث عن المصطلح النحوي بين المدرسة البصرية والمدرسة الكوفية، وهذا يرتبط بالحديث عن النشأة وأسباب الخلاف بين المدرستين ونتائجه، وقد آتى الحديث أكله من خلال المبحث السابق، وخلاصة ما يهم هنا أنَّ الكوفة حاولت من خلال أقطابها (الكسائي، والفراء، وثعلب) أن تجد لنفسها ساحة في الوسط النحوي أمام قدمة البصريين ونفوذهم المسيطر، ولذلك أخذوا بقول ((خالف تعرف)) لإثبات الذات، ففي مجال المصطلح النحوي حاولوا إيجاد مصطلحات جديدة للموضوعات النحوية.


وهنا لابدَّ من طرح نماذج تمثل كيفية استخدام المصطلح النحوي عند بعض النحاة الذين يمثلون كلا المدرستين، فمثلاً سيبويه من البصرة استخدم مصطلح (الحال) فقد أفرد بابًا سماه (باب ما ينتصب لأنه حال صار فيه المسؤول والمسؤول عنه) ومثل لذلك نحو: ((ما شأنك قائمًا؟)) ونحو: ((ما شأن زيد قائمًا؟)) حيث قال: هذا حال، وانتصب بقولك: ((ما شأنك؟)) كما ينتصب الحال ((قائمًا)) في قولك: ((هذا زيد قائمًا)) بما قبله[17].


وكذلك الزجاج من البصرة يستخدم مصطلح الحال ففي إعراب قوله تعالى: ﭽﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖﭗ ﭘﭙ ﭚ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭼ[18] ففي إعراب قوله تعالى: ((حنيفًا)) ذكر أنها حال، وقدر المعنى على أنه: بل نتبع ملة إبراهيم في حال حنيفته[19].


وفي جانب المدرسة الكوفية كانت الوقفة مع الفراء الذي استخدم مصطلح (القطع) بدل الحال ففي إعراب قوله تعالى: ﭽ ﮚ ﮛ ﮜ ﭼ[20] قال: ترفع الحمّالةُ وتنصب، فمن رفعها فعلى جهتين: يقول: سيصلى نار جهنم هو وامرأته حمالةُ الحطب تجعله من نعته، والرفع الآخر وامرأتُه حمالةُ الحطب، تريد: وامرأته حمالة الحطب في النار، فيكون في جيدها هو الرافع، وإن شئت رفعتها بالحمالة، كأنك قلت: ما أغنى عنه ماله وامرأته هكذا. وأما النصب فعلى جهتين: إحداهما أن تجعل الحمالة (قطعًا)؛ لأنها نكرة؛ ألا ترى أنك تقول: وامرأته الحمالة الحطب، فإذا ألقيت الألف واللام كانت نكرة، ولم يستقم أن تنعت معرفة بنكرة.


والوجه الآخر: أن تشتمها بحملها الحطب، فيكون نصبها على الذم[21].


وهذا ابن الأنباري يعرض لمسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين في كتابه (الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين) حيث في المسألة المائة يتحدث عن تسمية ضمير الفصل عند المدرستين فيقول: ذهب الكوفيون إلى أنَّ ما يفصل به بين النعت والخبر يسمى (عمادا) وله موضع من الأعراب، وذهب بعضهم إلى أنَّ حكمه حكم ما قبله، وذهب بعضهم إلى أنَّ حكمه حكم ما بعده، وذهب البصريون إلى أنه يسمى (فصلا)؛ لأنه يفصل بين النعت والخبر إذا كان الخبر مضارعا لنعت الاسم؛ ليخرج من معنى النعت كقولك: زيد هو العاقل. ولا موضع له من الإعراب.


أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنَّ حكمه حكم ما قبله؛ لأنه توكيد لما قبله فتنزل منزلة النفس إذا كانت توكيد، وكما أنك إذا قلت: جاءني زيد نفسه. كان نفسه تابعا لزيد في إعرابه فكذلك العماد إذا قلت: زيد هو العاقل. يجب أن يكون تابعا في إعرابه، وأما من ذهب إلى أنَّ حكمه حكم ما بعده قال: لأنه مع ما بعده كالشيء الواحد، فوجب أن يكون حكمه بمثل حكمه.


وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنه لا موضع له من الإعراب؛ لأنه إنما دخل لمعنى وهو الفصل بين النعت والخبر؛ ولهذا سمي فصلا كما تدخل الكاف للخطاب في ذلك وتلك وتثنى وتجمع، ولا حظ لها في الإعراب، وما التي للتوكيد، ولا حظ لها في الإعراب[22].


ومما سبق تبين كيفية استخدام المصطلح النحوي عند النحاة سواء كانوا من البصرة، أو من الكوفة، أو من المدارس النحوية اللاحقة التي قامت الانتخاب والترجيح، وتقديم آراء نحوية جديدة.


ويمكن توضيح الخلاف في المصطلح النحوي بين المدرستين من خلال ما ذكره شوقي ضيف، وما ذكره عوض القوزي، فقد تناول الرجلان الحديث عن المصطلح النحوي بين البلدين حيث ذكرا جوانب الاختلاف بينهما ويمثل ذلك الجدول التالي
http://http://www.albasrah.net/ar_ar...een_070811.htm