موقد "خضر" أطفأ نار البطالة!

عبد المنعم أبو إدريس




خضر داخل ورشته الصغيرة
من نار البطالة وقسوتها، إلى جنة العمل ولذته.. رحلة طويلة استغرقت ثماني سنوات قضاها الشاب السوداني "خضر علي خضر" يحمل أوراقه متجولاً ما بين المكاتب الحكومية والشركات الخاصة التي يمكن أن توظفه بمؤهله الحاصل عليه من قسم التصميم الصناعي بكلية الفنون الجميلة والتطبيقية بجامعة السودان.

وبرغم طول المدة فإنه لم يفقد أبدًا الأمل، وفي كل صباح كان يرمق مشروعه الذي صممه للتخرج والذي يقوم على فكرة مرتبطة بالبيت السوداني، وهو موقد يعمل بالغاز الطبيعي لتصنع عليه المرأة السودانية (الكسرة) وهي خبز شعبي يصنع من دقيق الذرة ويمثل حوالي 60% من غذاء أهل السودان، خاصة في المناطق الريفية وفقًا لإحصاءات صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء بالسودان.

وكان يشعر أن هذا المشروع سينقذه من البطالة؛ ولذلك لم يترك خضر بجانب بحثه عن العمل أي معرض للاختراعات الجديدة إلا وحمل موقده الذي يحمل البراءة رقم 651، وفقًا لسجلات وزارة العدل السودانية، لعله يجد من يتحمس لاختراعه، ويحصل على مصدر لتمويله، ويخرج من زمرة العاطلين الذين أصبحوا يشكلون نسبة 77% من الخريجين وفق دراسة أعدها محمد خير حسن أستاذ الإدارة بجامعة أم درمان الإسلامية.

من الضيق للفرج

"ضاقت فلما استحكمت حلقاتها.. فرجت وكنت أظنها لا تفرج".. هذا البيت الشعري الشهير هو خير ما ينطبق على المرحلة التالية في رحلة كفاح خضر مع مشكلة البطالة؛ فالعقبة الأساسية التي كانت تواجهه ليصبح مشروعه لإنتاج الموقد أمرًا واقعًا هي التمويل لشراء المواد وإنشاء معمل صغير للتصنيع.

وفي مايو 2006 جاء الفرج من خلال المؤسسة التي أنشأتها وزارة الرعاية الاجتماعية للحد من عطالة خريجي الجامعات بالسودان بعد أن تزايدت أعدادهم بصورة كبيرة في السنوات العشر الماضية، عن طريق منح قروض جماعية للشباب، حيث تقدم بطلب لتمويل المشروع، وتم منحه 7 ملايين و500 ألف جنيه سوداني (ما يعادل 3 آلاف و500 دولار أمريكي)، وحصل عليها بعد 3 أشهر.

وتقول سوسن الشفيع المشرفة على مشروع تمويل الخريجين داخل ولاية الخرطوم لـ"إسلام أون لاين.نت": إنهم استثنوا خضر من مشاركة آخرين له في القرض؛ لأن المشروع الذي تقدم به حاصل على براءة اختراع، وهي فئة يتم استثناؤها من نظام التمويل الجماعي وفق قانون المؤسسة.

بداية قوية


أحد أجزاء موقد خضر

وعلى عكس كل البدايات التي دائمًا ما تكون هادئة، كانت بداية خضر مع مشروعه قوية؛ لأنه ينتج منتجا تعتمد عليه الأسر السودانية بشكل كبير، فبعد استلامه التمويل في الأول من أغسطس 2006 أنشأ ورشة لتصنيع الموقد في ذات الحي الذي يسكنه، وبعد أسبوعين كان إنتاجه قد وصل الأسواق وأخذ الناس يتعرفون عليه وصار منافسًا للمواقد المستوردة من خارج السودان.

واستوعب خضر معه ثلاثة عمال يساعدونه في إكمال تصنيع الموقد بعد أن يقوم هو بوضع التصميم ويشرف على التنفيذ، وتتراوح الكمية التي يصنعونها ما بين 10 و15 صاجًا في اليوم، يباع الواحد منها بسعر 50 ألف جنيه سوداني (ما يعادل 24 دولارًا أمريكيًّا).

فائدة مزدوجة

ألقى هذا النجاح بعبء على خضر في التسويق، فكان يبذل والعاملون معه مجهودًا كبيرًا في عملية التسويق خلال الشهرين الأولين لبداية المشروع، ولكن الآن صار أصحاب المحلات يأتون إليه ويطلبون كميات يقوم بتصنيعها، وقد مكّنه ذلك من أن يسدد بانتظام أقساط القرض الذي حصل عليه من المؤسسة.

وأصبح مشروعه يحظى الآن بتأييد الحكومة السودانية؛ لأنه بالإضافة لما يدرّه عليه من أرباح؛ فهو يساهم في حماية البيئة السودانية التي تعاني من ضغط قطع الأخشاب لاستخدامها في أغراض الطاقة، حيث تمثل الأخشاب 67% من الطاقة المستخدمة في السودان، وأدى ذلك لفقدها حوالي 50% من غطائها الغابي خلال نصف قرن، وفقًا لما ذكره الدكتور عبد العظيم ميرغني مدير الغابات السودانية.

الآن أصبح خضر يحس بقيمة دراسته للتصميم الصناعي؛ فقد عزت نتيجة دراسة أعدها أربعة وعشرون من أساتذة الجامعات السودانية نهاية عام 2005 بطالة خريجي الجامعات السودانية؛ لعدم ارتباط التعليم بسوق العمل في السودان.



--------------------------------------------------------------------------------

صحفي سوداني مهتم بالشأن الاقتصادي، يمكنك التواصل معه عبر البريد الالكتروني لنطاق نماء namaa@islam-online.net

الصور المرفقة توضح