مكة والشام .. مَجْـمَعُ بشاراتٍ لأمّة الإسلام 1/2


الحديث عن مكة المكرمة البلد الحرام ، محضن الكعبة المشرفة قبلةِ أهل الإسلام ، من شأنه أن يُتحف العقول ويُمتع الأفهام ، وعلى شاكلة ذلك الحديث عن القدس ، فهو يبعث في النفوس الأمل والأنس ، كيف لا وقد احتضنت القدس المسجد الأقصى ؛ أولى القبلتين ، وثاني المسجدين ، مسرى نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ومعراجه المفضي لأطباق السماء ، وبها صلى بكل الأنبياء ...
ومن يومها والصراع على بيت المقدس محتدم بين أهل التوحيد وأرباب الشرك العنيد ، وما من مرة يغتصب فيها الشرك بيت المقدس ويدنّس ، فليس سوى المسلم الموحّد بمنقذ له ومخلّص ، حتى بات مستقراً في الأذهان ؛ أذهان أولي الألباب، أن المجاهد على ثرى بيت المقدس لا يرضى من الغنيمة بالإياب ، إنما يظل يرنو إلى ما أعده الله تعالى من حسن المآب، لكل من خضد عن الأمة ونفض عنها شوكة الإحباط واليأس ، وفتح لعزّها وتمكينها أرحب باب ..
أما وطالما فجعتنا الإدارة الصهيونية بقراراتها الغاشمة القاضية بشرعية اغتصابها للقدس وحيازتها إياها وتدنيسها لها، بات لزاماً علينا أن نعرّج للحديث عما قضته الإرادة الربانية : من أن القدس أرض إسلامية ، وميراث شرعيّ لجموع المسلمين على مرّ السنين ، وأن حالها وحال أهلها المجاهدين لاستردادها ، المرابطين في أكنافها ، لا يخرج عن حال الجماعة المسلمة في ظل الظروف التي كانوا يرتقبون فيها فتح مكة وتحريرها من دنس الشرك والطغيان ، تلكم الظروف التي تنزلت فيها على النبي -صلى الله عليه وسلم وصحبه - الكرام الآيات البينات من سورة الفتح ( وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطاً مستقيما ، وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا ) [ سورة الفتح 20، 21 ] فقوله تعالى : ( فعجّل لكم هذه ) أي[ فتح خيبر ] قاله ابن عباس ومجاهد ( تفسير الطبري 26/89 ) (وكف أيدي الناس عنكم ) تتناول الآية جميع مَن همّ بالنيل من الجماعة المؤمنة سواء أكانت قريش حين رامت قتال المسلمين ، أم يهود حين هموا باغتيال من بالمدينة بعد خروج الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه منها ، أم أهل خيبر وحلفاءهم الذين أرادوا نصرهم من أسد وغطفان [ انظر ابن القيم زاد المعاد 2/218 ] .
وكان من مغازي هذا الفتح والكف (ولتكون آية للمؤمنين) قال الشوكاني ـ رحمه الله تعالى ـ [ سنة لمن بعدكم ] [ فتح القدير 6/65 ] سنة تحمل في ثناياها عظة وعبرة ؛ ومن شأنها أن تولّد في نفوس الأجيال المتعاقبة المدافعة عن حقوق الأمة وحرماتها ومقدساتها ثمرات عديدة ؛ منها :
ثمرات فكرية : ( فيعلموا أن الله تعالى هو المتولي حياطتهم وكلاءتهم في مشهدهم ومغيبهم ) [ تفسير الطبري 26/90 ] ترجمة واضحة لقوله تعالى( إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور ) [ سورة الحج آية 38 ] ومصـداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم : ( تكفل الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى منزله الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجرٍ أو غنيمة ) [ متفق عليه ] .
وثمرة نفسية : تشحذ عزائمهم وتلهب نفوسهم فيوقنوا أن الله تعالى حافظهم وناصرهم على سائر الأعداء مع قلة عددهم وعُددهم فتقر بذا عيونهم وتطمئن قلوبهم وليعلموا بصنيع الله هذا بهم أنه العليم بعواقب الأمور وأن الخيرة فيما يختاره لعباده المؤمنين وإن كرهوه في الظاهر ، وعليه فما عليهم إلا أن يعضوا بالنواجذ على الخيار الذي ارتضاه الله لهم ، فتنشرح له صدورهم ( كُتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) [ سورة البقرة آية 216 ] ( انظر تفسير ابن كثير 7/341 ) .
وثمرة حركية : تمتد إلى من جاء بعدهم فتابَع دربهم واقتفى أثرهم وانحاز لخيارهم بعزيمة لا تلين، نابعة من ثقة بالله ويقـين ،لـذا قـال الرازي ـ رحمـه الله تعالى ـ ( وليجعلها لمن بعدكم آية تدلهم على أن ما وعدهم الله تعالى يصل إليهم كما وصل إليكم ) [ تفسير الرازي 14/97 ]
قوله تعالى ( ويهديكم صراطاً مستقيما ) أي : ( ويسددكم أيها المؤمنون طريقاً واضحاً لا اعوجاج فيه ) [ تفسير الطبري 26/19 ] .
أمّا كنه هذا الطريق وحقيقته ـ في ظل تلك الظروف ـ فهو : ( التوكل عليه والتفويض إليه والاعتزاز به ) [ تفسير الرازي 4/ 97 ] وأنعِم به من طريق من هُديَه هُدي إلى خير كثير (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) [ سورة الطلاق آية 3 ] أي : ( كافيه ) [ تفسير الطبري 28/139 ]
ونحن معشر المسلمين أضحينا نرى رأي العين كيف أن المولى جل شأنه أنعم على المرابطين في بيت المقدس وأكنافه بفتوحات خيّرة تحمل في طياتها عبراً نيرة ، فتكون آية للمؤمنين المرابطين المدافعين عن حوزة الأمة وحياضها وحرماتها ومقدساتها ، وتكون سنة للذين يجيئون من بعدهم فيقتفون آثارهم وينحازون لخيارهم ، وتكون في الوقت نفسه مبعث أرق ومصدر قلق للغاصبين المعتدين والمتربصين الآثمين ، فحياطة الله تعالى للمرابطين المدافعين عن حقوق الأمة وكلاءته إياهم باتت واضحة للعيان، شاخصة لا تحتاج لبرهان ، فكم من مرة يأخذ الله تعالى عنهم العيون والأبصار ! وكم من مرة يكف عنهم أيدي الظالمين الأشرار ، فيحقن بذا دماءهم ويبلغهم مأمنهم ، ويرد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا !
فكل هذا مع قلة العدد والعُدّة من شأنه أن يهدي المرابطين على ثرى بيت المقدس صراطاً مستقيماً قوامه : التوكل على الله ، والثقة به ، واللجوء إليه ، والاستنصار به في وقت عزّ فيه النصير ، وانعدم فيه المجير.
أما قوله تعالى ( وأخرى لم تقدروا عليها ) فقد قال الحسن وقتادة ( هي مكة ) [ تفسير الطبري 26/ 92 ] ومعنى ( قد أحاط الله بها ) أي : حبسها لكم ـ لا عنكم ـ وعليه ( فإن لم تقدروا عليها في الحال ، فهي محبوسة عليكم لا تفوتكم )[ تفسير القرطبي 16/184 ] إذاً هي موقوفة على المؤمنين محفوظة لهم ، لذا قال الرازي : ( حفظها للمسلمين ) [ تفسير الرازي 14/98] ( وفي معنى الإحاطة إيماء إلى أنها كالشيء المحاط به من جميع جوانبه فلا يفوتهم مكانه ، فجعلت كالمخبوء لهم )[ تفسير ابن عاشور 26/180]
من أجل ذلك قصم الله تعالى ظهر أبرهة الأشرم وجنده لما أرادوا مكة بسوء ، وهموا أن يبسطوا عليها هيمنتهم ونفوذهم ، فلم يتأت لهم ذلك لأنها محفوظة لقوم آخرين ، فقد أحاط بها رب العالمين ، لمحمد صلى الله عليه وسلم وصحبه المجاهدين .
إذا كان ذلك كذلك فإن آلية نيل هذا الوقف وحيازته وامتلاكه بينها الفراء بقوله: ( أحاط الله بها لكم حتى تفتحوها وتأخذوها ) [ تفسير الشوكاني 5/93 ] إنه الفتح وما يتطلبه من إعداد وعُدّة وجدٍّ واجتهاد وكدٍّ وتشمير وتضحيات وصبر على لأواء المسير .
وإنما حبس الله تعالى مكة عن غير المسلمين ، كما أنه سبحانه لم يعجلها للمسلمين كفتح خيبر: ذلك أن مكة خير البلدان عند الله تعالى ، وقد حرمها الله يوم خلق السموات والأرض ، وفيها أول بيت وضع للناس ، فامتلاكها يتطلب مهراً كبيراً؛ من طاعات مزيدة ، واستنفار طاقات مديدة ، واستيفاء ضرائب عديدة ، على طريق بلوغ هذا المرام ، فلما وفى النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه باستحقاقات هذا النصر ومتطلبات هذا التحرير أوتوه فأثابهم الله فتح مكة ووهبهم إياه ، فقد دخلها الجيش الإسلامي فاتحاً بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة من الهجرة وفي هذا يقول المولى جلّ شأنه ( إذا جاء نصر الله والفتح ، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ) [ سورة النصر ] .