منتديات فرسان الثقافة - Powered by vBulletin

banner
صفحة 8 من 8 الأولىالأولى ... 678
النتائج 71 إلى 73 من 73
  1. #71
    مشرفة قسم اللغة الغربية
    تاريخ التسجيل
    Aug 2008
    المشاركات
    862
    و ألفى مولود كفه يرتفع إلى فمه تلقيائيا كأنما يخشى أن يتسرب شيء من هذه الرؤية إلى شفتيه ، فيترجم مالا يليق أن يجهبر به فيزل به لسانه أما الناس خلطوا أنفسهم به و فتحوا قلوبهم له. و استقر الفكر على أن البديل من كل هذا لن يكون إلا معجزة تستبدل بهذه الرؤية صورة أخرى مختلفة.
    و لقد جاءت هذه المعجزة على الأثر ، فقد لاحظ مولود بشكل واضح لا لبس فيه أن فائزة نظرت طويلا في وجه أخيها مصباح الذي يجلس إلى جانبه و غمزته ، فإذا مصباح يقول : أنت لا تأكل يا مولود..ما هكذا يأكل الشباب ..خذ..ثم يكدس له في قصعته أنواع المآكل..و تبدل مزاج مولود فجأة لهذه الحركة..فجاء بنكتة قال :
    ضع ما شئت يا مصباح من المآكل في صفحتي فإني مثل ذلك الأعرابي هنا انفرجت شفتا فائزة عن ابتسامة عريضة ، و قالت في مرح :
    إحك لنا القصة يا أستاذ مولود :
    و قال مولود :
    كانت العشائر الجاهلية يغزو بعضها بعضا و قد نمى إلى أحداها ليلا أن جارتها سوف تغزوها عند الفجر فطوى كل فرد في العسيرة مضربه و ما احتواه و حمله على ظهره لترحل العشيرة كلها قبل أجل الغزو ، و بقي رجل مسن بدأ إخوانه يساعدونه في تحميل أشيائه على ظهره و هو مقرفص ، ثم قالوا له أخيرا : بقي المهباج الضخم هل نضعه على ظهرك يا شيخ.. فأجاب الشيخ :
    ضعوا ما شئتم ما دمت لن أستطيع النهوض أبدا..
    و عصفت بالجميع الضحكات و تبدل جو القاعة..
    و حانت منه التفاتة فوجد فائزة تنظر إليه نظرة طويلة ناعسة ، فتلاشت الرؤية الأولى و حل محلها شعور بأن هذه الفاتة تحيل النيران إلى جليد و الجليد إلى نار. و تنصهر في النفس بأكثر سرعة من الخمر.. و خيل إليه عندما تلاقت نظراتهما أن يسمع خفقة قلبه فيعيش في عينيها الزرقاوين.و كان يقرأ في ابتسامتها قصة خد يبحث عن صدر يندس فيه و يتمرغ..
    و تكلف بعد مغادرة المائدة الابتسام و الامتنان. فلما حان وقت الانصراف خرج من الباب مودعا بالحفاوة..فما إن أدرك الشارع حتى شعر بنسمة باردة تلفح وجهه فتنعشه ، و تنفس نفسا عميقا ، فقد أدرك أن الجو في دار مصباح كان ساخنا. و شعر بألم حفيف في رئتيه و عندها صاح :
    ويل لمن سيتزوج منك يا فائزة...
    كان الصمت حول المبنى مثل وحش مختبئ بين الأدغال ، أمسك أنفاسه لئلا يجفل من صوتها الصيد الحرون و الجو مقرور ثقيل الأنفاس و قد انسدل ستار الظلام بغير انتظام تاركا هنا و هناك حدبات ظهرت من تحت هذا الساتر. و الندى بارد تكاد تشعر ببرود الرئتان.
    ففي الساعة الثانية عشرة من الليل ، بينما كان القائمون على شؤون اللاجئين الفلسطينيين ساهرين يدرسون ما يجب عمله تلك الهجمة الهمجية التي شنها العدو على بلدة... في فلسطين المحتلة، و يدبرون ليتغلبوا على صعوبة استنقاذ عدد من الشيوخ و النساء و الأطفال الذين هاموا على وجوههم أمام الطغيان ، و تدبير المأوى و الكساء لهم.. دخل مولود يحمل حقيبتين مهشمتين و يعلوه القذر و الطين الذي انتثر بكثرة على رداءه الطويل ، غير النافذ لمياه المطر. و كان عيناه ترسلان نظرات ملتهبة، زاد من حدتها أنمها غائرتان في وجه ذي لحية كثيفة لم تحلق منذ أيام.و كان يخيل إلى الناظر لسراويله المبقعة المصنوعة من الفانيلا و معطفه الرث و غطاء رأسه الأسود العريض ، أنه قاطع طريق من شيكاغو.. ، ممن يرون في أفلام رعاة البقر الأمريكية.
    و بدون مقدمات قال للمجتمعين :
    في الباب سيارة كميون كبيرة امتلأت بثمان و أربعيم عاجزا و امرأة مسنة ممن استهدفوا للعدوان . ماذا أصنع بهم؟..
    فأراد الرئيس أن يعرف من أين هم و من هم ، فأشار مولود بيده و فيها يسجارته نحو الفلسطين المحتلة . و بعد أن استرد الرئيس المدهوش رباطة جأشه أرسل جماعته فاستقبل هؤلاء التعساء ليتدبر أمرهم.. و لكن مولود بقي واقفا كمن ينتظر أن يفسح له المجال للبوح بما بقي عنده فقال :
    أرفقوني الآن بمفرزة إلى بقة .. حيث هناك ثلاث كميونات للعدو و ملئت بالبقية.
    و قال الرئيس :
    و كيف جرى ذلك ؟
    و أجاب مولود :
    إنه أمر في غاية البساطة و السخف..فإنه ، من بعد أن بدأ العدو يكتسح البلدة تشريدا و تقتيلا ، هام العجائز و النساء على وجوههم ، فوضعنا أنا و رفاقي المسدسات في نقرة ثلاث من سائقي الكميونات العدوة ، كانت هناك واقفة بعد أن أفرغت حمولتها من الجنود ، و أجبرناهم على السير و هكذا التقطنا المشردين واحدا واحدا على الطريق . و بإمكانكم أن تستلموا هؤلاء السائقين أسرى لأنهم ما زالوا تحت رحمة رجالي.
    و كاد الرئيس يصعق لما يسمع و هو فاغلر الفم ينظر كالمخبول إلى مولود و هو يتحدث بلا مبالاة. بصحبته واحد من رجال مولود . و عندها بدت الراحة على وجه هذا الأخير ، ففتح إحدى الحقيبتين و أخرج منها جدولا طويلا و قال : هذه أسماء أطفال البلدة لأنني قررت إعادتهم إلى الأرض المحتلة بطريق من الطرق ، و هذا أصلح . لقد نظر رجالي هذه الجداول مأخوذة من أفواه الآخرين.
    و قال الرئيس :
    فهمت جيدا ما تقصد.
    و ساد صمت طويل قطعه مولود بأن قال :
    و الآن اذهبوا بي إلى أولي الأمر ليعلموا ماذا يحاك هناك.
    قال مولود ذلك و أشار إلى الأرض المحتلة.
    و هناك ماج السخط في صدور المستخدمين.. فالدخول على الرئيس لا يكون على هذا المنوال ، و بخاصة أنه كان منهمكا حينئذ بموصوع هؤلاء الذين يفدون لاجئين خوفا من أن يكون قد اندس بينهم آخرزن.
    و قد وقف الرئيس أولا موقف الذي لا يبالي بمظهر زائره الشاذ – و قصته الغريبة ، و قال في جفاء : إنه لا يستطيع أن يصدق أخبارا تبحث عن العنقاء . و أظهر رغبته في إنهاء المقابلة . و لكن مولود فتح إحدى الحقيبتين اللتين أتى بهما و وقف ينظر إلى الرئيس دون أن يتكلم..
    و ما مضت ثوان حتى بدا الجد و الاهتمام على الرئيس ، و قال :
    إنك تحمل شيئا هاما فمن أين أتيت به؟..
    هو من صنعي..
    بماذا أن متخصص؟
    بالصناعات الألكترونية.
    نريد أن نتعاون معك.
    أنا هاو و لن أكون محترفا.. إن الاحتراف يقضي على المواهب..
    إذن نكوت على حق إذا راقبناك منذ الآن.
    لكم ملء الحق أما أن فأعمل ضمن الخط المستقيم و هذا لا يمنعني أن أزودكم بما تشاؤؤون و بكل ما يقع تحت يدي.
    ثم ودع مولود و خرج بين دهشة الموجودين و هو يسمع الرئيس يقول :
    ما أحلى جنون هذا الرجل .. ليت كل المجانين مثله..
    كان مولود قد انتهى من دراسته و تخرج بتفوق . و في يوم توزيع الشهادات اعتذر من إدارة الكلية عن حضور حفلة التخرج بسبب مرض قال إنه ألم به . فلما سأله مصباح عن سبب عزوفه عن حضور الحفلة و نوع مرضه أجاب :
    إن مرضي هن هذه الحفلات ذاتها..
    و حين عينت له إحدى الشركات الصناعية المؤمنة ليتولى الإدارة الفنية فيها سر سرورا بالغا لأنه أصبح مستقرا و مكفول الرزق ، و بذلك يستطيع أن ينصرف إلى مغامراته أيام العطل و الإجازات. و لكن لم يفته أن مربوط بعمله تسع سنوات و هي ثلاث أمثال المدة التي انفقت الدولة عليه لتخريجه من المعهد الصناعي العالي. لهذا أسرع فاتخذ له محل إقامة في حي مغمور هو زاوية في خي أبي حرض.
    و في الأيام التاية حرص مولود على الدوام في الشركة المؤمنة التي ألحق بها . و قال مولود يخاطب مصباح حين التقيا في صباح أحد الأيام و هو يهم بوداعه لينصرف إلى عمله :
    إني لأشعر بأن خطأي قد شدت إلى خطى هذه المؤسسة و أنها ستسلك لا محالة الطريق الفني الذي سأحدده لها .. و هذا ما يعطيني أضعاف القوة اللازمة لهذه المهمة.
    و أجاب مصباح :
    إن اختصاصك نادر يا مولود.
    إلا أن لي علة أخفقت في التغلب عليها. إنه لتمر علي أيام أفقد فيها الشهية لأتحرك ، فأعكف في داري منعزلا أعاني أزمة نفسية من نوع الجدب النفسي و الضجر.. و الأرق. و قد يأتي علي صباح عبقري فأجد نفسي و كأن بيدي إزميل نحات يضرب به الصخرة فتنفجر فيها الحياة.فأهب فورا و قد همت علي الفكرة الفذة جاهزة للتنفيذ فما هو إلا أن تذهب نومي حتى أجدني رائحا غاديا في غرفتي متوفز الأعصاب أنعي الليل و ساعاته البيطئة ، و أرقب الفجر بصبر ذاهب ، و ما أن يرسل الفجر خيزطه الخجولة حتى اكون قد أتممت هندامي و خرجت من الدار ضاربا في الشوارع ، أسعة لتنفيذ الفكرة التي كانت تراودني طول الليل.
    إني لأتصور دارك فندقا بالنسبة لك لا يراك إلى في الساعات الخمس الأخيرة من الليل فأنت غائب طوال النهار..
    هذا ما يجري حقا ، و قد يستمر غيابي يومين أو ثلاثة و أنا مطمئن إلى أن كل مافي البيت سيكون على ما يرام ما دامت أم كامل جارتنا تعني به و تتقاضى لقاء ذلك الجعل المعلوم..أسبوعيا، أقول هذا لك يا مصباح لا تدل أحدا على بيتي لأنني أهوى العزلة.
    أما أنا فلا أستطيع أن أعيش على هذه الوتيرة.. فإذا انقطعت عني أخبار الناس أصبحت في دوامة و فراغ..و على كل حال ، فإني لن ادعك في هذه العزلة إني لأجد نفسي مسوقا بقوة لا أستطيع تفسيرها تدعوني إلى إخراجك منها.
    إذا كنت بطلا فافعل..
    سنرى
    و افترق الصديقان.
    عندما عاد مولود من عمله في وقت العصر وجد على غير انتظار رجلا ذا هندام أما باب البيت ، و توقف مولود على مسافة بضعة أمتار من البيت ، ثم تقدم ببطء يتظاهر بأنه يبحث عن دار أحد اصدقائه. و سأله الرجل عن بيت مولود..فأجابه مولود :
    هو هذا على ما أعتقد ولا أدري إذا كان مولود في بيته.
    و تقدم مولود يطرق باب داره هو فلم يرد أحد بالطبع. فوجه كلامه إلى الرجل قائلا :
    أنت ترى أن مولود غائب عن داره.
    و أين أستطيع أن أجده ؟..
    هلم بنا نفتش عنه ، فإني أعرف الأماكن التي يرتادها في العادة ، ما هي مهنتك؟..
    أنا صحفي و قد عرفت بالمغامرة الرائعة التي نفذها أول أمس ، و أتيت لأحصل منه على حديث يكون بالنسبة لجريدتي سبقا صحفيا.
    حسنا..تفضل.و إذن فقد وجب علي أن أجد و أبحث عنه معك بحثا جديا.
    إذا فعلت فلسوف يكون لك نصيب في الريبورتاج الذي سأنشره في صحيفتي اللبنانية.
    نعم.. أرجوك فإني أحب ذلك من كل قلبي.
    و راح مولود يبحث عن مولود مع الرجل في أماكن مختلفة من المدينة في المقاهي و أماكن اللهو. و أخيرا نفخ نفخة كبيرة و هو يقول لمرافقه :
    أخطأت يا صاحبي اليوم الذي حئت به ، و قد ذهبت كل محاولاتنا سدى . لأن مولود في أيام السبت و الأحد من كل أسبوع و لن تستطيع العثور عليه حتى يصحو من سكره. و أنا إن آسف على شيء فأسفي على أنك لن تستطيع الحصول منه على حديث و إذن لن ينشر اسمي في الريبورتاج و سأله الصحفي :
    متى أعود؟..
    و أجابه مولود بكل برود :
    أأنا خليق بأن أعرف؟..
    ثم ودعه الصحفي مصافحا و قد بان اليأس على وجهه ، فلما ابتعد زفر مولود زفرة من تخلص من عبئ ثقيل . و نظر إلى الصحفي و هو يبتعد موليا ظهره و ابتسم و قال كمن يخاطب نفسه :
    إن المرض كل المرض يكمن في هؤلاء.. فلو عرفوا أنهم يهيئون الطريق للأعداء و المستعمرين لكانوا جديرين بأن..إن السبق الصحفي هو السائل اللزج الذي تطلي به القوى العدوة مآخذ الآلات الطابعة..
    و عندما غاب الرجل عن ناظريه اتجه مولود إلى بيته و معه صرة.
    كان الصرة آلة دقيقة صغيرة وقع عليها أحد رجاله الذين سلطهم على باصات العدو و المستولى عليها.
    كانت الآلة من نوع ألكتروني دقيق جدا . لذا كانت سعادة مولود بها عظيمة ، فأكب عليها انكباب الجائع على قظعة من طعام لذيذ . رغم أنه كان كدا مرهقا . و كان يحرص على أن يكون عطه سرا مكتما . و قال في نفسه : أرجو أن أنتهي من أمر هذا الجهاز قبل أن يخطر ببال الصحفي أن يعود للبحث مرة ثانية عن مولود . لهذا أسدل الستائر السود على نوافذه و ألسقها باللاصقات "بوينز".فلما انتصف الليل كان مولود لم يزل على باب هذه الآلة المستعصية ، و كان يدرك في ضوء دراسته أن مثل هذه الآلات يؤذيها فتحها بالعنف و الضغط ، فهو يريد أن يصل إليها من مأخذها الطبيعي . و رغم أن ميعاد النوم قد أزف ، فلقد لعبت هذه الآلة في تحريك كزازة نفسه و صمم على الوصول إلى سرها و لو كلفه ذلك إحياء الليل بكامله..
    و عند الفجر قام مولود عن الآلة مفكك المفاصل منهوك القوى ، و لكنه كان يبتسم لأن الآلة استسلمت في النهاية إلى أنامل الصناع . و أدرك أنها مما يوضع في حفر الأرض يجانب أساس عمود هاتف حسب المبدأ القائل إن الأجسام الصلبة توصل الصوت بأسرع و أوضح من الهواء. فقد استبان له أن العدو يسرق أسرار المخابرات عن طريق مثيلات هذه الآلة و أنه لا يبعد إذا عني القوم بمراقبة التربة جول أعمدة الهواتف في أراضينا أن يتكشف الأمر عن آلات من هذا النوع مدفونة في الأرض ترسل لا سلكيا هذه الأخبار إلى مواردها هناك ..
    عندما دخل مولود مكتبه في المؤسسة صباحا وجد نهلة مكبة على ترتيب أرشيف مكتبه . فتبسم دون أن تلحظ نهلة من ذلك شيئا . لقد كانت منصرفة إلى عملها في جد و إتقان بكل جوارحها ، قوست ظهرها و انحنت على الأرشيف تعالجه بعينين متعبتين ، و تلكأ هو الدخول : لقد أخذ بمنظرها هذا ..إن للمرأة العاملة الجادة منظرا مسكرا..و ظل يتمتع بمنظرها و هو يتسرق على أطراف قدمه ، حتى فاجأها ، فرفعت بصرها إليه في وداعة طفل ، و ابتسمت و استبقت فحيته بجملة : صباح الخير ..أستاذ مولود.
    صباح الخير آنسة نهلة..كيف تجدين عملك؟
    إن عملي في غاية من الدقة . إن يلذ لي و يستغرقني.
    ذلك ما لاحظته.
    فنظرت إليه نهلة ، بعد هذه الكلمة ، نظرة طويلة مستفسرة ، و حين راته ينصرف إلى عمله بدون تعليق عادت إلى عملها.
    و بدات ذاكرة مولود تعمل ، فتذكر أن :
    هذا هو اليوم السابع على التوالي الذي مضى على نهلة في هذه المؤسسة . أما انتسابها إليها فقد جرى على يده هو . كانت نهلة أول من فكر فيه مولود لتشغيل هذه الوظيفة حين شغرت. كان قد سمع من مديرة معهد الأحداذ البنات مديحا عنها. و قالت المديرة إنها تضمنها سلوكا و عملا و خلقا إذا ضمت إلى موظفي و مستخدمي أية مؤسسة. كانت المديرة تقول هذا و مولود يقرأ آيات القلق مسطورة على جبينها . ذلك أن مصدر قلقها ، كما قالت ، هو ضرورة تدارك العمل لهذه الفتاة المتخرجة من المعهد . لقد أصبح ذلك مهمة القائمين على معاهد الأحداث الجانحيت أي تأمين العمل لمن يوشكون على التخرج . ذلك لأن العمل للدائم الماجور هو خاتمة علاج هؤلاء الأحدااث ، و هو حد الفصل في قطع دابر الجنوح . و مهما جهد المعهد في الإصلاح ، فإن جانحا متخرجا بلا عمل هو كتلة صخرية على رأس منزلق إلى الوادي ، لا يلبث أن يقع ثانية في الجنوح . يتذكر مولود أنه سأل المديرة إذا كان يمكنها الاحتفاظ بنهلة أياما ، فأنه لقمين بأن يحل هذه المشكلة ، و كيفأشرق وجه المجيرة آنذاك .. و ها هو مولود قد بر بوعده و ها هي نهلة الآن مكفولة الرزق.
    و استمر مولود أذنا و عينا على عطه و أذانا و عينا على نهلة ، ينتظر أية بادرة يراها فيها تتعصر بعطها ليقوم هذا العثار ، فهو سبب توظيفها و هو المكلف بانجاحها .. و قال لنفسه : يجب أن تتفوق على قريناتها ، ليست قريناتها بأشد ذكاء منها ولا بأكثر استعدادا للاقتباس و المران .. إن للفتيان و الفتيات نصيبا مما للنوابغ و هو نصيب من قدرة العقل الرحب الذي لا يعوقه عائق.
    و أدركته على هذه الفتاة شفقة عارمة ، فلقد علقت بذهنه صورتها و هي مكبة على مكتبها ، إنها تجاهد ..تكسب ضياء عينيها لكي ترضي رئيسها أو رؤساءها .إنها تكافح في الحياة لكي تعيش ، لكي تأخذ حقها في الحياة تحت الشمس مثل كل مخلوق آخر.. تصورها لا تزال مهلهلة الثياب صغيرة جائعة مشعثة الشعر قذرة الجلد ..حافية القدمين ، عيناها قد عششت فيهما جراثيم التراخوما تخطف كسرة الخبر لتأكلها.. معرضة لأن يسيء الغلمان التصرف معها فيؤذونها ..ثم عاد الآن-فشاهدوها و قد أصبحت أملك لزمام الحياة ، لزمام نفسها و مرشحة لحياة كريمة نظيفة.
    يا الله ..إنها صورة تحلب اللب.
    و جاؤه من يليه في المركز يشكو له افتقار اللوائح التي تنظمها نهلة إلى الدقة ، فارتعش لدى سماعه ذلك ، و كان ثمة فرصة للتفكير و كسر حدة هذا الانتقاد و هي غياب نهلة في غرفة أخرى من غرفة المؤسسة ، بحثا عن بعض الأوراق . قال مولود للشاكي :
    ألا تعلم أن الآنسة نهلة جديدة في هذا العمل؟ ..هل تريد أن تقطع رزقها منذ اليوم الأول..؟
    إن تهيينها مؤقت و دوامه رهين بجودة عملها.
    هذا ما لا شك فيه و لكنني أسألك : ألم تمر أنت بهذه المرحلة؟
    و سكت الشاكي يا يحير جوابا .. و أدرك مولود ما يجول بخاطر الشاب. فأجهز على شكاه بقوله :
    إذن ، فالخير هو أن ننتظرها و نعطيها فرصة أخرى ، أليس كذلك..؟
    و ذهب الشاكي على وجهه ، فزفر مولود زفرة من يدرك أن لم ينتصر الانتصار كله ، و أن الهجمة التالية لا بد آتية . و لكنه لا يريد أن يصدم هذه الفتاة من الأسبوع الأول ، فكان هذا مصدر قلقه.
    عندما عادت نهلة إلى مكتبها قام مولود فوقف أما النافذة ينظر إلى الشارع و قال لها و نظره عالق هناك في الشارع :
    سأملي عليك فتكتبين .
    و تهيأت نهلة على الفور و أملى عليها مولود رسالة لم يكن له بها حاجة .. و حين انتهى أخذ بيده ما كتبت و قراه تحت سمعتها . و قال :
    حسنا ، يمكنك يا آنسة نهلة أن تكوني خيرا مما أنت عليه أيضا.
    أرشدني كيف يجب أن أتصرف و ستجدني صاغية مستوعبة.
    بهره جوابها هذا ، فإنه دل على استعداد منقطع النظير.. و أرشدها إلى ما يقطع شكوى الموظفين من عملها ، و عندها شعر بالطمئنان و عاد إلى مكتبه يوالي عمله .
    و هكذا كان كل يوم يمضي عليه و نهلة إلى جانبه تجد و تعمل تنغرز في أحد أحداقه صورتها كعاملة نشيطة ، و يأنس بها فيشعر بأنه يجاور مخلوقا ذا مزايا.
    الأرجح أن يقال أن ثمة خاظرا يحيك في صدرك ، فإنك إنما تحاول ان تقنع نفسك بان العمل هو القاسم المشترك بينك و بين نهلة . و لكن أليس هناك أكثر من قاسم مشترك واحد؟..أليس ثمة مثلا استلطاف و لو في درجة دنيا؟..أليس في نهلة رشاقة و هيف..يستحقان أن يقف قطار النظر عند محطتها الصغيرة طويلا؟..صحيح أنها الآن محطة صغيرة و ربما لا تقف القطارات عند المحطات الصغيرة..و لكن كل صغير يكبر..
    إنك لا تعرفحتى الآن سوى الدأب و العمل. ألا تنوي أن تسري عن نفسك قليلا؟..قليل من اللهو..ألست تحب المرأة.و إذن ها هي اماك قريبة المتناول ليس لها رقباء . أعتقد أن احدنا على كل حال لا يبلغ استغلال إمكانياته كلها أو أكثرها إلا إذا احتك بالمرأة ، فعندها تعطيه حاجاته جميعا ..هذا أمر طبيعي ام أنك شاذ عن سائر خلق الله أجمعين؟..
    عندما وصل مولود من تصوراته إلى هذا الحد احمر وجهه فجأة و شعر هو بارتفاع حرارة إهاب وجهه : كيف تسنى له أن يفكر بهذا الأسلوب ..قبل قليل أثلج صدره حين كفل لنهلة رزقها لكي يجنبها الوضوع من جديد..ما بله يفكر في أمور اخرى .. و لكن نظراتها كانت قبل قليل حبلى.
    و أقنع نفسه بضرورة الكف عن مثل هذا التفكير .. و لكنه لم يستطع ، وجد فرصة لتصعيد ميوله :
    إن مشروعاتي تحتاج إلى عنصر لطيف..إلى امرأة .. و قال بينه و بين نفسه :
    و ماذا في ذلك؟..
    و أجاب نفسه "
    إن مشروعاتك الطر كله عليها.
    نعطيها دورا ىمنا.
    لن تنتفع بها بهذا الشكل أبدا.
    على كل حال يبقى شيء واحد هو إقبالها من نفسها على رفده بعنصر ضروري.
    و تعب من تفكيره الذي عاقه عن الاستمرار بالعمل ، فزفر زفرة طويلة ، و غادر مكتبه دون أن يودع أحدا .
    ما إن خرج من مكتبه حتى وجد نفسه وجها لوجه مع مصباح..
    وجده قد وقف و أغمض عينه و فتح ذراعيه . و ضحك مولود و دخل بين ذراعي مصباح مداعبا . ز قال مصباح :
    هل حقا أشاهد مولوج؟ ..
    معك حق
    لا أدري سببا لهذه القطيعة .. فهل عندك سبب لها؟
    اتظن أني أقل شوقا إليك منك إلي يا مصباح . نحن زملاء و أكثر أيضا.
    صدقت .. ما زالت دارنا مفتقرة إلى البهجة بغيابك . ثم إن فائزة سألت عنط طويلا.
    و أحس مولود فجأة لدة سماعه الكلمة الأخيرة بنار تشب في جنبات جسمه..فائزة تسأل عنك طويلا.. هو الذي ما انفك عن التفكير فيها.. إذن فهي تفكير بي طول هذا الوقت. ما أحلا فائزة إنها الفتنة بذاتها .. و نهلة : إن جمال فائزة لأخاذ .. و لكن جهاد نهلة يخلب اللب . و سارة المحادثة بينه و بين مصباح في مجرى هادئ قلل من تأججه.. فعاد إلى طبيعته و عاد يفكر بين فترات الصمت بينه و بين مصباح :
    إن حاجته إلى المراة حاجة قائمة ، و لكن هذا لا يعني أنها همه الأول .. إن له هموما كثيرة أخرى ليست المرأة إلا واحد منها و ليس ينكر أنها تعينه على مواجهة سائر هذه الهموم .. و لكن يجب أن يحسب حسابا للهموم التي تواكب المرأة ز و هو الان لا يملك وقته و لا جهده ، موزع بين مشروعات عديدة كل واحد منها يحاول أن يستغرقه بمفرده.
    و اقترنت في ذهنه صورة فائزة و صورة نهلة ، و بغته الشبه القائم بينهما ، ليس في الشكل و لكن في تلقيهما ضغوط الرجال من أصدقائهما .. و ما تبديان من جهد في سبيل العيش الكريم ، الثانية في المكتب و الأولى أمام ضيوفها لتتخير زوجا تسعد بقربه .
    الواقع أن كل واحدة منها تستدر شطرا من عاطفته . و هو لا يرى ، هنا في البلد ، فارقا بين الاثنين ، برغم الفوارث بين منبتيهما .. إن فائزة أيضا فتاة تستدر العاطفة فهمي لاصقة بالجرل تنتظر عطفه..
    هذا ما هيأ مولود لتقبل مداعبة مصباح المبطنة بالجد قبولا وديا ، فابتسم وسار متأبطا ذراعه .. و عاد يأنس بصحبته و يستردع معه ذكرياتهما الحلوة في المعهد الصانعي العالي.
    و اقترح مولود أن يجلسس مع رفيقة في مقهى يتناولان فنجانا من القهوة .. و هناك تبادلا الأحاديث عن أعمالها و تندرا ما شاء لهما التندر ..فلما قاربت الجلسة نهايتها قال مصباح :
    سنذهب الآن إلى الدار و هناك سنتم ما بدأناه هنا .. أتعلم أنني لا أكتفي بهذه الجلسة المختصرة .
    حاول مولود التخلص ، إلا أنه كان في دخيلته يأمل أن يجد من نفسه عونا على نفسه و مقنعا لها بان يستجيب لطلب مصباح . و كان الطبيعي أن يغلب مصباح حجته .. و هكذا وجد مولود نفسه وجها لوجه مرة أخرى مع فائزة التي مدت له يدا حارة متلهفة مرحبة . هذه المخلوقة يا مولود ناعمة ، يتمتع جمالها الهادئ الوادع بسطلنا مكين على من حوله حتى يغله و يجعله طوع بنانه.
    و ظلت فائزة تبتسم له في حنان كلما صادف نظره حتى وجد نفسه أخيرا يبادلها هذه البسمات. كانت متباسطة معه أكثر من أي وقت مضى و زادت الآن فمزجت حديثها ببعض المزاح البريء الذي أضفى على الجو بعض الضحكات.
    و ظل الأمر على هذا المنوال حتى جاءت مناسبة الزواج . فسأل مصباح مولودا :
    مادمت قد بلغت الاتسقرار لماذا لا تتزوج؟
    أنا أسألك السؤال ذاته.
    و مد مصباح يده اليمنى فلمع في بنصره ختام ذهبي و قال :
    ها أنا خاطب.
    و أرتج مولود ، فلا يدري بماذا يجيب .. و قامت فائزة فورا – فخرجت من الغرفة . و قال مولود :
    المسألة في في الاهتداء إلى الزوجة.. و الفتاة التي تقبل بالزواج.
    ما عليك إلا أن تطلب الفتاة التي ترزوق لك و لا أعتقد إلا أن طلبك سيكون مقبولا.
    و كمثل كل شاب غرير في مثل هذه الشؤون أطبق عليه الحصار من حيث لا يدري .. و كمثل أي شاب آخر يصل إلى حافة حادة من مسبح و يدرك أنه لا بد سيهوي في الماء فيقول في سره : فلأهوي و أستريح .. و لح مولود بكلمات غامضة بأنه راغب.. ثم صحا و قال لنفسه : ماذا فعلت ؟.. و لماذا تفوهت بهذه الكلمات؟.. إلا أن الأمر كان قد انتهى فعاد راضيا عن نفسه لأنه كان قد قذف بنفسه في الماء..
    عادت فائزة إلى مكانها .. و أصبح الحديث بعد ذلك ذا روح وزنها النوعي حفيف جدا. و بانت فائزة على سجيتها ، و تجرد اسم مولود في فمها فأصبح " مولود" بعد أن كان الأستاذ مولود..و تبعا لذلك فقد غدت في فمه" فائزة "أيضا..
    و قال مصباح لمولود :
    هل وصل إليك الصحفي اللبناني؟..
    و بغت مولود بهذا السؤال فأجاب :
    إذن ، فأنت من أرسله الي..
    بالطبع ، الرجل متلهف على معرفة تفاصيل المغامرة الرائعة التي نفذتها يا مولود.
    و نظر مولود إلى فائزة ثم إلى مصباح متحرجا فقال له مصباح :
    فائزة تعرف .. أنبأتها بمغامرتك.
    مصباح ، أنا اكره الدعاية ، يا ليتك لم تنبئه .. إذا ذكر اسمي في الصحف انتهيت كمغامرة..
    عفوا إذا أخطات ، لم أكن أعرف..
    على كل حال لم يحصل ضرر ، فإنه لم يعرفني بعد.
    تعني أن لم يصل إليك..
    بلى وصل وطفت أنا و إياه في المدينة و لكنه لم يعرفني.
    و قالة فائزة :
    أما إن هذا لعجيب .. كيف جرى؟..
    و قص مولود بالتفصيل ما صنعه بالصحفني اللبناني ، و إذا بمصباح و فائزة يكاد يغشى عليهما من الضحك..
    و قال مصباح ، بعد أن انتهت عاصفة الضحك ، و قد اتخذ لهجة الجد الممزوج بالاهتمام و الحرص :
    هل تظن يا مولود أني لا أعرف مغامراتك منذ زمن طويل ، لكنني أشفقت أن يصيبك مكروه ، و لولا أن هذا الصحفي أسكرني بما سكبه في سمعي من ضرورة تشجيع المغامرين لما انصعت له.
    و أدرك مولود أن تالي الحديث سيكون طلبا من مصباح بان يشركه في هذا المغامرات .. لقد بان ذلك في وجه فائزة. فسكت و لم يجب ، و لماذا يعقد الموقع؟.. و حاول تغيير الحديث فلم يوفق . تابع مصباح حديثه قائلا :
    أتحسبني يا مولود أقل منك شهية للمغامرة؟.. لماذا لا تشركني فيها؟..
    أنا نفسي أسعى لإيقافها لهذا لا أنصحك..
    لا أصدقك أبدا .. المغامرة في دمك ، و إلا فلماذا تكره الدعياة ؟
    مصباح..يجب أن تكون عاقلا.
    لماذا لا توجد لنفسك هذه النصيحة؟..إذا زدت في بيانك هذا اتهمتك بانك تهينني ..
    لا أهينك و لن أهينك إذا كنت خالص النية..
    أنا حالص النية فعلا..
    بيننا فائزة و لها رأي..
    ليست هي التي ستشترتك في المغامرة بل أنا..اطمئن.
    كانت فائزة طوال هذه المحاورة صامتة شاحبة الوجه. فشعر مولود بقلق و حرج . فقال مخطابا مصباح و هو يردد نظره بين فائزة ة أخيها :
    أنت محرج يا مصباح. أرجوك أن تؤجل الحديث .
    بعد أن تعدني
    سأفكر بالأمر.
    حسنا..
    و بانتهائ الحوار عاد الجو إلى بهدته ، فلما صدح الراديو بالأغاني لبست الموسيقى لبسا جديدا لما يكن لها قبل ، و أصبحت ذات محتوى كله طرب مهما كانت نوعيتها ، فإذا خاطلتها نظرات متبادلة بين فائزة و مولود بلغ الأمر حد النشوة و دارت كؤوس الشراب فأعطت للحلوق مرزونة لم تعدها و خرجت الضحكات للنوادر المستملحة ممزوجة بالرضى و الأنس ، و زاد في رزنق الوجوه ، فتشهت الشفاه القبل لولا أن المجلس ما زالت ترين عليه ذرة من كلفة . و ارتاعت فائزة فجأة للسهوم الذي سيطر على مولود :
    و الواقع ان مولود ، و كأنه استيقظ فجأة ، خاطب نفسه قائلا : وسع كل ما يبدو و أنني حفضت جناحي فما زلت محتفظا بعنفواني ، فالواقع أنه إذا بلغت بي سعادة الجد أن أرى العقاب و هي تهوي هويا من جو السماء علمت عندئذ لم صارت العقبان ملوك الجو بلا منازع ، عندها تكون قد رأيتها تحلق في السماء و تحوم و تدوم ، ثم تذهب مرتفعة حتى تسمو و تسمو ثم تعتدل و تذهب إلى مراقيها ..
    و كان مولود قد نحا في حديثه منحى المشتكي من السوق . و أبان أنه يضجر من الشراء لا يعرف نفسية البائعين..فهو ، ما إن يقسم البائع قسما واحدا بالله العظيم يريد أن يقنعه بالسعر ، حتى يمد يده إلى جيبه و يخرجها ملأى بالمال إلى البائع.
    و سألته فائزة عما إذا كان يبغي الشراء .. فأجاب بالإيجاب ، فإ ذا بها تواعده لتخرج معه فيشتري ما يشاء ، فإنها بعالمه بموارد السوق و مصادره.
    و خرج مولود مودعا بالابتسامات و النظرات الناعسة و قد ظفر بموعد.
    يا الله لقد امتصت فائزة ما دار في خلده من أفكار ، فالواقع أنه هو صاحب الفكرة ، إلا أن تردده في طرحها كان أجدى ..كان يود لو يدعو فائزة إلى مصاحبته في جولة في السوق ليتدارك لنفسه بعض الحاجيات ، و لكنه تردد و خشى أن يعتبر ذلك هجوما لم يحن أوانه بعد ..فإذا بمصباح ينهي و يثبت الأمر بنكته .قال :
    روحو يا عمي ، روحو شو على بالكم ، لا تتذكروني.
    و ردت فائزة قائلة :
    إنك تنكر دائما ..كم من المرات خرجت لأتاردك لك بعض ما تحتاجه..
    و ضحك مصباح و ضحكت فائزة و ضحك مولود.
    كل هذا تذكره مولود و أشنأت ذاكرته تعيده مرارا.. و لكنه تساءل هل يتم هذا "المشوار" إلى نهايته ، و هل يمكن أن يكون تودد القوم له مصطنعا؟.. لا يمكن أن يكون الأمر كذلك ، إنه في كل مرة يلتقي بفائزة يكتشف في شعوره نحوها أفقا جديدا ، و الشعور مرآة..ففي المرة الأولى ، التي شاهد فيها فائزة ، كانت مخلوقة تملأ الصالون بوجودها.. و في المرة الثانية ، أحس بأنه يكلم مخلوقا ، الحديث معه ذو قيمة . أما الآن ، فهو يشعر بشعور جديد كل الجدة..إنه الدفء. هو يشعر بدفء شخصيتها ، و عبيرها المعطر . يا الله أي عطر سكبته على نفسها ؟.. و خيل إليه أنه يناقض شعوره إذ يعبر عنه بهذا التعبير ، إن العطر في بشرتها نابع من كيانها ، و ليس دخيلا عليه و لا مضافا إليه . إنه لا يستطيع أن يتصورها مجردة من هذا العطر .. و لقد خلقت معطرة ، مطيبة..
    و إذ خرج من دارها بعد أن تواعدا ، كان لا يزال وطأة ذلك الطيب الذي يحيط به أينما مشى . لقد خلف وراءه في الدار كائنا ليس كالكائنات ..كائنا خلق ليعيس و ليظل معشوقا ليظل مبتسما ناعس الطرف . و هو يحاصره فوق ذلك .. يحاصره كل جوارحه . و فكر و قد روتني لو أن الموعد كان قريبا : بعد دقائق ، بعد ساعات ، لا..خير لي أن يكون الموعد في الغد لالتقط أنفاسي لأنعم بالنتظار..بالحلم.
    في تلك الليلة هرب النوم عن جفنيه ، و برغم أن ضغط جفنيه العلويين على جفنيه السفليين بغية إغراء النوم ، فالنهار التالي يتطلب منه يقظة و أعصابا مرتاحة ، إلا أن عينيه بقيتا منفتحتين . و لم ينم إلا وقتا يسيرا نوما متقطعا..
    على انه تعجب ، في صباح اليوم التالي ، حين حضر صباحا إلى عمله ، فألفى نفسه مكبا على العمل في نشاط ، و جاءت نهلة فلم يلتف إليها ..حيته فرد التحية و هو مطرق :: نظرت إليه نظرة مستطلعة ، فلم يرفع رأسه إلا بعد أن أكبت على عملها ، فنظر إليها :
    يا لهذه الفتاة ..إنها فتاة وادعة مطيعة. وادعة مثل طفل . و هذه الوداعة هي التي تجعلها محبوبة . و لكن اليد تشفق من القسوة عليها أو إيذائها و لو بكلمة ، إنها تجاهد تكد و تسعى . لو كانت متزوجة لكان زوجها من أسعد الناس . فهي من النوع الذي يأنس بقربهن الرجل ، برغم ما يبدو من خشونة ملبسها ، هذا "الصداري" يبتلع نسف أنوثتها ..لا سبيل للمقارنة بينه و بين الشفوف التي ترتديها فائزة ، لا ، لا ..كل فتاة لها ميزاتها و خصائصها ..
    و ارتد بصره عن نهلة ..ثم عاد ثانية يلقي عليها نظرة عابرة.
    وقال لنفسه :
    إن اتجاه نهلة إلي أمر لا ريب فيه ، أجابتها المليئة بالحنو و بسماتها..ونظراتها ذات المعنى .و لكن ..لا تمس من إنسان موضعا يمكن أن تحدث فيه جرحا .. و لا تمني هذه الفتاة إذا كنت لن تستطيع أن تهبها نفسك..و لا تنس أن عيني فائزة كان يتجلى فيهما الأنس بك و الرغبة في لقائك ، و قد واعدتها بالفعل و الموعد اليوم مساء.
    و انكب على عمله كأنه وحيد في المكتب..
    لقد واعدتها لما بعد نسف ساعة ، و ها أنك تتأنق في ملبسك لملاقتها ، قلبك في وجيب ، و عيناك تطل منهما الرغبة ، و جفنك مثقل بالرؤى . و كفك فيه النار تتلظى ، و قد ماك كمن فيهما عداء ماكر لا تزال تكبح جماحه لتتزن خطواته ..بماذا تصف شعورك هذا ؟..
    إنها المغامرة ، المغامرة تنشر أعماق الإنسان تحت الشمس فتتنزى منه قوة خارقة قوة الرغبة في الوجود ، في الحب ، في العطف ..ما ألذ الطعام غصا و ألذ الحب سرقة . تلك خصائص طبيعية في كل كائن حي إذا خلا منها أصبح ترابا في تراب ..هذه القوة هي التي تصنع وحدة وجود ككائن حي. و هي هي أحدثت كل ما نراها من حضارات. و هي هي مقياس الصحة النفسية للإنسان.
    و تساءل مولود كيف سيكون موقفه منها؟..يجب أن أبدو متماسكا لا ينبغي أن أفقد نفسي أمام جمالها. و أراد أن يقيس موقفه هذا على موقفه حين لقيها في السوق أول مرة. و لكن ذلك الموقف مختلف عن هذا . كان وليد مفاجأة ، و المفاجأة لها حكمها و عناصرها . أما الآن؟..الآن ، من الطبيعي أن إلقاء المرء نفسه في الماء أسهل من انتظار ملامسة الماء . و أي ماء؟..
    عندما أقبلت من بعيد نسي هذا "الكوكتيل" من الفلسفة و اتجه بكل كيانه إليها . حيا مبتسما ، وردت التحية بصوت فيه جرس مستحب و مدت إليه يدا عاجية طرية ، ضغط عليها ، فنظرت إليه تشعره بأنها فهمت معنى ما فعل .. فشعر بدوار في رأسه ، دوار من انتشى من خمرة قوية المفعول.
    و لكي لا يجعل للصمت أن ينهض فاصلا التيار الرائح الغادي بينه و بينها قال :
    من أين نبدأ.
    و سمعها تجيب :
    من ربطة العنق .
    و طرب لجوابها طربا بالغا ، فلقد تهدم كل حاجز بينهما. و سارت الأمور من بعد ذلك بشكلها العادري ، و هدأ وجيب القلب ، و اعتدلت اللهجات ، و انصرف الاهتمام إلى نوعية " المشتروات" ، و حرص مولود على ان يكون موقفه موقف المتسائل على الدوام فلقد شعر بأن مرافقته تعتز بذلم و تتجاوب معه.
    هل ترين أن هذا النوع أجود من ذاك ، و هل .. و هل ..
    و كانت فائزة تدلي بآرائها كشخص خبير و بلهجة واثقة وودية. و تقارب الرأسان أكثر من مرة للتشاور بصوت منخفض ولئلا يسمعهمها البائع . و كأن كلا منهما كان من صميم كيانه راغبا في إطالة أمد التشاور. حتى لقد أصبح شعر فائزة عند أنف مولود فراح يتشمم ذلك العبق العطري و يستزيد و تعالى برأسه على البائعين و أن لم يبد من حديثه شيئ من ذلك ، فهو إنما يصحب إنسانا ذا قيمة لا تقدر بثمن.
    و تعمد أن لا يرضى بسهولة.. لا بالألوان ولا بالنوعية. و الألوان هي المجال الوحيد الذي يأذن له الموقف بأن يستقل بتقديره ، و الذي لا تسطيع فائزة أن تملي إرادتها فيه .. و تعددت مغادرة المخازن – و الولوج فيه من أجل ذلك .
    ألا يمكن أن نردف هذه الجولة بجلسة في مكان؟
    و ترددت فائزة و شاهدها تعض شفتها ثم تجيبه في حياء و بصوت منخفض :
    إذا كان هذا لا بد منه و كان يسرك فمالي إلا أن أفعل..
    و ساد صمت قصير قطعته فائزة بأن استدركت :
    و هل تصر على ذلك ؟..و هل لا بد منه.
    و لم يشأ أن يزيد في إحراجها ، فقال :
    فلنترك ذلك إلى فرصة أخرى.
    ولاحظ أن فائزة استراحت إلى قوله الأخير ، و قدر قائلا لنفسه لعلها محرجة أو غير متمكن من وقتها..
    و برغم أنه كان يشعر بان فائزة امتلكت في هذا الجولة وحدها زمام المبادرة ، إلا أنه أدرك بأنه ربح قضيته تمام.. و مرت أثناء عودتهما فتاة جميلة الطلعة و لكنها مصابة بشلل الأطفال ، كانت رجلها في الحديد و هي تضلع بشكل مؤلم ، فارتسمت على وجهه إمارات الألم . ثم أشاح بوجهه و أخد بزند فائزة و اقترب بها من واجهة إحدة المحلات ، يريد أن يصرفها و يصرف نفسه عن هذا المنظر. و جعل يشرح لها عن موجودات ما عرض في تلك الواجهة ، فنظرت إليه طويلا و بصره ما زال يتضع التفرس في تلك المعروضات ، إلى أن وجد لا مناص من أن تلتقي نظراتها بنظراته ، فخجل و ابتسمت ثم قالت :
    أنت رقيق الشعور يا مولود ، فالواقع أن النظر إلى هذه المخلوقة المسكينة يؤثر في النفس.
    و أدرك هو مستوى الذكاء الذي به فائزة ، و اكتشف فجأة أنه ما زال بذراعها الدافئ ، و لاحظ أنها لم تتملص منه ، فسرت في جسمه كهربائية تدغدغه .. و تحرك في نفسه الرغبة ، فكبحها بالتفكير أن فائزة تتمتع بشخصية فريدة ، فهي رغم أنها شعرت بيد مولود تطوق ذراعها إلا أنها ما ماعت و لا بدا عليها أنها تستجيب بشكل منحرف لتحركه هذا.. و ما زالت هي..هي الفتاة الرزينة التي تتكلم و تحت ألفاظها عقل هادئ و إن كان كسولا.
    و بسبب من تداعي الأفكار عاد بذاكرته إلى الأماسي التي وجد فيها في دارها بدعوة من أخيها مصباح . تذكر وجه والدتها المستدير الممتلئ و نظرت تلك الوالدة القوية المركزة فيه . و برغم أن فائزة فارعة الطول ، فقد كانت عندما تتكلم معها والدتها و تأمرها بلهجتها الأموية الخاصة تتحول إلى فتاة أصغر منها سنا فكأنما كان يحلو لها أن تعنو لسلطان هذه الوالدة بطواعية محببة . لقد كانت الأم ذات شخصية قوية آسرة ، تفرض هذه الشخصية على ولديها فرضا غير مستمد من العنف ، فرضا لا ثقل له و لكنه مستجاب ، و تذكر أن سمه مصباح أنه يتيم الأب فأدرك عندها أية شخصية تتمتع بها هذه المرأة.
    و تذكر أن الوالدة لم تكن تجلس مع السامرين طول الوقت ، فلقد غادرتهم إلى مخدعتها بعد ساعة من الزمن ، كانت خلالها تتطلف كثيرا مع ذلك الفأفاء التمتام الذي كان يناديها بكلمة "ماما".
    و اشتد مقته لذلك الشاب ، فإنه لواضح تمام الوضوح أن والدة فائزة تدلله لأمر ما .. و توصل عنئذ إلى أن خروجه مع فائزة هو ترجيح له..ترجيح جاء من تلطف فائزة ، ولا شك ، مع والدتها لتستجيب الوالدة إلى نزعة ابنتها فائزة ، و لقترها على اختيارها ، و عندها تساءل :
    ترى إلى أي حد توغلت فائزة في إلحاحها على والدتها ، حتى انصاعت هذه لرغبتها ؟..
    و شعر عنئذ بنشوة عارمة .. استغرق فيها و لم ينبهه إلا صوت فائزة تقول :
    أتعتقد أن مصباح جاد في طلبه إليك و اشراكه في المغامرة؟..
    جاء هذا السؤال يثير في نفس مولود فجأو معاني عديدة : فائزة لا تجهل أن علم ما تسأل عنه عند مصباح و ليس عنده . ثم أن نظراتها أصبحت فجأة يرين عليها حزن واضح.. و أخيرا ورود هذا السؤال في لحظة الافتراق . و قال مولود :
    لقد رأيت يا فائزة أنني أخفقت في ثني مصباح عن عزمه . فإذا أصر لم أملك أن أستمر في صده.
    و جاء حوابه منهيا لمحاول خيل له أن فائزة ربما باشرتها . و إذا هي تطرق برأسها ، فنظر إليها نظرة متطلع إلى ما وراء الحجب ، عيناه متسعتان يريد أن يسبر غورها و ما يرتد . و ظن أنه فهم فأضاف :
    سيعود مصباح إليك سالما يا فائزة مهما كلفني ذلك. أؤكد ذلك.
    و انتفضت فائزة لدى سماعها هذه الكلمات و بان عليها أن لو أمكنها لأخذت وجهه بين يديها و نظراتها مركزة بشدة عليه ، و بادرت فقالة بسرعة كالخائفة :
    لا..لا..لا تظن..لا تظن أن مصباح أعز منك عندي يا مولود ، أريدكما أنتما الاثنين أن تعودا سالمين..
    و غنه ليتطلع إليها بعيني ملؤهما الحنو و يمسك بيدها في لطف و هو يربت عليها . قال :
    أعلم ذلك يا فائزة ..ما شككت بما تقولين لحظة واحدة ، و مع هذا فاعلمي أنني قطعت على نفسي عهدا و سترين أنني سأفي بهذا العهد..
    و قطالت رفة الهدب في نظرات طويلة ، طويلة ناعسة على باب فائزة و أبة مولود الدخول ، فقد كان على موعد مع مدير معهد الأحداث ، و استغرقت مصافحة اليدين وقتا ما . ثم اقتلع كل منهما يده من الآخر قتلاعا.
    كان طريق مولود إلى معهد الأحداث يمر أمام سينما سوريا. و بدا له المكان معتما . و تذكر أن وقفته على هذا الرصيف تعددت في يوم من الأيام قبل عشر سنوات . و أدهشه أنه لم يتغير فيه شيء ، فالجدران الكائنة هناك و المبينة من لبن و طين و كلس قد اسودت لكثرة ما شربت من دخان "الشوا " "بائع" "المعاليق و الحلويات " ، و تلك الدكان المحدثة من صفائح التوتياء لا تزال قائمة هناك تضحك . و لم يتغير فيها إلا البائع ، فقد كان رجلا مسنا ذا طربوض على حافته الزفت. أما الآن فهناك فتة يافع ، يخل المرء سمرة وجهه مصنوعة من الدخان . و الصبية المتشردون لا يزالون يحومون حول المزدحمين أما بائع بطاقات دخول السينما.
    شباك التذاكر لا يزال كما هو ولم يختلف فيه سوى قضبانه التي كانت من نحاص فأصبحت من ألمنيوم . كان الصبية بشعورهم المشعثة و أرجلهم الفريعة الضعيفة و أسمالهم البالية و نظراتهم الفارغة هناك..فهم الصبية المتشردون الخالدون ..و وقفن مولود ينظر إليهم بعيني نصف مطبقتين ، و قد انقبضت أساريره .
    هذا الركن هو الذي كان يقف فيه مولود ، و هذا ..يا الله ها هو الشرطي قد القى على أحدهم..على واحد من الصبية قبضته الحديدة وجره من ياقة سترته. و حين حاول التملص لطمه لطمة خال مولود أنها لنترتفع إلا عن جزء من الجلد المسلوخ . و بكى الصبي و سار ذليلا مع الشرطي .. و أغمض مولود عينيه لا يريد أن يرى بقية المشهد . و فجأة نبت فكرة في ذهنه فألفى نفسه يسير متتبها خطوات الشرطي. حتى إذا وصل الشرطي بالغلام إلى المخفر أسرع مولود إلى معهد الأحداث ، حيث قابل المدير و أسر بكل ما رأي.. و قام المدير بما عليه ، فاتصل برجل الضابطة الذين اهتمو للأمر و أحضروا الغلام إلى المدير حيث بدأت معاجلته.
    و التفت المدير إلى مولود فرآه ساهما كأن هما يساوره فناداه.
    عندها فقد انتبه مولود و قال المدير :
    مالك يا مولود هل يهمك أمر؟..
    و نظر مولود إلى المدير و ابتسم له ابتسامة مغتصبة و قال :
    لا ..لا.. لا شيء ، أنا أعلم أنني على موعد..
    يرى صورته و هي تتكرر ممثلة في هذا الغلام .. ما زال منبع هذه النشاطات الماسة بالكرامة موجودا يورد ما شاء من غلمان على هذه الشاكلة ، إلى متى ؟.. هذا النبع لا يجف ، و إذن فما الت نشأته ، هو مولود ، موجودة كائنة في ذلك المكان ، فهي لا تمحي بل تتكرر في كل يوم . و إذن فإن صيرورته إلى شاب مالك لصحته النفسية و الاحتماعية موضع شك..
    و قال المدير :
    نعم ..نحن على موعد ، لقد طلبت منك الحضور لأنني قررت إقامة حفل سمر و تمثيل عناصرها هؤلاء الأحداث. يكون كقائمة حساب تقدم إلى أولي الأمر في هذا المجتمع عما بنيناه طيلة السنوات العشر الماضية ، فما رأيك ..
    إذن تكون أروع حفلة تقام في هذه المدينة تجمع النفع من أطرافه و ترتفع بهؤلاء الأحداث . و تظهر مدى لفرد واحد ذي إيمان جبار أن يفعله إذا صحت الإرادة . و صورة الآخرين في ماء مستنقع.
    و ابتسم المدير ابتسامة أومضت فيها عيناه اللتان أحاطت بهما تجاعيد سنيه الستين ثم قال :
    لا تنس أنها تكون لي بمثابة حفلة وداه لأني في مطلع الغام التالي سأتقاعد..
    سيكون ذلك خسارة لا تعوض يا سادة المدير . إني لأحاول-فلا أوافق- ان أتصور هذا المعهد محروما من إدراتك..
    و ربت المدير على كتف مولود و قال :
    بغمكاني أن أتوقع للمدير الجديد نجاحا مماثلا لنجاحي أو أكثر منه إذا حاول أن يكتسب نزلاؤه كأصدقاء له. لقد كنت حريصا على كسب صداقتك يا مولود – و أنت تعلم ذلك – قبل حرصي على أن أنجح كأستاذ أو كمرب. و لن يتوصل خلفلي إلى ذلك إلا إذا أحبهم بقدر كاف. إن المحبة تخلق الأعاجيب ، و أنت واحدة من هذه الأعاجيب ، صدقني.
    إني كلما فكرت بأويقات الأولى من ولوجي هذا المعهد أضحك من نفسي ملئ فمي. و بالطبع أنت تسمح لي بأن لا ألوم نفسي على ما فرط مني ، فقد كنت في ساحة اللاوعي.
    هذا بالضبط ما كان. و هذا ذاته الذي يجب أن يدخله في حسابه كل من قرن مستقبله بهذا المعهد. و لسوف يقف معهم لينزر إلى الماضي و البهجة مرتسمة على وجوه الجميع.
    ثم طفق الاثنان في همة و نشاط يصممان و يخططان للحفلة المقبلة .
    و عندما خرج من معهد الأحداث كان حزينا فلقد ساوره هم : كيف سيكون موقف المدير الجديد من مشروعاته .. إنه ما زال بحاجة لعون هذا المعهد . و تذكر فجاة ما جرى بينه و بين نهلة .. كانت قد فاتحته فجأة في المكتب بأنها سمعته ، و هي مقبلة يوما.. يحادث ندا له عن عملية يعزم القيام بها في الأرض المحتلة و سمعته يقول إن العنصر النسائي لابد منه لتنفيذ هذه العملية ، فمن له بهذه العنصر ، و قالت نهلة :
    إغر لي تطفلي و تسمعي ، فلست أنا هكذا دائما ، و لكن حديثك جعلني أتجاسر و أتدخل و أندب نفسي لهذه المهمة.
    نظر مولود في وجه نهلة صامتا ، و ظل على هذا الحال ثوان ، ثم نظر إلى الصي البعيد ، كأنما يفكر بنتائج العملية و ما ستجره على الفاتة من ويلات ، فيكون هو سبب هذه الويلات لها . و يكون قد قضى عليها من حيث أراد هو أن يحميها و أن يوفر لها العيش الكريم.
    تذكر كل هذا و هو غاد إلى مكتبه . إذ ما زالت نهلة تنتظر موافقته ..الموقف صعب جدا ، هذه فتاة تصنع مستقبلها ، تدأب الآن لتعيد بناء حياتها من جديد على أحسن وجه و أمتن أساس . و قد أستقطب العمل كل نزاعتها فصعدها . و لا شيء يؤذي تصعيد الميول مثل تشتيت النزعات. فهل يكون اشتراكها في عمليات على هذا المستوى عاملا على تشتيت عناصر شخصيتها من جديد؟..
    أن تكون هذه المهمة عاملا على التشتيت فهذا لا سند له من المنطق . الأمر بالعكس تمام ، فإن مثل هذه المهمات تحيل الشتات إلى وحدة لاريب فيها.
    لقد قطع بهذا الرأي في ضوء ما جرى له و ما يجري منذ أن تخرج من معهد الأحداث . و كان في كل مرة يعود من مهمته إلى عمله كأتم ما يكون العامل تفكيرا و نشاطا. إنما الصعوبة في أمر آخر هو أن نهلة تصر على اصحطاب رفيقتها بدور .. و على كل حال فإن مولود بحاجة إلى هذا العنصر النسوي في المهمة .. و ما عليه إلا أن يرضى لكي تتحرك الفتاتان فتصبحان رهن إشارته. إن الحماس الذي يطفو على سلوكهما لحماس عجيب.
    و شعر براحة عندما وصل من معالجته هذا إلى هذا الحد.. و عاد يعب في خمرة الفكر التي تنهض عليها المهمة القادمة حتى سكر.. و مصباح؟.. هل يوفق إلى ثنيه عن عزمه؟ أمس جاءه يسأله عن موعد العمل..كأنه فرد طبيعي في المهمة.
    شاكر لم يحر جوابا عندما استشاره مولود في أن يحل محله مصباح في هذه المهمة ، أجابه بعد صمت :
    أنا حاضر في كل وقت . لا مانع من اصحطاب مصباح هذه المرة.. لن تستطيع منعه و إلا ذهب لوحده..القضية إرث المناضلين و هي أيضا إرث كل مغامر..هل في وصع إنسان أن يحجب الإرث عن آخر دون أن يوصف باللا أخلاقية؟..
    لم يكن يخفى على مولود ثقل المهمة التي يقوم بها اليوم و خاصة على العنصر النسوي المشترك معه إن أمر مصباح يشغله أقل من ذلك العنصر .. الفتاتان و دائما الفتاتان ..إنه موزع الفكر : يجب أن يختطف تلك الكاتبة العربية ذات الإنتاج الذي يتمتع بمفعول أخاذ على الجماهير و التي جمدها العدو في الأرض المحتلة..لقد عمل قبل ذلك كثيرا في سبيل تهريب آثارها خارج تلك الأرض . غامر أكثر من خمس سنوات ..أما الآن فإن الكاتبة أصبحت في خطر. لقد احمرت العيون عليها بعد الذي علمه العدو من تسرب ما تنتجه إلى خارج الأرض المحتلة.
    مثل هذا الاختطاف لن يكتب له النجاح إذا لم يتول أول مراحله امراة ، إذ أن ذلك خليق بأن يبدد شكوك الرقباء هناك.. و قال مولود في سره : صحيح تذكرت الآن : لقج أخبرت تلك الكاتبة العربية بأن فتاة سوف تدخل عليها و تعطيها كلمة السر ، و حذرتها من أن تنصاع إلى أي شخص آخر يغريها بالخروج و مصاحبته. على كل حال ثمو توزع في المجهود لا ينجو هو من عاقبته و لا ينفعه سوى سرعة العمل . المهمة يجب أن تنجز بشكل خاطف.أما القاسم المشترك لكل هذا فهو الشجاعة .فبدونهما ، يبطل كل عمل.
    و خيل له ان التفاؤل أو حب الذات ، حب النصر لا ينقصه .صحيح أن الطيش و انعدام التفكير في اللحظة الحاسمة من صفاته و هو ضروري للتنفيذ. إلا أن هذا مالا يعيبه ، فكل مشترك في مباراة ، يريد أن يوصف بالشجاعة ، يجب أن يتصف بهذه الصفة . و هو إلى ذلك قد تدرب في المرات السابقة التي اقتحم فيها الأرض المحتلة ، و قد امتلأت نفسه حقدا على العدو مع الرغبة في الانتقام منه. و أي محارب لا تحركه مثل هذه الشعلة المقدسة : الحقد على العدو؟..
    و انتهى مولود من تفكيره إلى القول بأنه لا يبالي بشيء، و لسوف يقدم على مغامرته الجديدة الصعبة ، وليكن ما يكون.
    و قال مصباح يخاطب مولود :
    أهي الخطة ذاتها التي سلكتها أنت في المرات السابقة ، نسلكها هذه المرة .
    و جاء رد مولود حازما لا لبس فيه :
    يلوح لي – إذا لم أكن مخطئا – أنه- في الحرب كما في المغامرات الفردية – يرتكب المنفذ خطأ فادحا إذا كرر نفسه في كل مرة في كل مغامرة ..لقد رسمت خطة جديدة.
    و سأل مصباح :
    لماذا ذكرت الحرب و لسنا الآن في سبيلها ؟..
    أنت لا.. هذا مفهوم و أما أنا فهذه آخر مغامرة لي ، فلسوف ألبي نداء الخدمة الإلزامية التي دعيت لها..فإلى اللقاء منذ الآن ، بعد إنجاز أداء نصاب هذه الخدمة.
    و كان مولود قد وضع الفتاتين و مصباحا في مؤخرة سيارة قديمة ، مهرها بإشارة معروفة كان قد شاهد مثلها في السيارات الكائنة في الأرض المحتلة ، و قد جثم مصباح وراء الجميع بجسمه الممتلئ. و كانت عينا مولود لا تبرحا تستطلعان وحدات الاستكشاف العدوة تمر عن كثب ، فيخفف سيره و يوعز إلى أصحابه بأن يترنحوا و يصيحوا و يضجوا . و في إحدى المرات تمادوا فهللوا و أشاروا بأيديهم إلى إحدى هذه الوحدات قائلين :
    هاللو..فما كان من الوحدة إلا أن أشاح رجالها عنهم فمروا بسلام.
    و قد عجب بنفسه كيف أنفذ السيارة عبر الحدود ، و لكن مم لا ريب فيه ان المكان كان خاليا.
    و سألت بدور :
    لماذا لا يكون معنا أسلحة و ذخائر حتى إذا التحمنا مع العدو فعلنا أفعالنا المجيدة ؟..
    و ابتسم مولود ، كما ابستم مصباح .. و قال مولود : ليس حمل السلاح أمرا وطنيا أو مسألة يستثار بها الحماس. و إنما هي مسألة عسكرية صرف ، ماردها على الجند النظاميين أو العصابات و أدوات الحرب ليس غير. فحملها الآن مجبلة للشبهة.
    و عاد مولود يفكر :
    هذه المهمة في هذه المرة مهمة أوكلها إلينا أولو الأمر من ذوي تلك الكاتبة . و لم تكن من تلك المهمات الفردية. فليست مما يطيب للمرء أبدا فهو فيها مقيد. و لئن كان معي ثلاثة أفراد ، إلا أن علينا أن نتفحص كل شبر من الأرض التي وراء السيارة و على الجانبين . و كان انتباه دوريات الإستكشاف أسوأ ما يمكن أن يمر بهم وهم في سيارتهم ، التي تلوح أنها سيارة خنافس لاهين راقصين سكارى..
    و قال مصباح :
    مما لاريب فيه أن هذه السيارة سيارة مجدودة لم يلم بها حادث منذ انطلاقها رغم اصطدامها مرارا بالحجارة.
    و عندما هبط الظلام بعد جهد بذلوه للعودة إلى الطريق الصحيح وجدة بإجماع الآراء من المناسب المبيت في السيارة التي أدخلوها طريقا فرعيا.
    في صباح اليوم التالي كان كل واحد منهم يشكو من تفكك أعضائه فلقد كانت نومة مرهقة..و قد تخلى كل منهم عن عاداته و هو أصعب ما يمر بالإنسنا : حلاقة اللحية .. غسل الوجه..الخ.
    و بلغت السيارة الموضع الذي يجب أن تقف عنده إذ نشر مولود خريطة صغيرة راح يطالع فيها موضع الدار تسكن فيها الكاتبة العربية .. و لكنه لم يشأ اتلاف الورقة خشية أن تضل الفتاتان عن الموضع ، فيضطر إلى الرجوع و استشارة الخريطة..لتبديد الوهم الذي يمكن أن يقعوا فيه. و افهمت الفتاتان مهمتهما فهبطتا من السيارة و تغلغلتا في المنطقة.. كانت منطقة سهلة لا وعورة فيها ، و أوصاهما مولود برباطة الجأش و التصرف بصورة طبيعية . و قال :
    إن سر نجاحكما في سرعة التنفيذ ، لأن السيارة لا تستطيع التوقف وقتا طويلا دون أن تثير الشكوك.
    و جلس مولود و مصباح في السيارة ينتظران.
    كانت كل ثانية تمر كأنها ساعة صقيلة صقيلة..العينان ترقبان المكان الذي اختفت فيه الفتاتان . و أدرك هو أن القلق الذي يساوره ، ليس أكثر من ذلك الذي يساور مصباحا عندما يسأل هذا الأخير :
    ما هي المسافة التي على الفتاتان أن تجتازاها تى تصلا إلى الدار المقصودة.
    و تلكأ في الجواب ليمنع نفسه فرصة التفكير و إيجاد الوسيلة ..ثم أجاب :
    أعتقد أن المسافة تستغرق عشر دقائق .
    و خطفت عينه مصباحا و هو ينظر في ساعته . و قال ليطمئنه :
    لا تظن أن ألنساء يساوين الرجال في الزمن.. إن لهن مشاكلهن التي لا تماثل مشاكلنا أبدا ..ثم ضحك ضحكة خفيفة. أما مصباح فلم يرد بكلمة أو بضحكة و ظل صامتا يترقب . ثم قال :
    يبدو أن الفتاتين من الذكاء في المكان الذي صنفتهما فيه ها هما آتيتان مع الكاتبة.
    هذا صحيح.
    و أسرعت النساء فامتطين السيارة على عجل . و سارت السيارة في طريق العودة . و قال مولود مخاطبا الكاتبة :
    يبدو أنك تعرضت للمتاعب في اليومين السابقين.
    و أي متاعب. لقد ظل الرقباء على أنفي ليل نهار ، لم يتركاني سوى لحظات قليلات أثناء النهار. إن حظي لعظيم لأن وصولكم صادف تلك اللحظات..
    أصحيح هذا؟.. رائع..
    هذا الرجل الذي أرسلناه إليك لا خطارز هل أدى مهمته جيدا.
    سأل مولود هذا السؤال و هو يرجو أن يتبين درجة ذكاء تلك الكاتبة ، و إذا بجوابها يتاخر. و لاحظ مولود بطرف عينه أن الكاتبة تتفرس فيه جيدا ثم سمعها تقول بتردد :
    ألست أنت الذي جئت إلي تخطرني ؟..
    وضحك و تبسمت الكاتبة ، فلقد كان ظهره لها إذا كان يسوق المركبة.
    و قال مصباح مخاطبا إياها :
    هل انت مريضة؟
    آلام في المعدة.
    ألم توفقي إلى طبيب؟
    و هل يدع هؤلاء العتاة احدا يدخل علي..
    و ضاعف مولود من سرعته و هو واجف ، فالسرعة في مثل هذه الظروف نمامة. و قال :
    آسف لأننا لا نستطيع أن نقدم لك ما يليق من الطعام ، فلسنا نملك شيئا ما يليق و مما لا يليق ، لقد استهلكنا الطعام أمس إذ لم نتصور أن هذا المكان بمثل هذا البعد ، شيئ واحد أسعفنا هو الوقود الكافي.
    و قالت الكاتبة :
    لا بأس سنجرب الصيام في غير أوقات الصيام.
    ثم ضحكت و انتبه مصباح إلى أن في السيارة صفيحة وقود فارغة فهم بإلقائها و هو يقول :
    لا مكان لهذه الصفيحة في السيارة
    و النتفض مولود و هو يقول :
    لا ترمها يا أخي ، أتظن أنني ترتكتها في السيارة عبثا. إذا رميناها أخذ العدو علامات طريقنا . لا أعتقد أننا سنسلم من مطاردة ، الرقباء سيكتشفون إختفاء كاتبتنا الكبيرة ، ليجلس أحدكم على الصفيحة. و تشددوا على التعب صابرين.
    و تبين لمصباح أن مولود أصبح ضيق الصدر.
    عذرا يا مصباح إن قيادة هذه الساعات الطويلة أثرت على أعصابي، و جاء جواب مصباح :
    نحن في مهمة ، و يجب أن يتحمل بعضنا البعض الآخر ، أتراني قد ساءني ما خاطبتني به؟..
    و تحركت الكاتبة للكلام فقالت :
    إن المسافة التي قطعتموها حتى الآن و المتاعب التي تجشمتموها من أجلي كفيلة بأن تتعب الأعصاب بل تتلفها .. و البدن يستطيع أن يحتمل ضربا شديدا و أذى أليما ، و هو يكاد غير قابل للتلف ، و لكن الأعصاب لا تستطيع الاحتمال إلا إلى الحد المعقول ، فإذا كلت و جاوزت ما تكلفه به من جهد ، في فترة ما ، حد الطاقة ، فإن المرء يصبح شخصا ضجورا و هذا لا يعيب فيه ابدا . و لا يقدح هذا في شدة قلبه و جنانه ، فإن رد الفعل هنا لا يعيب فيه أبدا . و لا يقدح هذا في شدة قلبه و حنانه ، فإن رد الفعل هنا خارج عن الإرادة كل الخروج .
    و بعد فترة من الصمت قال مصباح يخاطب مولود :
    إستبان الأمر أصعب مما قدرنا أليس كذلك ؟..
    و تنفس مولود نفسا عميقا و قد آتاه الخطر قوة و شد من متنه ، فأجاب :
    نعم.. أصعب مما قدرنا.
    ثم أردف قائلا :
    لقد علمتنا هذه المهمة كثيرا مما سينفعنا في أعمل مقبلة.
    و عاد الجو النفسي لهؤلاء الخمسة مشحونا ، فإذا طريق العودة كان أشد على النفوس من طريق الذهاب . كان الجميع يشدون على أسنانهم و يرتعدون ..لقد كانت سمة مهمة يجب أن تنجح ، و لم يكن يمسك مولودا في موقفه سوى خيوط من عزة النفس. كل دقيقة تمر تقطع خيطا من هذه الخيوط و لكن الصمود ..إرادة الصمود هي التي كانت تمسك بهم.
    في هذا الجو انطلق صوت رفيع يحاكي نقيق الضفادع فتردد في سمع الجميع ، و كان صوت بدور و فهي تقول :
    هل لأحد منكم رغبة في أن يشتري ساعة جيدة ؟..
    ضحك الجميع لهذه الدعابة ، و ارتفع رنين حكاتهم و تجاوب صداه .. و لم تكن – على ما فكر فيه مولود – هذه الدعابة طمأنينة للنفوس فحسب ، بل كانت انتصارا لكل منهم على نفسه ، و تذكيرا بشيء نسوه . و كان حريصين عليه في طريق ذهابهم و هو الصخب و الضحك و العبث ليتظاهروا أما فرق الاستكشاف باللامبالاة و اللهو ، و بأنهم قوم لا نفع فيهم.
    على أن هذه التعلة لم تكن سوى موقوتة ، لحيم لمحت الكاتبة ، و هي تنظر إلى الخلف ، دراجة نارية مسرعة ، قالت في يأس :
    إنه الرقيب الذي يخفر بيتي قد انتبه.
    و قال مولود يخاطبها :
    لا تهبطي من السيارة ..لا تهبطي أقول لك مهما جرى.
    و ضاعف مولود من سرعة السيارة ، لكن الدراجة كانت أسرع منه ، و ما أن مضت خمس دقائق حتى كانت تستعرض الطريق أما السيارة ، فلم يجد مولود بدا من الوقوف ، لأن الانخفاض الذي يحد الطريق من جانبيه لم يمكناه من الإفلات . و نزل الرجل عن دراجته يوعز للكاتبة بالهبوط من السيارة ، فبقت حيث هي صامتة تنظر إليه :
    في تلك اللحظة كان مصباح و مولود قد هبطا من السيارة و رمى الثاني نفسه على الرجل يريد لن يستخلص منه سلاحه و دارت بينهما معركة تغلب فيها رجل الدراجة و نهض و سلاحه بيهد . و في لحظة واحدة أبصر مولود فوهة السلام موجهة نحو مصباح ، فما كان منه إلا أن قذف مصباح بكل ثقله فرماه على الأرض ، و خرجت الرصاصة من المسدس و سمع صوت جسم يسقط في أرض السيارة ..لم يتبينه مولود إلا حين انكب نهلة تصيح :
    بدور..بدور..
    أصبحت هينا مولود حمرتين متقدتين.الفتاتان في عهدته و ها هي واحدة منهما تفلت من يده بالغدر و الخيانة . و أصبح فجأة كوحش كاسر ، و اتسيقظ فيه المجرد القديم الذي كابه قبل أن أودع معهد الأحداث الجانحين. ثار هذا المجرم و حطم كل حد و كل عرف ، ثارت فيه عادة – الإجرام الأولى و إذا به بكل قوته يمسك بالرجل من عنقه فانكفأ ..و مع هذا فقد ظل مولود يضغط حتى تلاشى الرجل من عنقه و سقط بلا حراك ، و التقط مولود مسدسه فوضعه في جيبه ، ثم أخرج سكينا به رأسه حتى فصله عن جسده و أمسك به من شعره و هو يقطر دما و رمى به في السيارة يريد أن يتوثق من أنه لم يتركه و انه مات فعلا . ثم ارتقى مقعد القيادة و سارت السيارة بسرعة جنونية لم يفتح أحد ممن فيها فمه ..صمت مطبق ..و لم يكن يسمع إلا نشيج نهلة الخافت و تحتضن جسد بدور ..حتى اجتازت السيارة الحدود.
    الذي ينظر إلى مولود الآن لا يعرفه ، فهو إذا كان ذا وجه صاف ، فلقد أصبح ذا وجه محتقن ، حاجبها يكادان يتصلان بعينيه ،و الأسنان تعض على الشفة السفلى حتى لتكاد تخزها ، و الأذنان حمراوان كأنهما مصبوغتان بدم .
    و منذ توقفت السيارة أمام المستشفى هبط مصباح أول من هبط من السيارة و تلاه مولود و هنا هجم مولود على مصباح و أخذ رأسه بين يديه و قبله في خده و هو يقول :
    مولود ، أنا مدين لك بحياتي.
    كانت علامات التأثر البالغ بادية على مصباح الذي كان هو الآخر أحمر الوجه . و لم يرد مولود بكلمة و أنما ربت على كتف مصباح . و اتجه إلى حمل الفتيلة و أسرع مصباح فساعده في حملها إلى المشرحة ..بعد اسئذان إدارة المستشفى و إعطاء المعلومات الكافية إلى الضابطة . هناك أخذ عنوانه و اتسجوب و طال استجوابه و قيل له إبق في مقرك سنستدعيك ، كما ستجوب الجميع.
    كان مصباح في كل هذه المراحل هو الذي يتكلم . أما مولود فبدا كأن وراء عينيه إناء يموج بالدم يريد أن ينفجر و لكنه يستعصي..و عندما تمت كل الإجراآت و عاد الجميع إلى السيارة هرعت نهلة إلى مولود تصيح به :
    مولود أنت لم تفعل شيئا أؤكد لك يا مولود ..مولود..كان المفروض ان يكون هذا مصير واحد منا.
    كانت نهلة تتفوه بهذه الكلمات و هي تبكي . لكن مولود كان صامتا صمت التماثيل لا ينظر إلى احد ، و قد أغضى طرفه . و عادت نهلة تقول :
    لماذا تصر على تقدير الحداث بعكس ما يجب أن تقدر به ؟. و اعرض الأمر على أهل السماء و الأرض ، فلسوف يقولون لي.. ما زلت أنت مولود الذي تعرفه لم ينتقص منه شيء.
    على ان مولود بقي صامتا..و بإيماءة من مصباح و بإيماءة من الكاتبة العربية سكنت نهلة. و تابه مولود قيادة السيارة حتى أوصل كل واحد إلى مقره و ذهبت الكاتبة إلى الفندق ..
    و قال مصباح بصوت خافت :
    لو تدخل معي بضع دقائق يا مولود.
    و لم يرد مولود على هذه الكلمات . و بعد فترة سمت فتح فمه قائلا :
    أريد أن أخلو إلى نفسي . أعذرني .
    كما تشاء..
    و افترق الجميع.
    في اليوم التثاني حضرت نهلة إلى المكتب . كانت عيناها غائرتين في ظل أزرق ارتسم عينين حمراوين..و عبثا حاولت أن تنصرف إلى عملها فقد كانت قد حضرت لتوها التشييع من المعهد لأن بدور كانت لم تزل قبل أن يوافيها أجلها خاضعة لنظام الحرية المراقبة. لكن مولود لم يحضر إلى المكتب كعادته. و هي – أي نهلة – لم تكن تعرف مقره. و عندما حضر أحد زملائهما يسأل عنه اضطربت و لم تعلم بماذا تجيبه و فجأة تذكر ما فاه به أثناء الرحلة أن هذه آخر مغامرة لأنه سيلبي عما قريب الدعوة لأداء خدمو العلم. فأسرعت و أبنأت الزميل بذلك قائلة :
    ربما هو الآن في سبيله إلى تهيئة نفسه لأداء الخدمة الإلزامية..
    و أجاب الرجل :
    معقول. سمعت منه مثل هذا القل.
    و لم تمض ساعة حتى حضر مولود فخفق قلب نهلة..إذن فمولود لا يزال بخير. كان مضطربا بدا كمن سهر ليلا بأكمله .حيا نهلة و قال لها :
    كيف أنت يا نهلة اليوم.
    بخير و الحمد لله
    الحمد لله
    و أدركت نهلة ما يجول بخاطره ، فإنه تلفط بتلك الكلمات كمن يريد أن يقول :
    الحمد لله الذي أبقى لنا الزميلة الثانية..
    و صارت نهلة تسرق بين الفنية و الفنية نظرة إلى مولود المكب على مكتبه ، تريد أن تستعلم عن حاله . و كان الصمت مخيما بينهما ، فليست تجرؤ يعلى أن تكلمه ، بينما كان هو ساكنا . و يبدو أن المناسبة حضرت ، فلقد تعثرت يده بملف كان على مكتبه فوقع.
    و هبط يريد التقطاه في اللحظة ذاتها التي هبطت نهلة بسرعة للتقاطه ، و التقت يداهما على الملفز و حين ارتفع رأساهما كانت العينان في العينين ، و لم يكن بين أنفه و أنفها سوى مليمترات .. و طالت النظرات و صمدت عينا نهلة. و لكن مولود أغضى و عاد إلى مكانه بشكل عادي.
    و ساد بينهما صمت طويل قطعته نهلة بان خرجت من الغرفة و غابت لبضع دقائق ثم عادت ، و حاولت أن تظهر بمظهر طبيعي فقالت :
    سأل عنك سامي .. فأخبرته أن ربما كنت تتهيأ لأداء خدمة العلم.
    أحسنت . و هذا ما فعلته صباحا.
    ثم عاد الصمت يستحكم على محاورة مولود لنفسه : إذن فإن نهلة..و هل يستطيع أن يمنها؟.. و هل من قه أن يمنعها لأول مرة يكتشف ذلك..لم يخطر على باله أبدا . نهلة جميلة مافي ذلك ريب ، من ذلك الجمال ذي الحركة الدائمة و اللفتة الحاضرة كيف لم يتذكر لقد فكر يوما حين كانت عضوا في عصابته أنه يودها و لكنه لم يمسسها ، كان في شغل شاغل عنها. كان من أولئك الذين لا يدخل الماء بدل الهواء في قصبات رئاتهم.تذكر الآن أنه جعلها إلى قربه إذ لك دون أفراد العصابة جميعهم ..أشار إليها بإصبعه ..أيكون هذا محض صدفة أم أن العقل الباطني كان يعمل دون علمه؟
    و فجاة عادت صورة بدور إلى ذهنه : كيف سقط جسدها في – أرضية السيارة تلك السقطة ثم سكتت إلى الأبد . و كيف ثار ثورة وحش و خنق القاتل .. ثم حز رأسه و شعر بأن قواه تنهد فجلس ، ثم قام من فوره دون أن يتكلم و اتجه إلى معهد الأحداث و كمثل من يركع أمام الكاهن ليعترف صافح المدير ثم أنهد على المقعد و هو يبكي .. و بغت المدير ، فهب من مقعده و جلس إلى انب مولود و وضع يده على كتفه و عانقه قائلا :
    ماذا هناك يا مولود ..أبدا ما رأيتك على هذا الحال . لا بد أن هناك أمرا خطرا.
    و لكن مولود كان مكبا على ذراع الكرسي ينشج نشيجا .
    أنا أخ لك يا مولود فصارحني.. أرح ضميرك و حدثني.
    و لما لم يجد ذلك نفعا أخذ المدير برأس مولود بين يديه و رفعه قليلا قليلا. و نظر في عينيه مركزا نظراته فيهما .. فأغضى مولود في انكسار و اختفت الرجولة من تقاطيعه و ظهر الطفل جليا من طلعته و قال و هو مغض :
    لقد قتلت..أنا قاتل ..أتعلم؟..أنا خنتك..أنا غير جدير بصداقتك. المدير يتفرس في وجهه بضع ثوان . عيناه متسعتان .ثم يقول فجأة :
    لا أعتقد يا مولود ..لا أصدق ..و لو أقسمت لي ..لا أصدق..مستحيل ..مستحيل.
    و نظر مولود في عيني المدير يريد أن يستزيد مما قاله . و أضاف هذا :
    أقول لك مستحيل..أنت انعطفت و انتهى المر..انت لا تقول الحقيقة الآن .
    قال مولود :
    كانت من الأحداث الجانحات. و قد صحبتني في مغامرة في الأرض المحتلة . كانت في حمايتي و تمثلت في نظري جهد زمن طويل في خلق إنسان سوي. أهدر في في لحظة واحدة فقتلها ، سقطت بلا حراك أمام عيني..لم أستطع أن أتحمل سيادة المدير لم أستطع أن أتحمل ، صدقني / كان التحمل فوق طاقتي فقتلته ، و لم أعد أع ماذا أفعل ، و فجأة وجدت رأسه في يدي مفصولا عن جسده.
    من هو؟..
    أحد أفراد حرس العدو.
    و اصطنع المدير ضحكة قصيرة و قال :
    أهذا ما يزعجط؟..الذي يسمعك يظن أنك قتلت عن سابق تصور و تصميم..قم يا مولود..هلم بنا إلى المشرب أنا عطشان. و أنت؟..
    و هز مولود رأسه موافقا و قد توقفت مدامعه عن السيلان. و لكن حجليه ما زال مقطبين ، و مشى متثاقلا ، كان بصره مثبتا في كأسه فلم يطرف و لم يصعد إلى وجه المدير..تذكر موقفه في الشهر الأول من دخوله معهد الأحداث لأول مرة ، و كيف بكى في النهاية على صدر المدير .. الموقف يكرر نفسه..هذا المدير ذو قلب يا يحده شيء..
    كان الإثنان صامتين صمتا أبلغ من الحديث..و أخيرا قال المدير :
    هل لديك فكرة عما يجب أن يكون عليه الاحتفقال.
    و هكذا ألفى مولود نفسه ينجرف في تيار الحديث حتى اندمج اندماجا تاما. و قال المدير في النهاية :
    اسمع..يجب أن تغتبط الآن لأن النفس الإنسانية وحدة لا تتجزأ ، فإذا كانت في حالة صحة نفسية كاملة ، فإنها لن تتكفئ أبدا..
    هذا هو المبدأ العملي الذي هداني و يهدينا سواء السبيل ..لا تقف بنفسك حائلا دون تفجر عفويتك ، فأنت على الطريق السوي ، لقد خرجت من نطاق الجاذبية الدنيا و انتهى الأمر ، العدو عدو و المواطن مواطن ، و لا يمكن أن يخلط بين الإصنين إلا امرؤ مريض بالشخصية المزدوجة . المغامرون هم الذين يرثون المكلوت . أنا لن أخشى عليك شيئا ، أما إذا وجد أمثالك كثيرون فهناك النفع العظيم و لو سقط آخر خندق في حط الدفاع فأنتم الخندق ما بعد الأخير.
    كان يسمع ما يفوه بد المدير و لكنه لم يفهم منه شيئا و تساءل لماذا يقول للناس أشياء لا يستطيع هو أن يعبر عنها. و هل من الخير أن تقال أو أن لا تقال. و هل من يقولها في وضع أرفع مستوى ممن لا يقولها..هل يجب ان يتعلم أن يقولها. كل ما يعلمه أن من بعد أن بلغ هذه السن يتمتع بعزة نفس لا يدانيه فيها أحد و هو من الأناسي الحراص على إروائها في كل مناسبة بل و مبالغ في هذا الحرص . ثم إنه لا يرى في ذلك أي خطأ .. إنه لأمر طبيعي جدا و هو مؤمن بأنه مطلق اليد ، و يجب أن يبقى مطلق اليد في رد الإعتداء بالأسلوب الذي يختاره .
    و وجد نفسه مسوقا بقوة لم يعرف مأتاها ، فقال :
    لم أفهم تمام ما تقصد .
    انت و من مثلك نموذج لما يجب أن يكون عليه كل مواطن : سلام في الداخل و حذر من الخارج ..سلام في الداخل لذلك آراك مصرع بدور.. و حرب على العدو و لذل جززت رسه..إن موقفك لا غبار عليه البتة فلماذا أنت مكتئب.
    و نظر المدير في وجه مولود فإذا به لا يزال متسائلا ، فأضاف :
    لا يستعذب طعم الحرية مثل الذين حرموا منها ، و ليس من معصوم عن الجريمة أو الرذيلة غير ذاك الذي لامس بأجنحته سطح مستنقعاتها الراكدة الآسنة ثم لم ينغمر فيها بل زنق في الجو مبتعدا. ليست البطولة في أن يعتكف الراهب في رأس جبل جيث يغدو في منجاة عن إغراء غادة مغناج..و لكن البطولة في أن يستعصم و هو في زحمة شارع طرزت حواشيه الأرادن الزاحفة و الخصور العارية المتمايلة..و ما أكثر الذين يختالون تيها بماض نظيف ، سلخوه تحت وصاية رقيب أو مرب شديد الماراس ، ثم ينطرحون في الرذيلة بعد زوال هذه الوصاية .
    و عندما انتهى اللقاء قام مولود يودع المدير و قد ارتسمت على شفتيه ابتسامة هانئة.
    كان الاحتفال الذي أقيم في معهد الأحداث الجانحين مهيأ أحسن تهيئة . فقد صفت أصص الأزهار و النباتات المختلفة في أطراف الباحة الواسعة التي تداني في سعتها مرتع سباق الخيل . و بدت على أرض الباحة نظافة تبهج النفس . و كان الأحداث قد طلوا خشب النوافذ المطلة على الباحة بدهان جميل . و قد امتدت شرطان متعارضة بعدد كبير من كل جدار إلى الجدار المقابل بارتفاع مناسب يفوق قامة الإنسان . و تدلت فنارات من الورق مختلفة الألوان مصنوعة على الطريقة الصينية ، صنعها الأحداث ، و اختبأ في كل فنار منها مصباح كهربائي صغير و توقد جميعها بسلك واحد رفيع. و يتناوب كل كوكبة من هذه المصابيح إضاءة و انطفاء بشكل رائع و بآلية فنية.
    و قد قام في فناء الباحة مسرح صغير و لكنه غني "بالديكور" دل على سلامة ذوق المصم..كما قامت في أماكن متعددة من الباحة أعنمدة متوسطة الحجم كسيت بورق ملون و مزخرف من "البلاستيك""اللاصق" ، و بذلك خفي على الناظر أنها غرزت بخاصة لتحمل في رؤوسها عاكسات قوية للنور المسلط على المسرح ، كما عرشت عليها سوق نباتية رفيعة اصطناعية أطلت منها أكمام تفتحت فيها أزهار مختلفة الألوان.
    أما مكان النظارة فكان مقابلا للمسرح في الفاناء الآخر . و قد استعار المعهد مقاعد شبيهة بمقاعد دور السينما بحيث أن الراحة المتوفرة فيها لا تسمح للجالس بالشكوى أو التململ.
    و لكي يحافظ الإحتفال على نظامه و سكونه ربطت المقاعد ربطا متينا بعضها مع بعض بحيث لا يمكن زحزحتها . و أكثر المصممون من الممرات بين صفوف الكراسي ، كما وسعوا الفرجة بين الصف و الصف الذي يليه من المقاعد ، فكات المرتادون يمرون أمام القاعدين ليصلوا إلى مقاعدهم التي أعدت لهم في يسر دون أن يصطدموا بأحد. كما تركت فرجة حول الكتلة الضخمة التي تصنعها المقاعد مجتمعة حتى الجدران بحيث أنالندل يستطيعون بلمح البصر أن ينتقلوا من مكان إلى آخر لتقديم ما يلزم.
    و قد حرص مصمموا الاحتفال على تقديم المشروبات إلى المدعويين ، و كثر عدد الندل بحيث أصبح في وسع كل مدعو أن يسر إلى أي واحد منهم بما يريد في اللحظة التي يريد. و طاف بائعون للفافات التبغ و آخرون..
    و لكي يستكمل الاحتفال رونقه ، طبعت بطاقات و ذكر فيها ساعة بدء الاحتفال كما أثبت فيها رجاء ، لمن تصله البطاقة ، أن يجيب عما إذا كان راغبا في الحضور ، أم عازفا ليمكن إحصاء المستجيبين للدعوة ، و تهيئة أسباب الراحة لهم.
    كان كل ذلك منظما أجمل تنظيم و معدودما من الأسباب التي انبثقت عنها فكرة قيام هذا الاحتفال ، و هي رغبة القائمين على المعهد بأن يضعوا في يد المشاهد ملمس فائدة هذه المعاهد.
    و كان مولود أول من حضر فدخل أولا غرفة المدير العام فلم يجده فيها و وجدها حاشدة بمراقبي المعهد و هم الذين تولوا تنظيمه.
    و مال عليه أحدهم يقول :
    كيف ترى ؟
    كل شيء على ما يرام.
    أليست فكرة هذا الاحتفال رائعة؟..
    لو لم يكن للحظة سوى نتيجة واحدة في تكريم مدير المعهد لكفى ذلك سببا للحرص على إقامتها . هذا المدير يمثل الذروة في الإخلاص لفكرة إصلاح الأحداث . فتكريمه و الدعاية للمعهد أمران متلازمان.
    و تقاطر المعدوون و حرص المدير الذي حضر في تلك الأثناء ، على استبقاء مولود لديه إلى أن يكتمل العدد. و في لحظة ما خرج مع مولود ، فتجاوزا المقاعد من أحد الممرات التي تركت بين الصفوف و جلسا في المقدمة .
    و بينما كان مولود يميل طرفه في الحاضرين كان المشهد قد بدأ ، فبلغت منه الدهشة مبلغها حين لمح بين المدعويين مصباحا مع والدته و شقيقته و ابن خالته الشاب الفأفاء .. فخفق و شعر كأن غصة قد صعدت إلى حلقه.
    لقد حرص في كل أوقات صحبته مع مصباح أن يخفي عنهم الأمر ، فإذا انكشف الآن ماذا سيكون؟..ثم أدرك ، و قد التقت العيون بالعيون ، و هزت فائزة رأسها محيية مبستمة ، أن لقاءه معهم لا بد منه..فاستأذن- المدير و هرع إليهم فحياهم ، و حيوه مبتسمين منشرحين.
    و قالت الوالدة :
    هذا أنت هنا يا مولود ، قل لنا من أية جهة جاءتك الدعوة ؟..
    و شعر بقلبه يهبط من مكانه و لكنه تماسك..و كعادته حول مجرى التيار عنه ببراعة فأجاب :
    لا ، بل اذكري لي أنت يا سيدتي من أية جهة جاءتكم الدعوة ، فإن أمر حضوركم أدعى للدهشة .
    و أجابته كعادتها ، و هي تنظر بعينين مستريحتين و بلهجة هادئة و بطيئة ، متعاظمة :
    الأستاذ أحمد المراقب في المعهد من أقربائنا.
    صحيح؟..
    يجب أن يتابع صرف اتجاهها إلى معرفة مصدر دعوته. و لكن كيف؟
    في هذه الأثناء سمع صوت إناء ينكسر على بلاط الباحة قريبا من السيدة ، فأسرع متلطفا و صاح :
    هل حصل ضرر ؟
    لا..لا أعتقد،
    و عل كل حال كان هذا حادثا سعيدا قضى على التساؤل..
    و انصرف الجميع إلى المشهد بأعينهم ، و لفت نظر مولود أن مصباحا ساعد على ذلك ، فإنه لفت نظر والدته إلى ما يجري في المسرح .. و ذلك ما أنقذ الموقف .
    دعته فائزة ليجلس إلى جانبها فنهض ابن خالتها عن الكرسي بتثاقل ، و تكاسل ظاهرين.
    مولود الآن أقرب إلى والدة فائزة ، موضعه الجديد يشعره بالدفء من جديد..الدفء الأنثوي الذي يشع من فائزة..شعور في داخله يدغدغه ..دغدغة محببة.
    أرهف أذنيك جيدا ، و انظر حيث نظر مصباح ، تجد شابا عريض العظام جهم الوجه ، كأنه صاعد من أعماق الأرض ، يرمق جماعتك بنظرات غير مستحبة. ها هو مصباح يميل على والدته و يفوه بكلمة .. هذه الكلمة ربما كانت اسم :حبيب. من هو حبيب هذا؟.. هو ذاك الرجل الواقف عند الباب يرسل نظراته الغريبة الممقوتة..الوالدة امتقع لونها أصبح وجهها بلون أصفر يخالها الناظر عما قريب ستغيب عن وعيها..تتماسك و تسر إلى ولدها مصباح ببعض كلمات ، ثم تفتح محفظتها و تناوله كدسة من الأوراق المالية ..يأخذها مصباح و يسرع إلى ذلك الشاب ..ينهره..الرجل يجيبه بحركات من الشفاه لا يسمع ما يتلفظ به ، و لكن موقفه المتعالي البارد يذكر بأولئك المجرمين الذين يستعملون برودة الدم في سبيل السيطرة على خصومهم قبل لحظات من استعمالهم لمسدساتهم في أفلام الكوو بوي الأمريكية . و أخيرا يقحم مصباح الشاب و يخرج به و يغيبان عن الأنظار بضع لحظات. يعود بعدها مصباح لوحده فارغ اليدين من الأوراق النقدية .. و جهه محتقن ، الاضطراب باد عليه. يجلس في مقعده دون أن يفوه بكلمة..يرين الصمت بعض الوقت . ثم يعود الجو إلى ما كان عليه بصعوبة يحاول مصباح بشيء من التعب العودة إلى المزاح.
    صورة ذلك الشاب ما زالت في ذهنك تتوضح أكثر فأكثر ، الشبه بينه و بين مصباح و فائزة قائم.. الشبه لا ريب فيه أصبح حقيقة واقعة. لا فارق بينه و بينها سوى أن مصباح و فائزة ذوي لون أبيض و ذاك الشاب ذو وجه محروق بأشعة الشمس.
    حبيب؟..أنت كذلك تعرفه..لعله..أي والله ، ذلك الحدث الجانح الذي اعتدى على بدور في صغرها..إسمه أيضا حبيب ، والده نائب في المجلس النيابي..والد مصباح أيضا نائب في المجلس النيابي..شاكر ذكر ذلك لك يوما ما ، قال إنه سمع مصباح يقول ...لا تسئ إلى هذه الجلسة بهذه الذكرى المشؤومة..خل حبيب لحاله. يبدو أن شعورك اليوم غير واضح فأنت تحبها و لكنكتخشاها..بين خجنبيك شيء غالي الثمن تحرص عليه لا تريد التخلي عنه.أهي من النوع يفرض وجوده فلا تميله الزعزاع؟..لا أدري..
    أنت مولود في هذه اللحظات كمن يمشي على صراط أحد من شعرة ،فإن كلمة واحد يتفوه بها احد الندل أو المراقبين يسمعها جماعتك تثير تساؤلهم ..فإذا جاءك مراقب فاستشارك في شأن ما يتصل بالاحتفال أدركوا أن لك نصيبا من تنظيم الحفلة ، و إذن فما علاقتك بها؟.. الأمر الوحيد الذي تحمده للقائمين على الاحتفال هو استمراره بدون توقف ، أليس هذا صحيحا؟..
    ما زالت الغصة تصعد إلى حلقه..
    و لكن استمرار المشهد منح مولودا فرصة ليلتقط أنفاسه..
    ثم ساء الموقف حين شاهد نهلة تخرج إلى المسرح لتشترك في التمثيلية..سيضطر في النهاية إلى تهنيئتها على حسن أدائها لدورها.. و عندها سنكشف النقاب..أليس في الوسع الهرب من هذا الاتزام الأدبي؟
    و قالت له فائزة :
    مالك مولود ساكتا؟..لست طبيعيا اليوم.
    و اصطنع الابتسام و أجاب /
    لا شيء ، أنا طبيعي جدا..
    و لكنه لم يكن طبيعيا ..بماذا يجيبها؟..أيقول لها أنه مذب ،ن و إذن يجب أن يوضح سبب عذابه..حاول كثيرا أن يتحدث أن يثرثر هذه هي الطريقة الوحيدة التي يثبت لفائزة عكس ظنها و لكنه لم ينجح.
    لا بد من تهنئة نهلة..لأم تسمع عريف الحفلة يعلن منذ البدء أن رواد المعهد الأحداث و رواد معد الأحداث البنات و المتخرجون منهما هم عناصر تمثيلية؟..
    غاب النور الأبيض الباهر عن المسرح و بقي النور الأصفر ثم غاب هذا أيضا و حل محله النور الأزرق. في تلك اللحظة بان قسم من الماثلين على المسرح بشكل غير الذي كانو عليه . كان معهم أناس من مستخدمي المعهد الكبار في السن ، فظهرت جباههم مخددة لأن النور الأزرق يأتي من الأسفل ..هكذا يملي المشهد يجب أن تظهر نهلة في هذا النور..
    حين ظهرت نهلة كانت في دور الساحرة الشريرة ..كانت متقنة لدورها بحيث استجلبت مقت الحاضرين على الساحرة الشريرة.
    و حانت التفاتة من مولود إلى والدة فائزة ، فإذا هي مشمئزة من المنظر .. و قد زادها اشمئزازا قول واحد من جوارها : إنهم كلهم أحداث جانحون.
    و مع أن نفس مولود بدات تمور إلا أن ما عدل الموقف كان وضع فائزة فقد كانت على خلاف عادتها مسترسلة في حديثها و منطلقة في ضحكها ،و سألته سؤالا عابرا عما إذا كان يعلم شيئا عن معهد الأحداث هذا ، فإن العلم به خليق بان يكسبها معرفة جديدة ، لقد كان السؤال موجها إليه بالذات فكان الإحراج باديا ، فهو يريد أن يسترسل مع فائزة بالحديث بعد أن مضى وقت على غمته ، و سيكون كمن يصرم حبلا إذا هو أنكر معرفته بمأتى نشاط هذا المعهد . و في الوقت نفسه ، ما زال يوجف إذا هو استرسل في الحديث أن يسمعه واحد فيدل عليه أو أن ينم عليه عمق معرفته.
    و قال مولود :
    أذكرى لي قبل ذلك ما هي الفكرة عندك عن هذا المعهد ؟
    أحسب أنه سجن للأحداث الذين يرتكبون الجرائم.
    هذا الاعتقاد سائد ولده أسلوب قديم في معالجة هذه المشكلة .
    أما الآن فإن معاهد الأحداث هي – كما يبدو من تسميتها – مدرسة كبيرة و أكثر قليلا تعني بتنشئة الأحداث الذين وجدوا – بنتيجة تبعة النظام الشعي – في شروط سيئة أثرت على سلوكهم ، فهي تفترض فيهم معدن الخير الذي يسعف في قيادتهم برشاد إلى جادة الصواب ، ليعودوا أفرادا أصحاء في هذا المجتمع ، قد جب عنهم ما اقترفوا دون أن يترك في سمعتهم أثرا سيئا . فمثلهم مثل أي غنسان آخر.
    و سكتت فائزة فلم ترد بكلمة و استبان لمولود أن فائزة و قد ابتهجت بما حدثها به و تبسمت ، تقلب الفكرة على وجوهها في صمت بينها و بين نفسها ..ثم سمعها تقول :

    هذا جميل
    فانتعش مولود و بدأ يعلق تعليقات متنوعة على ما يراه.
    و بينما كان مولود يتدفق فصاحة ، كان ابن خالة فائزة يميل على أخيها مصباح و يسر له ببعض الكلمات ..
    كانت التمثيلية – على ما يبدو – سخيفة الموضوع و إن كان تمثيل شخوصها جيدا ، كان إطارها أجمل منها و أغنى.. و كان من المحزن أن ترى هذه المخلوقات و هي تجهد لأن تجعل نفسها وسيلة للنهوض بمهمة المعهد .
    و نهضت الوالدة و هي تقول :
    من الخير ان ننهض و ننصرف إلى دارنا ، فلقد وفى الاحتفال على نهايته . و نهضت فائزة و هي تقول لاخيها مصباح على مسمع من والدتها :
    أرجوك يا مصباح أن ترافق والدتنا و تسبقنا إلى الدار . فإني سأبقى هنا لألتقي بمولود ثانية و اوافيكم معه الدار فقد سمعت عنه أن سيطلبني هناك من والدتي للزواج.
    و كان آخر ما قامت به والدتها :
    لقد سررت فعلا يا مصباح حين وافيتني أنت بقصة حياة مولود باكملها إنه لفتى رائع.
    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



    اللهم أعنا على ذكرك و شكرك و حسن عبادتك

  2. #72
    داعية ومحاضر جامعي
    تاريخ التسجيل
    Nov 2013
    المشاركات
    555
    مرور وتحية مع جل الاحترام. رحمه الله

  3. #73




    قاص وروائي ومحكم دولي من مواليد 1921م عارك القضاء 50 عاما
    يبلغ من العمر 80 ونيف حتى تاريخ نشر الموضوع :
    http://omferas.com/vb/showthread.php?...


    يتيم وعصامي كون نفسه وحده بعون الله -درس الحقوق بجامعة دمشق/الدكتوراه في جامعة سان ميشيل/باريس/ بفرنسا/وبقي حافظا لقيمه الاسلاميه حافظا للقران رغم بعد المنهل .
    رسام لم يترك لديه ولا لوحة وأثرا يدل على مواهبه المبكوتة التي مارسها في الظل/فوزعها جميعا.
    ولم يلفت النظر اليه..لتواضعه الشديد...
    قامت رابطة المحامين بدمشق بتكليفه بمحاضرات للطلاب فبها ،وقام بانشاء جريدة الاستقلال الوطنيه أيام الاحتلال الفرنسي
    حيث قام خلاله بتنظيم المظاهرات بحذق وتلقى العقاب بصدر رحب.
    قامت الاذاعة السورية بلقاءات عديدة من خلال مذيعها عبد الرحمن الحلبي مشكورا
    قام التلفزيون السوري بإخراج بعض قصصه القصيرة مثل الأرغفة الأربعة، واليد الخضراء.
    كان رئيس مجلس الدولة السوري للقضايا الجزائية ومحامٍ سابقا.
    اشتهر بنظافة يده وجديته في العمل
    اشتهر بالقبض على الجواسيس وذكائه بفي لتعامل معهم.
    شاعر مغمور لم يصنف ولم يظهر للنور ماكتب..وماخرج للنور من كتاباته غير القضائية:
    رواية:
    الخندق بعد الأخير
    من:
    سلسلة من مذكرات قاضي تحقيق:


    ارغفة الخبز الاربعة
    سجناء الجليد الازرق
    ومسرحيتان:
    الملك نقمد
    لأثر تاريخي أوغاريتي لم يفطن له أحد غيره
    لعبة ديمقراطية
    له مؤلفات اختصاصية لطلاب للجامعة السورية للماجستير والدكتوراه والتي تدرس حاليا.
    نظام الطوارئ والأحكام العرفية ، دمشق ، مطبعة الطرابيشي 1971
    القانون الاداري علما وعملا ومقارنا
    المجلد الاول:مقدمة ( 600) صفحة
    المجلد الثاني التنظيم الاداري ( 600) صفحة
    المجلد الثالث: القضايا الادارية ( 600 صفحة)
    المجلد الرابع:العقود الادارية ( 600 صفحة)
    ندعو له بالعافيه فقد اعتزل الحياة الاجتماعيه حديثا
    http://www.mediafire.com/file/tqtdk9h...





    مازال كتاب :نظام الطوارئ والأحكام العرفية ، دمشق ، مطبعة الطرابيشي 1971
    يعتبر مرجعا هاما للباحثين الحقوقيين،وقد وصل المرجع إلى العراق مؤخرا.
    الشكر الجزيل للدكتور كاظم علي الجنابي دكتوراه في القانون العام , والدراسة حديثة 2015 :
    عنوان الكتاب والدراسة:سلطات رئيس الدولة التشريعية في ظل الظروف الاستثنائية ، دراسة مقارنة.
    رابط الكتاب:
    https://books.google.com/books?id=44...%D9%8A&f=false




    https://omferas.com/vb/t3526/


    https://www.mediafire.com/file/1fbceohjbhnsrhc/%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25AE%25D9%2586%25D8%25AF %25D9%2582_%25D8%25A8%25D8%25B9%25D8%25AF_%25D8%25 A7%25D9%2584%25D8%25A3%




    https://www.mediafire.com/file/4j5wt...أخير2.pdf/file

    للتحميل مع الشكر لكل من يقراها

    https://www.goodreads.com/book/show/61391908
    [align=center]

    نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
    ( ليس عليك أن يقنع الناس برأيك ،، لكن عليك أن تقول للناس ما تعتقد أنه حق )
    [/align]

    يارب: إذا اعطيتني قوة فلاتأخذ عقلي
    وإذا أعطيتني مالا فلا تأخذ سعادتي
    وإذا أعطيتني جاها فلا تأخذ تواضعي
    *******
    لم يكن لقطعة الفأس أن تنال شيئا ً من جذع الشجرة ِ لولا أن غصنا ً منها تبرع أن يكون مقبضا ً للفأس .

صفحة 8 من 8 الأولىالأولى ... 678

المواضيع المتشابهه

  1. تحميل رواية ياسين قلب الخلافة - عبد الإله بن عرفة pdf
    بواسطة ريمه الخاني في المنتدى فرسان المكتبة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 07-03-2015, 05:10 AM
  2. وفاة المحكم الدولي/عبد الإله الخاني
    بواسطة فراس الحكيم في المنتدى فرسان الترحيب
    مشاركات: 85
    آخر مشاركة: 11-14-2010, 05:30 PM
  3. وفاة المحكم الدولي/عبد الإله الخاني
    بواسطة عقاب اسماعيل بحمد في المنتدى فرسان الترحيب
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 10-13-2010, 07:41 AM
  4. حصريا/مسرحية الملك نقمد/عبد الإله الخاني
    بواسطة ريمه الخاني في المنتدى فرسان المكتبة
    مشاركات: 38
    آخر مشاركة: 04-07-2010, 05:41 PM
  5. المحكم الدولي /عبد الإله الخاني
    بواسطة ريمه الخاني في المنتدى أسماء لامعة في سطور
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 08-25-2009, 06:55 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •