حوار الاربعاء
الدكتور حسام الخطيب : الأدب المقـــارَن يمهد الطريق إلى عالمية الأدب
الترجمة وسيلة عظيمة ليتعرف الإنسان إلى الآخر
الآخر لا يهمه ولا يعنيه أن يتعلم لغتنـــــــا
سأكشف عن مراسلاتي مـــــع نزار قباني
كانت رحلته سندبادية في أجواء المعرفة والكتابة، فبين أول مقال لغوي متشدد كتبه بعد تخرجه في قسم اللغة العربية -جامعة دمشق أوائل النصف الثاني من القرن العشرين، ومؤلَّفاته الحالية رحلة طويلة عنوانها النجاح والإبداع. وهو الذي يعمل الآن خبيراً ثقافياً، ومسؤولاً عن مركز الترجمة في المجلس الوطني للثقافة والفنون في الدوحة، وذلك بعد خدمة 34 عاماً في التدريس الجامعي بين دمشق وبيروت وصنعاء والدوحة وغيرها .
مساهماته لا تعد ولا تحصى في الحركة الثقافية والأدبية العربية، مع نشاطاته غير الاحترافية التي قام بها في مجال الترجمة الأدبية، وقد توجّت جهوده بحصوله على جائزة الملك فيصل العالمية عام 2002.. وقد كتب ونشر دراسات في مجالات النقد الأدبي والأدب المقارن والرواية العربية وقضية اللغة العربية والقضية الفلسطينية، ومنذ البدء مارس الترجمة الأدبية والفكرية كما ركّز في الآونة الأخيرة على دراسات الترجمة والترجمة الآلية .

< باعتبارك عضواً مؤسساً في الرابطة العربية للأدب المقارَن وعضو الرابطة الدولية للأدب المقارَن حبّذا لو نتعرف على جهودك في هذا المجال وتعريفنا بهذا الأدب الذي حظي باهتمام كبير من قبلك .
<< كان الأدب المقارَن غير معروف في المنطقة العربية إلا كمصطلح، في حين أن دلالاته لم تكن معروفة لدى الناس الذين كانوا يعلمون فقط أن الأدب المقارَن هو مجرد مقارنة شيء بشيء. وأود أن أقول ودون ادّعاء إنني أول من أدخل مصطلح الأدب المقارَن في سورية وذلك في أوائل الستينيات من القرن الماضي، وقد نشرتُ أول مقال يحمل عنوان الأدب المقارَن في الصفحة الثقافية من صحيفة “الوحدة” التي كانت تصدر في سورية أيام الوحدة بين سورية ومصر.. وتابعتُ كتابة المقالات عن الأدب المقارَن، ولاسيما في مجلة “المعرفة” السورية، مع العلم أن دول المغرب العربي كانت سبّاقة في التعرف على هذا الأدب بحكم صلتها وتأثرها بالثقافة الفرنسية، باعتبار أن هذا الأدب مصطلحاً نشأ وتطور في فرنسا. والأدب المقارَن هو مقارنة أدب بأدب، أو ثقافة بثقافة من غير اللغة نفسها.. إن شرط الأدب المقارَن ألا تكون المقارنة مثلاً بين كاتب عربي وكاتب عربي آخر، فهذا ليس أدباً مقارَناً بل هو نقد أدبي، في حين أن المعادلة تصح حينما تصبح المقارنة بين شكسبير –على سبيل المثال- وكاتب عربي لتوفر شرط الاختلاف في اللغة والثقافة .
< كيف يمكن افادة الادب العربي من هكذا مقارنة برأيك؟
<< تتيح المقارنة للإنسان أن يعرف نفسه عن طريق معرفة الآخر، إضافة إلى القيمة الفنية التي تقدمها المقارنة الناتجة عن اختلاف اللغتين والثقافتين.. وأشير كذلك إلى أن الأدب المقارَن يمهد الطريق إلى عالمية الأدب، بمعنى أنني كعربي أفتخر بأدبي، ولكنني حين أرى ما عند الآداب الأخرى يتسع أفقي فلا أقول: إن المتنبي هو أعظم شاعر عرفه التاريخ حين أعرف أن الأمم الأخرى لديها شعراء عظماء جداً. والتعارف يؤدي إلى التلاقح بين الآداب، وهو يكوِّن نظرة عالمية لتوحيد آداب الأمم، ولكن من خلال شروط العصر الذي يعيشون فيه، لأن المقارنة يجب أن تتم ضمن عصور محدودة، حيث المقارنة بين الإنسان في الجاهلية والإنسان الحالي في أوربا أمر غير وارد، ولن يوصل إلى نتيجة .
< حمل أحد كتبك عنوان “الأدب المقارَن من العالمية إلى العولمة” فماذا أردتَ أن تقول فيه؟
<< أردتُ أن أقول: إن الأدب المقارَن هو الذي أسس لعولمة الأدب، فأنا حين أعرف الآخر أكون قد خطوتُ الخطوة الأولى، ولكن ما حدث أن الأدب المقارَن الذي يقوم على مقارنة أدب بأدب، أو ثقافة بثقافة، كان يقتضي وجود الحدود، في حين أن العولمة فتحت الباب على مصراعيه، بحيث صارت الثقافة والمعلومات مشتركة بين جميع أبناء البشر .
< ألا تعتقد أنه أصبح هناك نوع من التشكيك في أهمية الأدب المقارَن، وأن صوته قد خفت في ظل تحول العالم إلى قرية صغيرة؟
<< في الحقيقة ما تقولينه صحيح، فبعد انفتاح الدول والثقافات واللغات على بعضها، وفي ظل الاختلاط العالمي الذي حدث التغت الحواجز والسدود بين الآداب، ولكن مع هذا مازال المقارنون تقليديين يتمسكون بالأدب المقارَن. كما ظهرت نزعات جديدة في مجال الأدب المقارَن أهمها النزعة النسائية التي ترى أن الترجمة التي كانت وسيلة الأدب المقارَن قد أصبحت بديلة عنه، فبعد الاهتمام الكبير بالترجمة ترى هذه النزعة أنه لم يعد للأدب المقارَن أي معنى في عصرنا، الذي أصبح فيه كل شيء مترجماً ومعروفاً لدى الآخرين.. وأعتقد أن هذه النظرية قد بالغت كثيراً، لأن الناس يميزون بين الأداة والهدف والأدب المقارَن، وتعارف بعضها ببعض هدف وسيلته الترجمة، ولا يمكن للوسيلة أن تصبح هدفاً .
< ولكن كيف تجد واقع الأدب المقارَن مع ضعف حركة الترجمة في الوطن العربي؟ .
<< أستطيع القول، ومن خلال دراساتي وثقافاتي، إن الشيء الذي وسّع ثقافتي هو المقارَنة، أي معرفة الآخر، وفي هذا العصر ومن خلال الحركة العولمية التي من ورائها القوى الكبرى أجد أن الرابح الأكبر هو الآداب الكبرى، فما يترجَم من الإنكليزية مثلاً إلى اللغات الأخرى أكثر بكثير مما يترجَم من أية لغة في العالم إلى اللغات الأخرى، حيث يوجد نوع من الامبريالية اللغوية في ظل سيطرة الأميركيين على مختلف أصقاع الأرض بثقافاتهم. وقد صار التحدي اليوم مختلفاً، فبعد أن كانت مسألة معرفة الآخر وسيلة للخروج من القوقعة المحلية ولاسيما اللغوية- صارت الترجمة وسيلة عظيمة ليتعرف الإنسان إلى الآخر، لهذا لابد من الاعتراف أن الأدب المقارَن فقد بريقه –نسبياً- ولكنه سيبرز من جديد، فبعد هذا الاندماج الموجود في العالم لا يمكن أن يصبح البشر بلون واحد، ولابد من الاختلاف والتميز مهما كانت الظروف .
< من المعروف أنك من أدخل الأدب المقارَن في جامعات متعددة في الوطن العربي، فهل تعتقد بوجود إدراك حقيقي لماهية هذا الأدب؟
<< أوضح في البداية أننا كشعوب ننتمي للعالم الثالث تبدو المسألة في هذا الموضوع مائعة، فنحن مازلنا لا نعرف إلى أية حدود ينبغي أن نبقى محافظين على هويتنا، وإلى أية حدود سنبقى تحت مظلة لغة كاللغة الإنكليزية المهيمنة على العالم، باعتبار أن المعرفة هنا مرتبطة بانتشار اللغة. وللأسف فإن كل هذه الأمور لا إجابات واضحة حولها، رغم تأكيدي على وجود حركة وعي لكل الأقليات واللغات المضطهدة في العالم، وهي حركة قائمة على إدراك أصحابها قدرة لغاتها في مساعدتها على التميز، وهذا أمر طبيعي، لأن الإنسان لا يستطيع أن يتخلى عن أناه أمام الآخر، ولكن مع هذا فمن الصعب أن أتنبأ بمستقبل الأدب المقارَن عربياً، ولكن ما هو مؤكد فعلياً أن الاهتمام بالأدب المقارَن عربياً وغربياً قد خفّ، فلو أخذنا عناوينه في منتصف القرن الماضي في الغرب لوجدنا أنها كانت كثيرة، في حين قلّت هذه العناوين في وقتنا الحاضر، لأن معرفة اللغات الأجنبية في العالم ازدادت إلى حد كبير.. وهذا أمر مهم أثّر على مكانة الأدب المقارَن لأن معرفة لغة أخرى تعني اجتياز الحواجز، ولم تعد هناك حاجة للأدب المقارَن، إضافة إلى أن انتشار المعرفة على المستوى العالمي قد أصبح أفضل بكثير من السابق، فأي اختراق يحدث في دولة متقدمة ينتقل بسرعة البرق إلى الدول الأخرى. وهذا ما يجعلني أقول إن ضعف الحواجز اليوم بين الأنا والآخر ولّد حالة من المشاركة العامة، التي يحاول كل طرف منها أن يحتفظ بخصوصيته. وأعتقد أن هناك شبه صحوة للتفاهم حول إمكانية أن يظل الفرد محافظاً على هوية ما بحيث لا يتحول البشر إلى مجرد أرقام، بينما الدول الكبرى سائرة في طريق واتجاه واحد، لأن ما يحدث يصب في مصالحها السياسية والاجتماعية والاقتصادية .
< أين تكمن الأخطار الحقيقية في الاستخدام الخاطئ للأدب المقارَن؟ ومتى يتحول هذا الأدب إلى سلاح ذي حدّين؟
<< رغم أن الأدب المقارَن يحمل في ذاته فرصة التعرف إلى الآخر، إلا أنه وفي الوقت نفسه قد يزعزع الثقة بالنفس، خاصة إذا لم يكن الإنسان واعياً بما فيه الكفاية، فعندها سيكون منبهراً بهذا الأدب، وسيقع تحت تأثير قوته. فالأدب المقارَن يحث الإنسان على أن يتعرف إلى نفسه وإلى ثقافته وإلى موقعه وموقفه من الآخرين وموقف الآخرين منه، وإلى هنا تبقى الأمور في سياقها الطبيعي ليبقى الخطر المحتمل هو خطر الاندماج ومحو الهوية .
< كيف تفسر عزوف دور النشر الغربية عن الترجمة من اللغة العربية؟
<< إذا قارنّا واقع الترجمة من اللغة العربية إلى اللغات الأخرى، ومن اللغات الأخرى إلى اللغة العربية يمكن القول فعلاً بوجود عزوف، ولكن هذا العزوف له أسبابه الموضوعية وغير الموضوعية.. ومن أسبابه الموضوعية أن الشعوب العربية تسعى لأن تتعلم لغات الآخر، في حين أن الآخر لا يهمه ولا يعنيه أن يتعلم لغتنا، بسبب تفاوت النفوذ في العالم، فالآخر يصدِّر لنا كل شيء، وكل ما في حياتنا مستورد، وبالتالي نحن نستورد أكثر مما نصدر، وهذا ينطبق على مجال الترجمة أيضاً، ومن المعروف أن المصدِّر هو السيد في هذه الحالة، والذي يستورد هو الذي يدفع الثمن اللغوي دائماً، ولكن هذا لا يلغي أن تطورات كثيرة حدثت بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، حيث بدأ الغرب يحاول أن يتعرف إلى الآخر، فحدث إقبال شديد على اللغة العربية ووسائل تعلمها، فقد رصد الكونغرس الأميركي ملايين الدولارات لتشجيع الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الإنكليزية، وصرف أموالاً باهظة على الترجمة الآلية من العربية إلى الإنكليزية. ولا يمكن لأحد أن يتخيل الإقبال الكبير في الغرب بشكل عام، وفي أميركا بشكل خاص، على تعلم اللغة العربية، حتى باتت الجامعات الأميركية تشكو من عدم القدرة على قبول جميع الطلاب الراغبين بتعلمها .
< وأين تكمن مخاطر الترجمة الآلية؟
<< الترجمة الآلية هي أن تصبح الآلة بديلاً عن الإنسان في الترجمة، وقد استنبطت مراكز البحث في أميركا وسائل وأساليب تساهم في سرعة إنجاز الترجمات، حيث أصبحت الحاجة بعد حادثة الحادي عشر من أيلول شديدة للاطلاع على وثائق تتعلق بالمنطقة العربية.. ولحجمها الهائل وجدوا أن المترجم البشري لا يمكن أن يتابع كل هذه الوثائق، فكان اللجوء إلى الترجمة الآلية، التي لها مصاعبها ومشاكلها، لكن إذا صاحبتها مراجعة بشرية فإنها توفر الكثير من الوقت والجهد.. وفي العموم، لا توجد ترجمة آلية دون مراجعة بشرية، ولاسيما إذا كانت اللغة المستهدفة هي اللغة العربية، المختلفة في جذورها وقواعدها عن اللغات الأخرى، وهي لغة ليست سهلة حتى على أبنائها. أما الصعوبات التي تواجه هذه النوعيات من الترجمة فهي أنها –غالباً- ما تتم على حساب الدقة، وهي لا تصلح للترجمة الأدبية، ويقتصر دورها على الترجمة العسكرية، والتجارية في بعض الأحيان، ومن المعروف أن الغلط فيها قاتل، وهذا ما يجعل الجيش الأميركي يدفع ملايين الدولارات لتحسين موضوع الترجمة الآلية.. وهذا ما أدى أيضاً إلى اختراع ما يسمى بالترجمة الجاهزة دون تحليل الكلمات، أي استيعاب الجملة ككل، ورغم ذلك تبقى الحاجة إلى المراجعة البشرية أمراً لا مفر منه .
< قالت عنك ذات يوم وداد سكاكيني : “ربما لم يستطع حسام الخطيب أن يكون شاعراً أو قاصاً، فنصَّب نفسه للنيل من كل مبدع”.. فبماذا ترد وكيف تفسر انصرافك عن النقد التطبيقي؟
<< حين بدأتُ عملي في النقد في سورية كان النقد قبلي عبارة عن كتابات تكيل المديح العظيم لكل من أمسك قلماً وكتب، خاصة إذا كان الكاتب امرأة، فتنال حظها الأوفر من المديح المجاني، سواء كانت تستحق ذلك أم لا.. وحين بدأتُ مقالاتي النقدية الموضوعية، التي تمتدح في مواضع وتنتقد في مواضع أخرى، نلتُ ما نلتُه من ردود الفعل، التي استهجنت موضوعيتي، والتي كانت لا ترى في كتاباتي إلا الجزء المتعلق بملاحظاتي وانتقاداتي.. وهذا ما جعل وداد سكاكيني تقول ما قالته! والسبب برأيي لعدم تقبّل المجتمع الأدبي للكتابات النقدية الموضوعية أن المجتمع السوري حتى فترة الستينيات، كان مغلقاً، وكان كل من يكتب رواية أو قصة أو قصيدة يعتقد أنه بطل الأبطال. ولكن أكثر ما عانيتُ منه نتيجة كتاباتي النقدية كان من الكاتبات اللواتي كتبتُ عنهن، وإن كنتُ أعترف بأنهن كنّ رائدات آنذاك، ولكن هذا لا يعني أنهنّ كنّ محصّنات ضد النقد، وإن كنتُ أستثني بعض الأسماء مثل السيدة كوليت خوري، التي كانت الكاتبة الوحيدة التي تقبّلت النقد مني وبكل طيب خاطر. وأذكر أن كل مقالاتي النقدية كنتُ أنشرها في مجلة “المعرفة” السورية، وقد كتبتُ ذات مرة نقداً لروايتها الأولى، وقبل نشر مقالي اتصل رئيس تحرير المجلة آنذاك بها وأخبرها أنني أشتمها في مقال لي سيُنشَر في المجلة، وأن صفحات المجلة مفتوحة لها للرد، فكان جوابها لئن يشتمني حسام الخطيب أفضل من أن يمدحني أمثالك. كما أذكر أن الراحل حسيب كيالي قد صبّ حمم غضبه عليّ، وهو الذي كان يعتقد أنني إذا انتقدتُه فإنني أنتقد مدينة حلب كلها، لذلك خاصمني كما خاصمني الكثير من الكتّاب، وهذا ما أتعبني وجعلني أفضِّل الابتعاد عن النقد التطبيقي .
< مازالت العلاقة بين الناقد والمبدع في مجتمعاتنا العربية غير صحيحة ويشوبها الكثير من التوتر، فما أسباب ذلك؟
<< السبب ببساطة أننا نعيش في مجتمعات غير ديمقراطية، مجتمعات مغلقة، المدرس فيها هو الذي يعطي كل الحقائق، والطالب لا يبحث عن أية حقيقة! وبالتالي فإن نظام التعليم والنظام الأبوي الذي ورثناه أباً عن جد هو ضد النقد الذي يصبح مقبولاً في مجتمع ديمقراطي منفتح يعترف بالرأي والرأي الآخر، ويؤمن بوجهات النظر المختلفة وبحرية التعبير والكتابة، وبأن المبدع شخص غير منزّه، وكتاباته غير مقدسة، وهو إنسان كغيره يحتاج لمن يتحاور معه ولمن يقيّم كتاباته .
< كيف ترى واقع النقد في سورية؟
<< هو مقصِّر، ويبدو عاجزاً عن مواكبة الحركة الإبداعية، وهذا له أسباب أهمها أن المجتمع الذي يعيش فيه غير متعود أصلاً على النقد، والنقد الأدبي بدأ تقريرياً (كاتب كبير-شاعر كبير-قاص عظيم) أما النقد الذي يستفيد منه المنقود في عمله ليقدم الأفضل في مرات لاحقة فكان استثنائياً، ولم تتضح معالمه كثيراً، وبالتالي فإن النقد في سورية مازال يعاني من مشاكل كثيرة. أما النقد النظري، ورغم أنه تحسّن كثيراً، إلا أنه أصيب بالاغترار أسوة بالنقد الفرنسي المعقّد جداً، بحيث أصبح القارئ لا يفهم منه شيئاً، وأعتقد أن هذا النوع من النقد قد شوّه النص الأدبي وسحب منه متعة النقد، بعد أن تحول النقد فيه إلى غاية بحد ذاتها، وبعد أن صار وسيلة تحليلية -وليس نقداً- تقوم على مصطلحات عجيبة غريبة .
< تعكف حالياً على كتابة سيرتك الذاتية، هل يمكن ان نسمي ماستكتبه أدب، أم نقد ذاتي ؟
<< السير الذاتية بالنسبة لي من أحلى وأجمل الكتابات الأدبية، وهي نوع أدبي إذا كان كاتب السير من أهل الأدب ويكتب سيرته الأدبية وليس الاجتماعية بحيث يشرح فيها كيف فهم الأدب وكيف طوّر أدبه وآلية تفكيره. وأرى أن هذه النوعية من الكتابات تتطلب أن يكون صاحبها صريحاً، وللأسف فإن مجتمعاتنا العربية ترفض مثل هذه الصراحة في أن ينتقد صاحبها نفسه ويعترف بأخطائه على الملأ، في الوقت الذي يصبح ذلك مقبولاً ومحترماً في مجتمعات أخرى، بحيث أن معظمها يصدر تحت عنوان «اعترافات» .
< وماذا عنك؟ وهل ستبدو سيرتك الذاتية مثالية كأغلب السير الذاتية العربية التي تبدو مشفاة من الأخطاء، فيبدو فيها صاحبها معقماً؟
<< هذا الموضوع يؤرقني كثيراً، لأن مجتمعات مثل مجتمعاتنا فيها حدود للكلام، وحيرتي تكمن في كيف يمكن أن أخرج سيرتي الذاتية بصيغة أدبية ليتفهمها الآخرون في مجتمع لا يستطيع فيه الإنسان انتقاد نفسه على الملأ ! لذلك، يبدو أن المخرَج لن يكون إلا بسيرة ذاتية أدبية، وليست سيرة شخص اسمه حسام الخطيب، ولكن أعترف لو أنني كنتُ في بلد آخر فلن أتوانى عن الكلام وبحرية في كل شيء .
< تربطك علاقة مميزة بالشاعر نزار قباني.. حدثنا عنها .
**كان نزار قباني قريباً وعزيزاً على قلبي جداً، وقد تعرفتُ إليه بعد تخرجي في قسم اللغة العربية وانتسابي إلى قسم اللغة الإنكليزية، وقد تصاحبنا واستمرت علاقتي به، وهناك مراسلات عديدة بيننا مازلتُ محتفظاً بها وحين أجد الظرف المناسب سأكشف عنها .
< ألقيت محاضرة مؤخراً في أبو ظبي عن المعاجم الورقية التي تواجَه اليوم بانتقاد شديد، فماذا أردتَ أن تقول؟
<< كان العرب سبّاقين في تأليف المعاجم الورقية لإدراكهم غنى اللغة العربية من حيث ألفاظها ودلالاتها، وأكبر دليل على ذلك العمل المعجمي الكبير “العين” للخليل بن أحمد الفراهيدي، في حين أن العرب اليوم تأخروا كثيراً في مجال تأليف المعاجم، والسبب يتركز في اختلاف اللهجات واختلاف التناول للّفظ الواحد من منطقة إلى أخرى في وطننا العربي.. لذلك فإن واقع التأليف المعجمي في بداية عصر النهضة في الوطن العربي كان مبشراً بالخير، خاصة مع وجود الاجتهادات المناسبة لروح ذلك العصر. وقد مدّت هذه المعاجم جسراً بين المعجم العربي القديم وبين المعجم الحديث، وكانت نقطة انطلاق للتأليف العربي عبر المشروعات الجماعية والمؤسسات العامة، مثل المعجم الكبير الذي صدر منه جزءان عن مجمع اللغة العربية في القاهرة، ثم المعجم الوسيط .
< وما رأيك بالمعاجم الالكترونية؟
<< أرى أن المواقع العربية التي تهتم بهذه المعاجم تبدأ بقوة ثم لا تلبث أن تتراجع بتراجع الاهتمامات الراعية لها، كما أرى أن المعاجم الالكترونية تستنزف المزيد من وقت وجهد مطالعها. ومع انطلاق الجهد العالمي فيما يخص المعاجم الالكترونية فإن الجمع ما بين الصورتين، الورقية والالكترونية، يبقى أمراً بالغ الأهمية .


أمينة عباس
حسام الخطيب
> مواليد طبريا-فلسطين 1932
> دكتوراه في الآداب (مقارن عربي-أوروبي) جامعة كامبريدج 1969
> عضو اتحاد الكتّاب العرب
> عضو مؤسس في الرابطة العربية للأدب المقارن
> عضو مؤتمر في اتحاد الكتاب الآسيويين والأفارقة
> تولى رئاسة قسم اللغة العربية في جامعة دمشق طوال السبعينيات والثمانينيات
> كان عميداً لكلية التربية ثم كلية الآداب التي أنشأها في مدينة تعز-اليمن 1989 إلى 1993
> انتقل إلى جامعة قطر 1993 إلى 2004
> كان خبيراً ثقافياً في المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث ومنشئ مركز الترجمة فيه 2004

http://www.albaath.news.sy/user/?id=730&a=67193