منتديات فرسان الثقافة - Powered by vBulletin

banner
صفحة 2 من 9 الأولىالأولى 1234 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 84
  1. #11
    وداعاً عميد الأدب الإسلامي المقارن

    بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
    ............................................

    ودّعَنا يوم السبت الثامن والعشرين من شوال 1425ه، الموافق الحادي عشر من ديسمبر 2004م، علم من أعلام الأدب الإسلامي ودراساته المقارنة، وهو الأستاذ الدكتور "حسين مجيب المصري" عن عمر ناهز الثمانية والثمانين عاماً، قضاها في البحث والدرس والتعليم والإبداع.. وقد رحل الرجل كالعادة دون أن يذكره أحد في المجال الإعلامي والصحفي باستثناء "خبر صغير" نشرته إحدى الصحف مدفوناً وسط أخبار أخرى موسعة تتحدث عن أشباه أدباء وكتاب يهتمون بالدعاية أكثر من اهتمامهم بالتجويد والإخلاص.
    عرفت الرجل قبل ثلاثين عاماً أو يزيد، ولعل الذي عرفني به صديقه الأديب الكبير الأستاذ "وديع فلسطين"، ولكنه شكا إليه ضعفاً في بصره، الذي فقده فيما بعد، مما اضطره إلى استئجار من يقرأ له ويكتب.
    كان يرحمه الله يتحرك في غرفته نشطاً، يطلعني على بعض الكتب ويحدثني في بعض القضايا، ومع أني لم أمكث طويلاً، فقد خرجت ببعض كتبه القيمة ودواوينه الشعرية، وانطباع بتواضع الرجل وإخلاصه للعلم والبحث والأدب، دون أن يهتم بعرض الدنيا ومتاعها الزائل.
    لم يكن الرجل يتقن فن العلاقات العامة الذي صار يتقنه أشباه الأدباء والكتاب، ولذا لم يرشح لأية جائزة ثقافية في بلده لا تشجيعية ولا تقديرية، مع أنه بمنطق العلم والأدب يستحق أن ينال أعلى جائزة يمنحها الوطن، ومن المفارقات، فإن دولاً إسلامية عديدة منحته جوائزها الكبرى ودرجة الدكتوراه الفخرية كما فعلت جامعة مرمرة في تركيا، والحكومة الباكستانية، ودولة قازاخستان وغيرها.
    وفي الوقت الذي نرى فيه أدباء وكتاباً محدودي القيمة الأدبية والثقافية، على خريطة الأبحاث في الدراسات العليا بالكليات المختلفة، فإن حسين مجيب المصري لم يُطرح موضوعاً لرسالة ماجسيتر أو دكتوراه، والأمر نفسه فيما بتعلق بالحياة الثقافية، فلم يتناوله أحد من الكتاب أو النقاد، باستثناء بعض المقابلات القليلة القصيرة والمقالات وكتاب وحيد، أصدره صلاح حسن رشيد بعنوان: حسين مجيب المصري، تجربة فريدة في الشعر العربي الحديث، أصدرته مكتبة الآداب في القاهرة عام 2004م.
    لقد تعرض لظلم كبير في عمله في الجامعة أيضاً ويبدو أن هذا قدر الذين يعكفون على العلم والبحث، فيظلمهم أهل "الفهلوة" والباحثون عن الدنيا والوجاهة والمناصب، ولا ريب أن ذلك كله قد أصابه بالإحباط وخلف في نفسه كثيراً من الأسى نراه عبر مقطوعات شعرية تقطر ألماً ومنها:
    أنا من خبت في سعي
    أنا من حرت في أمري
    غثاء ضاع في سيل
    وطير ضل عن وكر
    هباء بين أرواح
    ودمع سال في البحر
    كلامي رجع أوتار
    ولكن أين من يدري؟
    وشعري نفح أزهار
    ولكن من يرى شعري؟
    ولد "حسين مجيب المصري" في مدينة القاهرة عام 1916م، وجده لأمه "محمد ثاقب باشا"، كان وزيراً للري في عهد الخديوي إسماعيل، وكان جده لأبيه حسني باشا المصري من كبار الأعيان في القطر المصري، التحق بالمدرسة الابتدائية ثم الثانوية وفيها قرأ كتب الرافعي وجبران ودواوين شوقي وحافظ وزهير وغيرهم من الشعراء، وسطعت موهبته الشعرية في مدرسة السعيدية الثانوية في الجيزة عام 1932 فنشر أولى قصائده بعنوان "الوردة الذابلة"، وكانت مرثية لابنة عم له توفيت، وكان رحمه الله يعتز بهذه القصيدة اعتزازاً كبيراً.. ويذكر أن حلاقاً كان بجوار بيتهم أثر فيه تأثيراً كبيراً، حيث كان يحفظ كثيراً من عيون الشعر العربي، ويلقيه على مسامعه وهو فتيً يافع، فحببه إلى الشعر وحبب الشعر إليه، مما أحدث نقلة كبيرة في حياته، فجعلته يعيش بالتنغيم والنظم والإيقاع، وهي ظاهرة واضحة في أشعاره التي نشرها، وضمتها دواوينه الستة.
    لقد نظم الشعر بالفرنسية، وترجم الشعر عن الإنجليزية، وكانت مسيرته مع اللغات حافلة بالتفوق والجهد الكبير، لقد أجاد ثماني لغات إجادة تامة، وساعده على ذلك انتسابه إلى معهد اللغات الشرقية الذي درس فيه الأردية والإيطالية والألمانية والروسية، وكان يترجم منها إلى اللغة العربية ما يروق له من شعر ونثر.
    وقد استخلص من دراساته المقارنة لآداب الشعوب الإسلامية أن الأدب العربي ركيزة أساسية ورصيد يستمد منه شعراء وأدباء هذه الشعوب كثيراً من المعاني والقيم، وهناك تشابه واضح بين الأدب العربي وآداب هذه الشعوب من حيث التأثر بالإسلام وقيمه، والحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي، فنجد مثلاً في الشعر التركي ما يسمى بالرمضانيات يصف فيها الشاعر مظاهر الاحتفال في هذا الشهر، وكذا الحال في الشعر الأوردي والفارسي... وهو ما ينطبق على موقف هذه الآداب من قضية فلسطين والقدس.
    إن اهتمام "حسين مجيب المصري" أستاذاً جامعياً وأديباً وشاعراً بآداب الشعوب الإسلامية، واطلاعه عليها في لغاتها الأصلية التي يجيدها، وكونه أول من اشتغل بالأدب الإسلامي المقارن جعله مرجعاً، ويعود إليه الأساتذة والطلاب، وجعل منه عميداً للأدب الإسلامي المقارن، فقد أخلص له، وبذل جهداً مادياً في البحث والتنقيب والاطلاع، في الوقت الذي كان زملاؤه وغيرهم يفضلون الطريق السهل، وهو التوجه نحو الآداب الأوروبية الأكثر رواجاً، والأفضل عائداً مادياً، ولكن "حسين مجيب المصري" آثر أن يشق طريقه في ميدان صعب ومجهد ومكلف، يبتغي من ورائه خدمة دينه وأمته الإسلامية، وكان هذا الطريق هو "الأدب الإسلامي المقارن"، الذي صار علماً عليه. وقد أنتج الرجل عشرات الكتب التي زادت على السبعين كتاباً.
    وظل حتى آخر أيام حياته يعمل بجد ودأب وكان آخر كتاب ينوي نشره هو "بدائع إقبال في الأوردي"، وآخر كتاب كان ينوي أو يعمل في تأليفه كان حول المقارنة بين المدائح النبوية في الآداب الثلاثة: العربية والتركية والفارسية، ولا أدري هل انتهى منه أم لا؟
    فوجئت به ذات يوم في العام الماضي يرسل إليَّ على عنواني البريدي رسالة رقيقة طلب فيها كتابي "محمد صلى الله عليه وسلم في الشعر العربي الحديث"، لأنه بصدد المقارنة بين المدائح النبوية في الآداب الثلاثة، لم أكن في مصر وأخبرتني الأسرة بمضمون الرسالة، فحمل له ولدي النسخة الوحيدة لدي وذهب بها إلى مسكنه واستقبله الرجل استقبالاً كريماً، والأهم بعد ذلك أنه أرسل إليَّ رسالة مليئة بالعاطفة الحارة العميقة، وكنت أود نشرها لكنها ليست تحت يدي الآن.. وهي في مجملها تدل على إخلاصه للعلم، والأدب، وتواضعه الجم، وزهده في الدنيا ومتاعها الفاني.


    </i>

  2. #12
    محاكمة الأستاذ الجامعي!
    بقلم: أ.د حلمي محمد القاعود

    أقصد محاكمة المدرس الجامعي الذي سطا على الإمام القرطبي ، واستباح تفسيره العظيم ، وأغار على أجزاء منه قصها ولصقها وباعها لطلابه في جامعة كفر الشيخ الوليدة ، ولم يجد حرجاً أو غضاضة في الزعم أنها دراسة مستخلصة من تفاسير القرآن ، وعنونها بعنوان ضخم ومثير " في النص القرآني " ، ومع أن الزميلة جريدة " وفد الدلتا " نشرت عن ذلك فى عدد أغسطس 2007م تحت عنوان صارخ : " أستاذ جامعي يسرق الإمام القرطبي" ، فإن رئيس جامعة كفر الشيخ المحترم ، حتى يومنا هذا لم يتخذ قراراً ، ولم يُسائل المدرس الجامعي الذي ينتمي إلى الحزب الوطني ، وينوب عنه في مجلس الشعب الموقر .. لماذا يا معالي رئيس الجامعة لم تتخذ قراراً حتى اليوم ؟ وما الذي يُخيفك من مساءلة المدرس المذكور الذي يفترض أنه يخضع لعدة رؤساء بعدك : رئيس القسم ، الوكيل ، العميد ، النائب ؟ هل تمنعك الحصانة البرلمانية من مساءلته إدارياً ، وإخلاء ساحته إن كان بريئاً ؟ أو إنه يملك حصانة القرب من وزير التعليم العالي الذي شرّفه – كما يتفاخر – في بيته ، وشرب لديه الشاي بعد أن تناول الغداء لدى زميله الآخر نائب الدائرة ؟
    ليس المقصود الآن هذا المدرس ، وإن كانت لنا عودة إليه إن شاء الله تعالى ، بعد أن نتناول المحاكمة الهزلية التي انعقدت للأستاذ الجامعي ، وسادها التخليط والمغالطة والمكايدة ، على شاشة تلفزيون الريادة – رحمه الله – ذات ليلة من ليالي البؤس في المحروسة !
    ضم العرض أو المحاكمة الهزلية للأستاذ الجامعي المصري عضواً في لجنة السياسات ومسئولة جامعية تنتمي إلى الحزب الحاكم ، بالإضافة إلى مجموعة طلاب أتوا بهم على طريقة برنامج المذيعة التي أعدت فتيات بائسات ليعترفن أنهن فتيات ليل ، نظير مبلغ تافه .. وكان الطلاب في برنامج المحاكمة قد لقنوا – كما هو واضح من السياق – الأسئلة وطريقة عرضها بحيث يبدو الأمر متقناً وطبيعياً .. ولكنى وغيري من المشاهدين لم يُصدقوا ما رأوه ..
    تحدث الطلاب عن عدم التواصل بين الأستاذ وطلابه ، واستعلاء الأستاذ عليهم ، وعدم وجود وقت لديه كي يُجيب على أسئلتهم ، وأشياء أخرى طريفة منها على سبيل المثال أن أحد الأساتذة رفض أن يشرب أحد الطلاب ماء إلا بعد أن يردد دعاء قبل الشرب ، بالإضافة إلى القضايا المعروفة حول الكتاب والزحام في القاعات والمدرجات وعدم استقبال الأساتذة للطلاب الجدد ..
    كان مقدم البرنامج الذي لا يُجيد غير هجاء " المحظورة " ، ومدح " المحظوظة "، و الإشادة بأزهى عصور الديمقراطية ، يُثير من خلال الثرثرة موضوع العمل السياسي في الجامعة ، وليته ما أثاره .. فقد كان الكلام حوله سخيفاً لا يغنى ولا يُسمن من جوع !
    لقد سبق أن تناول أساتذة جامعيون وغيرهم مشكلات الجامعة ، وحقوق الأساتذة الضائعة ، وأيضا السلبيات التي تجرى من بعضهم ، وكاتب هذه السطور سجل عشرات المقالات في هذه الصحيفة وغيرها على مدى ربع قرن من الزمان ، أملاً في إصلاح الحال ، ولكن الحال كانت تسوء أكثر فأكثر لأسباب لم يستطع صاحب العرض المهزلة أن يعالجها أو يُشير إليها ، واكتفى باستعراض ما يقوله طلاب " لاظوغلي " على الشاشة ، وتصفيق " الكورس " عند جمل بعينها ، وعبارات بذاتها .
    إن تطاول الطلاب على أساتذتهم في برنامج تلفزيوني لا يعنى إصلاح حال الجامعة ، ولا يؤدى إلى معالجة الخلل الكبير الذي جعل الجامعة المصرية تحتل المراكز الأخيرة في ترتيب الجامعات الإفريقية ولا أتكلم عن الترتيب بالنسبة للجامعات العالمية ، فأمره معلوم للكافة . وهو لا يسرّ إلا الأعداء !
    والذي لا يريد أن يقتنع به المسئولون عن أمر التعليم في بلادنا ، أن المرحلة الأساسية سبب انهيار المرحلة الجامعية ( المناهج ، والمدرسون ، والإدارة ، ووباء الدروس الخصوصية ) ، وتشترك هذه العناصر أو بعضها في تعميق الضعف الجامعي .. يُضاف إليه التدخل الأمني الذي لا يوجد له نظير في العالم باستثناء دولتين عربيتين أو ثلاث .. وهو ما يدفع كثيراً من أساتذة الجامعة إلى الانضواء تحت " الرضا الأمني " أو القبول الأمني ، كي يجدوا لأنفسهم مكاناً يُحقق طموحاتهم ويفي بالتزاماتهم المادية حتى لو كانت سرقة الكتب كما فعل أساتذة كثيرون ، ومنهم المدرس القديم الذي يتمتع بالحصانة في كفر الشيخ وسطا على الإمام القرطبي ، ولم يُسائله رئيس جامعته حتى الآن !
    والعجيب أن القوم يعنيهم هجاء الإسلام والمنتسبين إليه أكثر من المعالجة الحقيقة لأمراض المجتمع ، وعلى رأسها ضعف الجامعة وتخلفها . إذا افترضنا جدلاً أن أستاذاً في رحلة أو لقاء خارج المحاضرة ، مع طلابه ، ورأى أن يُعوّد طلابه على الارتباط بالله في سلوكهم وأعمالهم ، وطلب من تلميذه أن يدعو ربه قبل أن يتناول الماء .. ماذا في ذلك ؟ وما هي الجريمة الكبرى التي ارتكبها الأستاذ الذي لم يسرق الإمام القرطبي ولم يُعكر مزاجه أحد حتى هذه اللحظة ؟
    لقد ذكرتني هذه الواقعة بأمر آخر حدث منذ سنوات ، حيث صنع وزير سابق للتعليم أسطورة خرافية روّجت لها صحف النظام وعملاؤه . فقد ادعى أن هناك متطرفين في المدارس يُحرّضون التلاميذ أو يمنعونهم من تحية العلم في بدء اليوم الدراسي . وحاولت أن أعثر على ظل من الحقيقة لهذا الأمر فلم أجد ، ولا أظن أن متطرفاً أيا كان يستطيع أن يمنع التلاميذ من تحية علم الوطن ، حتى لو افترضنا وجود حالة شاذة ، فهي استثناء لا يُقاس عليه . ومع أن القوم يُرددون كثيراً أن هناك غزواً وهابياً لمصر ، فإني أروى لهم قصة طريفة تتعلق بأحد أبنائي قبل عقد أو أكثر من الزمان ، فقد كنا عائدين من السعودية ، وفى المدرسة الابتدائية طلبوا من ابني أن يتقدم ليُحيى العلم بوصفه مندوب المدرسة ، فنسي وبدأ يُردد النشيد الوطني للسعودية الذي تعود عليه منذ طفولته :
    سارعي للمجد و العلياء
    مجدي خالق السماء .. حتى وصل إلى المقطع الأخير :
    وارفعي الخفاق أخضر / يحمل النور المسطر / ردّدي الله أكبر / يا موطني عاش الملك للعلم والوطن "
    وضجت المدرسة بالضحك ، حتى الغزو الوهابي كما يُسمونه " يُحيى العلم " .. فمن أين نبتت الأسطورة والخرافة ؟
    اسألوا الوزير الأمني أو الجستابو ، الذي لا يعنيه أمر الوطن ، بقدر ما يعنيه التشهير بالإسلام والمسلمين .
    إن معالجة ضعف الجامعة وتخلفها معروف لجميع من يعنيهم الأمر ، وتتمثل في الارتقاء بالأستاذ الجامعي مادياً ومعنوياً ، وتحقيق الاستقلال الذاتي للجامعة ودعمها بالمعامل والمكتبات والميزانية المحترمة لتمويل البحوث ، وتحريرها من قبضة الاحتلال البوليسي الفاشي ، وتخليصها من أشباه الأساتذة والمدرسين الذين أهدروا كرامة الجامعة وهيبتها بالتصفيق للحزب الحاكم والقوانين الاستثنائية المقيدة للحريات بالإضافة إلى اللصوص الذين يسرقون جهد غيرهم جهاراً نهاراً ولا يجدون في ذلك منكراً أو عيباً ، والذين تحولوا إلى سماسرة للكسب غير المشروع بالوقاحة والبجاحة .. أما محاكمة الأستاذ الجامعي على شاشة تلفزيون الريادة – رحمه الله – بهذه الطريقة الهزلية ، فهو أمر لا يحتاج إلى تعليق ، بقدر ما هو عنوان على فجاجة الدعاية الرسمية وتسطيحها للوعي ، وتغييبها للعقل . ولله الأمر من قبل ومن بعد !
    ................................
    *المصريون ـ في 30/10/2007م.

    </i>

  3. #13
    أخطر من جلد الصحفيين !

    بقلم:أ.د. حلمي محمد القاعود
    ....................................

    آثرت الانتظار حتى ينجلى غبار ما سمّى فتوى جلد الصحفيين التى أثارت جدلاً كبيراً وخلطاً أكبر ، واستغلها بعض خصوم الإسلام للتنديد بما يُسمى " الدولة الدينية " التى يُؤيدها النظام الحاكم ويُشجعها !
    وهو أمر لو تعلمون عجيب . فما كان النظام الحاكم يوماً موالياً للإسلام وتشريعاته ، وما كان الإسلام يوماً منشئاً لدولة دينية فيها كهنوت وغفران وحرمان .
    ويجب أن نعلم أن المسلم يجب أن يؤمن بما نزل به الوحى إيماناً مطلقاً ، حتى لو أزعج الغزاة الصليبيين الاستعمارين أو الغزاة النازيين اليهود . وحين يقرر الحق سبحانه وتعالى أن حدّ قذف المحصنات المؤمنات الغافلات ثمانيين جلدة ، فيجب أن نقول : سمعنا واطعنا . ولا نقول : " إنها دولة دينية " تُعيدنا إلى القرون الوسطى المظلمة فى أوربا . فالمرأة المحصنة البريئة يجب أن تظل سمعتها فوق التشويه والتجريح والادعاء الباطل ، والحدّ لردع من تُسوّل له نفسه العدوان على الأبرياء .
    والخطأ في الفتوى المذكورة هو قياس حدّ القذف على الصحافة والفكر ، واستغلاله لتصفية حسابات سياسية أو تنافسية ، وهو من التأويل الباطل الذى يدخل تحت مسمى " التدليس " حيث يُجيز للسلطة أن تأخذ بتلابيب أصحاب القلم الحرّ ، لإسكاتهم وقطع ألسنتهم ، وترك الفساد يخرج لسانه للشعب المظلوم فى وقاحة غير مسبوقة .
    ويبدو أن فريقاً من خصوم الإسلام ، وجدوها فرصة مناسبة للتركيز على مسألة جلد الصحفيين ، وهم الذين سبقوا أن وصفوا من تحدث عنه أو أشار إليه ، بالشيخ المستنير ، لأنه أباح ربا البنوك ، واستقبل الغزاة فى رحاب الجامع العريق ، وأقر الصهيونى المتوحش على خلع حجاب المسلمات فى فرنسا بقوة القانون .
    ونسى هؤلاء وغيرهم ، أن ما جرى للأزهر المؤسسة والتعليم والمستقبل ، يمثل كارثة من أخطر الكوارث التى تفوق كارثة جلد الصحفيين وأصحاب الفكر . فالمعهد العريق أُصيب بنكسة خطيرة عقب تطويره بالقانون 103 لسنة 1961 ، حيث فرّ منه الطلاب بسبب ضخامة المقررات التى تجمع بين مقررات التعليم العام ومقررات الأزهر السائدة .. وكاد يفرغ من الطلاب تماماً ، مما اضطر بعض المسئولين إلى قبول نفايات الشهادة الإعدادية والشهادة الابتدائية من طلاب أميّين لا يحفظون القرآن الكريم الذى هو أساس التعليم فى المؤسسة العلمية العريقة ، ولا يملكون حداً أدنى من الوعى يؤهلهم للدراسة الحقيقية التى تخرجهم أئمة وخطباء ومعلمين ، وكانت النتيجة على عينك يا تاجر ، حيث صار " الضعف المشين " سمة عامة ، تحكم خريج الأزهر الذى لا يُحسن قراءة ولا نطقاً ولا فهما فى الغالب الأعم ، واشتكى الناس من الواقفين على المنابر والمتقدمين لإمامة الناس ، ومن صاروا معلمين لأبنائهم فى معاهد الأزهر المعمور !
    وعندما أسفرت المؤامرة الصليبية الصهيونية ، وكشفت عن وجهها البشع لتدمير الأزهر تحت مسمّى تغيير الخطاب الدينى ( الإسلامى وحده ) ، تطوّع علماء السلطة وفقهاء الشرطة بتقديم خدماتهم مقابل فتات لا يغنى ولا يسمن ، مثلما فعلوا بالتطوّع لتقديم حيثيات جلد الصحفيين وإسكاتهم وفقاً لقياسهم الخاطئ .
    لقد بدأت الكارثة بتقليص سنوات الدراسة فى الإعدادى والثانوى حتى صارت سنوات الأزهر فى التعليم مثل سنوات التعليم العام ، ثلاث فى الإعدادى وثلاث فى الثانوى .
    وبعد أن كان الطالب الأزهرى يدخل المرحلة الإعدادية حافظاً للقرآن ، اكتفى القوم بحفظ أجزاء منه يمتحن فيها الطلاب امتحاناً صورياً ، وكأنه لم يحفظ ، ويعللون لذلك بأنه سيتم حفظه مع تخرجه إن شاء الله ، ولكن النتيجة على أرض الواقع تقول شيئاً آخر يعرفه كل من له أدنى صلة بطلاب الأزهر ومستواهم التحصيلى .
    ثم تدفقت التنازلات التى قلّصت المناهج والمقررات الأزهرية فى علوم اللغة والشريعة كما وكيفا ، فتم دمج مقررات مع بعضها ، وإلغاء كتب عميقة وإحلال كتب سطحية يؤلفها بعض المشايخ " الموظفين " من أجل مكافآتها السخية . واقترب الأزهر من التعليم العام فى المناهج والمقررات مما جعل التحويل إلى الأزهر ومنه أمراً سهلاً وهيناً لتحقيق غايات الطلاب الفاشلين هنا وهناك .
    فى الوقت ذاته كانت تجرى عملية تضييق واسعة النطاق على مكاتب تحفيظ القرآن ، وحرمان المحفظين من مكافآتهم ، صحيح أنه تعرض كل عام على شاشة التلفزة وبمناسبة ليلة القدر عملية توزيع جوائز ضخمة على الفائزين فى مسابقة حفظ القرآن – وأغلبهم من الدول الإسلامية – ولكن التحفيظ داخل الوطن البائس متروك أمره لأهل الخير فى الغالب ؛ لأن القوم يريدون التوفير فى ميزانية الأزهر المعمور ، وردّ الوفر إلى خزينة الدولة ، والحصول على نسبة منه بحكم القانون ، وهو ما أدى إلى تقليص ميزانية الأزهر بصورة غير مسبوقة ، جعلت بعض الغيورين فى المجلس النيابى يطالبون بزيادتها ، دون أن يدركوا السرّ الذى يحتفظ به بعض طلاب المال !
    ثم كانت الكارثة الأكبر ، وهى إلغاء فقه المذاهب من أجل توزيع كتاب اسمه " الفقه الميسر " يُقدم صورة أولية للفقه الذى يفترض أن يدرسه متخصصون . وبالتالى فإن صاحبه يحصل على مكافأة ضخمة بعد أن يُلقى بفقه المالكية والشافعية والحنفية والحنابلة فى عالم النسيان ، ويخرج بعض " المطيباتية " من فقهاء النظام ليقولوا : من يُريد الاطلاع على فقه المذاهب فليرجع إلى كتبها !!
    إذاً ما الفرق بين الأزهر والتعليم العام ؟ بين التخصص والدراسة العامة ؟
    القوم لا يعنيهم ذلك ، ربما يعنيهم دون أن ندرى ، ولكن الأمر فى كل الأحوال ، يُهيئ لما قيل من قبل عن اعتزام السلطة إلغاء الأزهر وضمه إلى وزارة التربية والتعليم ، حتى لا يكون هناك تعليم إسلامى من الأساس ، وتتكرر التجربة التونسية التى نفذها الشيوعى السابق المتأمرك الحالى المدعو " العفيف الأخضر " حين كان وزيراً للتعليم العالى التونسى ، وألغى جامعة الزيتونة العريقة التى كانت معنية بدراسة العلوم الشرعية واللغة العربية ؛ إرضاء للسادة الذين يُزعجهم الإسلام ويعملون على اسئصاله بكل الوسائل والسبل .
    الجريمة الأخطر وهى تدمير الأزهر التاريخ والمستقبل وحصن الإسلام ، لا يلتفت إليها السادة المنزعجون من الدعوة إلى جلد الصحفيين ، ولكنهم لو فقهوا لعرفوا أن جلد الصحفيين مجرد عرض لمرض سيفتك بالأمة كلها وليس بالصحفيين وحدهم . والله غالب على أمره .
    ................................
    *المصريون ـ في 6/11/2007م.


    </i>

  4. #14
    التغيير الديموغرافي فى مصر !

    بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود
    ......................................

    هذا التعبير استخدمه رجل أعمال طائفي متعصّب في التدليل على تديّن الشعب المصري ، وميله إلى الحجاب والالتزام .. وربما كان يقصد بالتغيير الديموغرافي تزايد الأغلبية الإسلامية في العدد .. وقد نقل عنه أنه سيبث قناتين فضائيتين بجوار قناة قائمة تبث حالياً ، وذلك لمواجهة الحجاب والتديّن ، ومع أنه نفى أنه سيحارب الحجاب أو يضيق به لأنه حرية شخصية ، فقد أعرب عن قلقه من تغيّر الواقع في مصر ، والاتجاه نحو الفرز الطائفي ، سواء في ملابس النساء ، أو المدارس ..
    لم تكن هذه أول مرّة يتحدث فيها الرجل الطائفي المتعصب عن المظاهر الإسلامية التي تؤرقه ، فقد وقف موقفاً غير مفهوم من المادة الثانية في الدستور ، وطالب – مع العلمانيين والشيوعيين ومثقفي الحظيرة وكتاب البلاط – بحذفها في التعديلات الدستورية ، على أساس أن مصر دولة علمانية ، ويجب الفصل فيها بين الدين والدولة .
    ثم إنه لم يكتف بذلك بل استغل المناقشات الجارية حول برنامج الحزب الذي يتصور الإخوان المسلمون أنه يمكن تشكيله والاعتراف به ؛ فقال : إننا لا ننتظر من الإخوان أن يسمحوا لنا بترشيح " قبطي " لرئاسة مصر .
    وواضح أن الرجل الذي يدعى أنه يفهم في المواطنة جيداً ، يتكئ على قوة راسخة تجعله يجرح مشاعر الأغلبية الساحقة الكاسحة ولا يُبالى بمواضعات المجتمع ، ويُخرج لسانه لأكثر من 96% من الشعب المصري متحديا ومتعجرفا .. فهو يملك الآن أكثر من عشرة مليارات دولار ، مما يجعله واحداً من أغنى أغنياء العالم ، ويحظى بدعم الدولة الكبرى في المعمورة ؛ التي سمحت له أن يذهب إلى العراق ويستثمر فيها تحت القصف والتفجيرات وفوق أنهار الدم والرماد ، ثم إنه ينتمي إلى الطائفة التي تشعر أنها فوق الأغلبية ، وأن لها أنيابا وأسنانا ، وأنها صاحبة البلد ، ونأمل ألا يزاحمها اليهود في هذا الادعاء بأنهم أسبق وأنهم أحق بملكية هذا البلد التعيس البائس !
    السيّد المتعصّب ، يمنّ على الناس بأن موظفيه أغلبيتهم من المسلمين أو كلهم من المسلمين ، وهذا أمر حسن ، والأحسن منه أن أكثر من سبعين مليوناً من المسلمين في هذا البلد موضع اسثتمار وربح وكسب بالمليارات لشركاته ومؤسساته ، وأنهم لو توقفوا عن التعامل معه وقاطعوا بضاعته ( الهوائية ) لما وجد مليماً واحداً يدخل جيبه أو يضاف إلى رصيده في البنوك المحلية أو الأجنبية .. ثم إنه يعلم أن شركاته الكبرى تعتمد على البنوك المصرية التي تموّله بالمليارات وأصحابها كما يعرف مسلمون من الذين يلبسون الجلاليب والسراويل الطويلة والشادور الإيراني أو الأفغانى الذي غيّر الديموغرافية السكانية فى بلده !
    كنت أتمنى من السيد المتعصب أن يراجع طائفته ، ويقنع الغلاة فيها ، بأن التمسك بأهداب العدوّ الصليبي الاستعماري المتوحش ممثلاً في الولايات المتحدة وأوروبا لن يُفيدهم ولن يحميهم ، وسبق لأمثالهم أن تمسكوا بأهداب السفاح الفرنسي " نابليون بونابرت " وحاربوا معه بقيادة الخائن " يعقوب " الذي كرنك في الرويعى – كما يقول جدنا الجبرتى – وأطلق البارود على أهل المحروسة منحازاً إلى الغزاة الفرنسيين المتوحشين . وكانت نهايته عبرة لمن يعتبر .
    وكنت أتمنى من السيد المتعصب أن يفقه أن فرنسا العلمانية مثلا أو حتى اليونان ترفض أن يكون رئيسها من غير المذهب الكاثوليكي أو الأرثوذكسي الذي يعدّ المذهب الرسمي في البلاد ، فما بالك لو كان مسلماً ، علما أن عدد المسلمين في فرنسا يفوق عدد طائفته في مصر .
    ثم وهو اللبيب الذكي يعلم علم اليقين ، أن الإخوان لو صنعوا " عجين الفلاحة " فلن يسمح لهم بقيام حزب ، لأسباب محلية وخارجية ، ويعرفها أدنى من له علاقة بحركة السياسة فى البلد البائس التعيس 1
    إن السلطة تسمح بحزب يعمل فى وضح النهار داخل الكنيسة ، وبرعاية المسئول عنها ، ويتدخل فى سياسة الدولة " عمال على بطال " ، يسانده حزب فى الخارج يقول فى السلطة ما قاله مالك فى الخمر ، ومع ذلك تهدهده السلطة وتتودد إليه ، وتسمح بالوساطة بينه وبينها من خلال بعض الشيوعيين الذين تأمركوا ؛ وتطلبه ليعقد مؤتمراته داخل البلاد ، وليكون هجومه عليها بعيداً عن الدعاية العالمية ، فى الوقت الذى تقبض فيه يومياً أو بصورة شبه يومية على الإسلاميين قبيل الفجر ، وتروّع أهليهم ، وتعبث بأثاثهم وبيوتهم ، وتصادر أموالهم ، وتغلق محلاتهم ومكتباتهم ومؤسساتهم ، وتنزع عنهم وسائل التعبير والنشر التى يمكن أن تسيطر عليها .. فهل يظن السيد المتعصب حقاً أنه يمكن للنظام أن يسمح بقيام حزب للإخوان أو غيرهم من الإسلاميين ، يمارس حريته وحركته مثل حزبى الكنيسة فى الداخل والخارج ؟
    ومن غير الغريب وأمره كذلك ؛ أن تكون القناة التلفزيونية التى يبثها صادمة للأمة جارحة لمشاعرها فيما تذيعه وتنشره على الناس ..
    فهى تعتمد اللهجة العامية دون اللغة العربية الفصحى ، انطلاقا من مقولة طائفية تدعى أن العامية المصرية هى اللغة الهيروغليفية القديمة – لغة أهل البلد الأصليين ، وليس الغزاة من أمثالنا .
    ووصل استخدام العامية المبتذل إلى نشرة الأخبار التى تذاع من حين لآخر تحت عنوان سخيف .
    ثم إنها تذيع أفلاماً صادمة للذوق العام والفطرة الإنسانية ( جنس وعنف ورعب ) مما يأباه المسلمون وغير المسلمين .. ووصل بها الأمر إلى إذاعة أفلام تكتب عليها بالعامية ما معناه أنها " للكبار فقط " ! هل من المقبول فى بلد تؤمن جميع طوائفه بالحياء أن تتحول قناة تلفزيونية – يُفترض أنها عربية – إلى سينما للكبار فقط؟
    ثم وهو الأدهى ، تقدم القناة الطائفية المتعصبة ، أفلاماً تدعو إلى الشذوذ والمثلية ، وتجعل ذلك مسألة عادية لا غرابة فيها ، فهل هذه تجليات العلمانية الطائفية ؟
    ثم وهو الأكثر بشاعة ، الحرص على أن تكون القناة بدءًا من مذيعيها ومذيعاتها وضيوفها – فى معظمهم – متغربة وداعية تغريب ، مع أن الناس يُحبون الانتماء إلى أصولهم الشرقية – وبلاش الإسلامية – وليسوا فى حاجة إلى أن يكونوا غراباً يقلد حمامة !
    لو أن السيد المتعصب فقه حركة المجتمع المصرى المسلم ( وكله مسلمون بالعقيدة أو الثقافة ) لعرف أن احتشام الفتيات مسلمات وغير مسلمات ، وازدياد الداخلين فى سلك الرهبنة ، هو نوع من المقاومة الشعبية لمن يريدون تغيير هوية الأمة ، ويُصرّون أن تكون تابعاً حقيرا ، للمستعمرين الصليبيين المتوحشين ، ولعرف أن هذه المقاومة الشعبية استجابة فطرية لبواعث داخلية نفسية ترفض الاندماج فى الانحلال والسطحية والفجور ..
    أيها السيد: عد إلى رشدك ، ولا تتجاوز خطوطك الاقتصادية إلى اللعب بالنار ، فذلك خير لك وللوطن .. حتى يقضى الله أمراً كان مفعولا .
    ................................
    *المصريون ـ في 3/11/2007م.

    </i>

  5. #15
    جائزة الشجاعة المدنية

    بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود
    .......................................

    ذهب الكاتب المصري الشيوعي ( سابقا ) " على سالم " إلى مقر السفارة الأمريكية في لندن ، وتسلم من السفير يوم الأربعاء 19/11/2008م جائزة الشجاعة المدنية ، وقدرها 50 ألف دولار أمريكي .

    في الوقت ذاته كان الغزاة النازيون اليهود يًحكمون حصارهم بمساعدة بعض العرب المسلمين حول قطاع غزة ، حيث لا يجد أهل القطاع وقوداً ولا كهرباء ، ولا دواء ولا غذاء ، ولا يستطيعون الخروج من المعابر ولا يدخلون ..إنهم ينتظرون الموت الجماعي أو الإبادة الجماعية على يد الغزاة النازيين اليهود !
    كان " على سالم " صاحب أغنية " على الممر " منتشياً بالجائزة ، وسعيداً بمن سلموها له من الأمريكان والصهاينة ، وقال مفاخراً ومباهياً : " إن الجائزة مهمة جداً من الناحية المعنوية ، لأنني سعيد أن الناس ترى ما أفعله " ، وأعرب على سالم عن سعادته بأن هناك أناساً يمكن أن يقدروا عمله ، وقال إن الجائزة التي تمنحها مؤسسة ترين في الولايات المتحدة ، اعتراف بكل دعواته إلى السلام مع الكيان النازي اليهودي الغاصب في فلسطين المحتلة ، ومعارضة من جانبه لما أسماه التطرف الإسلامي ، حيث إن هناك – كما يرى – ارتباطاً بين غياب السلام والتطرف !
    من حق على سالم ، أن يعتقد بالأفكار التي تناسبه حتى لو تناقضت مع مواقف سابقة كانت تبدو أساسية وعضوية ، ومن حقه أن يؤيد الغزاة النازيين اليهود ، وهم يقتلون الشعب الفلسطيني ويسحقونه ويحاصرونه حتى الموت ، ومن حقه أن يؤيد جيش الغزو الصهيوني وهو يطوّر القاعدة العسكرية الصليبية الاستعمارية المتوحشة في فلسطين ، ويهدد الدول العربية والإسلامية بالدمار والخراب والهلاك ، من حق على سالم أن يؤيد ويبارك ما يفعله العدوّ الصهيوني ، والأب الروحي المتوحش في واشنطن وعواصم الغرب ..
    من حقه أن يفعل كل شيء ، ولكن ليس من حقه أن يفرض على الأمة أفكاره ورؤاه التي تقضى بالتفريط في عقيدتها وأرضها وكرامتها ومقدساتها .. ليس من حقه أبدا ، ما معنى معارضته لما يسمى " التطرف الإسلامي " ؟ هل يقصد المقاومة الإسلامية للقتلة الغزاة اليهود ؟ هل يقصد التمسك بالدين الإسلامي مثلما يتمسك بدينهم الغزاة النازيون اليهود ؟ ويمنحون دارسي الدين اليهود امتيازات مادية ومعنوية ؟ إن كان يقصد ذلك فنحن نرفض أفكار على سالم في هذا السياق ونؤكد على أن الأمة الإسلامية مهما تعرّضت للقهر والذل والهوان لن تبيع إسلامها وعقيدتها وأرضها ، وستقبض عليها كما تقبض على الجمر !
    إن على سالم ، السعيد بالخمسين ألف دولار ، يجب أن يتذكر أن الرئيس السادات ذهب إلى القدس المحتلة قبل ثلاثين عاماً أو يزيد ، وخاطب القتلة الغزاة في عقر احتلالهم ، وقدم لهم كل التنازلات الممكنة كي ينزلوا عند إرادة السلام ، ويسلّموا الحقوق التي اغتصبوها إلى أهلها ، ولكنهم رفضوا ، وحوّلوا الأمر إلى مفاوضات تعقبها مفاوضات ، تليها مفاوضات دون جدوى وفى الوقت نفسه ، لا يتورعون عن قتل الشعب الفلسطيني واللبناني والسوري بالطائرات والمدفعية والدبابات والصواريخ ، ويزرعون الضفة والقدس والجولان بالمستوطنات وحواجز التفتيش والإرهاب ، وتشديد الحصار على الشعب الأعزل ، ويتحدثون – يا للفجور – عن الإرهاب والتطرف ، فهل هذا هو السلام يا علىّ ، يا صاحب جائزة الشجاعة المدنية ؟
    ثم ما معنى الشجاعة المدنية .. هل تقابل الشجاعة العسكرية ؟ وهل الشجعان العسكريون الصهاينة والصليبيون يؤسسون للاستسلام والانهزام أمام جبروتهم الاستعماري باسم الشجاعة المدنية ؟
    أليس غريباً يا على أن يكون الشجعان المدنيون الذين يؤسسون للهزيمة وقبولها ورفض المقاومة وتكاليفها ، من اليساريين التقدميين الاشتراكيين ؟ سبقك إليها أهل كوبنهاجن وجمعية السلام ، بل إن غلاة رافضي المقاومة الفلسطينية في منظمة التحرير الفلسطينية هم من اليساريين ( المدعو عبد ربه على سبيل المثال ! ) ، ثم إن الشيوعيين المصريين والعرب كانوا أول من نادي بالتعاطف مع الغزاة النازيين اليهود في فلسطين ، ووصفوا حرب الإنقاذ والنجدة للشعب الفلسطيني التي شاركت فيها الدول العربية بأنها " حرب قذرة " ! وتضامنوا علناً مع حزب " المابام " – العمال - اليهودي بقيادة بن جوريون - ؟! وأخيراً اختزلوا الصراع مع الغزاة النازيين اليهود في " التطبيع " ! لقد نجح " هنري كورييل " في اللعب بالمخ العربي عن طريق اليسار العربي لصالح العدوّ الصهيوني ، وحوّل عداءه من المقاومة للغزو النازي اليهودي ، إلى عداء للإسلام ، وكل ما يمت للإسلام بصلة !
    ومع ذلك – يا علىّ – فهناك شيوعيون محترمون – كانوا ينفقون على التنظيمات الشيوعية من جيوبهم وأملاكهم ، لأنهم كانوا يعتقدون بصحة النظرية الشيوعية ، وأن غايتهم مقاومة الاستعمار والاستبداد ، وللأسف فقد رحل كثير منهم ، أو صمتوا ، أو أصيبوا بخيبة وصدمة في الرفاق الذين صاروا على استعداد لبيع أي شيء من أجل مصالحهم الخاصة ومنافعهم الذاتية ، وانظر حولك في الصحافة والإعلام وحزب السلطة والتنظيم الطليعي !
    تمنيت يا على سالم – يا صاحب "أغنية على الممرّ " ، أن تدين مرّة واحدة ، حصار غزة أو قتل الفلسطينيين في الشوارع والحواجز وغرف نومهم ، أو إقامة المستوطنات أو الهجرة غير المشروعة إلى فلسطين التي يقوم بها اليهود من أنحاء العالم .. ولكنك لم تفعل أبداً ، بل تكررت زياراتك لفلسطين المحتلة ومدنها وكتبت عن الغزاة النازيين معجباً " بتحضرهم " وحياتهم ومعيشتهم ، حتى منحوك درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة بن جوريون عام 2005م !
    لاشك أنهم مدينون لك يا على بأكثر من جائزة قيمتها خمسون ألف دولار ، فأنت تستحق أكثر من ذلك ، فقد كنت شجاعاً في قبول الهزيمة ، ورفض المقاومة والموافقة على تسليم المقدسات ! مثلك كثير .. ولكن المقاومين أكثر ، وأحباب الإسلام بلا عدد ، وتلك الأيام نداولها بين الناس !
    .........................................
    *المصريون ـ في 25/11/2008م.

  6. #16
    نجيب الكيلاني أول روائي إسلامي

    بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود

    يُعدُّ نجيب الكيلاني (1931-1995م) الروائي الإسلامي الأوَّل في اللغة العربية، حيث قدَّم للمكتبة العربية عدداً كبيراً من الروايات والقصص القصيرة، وهي غالباً محمومة بالتصوُّر الإسلامي وصادرة عنه، ومن خلال هذا الإنتاج القصصي الغزير استطاع أن يقدِّم النموذج الإسلامي في الرواية والقصة.
    وقد مرّ إنتاجه الأدبي الروائي بمراحل ومستويات عدة، يمكن أن نضعها في أربعة إطارات:
    ويمثِّل الرّواية الرومانسية، ويضم العديد من رواياته، وقد عبّر من خلالها عن هموم النَّاس والعلل الاجتماعية المتفشية بينهم، مثل الفقر والجهل والأمراض المتوطنة والسلبية والتخلف، ومزج ذلك بالعواطف المشبوبة والخيالات الحالمة والآمال المجنِّحة، ويمكن أن نرى أمثلة على ذلك من رواياته: الطريق الطويل، الربيع العاصف، الذين يحترقون، في الظلام، عذراء القرية، حمامة سلام، طلائع الفجر، ابتسامة في قلب الشيطان، ليل العبيد، حكاية جاد الله..
    ويمثِّل الرواية التاريخية، التي تستلهم السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي بصفة عامة، وقد استدعى التاريخ واستلهمه ليقدِّم النماذج الإنسانية المشرفة من حضارتنا، ويرصد جهاد الآباء في شتى جوانب الحياة، دفاعاً عن الدّين وسعياً لتأسيس مجد غير مسبوق، وفي بعض الأحيان كان يستدعي التاريخ ليعالج من خلاله قضايا راهنة أصابت الأمَّة بالإحباط واليأس، ويوقظ به الأمل في نفوس الأجيال الجديدة عن طريق إحياء الهمَّة وبعث العزيمة والإصرار، وفي كل الأحوال فإنَّ استلهام التاريخ في الرّواية عند "نجيب الكيلاني"، كان إبرازاً لمعطيات الإسلام العظمية، وإمكاناته الهائلة في تحويل الإنسان المسلم إلى صانع حضارة وباني مجدٍ وجندي ظافر في معاركه ضد الشرّ والتوحُّش، ويمكن أن نجد عدداً كبيراً من رواياته التي عبَّرت عن ذلك، مثل: نور الله، قاتل حمزة، أرض الأنبياء، دم لفطير صهيون، مواكب الأحرار (أو نابليون في الأزهر)، اليوم الموعود، النداء الخالد، أرض الأشواق، رأس الشيطان، عمر يظهر في القدس.
    ويمثِّل الرواية التي يمكن أن نسميها بالرواية الاستشرافية التي عبَّر فيها عن هموم المسلمين خارج حدود العالم العربي (دول آسيا الوسطى التي كانت أو ما زالت تحت الستار الحديدي الشيوعي من الاتحاد السوفييتي والصين-إثيوبيا- إندونيسيا-نيجيريا)، واستطاع أن يكشف للعالم مأساة داميةً أصابت ملايين المسلمين المنسيين الذين لا يتحدَّث عنهم أحد إلاَّ نادراً، ولا يعرف عنهم المسلمون في العالم العربي إلاَّ القليل، وفي الوقت ذاته توقَّع انتصارهم وتحرّرهم، وهو ما حدث بالفعل في أكثر من مكان وبخاصة في الدول الإسلامية التي استقلَّت أو تحاول الاستقلال بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وتعدّ رواياته: ليالي تركستان، الظل الأسود، عذراء جاكرتا، عمالقة الشمال، من أشهر رواياته في هذا الإطار.
    ويمثِّل الرواية عند نجيب الكيلاني في المرحلة الراهنة، وهي التي نُطلق عليها الواقعية الإسلامية، ويعبِّر فيها عن القضايا الاجتماعية التي تهمّ جموع المستضعفين في الوطن، ويبرز فيها ما يلقاه النَّاس من ظلمٍ وقهرٍ واضطهاد، ويتخذ من تفاصيل الحياة اليومية والاجتماعية عناصر أساسية يرتكز عليها في بناء هذه الروايات، وأيضاً فإنَّه يطرح عبر سطورها رؤية الجيل الجديد للأحداث، وموقفه من قضايا الحرية والعدل والأمن والرخاء والمستقبل، وتُعدُّ روايات الأربع أو رباعيته التي أنتجها على مدى عامين تقريباً، ونشرت على مدى شهورٍ متقاربة ـ وهي: اعترافات عبدالمتجلي، امرأة عبدالمتجلي، قضية أبو الفتوح الشرقاوي، ملكة العنب ـ من أفضل النماذج وأبرزها في الدلالة على هذا الإطار، وهي موضوع دراستنا.
    والواقعية الإسلامية تختلف بالضرورة عن الواقعية الأوروبية (الانتقادية والطبيعية)، والواقعية الاشتراكية (الماركسية)، وإن كانت هنالك أسس موضوعية وفنية قد تجمع بينها جميعاً..
    فالواقعية الأوروبية واقعية نقدية تعنى بوصف التجربة كما هي، حتى لو كانت تدعو إلى تشاؤم عميق لا أمل فيه، في حين تحتّم الواقعية الإسلامية أن يثبت الكاتب في تصويره للشرّ دواعي الأمل في التخلُّص منه فتحاً لمنافذ التفاؤل حتى في أحلك المواقف، ولو أدَّى إلى تحريف الموقف بعض الشيء.
    أمَّا الواقعية الإسلامية، فإنَّها ـ مع انتقادها للواقع ـ تنطلق في انتقادها من التصوُّر الإسلامي الذي يكون دائماً منصفاً، فلا يبالغ ولا يهوّل، أيضاً لا يتحامل بسبب المغايرة في الانتماء، ولا يحبِّذ الصراع بين الطبقات كما يبتغي الواقعيون الاشتراكيون، فضلاً عن أنَّ الأمل في الواقعية الإسلامية، هو أمل إيماني يقوم على أساس نُصرة الحقِّ في كل الأحوال، حياة وموتاً. إنَّها باختصار ترفض التشاؤم كما ترفض التفاؤل الذي يقوم على الخداع أو التزييف، ثم إنَّها تستقي مادتها من الحياة الاجتماعية، ومشكلات العصر على إطلاقها، وتختار شخوصها من عامة المجتمع وجميع طبقاته؛ لأنَّها تعتقد بأنَّ الخيرَ والشرَّ ليسا قاصرين على طبقة بعينها، ولكنَّهما موجودان في النفس البشرية، ايّاً كانت طبقتها أو انتماؤها الطبقي، وأنَّ الإنسان يمكن أن يكون خيِّراً أو شرّيراً ِوفقاً لاختياره، وعوامل أخرى مؤثِّرة في هذا الاختيار من قبيل التربية والتوجيه والقدوة والظروف المحيطة...إلخ، لذا؛ فإنَّ الطبقة ليست هي العنصر الحاسم في الصراع بين الخير والشرِّ، وإنَّما الإرادة الفردية ومكوناتها.. وهو ما يتسق مع التصوُّر الإسلامي:}فَألهمها فُجُورها وتقواها*قد أفلحَ مَنْ زَكَّاها*وقد خَاْبَ مَنْ دَسّاهَا{[سورة الشمس: 9،8].
    وإذا كانت الواقعية الانتقادية والواقعية الاشتراكية توجهان سهام نقدهما للطبقة الوسطى (البرجوازية) لأنَّها ظلمت الطبقة الدُّنيا، وأنزلت بها أسوأ أنواع القهر والغبن، عندما وصلت إلى السلطة، فإنَّ الواقعية الإسلامية، ومن خلال روايات نجيب الكيلاني، تنتقد الفئة الظالمة والأفراد الظالمين أيّاً كان انتماؤهم، إلى الطبقة العليا أو الطبقة الوسطى أو الطبقة الدُّنيا، على السواء، فهناك من يوجّه إليهم الانتقاد ممَّن يُعدّون في الطبقة العليا أو الطبقة الوسطى (الحكام-الضباط-رجال الأعمال)، وهناك من يوجِّه إليهم الانتقاد من الطبقة الدُّنيا (العمال، الفلاحين، صغار التجار)، وهكذا فالشرُّ موجود في كل الطبقات، والخير أيضاً.
    والواقعية الإسلامية من هذا المنطلق تمثل الصياغة الفكرية والتطبيقية لمفهوم الأدب الإسلامي، في صورته المقبولة والمؤثِّرة في مجال الرواية والقصة على وجه الخصوص، حيث تحقِّق الغاية الخلقية والفنية لعملية الإبداع الأدبي، وإذا كانت بعض التيارات الأدبية تعارض أن يكون للأدب غاية خلقية، فإنَّ الواقعية الإسلامية لا يمكنها أن تتخلّى عن هذه الغاية التي ألحّ عليها كثيرون في الماضي والحاضر. لقد أكدّ "أوسكار وايلد" على الرسالة الخلقية للفنِّ بالمعنى الواسع، وتعني هذه الرسالة لديه: مساعدتنا على فهم الحياة، وقد آمن بهذه الرسالة أفلاطون وأرسطو من قبل، ثم مونتاني وموليير من الفرنسيين، وبن جونسون ودكتور جونسون من الإنجليز.
    إنَّ التعبير عن هموم المظلومين والمقهورين والمستضعفين من عامة النَّاس يمثِّل لبّ الرسالة الخلقية للواقعية الإسلامية، وهو ما ألحَّ عليه كثيراً أدب نجيب الكيلاني بعامة، ورواياته بخاصة، فالطبقة الدُّنيا المظلومة المقهورة المستضعفة، حاضرة في رواياته حضوراً مستمراً دائماً، ونماذج المظلومين والمقهورين والمستضعفين تملأ صفحات كثيرة في أدبه، إلى جانب الاهتمام أيضاً بالنماذج العادلة والقوية والظافرة وفق المفهوم الإسلامي. وهذا الاهتمام بقضايا المجتمع من خلال هذه النماذج أو تلك يأتي استجابة لتوجيه إسلامي كي نهتم بأمور المسلمين اليومية والاجتماعية.
    ولعل اهتمام نجيب الكيلاني بحياة الفلاحين في القرية المصرية وما يجري لهم، وأيضاً تعبيره عن بسطاء المدينة وما يعانونه، يُمثِّل ملامح استجابته للتوجيه الإسلامي بالاهتمام بأمور المسلمين الذي يترجم عنه في واقعيته الإسلامية ذات الرسالة الخلقية، وإذا أضفنا إلى ذلك تصدِّيه بالانتقاد للفئة المتحكِّمة وفساد رجالها والمحيطين بها، وأيضاً انتقاده لانحراف الأفراد من العامة مع بيان سبب هذا الانحراف، فإن الصورة تكتمل في أذهاننا لأسلوب الأدب الإسلامي ومنهجه في معالجة هموم المجتمع وقضايا الأمَّة ومشكلاتها.
    ومن الجدير بالذكر أنَّ نجيب الكيلاني بذل جهداً تنظيريَّاً مهماً في هذا السياق، للتعريف بمفهوم الأدب الإسلامي وأبعاده، في عديد من الكتب والبحوث المنشورة، أهمها كتابان، أوَّلُهما "الإسلامية والمذاهب الأدبية"، وثانيهما "مدخل إلى الأدب الإسلامي"، وفيهما يوضِّح علاقة الأدب بالدين، ومفهوم الالتزام الإسلامي في الأدب، ويقارن بين المذاهب الأدبية السائدة، ويعرض لمناقشة بعض القضايا التي تتعلَّق بالأدب الإسلامي وتثير العديد من التساؤلات، سواءً من المؤيِّدين للأدب الإسلامي أو المعارضين، مع إشارة لبعض الأدباء الإسلاميين في العصر الحديث أمثال: أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، ومصطفى صادق الرافعي، وأحمد محرَّم، وتقديم نماذج معقولة للأدب الإسلامي. كما ركَّز على الدعوة إلى الاهتمام باللغة العربية الفصحى في الكتابة والتعبير بوصفها البيان الأدبي الأرقى للأسلوب.
    إنَّ كفاح نجيب الكيلاني لتقديم الرواية أو القصة الإسلامية، يمثِّل انعطافة كبيرة في مسيرة الأدب الإسلامي، ليس في مواجهة أعدائه فحسب، بل في مواجهة بعض ضيقي الأفق الذين يرون في الأدب عموماً ترفاً يجب أن يترفَّع عنه المسلمون، وما علموا أنَّ العلاقة بين الأدب والدين علاقة حميمة، أو كما صوَّرها (هنري برجسون) بأنَّها علاقة نسب، عندما قال: إنَّ الفنَّ ابن الدين. ونسوا أو تناسوا أنَّ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم كان يستجيد الشعر ويستنشده، وكان يحثُّ حسّاناً على استخدام شعره في معركته ضد المشركين، وأنَّ عمر بن الخطَّاب رضى الله عنه يُعدّ أوَّل ذواقةٍ للشعر وناقدٍ له من الخلفاء الراشدين.
    ومهما يكن من أمر، فإنَّ دخول نجيب الكيلاني إلى مجال الواقعية الإسلامية في الرواية، يعد نقلة أكثر تطوراً وعمقاً؛ لأنَّه يواجه المجتمع بمشكلاته المزمنة والمؤرِّقة مواجهة جادة ملتزمة، مع ما قد تجرُّه عليه هذه المواجهة من متاعب شخصية واجتماعية تعوّدها منذ مطلع شبابه.
    ثمة ملمحٌ أخيرٌ تختلف فيه الواقعية الإسلامية عن الواقعية الانتقادية والواقعية الاشتراكية، وهو الناحية الأسلوبية، فالواقعيون - بعامة- لا يحبون المبالغة في العناية بالأسلوب؛ لأنه وسيلة لا غاية، والأهمية كلها للمنطق، وللطريقة التي تسود بترتيب الأحداث والتعبير عنها.
    والواقعية الإسلامية ـ فيما أتصوَّرـ تحرص على الأسلوب وتعنى به؛ لأنَّه يمثل ـ بطريقة ما ـ عناية باللغة وارتقاء بها وسموّاً ببيانها، وهو ما يعني في حقيقة الأمر الحرص على قيمة جمالية كبرى من قيم البيان العربي، ولعلَّ التفوُّق الأسلوبي لدى بعض المشاهير، كان سبب شهرتهم في المجال الروائي، سواءً كانوا مخلصين للواقعية الانتقادية أو الواقعية الاشتراكية أو الرومانسية أو غيرها، بدءاً من مصطفى لطفي المنفلوطي حتى نجيب محفوظ، مروراً بآخرين من أمثال علي الجارم، محمد فريد أبو حديد، محمد سعيد العريان، محمد عبدالحليم عبدالله، عبدالحميد جودة السحَّار، فتحي غانم...
    وقد اهتم نجيب الكيلاني بأسلوبه الروائي، الذي تحدَّثنا عنه في موضع آخر، اهتماماً كبيراً، ولعلَّ ذلك يرجع إلى كونه شاعراً أيضاً، يملك القدرة على الأداء اللغوي الجيِّد، كما يملك معجماً غزيراً يتيح له فرصة للتعبير الدقيق والمتسامي عن مختلف المشاعر والأحاسيس، والصور والمشاهد.
    يبقى بعدئذ، أن نشير إلى أنَّ الواقعية الإسلامية عند نجيب الكيلاني، تظلُّ وفيّة للقضايا الإنسانية الكبرى التي تعني الإنسان المسلم في حاضره ومستقبله، وتترفع في الوقت ذاته عن القضايا المبتذلة والرخيصة التي تتسافل به أو تهبط به إلى درك الحيوانية حيث تبحث عن الإشباع الغريزي وحسب.

  7. #17
    «لويس عوض: الأسطورة والحقيقة»
    للدكتور حلمي محمد القاعود

    بقلم: أ.د. حسين علي محمد
    .....................................

    «كان قدري أن أسبح ضد التيار في معظم ما أكتب إن لم يكن فيه كله، مع ما في هذه السباحة من متاعب ومصاعب، وأن أدخل إلى مناطق ملغومة، مليئة بالأشواك التي تُدمي وتجرح. وكان هدفي في النهاية هو كشف الحقيقة وتقديمها للناس دون من ولا أذى محتسباً ما ألقى عند الله».
    بهذه الفقرة يقدم الدكتور حلمي محمد القاعود كتابه الجديد: "لويس عوض: الأسطورة والحقيقة" للقارئ في ثلاثمائة وثماني عشرة صفحة من القطع المتوسط، والذي صدر مؤخرا عن دار الاعتصام بالقاهرة.
    إن الاقتراب من عالم لويس عوض مغامرة محفوفة بالمخاطر والمحاذير، فالرجل رغم رحيله منذ خمسة أعوام مازال يُمارس سيطرته القاهرة؛ فتلامذته وأتباعه من العلمانيين والمراكسة يُسيطرون على وسائل الإعلام، ويمثلون مركز قوة خطيراً، كما كان الراحل يمثل منذ ثلاثين عاما، حينما كان المستشار الثقافي لأكبر جريدة في الشرف الأوسط، ألا وهي جريدة "الأهرام".
    لكن الدكتور حلمي محمد القاعود توكّل على الله، واقتحم وكر الأفاعي، وأمسك رأس الأفعى! فهل يتركونه؟!
    ليس بعيداً عن الذاكرة ما جرى للعلامة محمود محمد شاكر حينما أراد أن يتصدّى لجهالات لويس عوض التي كان ينشرها في الناس، فكتب أكثر من عشر مقالات في "الرسالة" (الإصدار الثاني في عامي 1964و1965م)، جمعها شاكر بعد ذلك في كتابه القيم "أباطيل وأسمار".
    لقد أراد شاكر التصدِّي لجهالات لويس عوض، فكتب مقالات بدأها بعنوان "ليس حسناً"، وفي الأسابيع التالية "بل قبيحا"، "بل شنيعا"، فكان جزاؤه السجن وإغلاق مجلتي "الرسالة" و"الثقافة" (1965م).
    يقع الكتاب في ثلاثة أبواب:
    الباب الأول بعنوان "السير والسلوك"، ويقع في ثلاثة فصول، في الفصل الأول يتناول المؤلف نشأة لويس عوض، ومفتاح شخصيته، وعلاقته بالآخر، وفي الفصل الثاني "المكونات والمرجعية، والفصل الثالث الحضور الثقافي والأدبي (ص ص21-97).
    والباب الثاني بعنوان "الوصف والإنشاء"، ويتناول المؤلف فيه مؤلفات لويس عوض من خلال فصلين: الفصل الأول بعنوان "الوصف" ويتناول فيه جهود لويس عوض في النقد، والأدب المقارن، واللغة، والترجمة. والفصل الثاني بعنوان "الإنشاء"، ويدرس فيه رواية "العنقاء" وديوان "بلوتولاند" ومسرحية "الراهب" (ص ص99-188).
    والباب الأخير (الثالث) بعنوان "الرؤية والفكر"، وفيه ثلاثة فصول، هي: السلطة والسياسة، والتشويه والتجميل، والإسلام والعروبة ( ص193-182).
    ثم تأتي الملاحق وفيها خطاب من رمسيس عوض ضد غالي شكري، وملخص أخطاء لويس عوض (صفحة من كتاب العلامة محمود محمد شاكر "أباطيل وأسمار")، ومقالة لعبده بدوي، وأخرى لمحمد جلال كشك، ويتلو ذلك ثبت الأعلام، فالمصادر والمراجع، فالفهرس التفصيلي.
    إن هذا الكتاب يكشف القناع عن ناقد ذاع صيته، بينما إمكاناته متواضعة، جد متواضعة، ويكفي ما قاله عنه العلامة محمود محمد شاكر: "إن إحساس لويس عوض باللغة ضعيف جدا، وأجنبي جدا، ومع ذلك فهو يعمد إلى النصوص الأدبية في لغة العرب، فيدرسها بمخرقة شنيعة، وبلا حياء".
    لقد كان لويس عوض أكذوبة كبرى في حياتنا انطلت على الكثير، مما جعل ناقداً معروفاً مثل الدكتور جابر عصفور يقول عنه: "إن حياة لويس عوض كانت كلها جهداً متصلا وكفاحاً دائماً لتغيير الواقع الذي ظل يرفض ما فيه من تقاليد جامدة، وظلم اجتماعي، وغياب للحرية" (الأهرام 13/9/1990م).
    ولقد ظلّت هذه الأكذوبة تستشري في حياتنا حتى جاء هذا البحث للدكتور حلمي محمد القاعود ليضع لويس عوض ـ بالدليل والبُرهان ـ في حجمه الحقيقي، بعد أن يتناول جوانب الهالة الأسطورية التي أحاطته، بأسلوب علمي أكاديمي موضوعي، يعتمد على مقولات لويس عوض وكتاباته بالدرجة الأولى، وما كتبه من كتب نقدية وإبداعية، فيُظهر أن كتابات الرجل متهالكة علمية، ويسرق كتابات الآخرين (كما فعل في كتابه عن جمال الدين الأفغاني)، وكتاباته الفنية متواضعة، ولا تصنع منه مبدعاً كبيراً.
    أما كيف أخذ الرجل هذه الهالة، وكيف صار نجماً ذا سطوة على مُخالفيه في الرأي والعقيدة، فهذه تحتاج إلى شرح وإبانة يقوم بها الكتاب خير قيام.
    تحية إلى الدكتور حلمي محمد القاعود وهو يسلك الطريق الصعب، ويقتحم وكر الأفاعي لينشر الحقيقة، ويدحر الأكاذيب.

  8. #18
    «زهرة الصباح»: البحث عن الأمل.. والحلم بالنجاة

    بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود
    ............................................

    1. تمهيد
    يعد محمد جبريل (المولود عام1938) من أغزر الروائيين المعاصرين إنتاجاً، وخاصة فى السنوات الأخيرة، حيث قدّم للمكتبة العربيى عدداً من الروايات والمجموعات القصصية والدراسات الأدبية، منها: "إمام آخر الزمان" 1984، "من أوراق أبى الطيب المتنبى" 1988، "قاضى البهار ينزل البحر" 1989، "قلعة الجبل" 1991، "الخليج" 1993، "إعترافات سيد القرية" و "السحار" و "رحلة إلى السيرة النبوية" و "آبات الستينان" و "زهرة الصباح" 1995، وقد انتهى مؤخراً من كتابه رباعية روائية عن منطقة رأس التين فى الإسكندرية،حيث ولد وعاش طفولته وصباه، ولعلة أراد أن يقابل رباعية الإسكندرية التى كتبها "لورانس داريل" قبل عده عقود من السنين، ولكن من خلال منظورة المصرى العربى الإسلامى الذى يظهر فيه دور مساجد "أبى العباس المرسى" و "البوصيرى" و "ياقوت العرش"، وغيرها من معالم المنطقة وآثارها.
    وقد تخصّص جبريل، فى رواياته الأخيرة تقريباً فى استدعاء التاريخ، ليقدّم من خلاله قضايا معاصرة تصعب معالجتها مباشرة فى بض الأحيان، وخاصّةً ما يتعلق بالقيم الراسخة التى صارت غاية مشتركة تنشدها البشرية عامة، والعرب والمسلمون على وجه الخصوص، مثل الحرية والعدل والمساواة والشورى والكرامة والإنسانية وتوسّل إلى ذلك بالتاريخ الإسلامى والتاريخ الفرعونى والتاريخ الحديث، ثم استفاد فى روايته الجديدة "زهرة الصباح" بمعطيات "ألف ليلة وليلة" والتراث الشعبى الأسطورى فى إطار التاريخ المملوكى بمصر، ليناقش العديد من القضايا الكبرى.
    ولا ريب أن الإطار التاريخى يستدعى مهارة فائقة فى الوعى بلغة الحقبة موضوع المعالجة الروائية، سواء على مستوى المعجم، أو مستوى المفردات الاجتماعية والإنسانية، أو القيم السائدة والعادات والتقاليد التى كان يعيش بها المجتمع آنئذ، ليتحقّق الإحكامُ الروائىّ، أو الصياغة الفنية الجيدة، وقد حقق محمد جبريل كثيراً من هذه المهارة فى روايتيه: "من أورا أبى الطيب المتنبى" و "قلعة الجبل".
    وقد سبق جبريل نجيب محفوظ فى استعاره إطار "ألف ليلة وليلة" وشخوصها فى رواية له تحمل عنوان " ليالى ألف ليلة" ولكنة آثر استخدام لغته العصرية المألوفة التى يكتب بها رواياته، وركز على بعض القضايا من خلال مفاهيمه وبنائه الروائى الخاص، أما "زهرة الصباح" فتدخل فى إطار "ألف ليلة وليلة" بشكله الموروث، وتتقنع به بصورة شبه كاملة، لتنقل القارئ إلى عصر قديم، له نكهته الخاصة، ومذاقه المتميز.
    2. المرأة المتسلحة بالمعرفة
    تعالج رواية "زهرة الصباح" قضايا الصراع بين الحق والباطل، والشجاعة والخوف، والعدل والظلم، والتمرد والقمع، والإصلاح والإفساد، وتحاول أن تقد الدواء الشافى لهذا الصراع الذى يذهب ضحيته كثير من الناس قهراً وغدراً وانتقاماً، ومن خلال الحكاية المشهورة بين شهريار وشهرزاد تتّضح معالم هذا الصراع وأبعاده، سواء ما يتق شهريار وأسلوبه وتفكيره، أو تفكير الناس من خلال شهزاد وأبيها وزهرة الصباح وأبيها، وطوائف الشعب وطبقاته المختلفة.
    "شهريار" مولَعّ بقتل الفتيات اللاتى يتزوجهن بعد ليلة الدُّخول بهنّ، ويقف طابور طويل من الفتيات فى انتظار مصيرهن، من بينهن "زهرة الصباح" ابنه "عبد الملك المتبولى" كاتب سرّ الدولة، ولكن شهرزاد تحكى للملك حكاية متتابة على مدى الليالى الألف، فتغير من طبيعته القاسية، وبتحول إلى الأستقامة والعدل، وما بين قسوة شهريار واستقامته، يعيش الناس بلاءً عظيماً، وقهراً لا حدّ له، ويصاحب ذلك خراب وعنف ودم وجاسوسية ووحشية وفساد وشذوذ وتشهير، وفى ظلّ هذا الوضع تحدث أحياناً بعض محاولات المقاومة والرفض، ولكنها تقابل بوحشيو وانتقام شديدين، حتى ترسخ الخوف فى النفوس، وصار الخوف فى ذاته عنصر قهرٍ داخلى يمارس سطوته على الناس كباراً وصغاراً، حتى شهريار نفسه لحق به الخوف أيضاً، وها هو ذا يقول لشهرزاد: "أيه السعادة" وأنا لا أطمئن إلى الرقاد فى قصرى؟!"، ومع ذلك بقى الحلم بالعدل قائماً فى الصدور والنفوس، وفى الخطب والمواعظ، وظلّ الناس يتساءلون عن الفارس المنقذ الذى يتحدى الخوف ويحقق الأمل الموعود أو المنتظر، وفى الوقت ذاته هناك لجوء إلى الله واستجارة به ليرفع البلاء ويكشف الغمّة، " واجتمع الفقهاء والوجهاء وعامة الناس فى الجامع الأزهر، يتضرعون إلى الله أن يكشف الغمّة، عَلَت دعوات الناس إلى الله بأن يكشف الغمّة.."
    وقد انكشفت الغمة بفضل الله، ثم بفضل شهرزاد تلك الفتاة التى تشير إلى دلالتين أراد الكاتب فيما يبدو أن يوصّلهما إلى القارئ:
    الأولى قيمة الثقافة والعلم والمعرفة فى تغيير الطبيعة البشرية وتحويلها من خانة الشر إلى دائرة الخير الرحيبة، فلولا ثقافة شهرزاد ووعيها العلمى والفكرى وحسن استخدامها للأفكار والقصص التى تحمل هذه الأفكار، ما استطاعت أن تغير شهريار وتحوله من حال إلى حال، وقد حرصت زهرة الصباح، أو حرص أبوها على تلقينها الثقافة والعلوم المتاحة فى ذلك الحين، بالإضافة إلى القصص والحكاات التى جمها من الرواة والكتب، كى تتسلح بها عندما يأتى عليها الدور بعد شهرزاد.
    الدلالة الثانية فى تركيز الرواية على دور المرأة فى التغيير الإيجابى والفعال، ففى الوقت الذى تقع فيه رؤوس الكثير من الرجال عند محاولتهم للتغيير، فأن المرأة تحقق ما يعجز عنه كثير منهم، ولذا تستدعى الرواية عدداً من مشاهير النساء فى التاريخ للتذكير بقدرات المرأة وطاقاتها، مثل "تودد" الجارية التى همت العلماء بعد مناظرتها لهم، و "البدوية" التى آثرت زوجها على أحد الخلفاء، و "صفية" بنت ملك القسطنطينية، و"إبريزة" بنت نلك قيسارية، و "نزهة الزمان" بنت صفية وعمر النعمان، وغيرهنّ، ثم إن شهرزاد نفسها تمثل المرأة التى هزمت شهريار.
    ومع تقدير الرواية لدور المرأة فى التغيير، فإنها لا تُلغى دور المجتمع تُعدّ المرأة جزءاً أساسياً فيه تشارك فى حركته، وتسعى لتحريرة ورفع الظلم عنه، وهو ما نرته عبر سطور الرواية.
    (يتبع)


    </i>

  9. #19
    (القسم الثاني)

    3. "التوازى" مع حكايات "ألف ليلة وليلة".
    يقوم بناء الرواية على فصول تحمل أرقام الليالى الألف، وما بعدها، ليست هذه الأرقام فى تسلسل الليالى الموروثة، وإنما تأخذ أرقام بعض الليالى وتترك بعضها الآخر، بل إنها تبدأ بالليلة الثانية قبل الليلة الأولى، ويشير الكاتب إلى أن ذلك بسبب اعتبارات الحكى، تُرى هل أراد الكاتب أن يزيد من أقتناعنا بالإطار التاريخى الذى يكتب من خلاله؟ أم ماذا؟ فى الحقيقة فإنى لم أر مسوّغاً ضرورياً للتقديم أو التأخير.
    يقوم الراوى فى "زهرة الصباح" بدور مهم جداً، حيث يتولى تقديم الأحداث والأشخاص، ويقطع سردَهُ فى العديد من المواضع أو الفصول حديث الشخصيات نفسها من خلال الاسترجاع أو المونولوج، ولكن الراوى يبدو هو المهيمن الأول على البناء الروائى، والمتحكم فى مسارة بصورةٍ تقيه من الترهل والفضلات الزائدة على الحاجة، ومن هنا رأينا فصولاً تطول، وأخرى تقصر حتى تحتوى على فصل واحد فقط، وثالثة تحمل تضميناً فقط، لقصةٍ شعبية أو موّالٍ أو حدثٍ من الأحداث الروائية.
    وتبدأ الأحداث بالعقدة الروائية فى تشابهٍ واضح م الراية القديمة "ألف ليلة وليلة"، حيث يتم إعدام البنات بالتتابع، كل بنتٍ فى ليلة، حتى تأتى شهرزاد وتوقف عمليات الإعدام انتظاراً للفراغ من قصّ حكاياتها المتداخلة والمتنوعة، "يأتى الصباح بنبأ إعدام فتاة جديدة" ولكن الجديد هنا، أن الناس يتألّمون لأنهم لأنهم يساعدون فيما يحدث ويباركونه.
    هناك أيضاً تشابه آخر فى اعتماد البناء الروائى على الحكايات الداخلية الكثير، تقوم شهرزاد بروايتها، أو يحكى أشخاص أخرون، وتتنوع هذه الحكايات ما بين موروث أسطورى أو شعبى أو من حكايا "ألف ليلة وليلة" نفسها، مع دلالاتٍ معاصرة بالطبع، وبعض هذه الحكايات يتيح فرصة التمدّد الروائى فى أكثر من أتجاه، وخاصة تلك الحكايات الأسطورية التى تعتمد على الحيلة السحرية مثل الاستعانه بالخاتم المسحور.
    يبدو أن البناء الروائى بصفةٍ عامة يحرص على صفة التوازى فى أبعادٍ شتى، وذلك لإبراز المفارقة السلوكية أو الفكرية، فعلى سبيل المثال يتوازى سلوك المتبولى (الحانق على شهريار، بسبب ابنته التى سيأتى عليها الدور فى الإعدام) مع سلوك شهريار نفسه، وخاصّةً بعد أن آلت له الأمور كلّها تقريباً منذ انشغال شهريار بشهرزاد، وعلى سبيل المثال أيضاً، يتوازى الواقع الروائى مع الحكايات التى ترويها شهرزاد، ففى الوقت الذى يشعر شهريار بأن بعض مساعدية ينوى الغدر به تقصّ شهرزاد حكايةً مماثلة هى "الحمّال والبنات" على أن التوازى بالقصص الشعبى من الواقع الروائى يبدو مهيمناً على بناء الرواية، كما يبدو أكثر تأثيراً فى الدلالة، وذلك لارتباطه بالوجدان الشعبى العام، ومن ذلك أيضاً ما تواجهه "زهرة الصباح" عند زواجها السرّى وتَوازيه مع قصة خضرة الشريفة، أسرها وعذابها فى ديار الأعداء، ثم تحريرها على أيدى الدراويش.
    ولا ريب أن هذا التوازى فى البناء الروائى، قد ساعدت علية الحكايات الداخلية الكثيرة، وهو بدوره أسهم فى كسر رتابة السرد، وتخليصة من الترهل، كما أضاف إلية حيوية وتنوعاً ملحوظين، وإنْ تسبّب فى إصابته بتضخّم ملحوظ فى عدد الشخوص أو أسمائها، فقد كثرت أسماء الشخوص كثرةً ملحوظة أدت فى بعض المواقع الروائية، إلى ما يشبه الإرباك للقارئ فى تتبعه للشخوص الرئيسية.
    لقد خضع انسياب الأحداث وحركة الشخوص إلى وعى هندسى حاد، مما أخضعها جميعاً للنهايات التى أرادها الكاتب، وأرادتها "ألف ليلة وليلة" ـ النصّ المستدعى ـ فقد انتصرت شهرزاد على شهريار، الذى تحول من وحش يعشق الانتقام ولا يبالى فى سبيل ذلك، إلى رجل وديع مسالم يعشق العدل، ويغدق على الجميع ويعطف عليهم، وبذا نجت "زهرة الصباح"، وإن كان والدها، قد تحول إلى زاهد يعيش أيامه الأخيرة فى خانقاه شيخو، ويقنع بما يأكل طَلَبَتُها من طعام وخبز وحلوى، وكان يوزع ما يتبقى من طعامه علىهؤلاء الطلاب، وقد أقنعه زوج ابنته بالعودة إلى القصر، ولكنه عاد مذهولاً، فاستحق الشفقة والرثاء والبكاء.
    النهاية المهمّة فى الرواية هى الحلم، الذى يحلم به شهريار لإقامة مجتمع يسودة العدل وألمن والنظام والمساواة،وقد استدعى الكاتب نهايةً موازية لها، وهى اعتراف قبيلة "عَبْس" بأبنها الذى أستعبد طويلاً وهو "عنترة بن شداد"
    على كلّ، فإن النهاية ـ كما صرحت ـ تهدف إلى أن يعود الناس إلى ممارسة حياتهم الطبيعية فى أمنٍ وسلام وطمأنينة، دون خوفٍ أو قهر أو رعب.
    4. بيئة حافلة وزمان متدفق
    تستدعى الرواية بيئةً مكانية وزمانية مطابقةً للمرحلة التاريخية، وهى المرحلة المملوكية فى مصر، وهو بيئة مختلف إلى حد ما للبيئة فى "ألف ليلة وليلة" حيث يتسع فيها المكان والزمان جميعاً.. أما "زهرة الصباح" فقد تحركت على رقعةٍ وادى النيل، ومدينة القاهرة تحديداً، فى أواخر العصر المملوكى، ولهذة المرحلة طابعها وملامحها، فقد شهدت الكثير من الصراعات والأحداث على أكثر من مستوى، وفى الوقت ذاته عَرفت تقاليدَ متنوّعة وطريفة فى شتى المناسبات، ومن ثم يمكن القول، إن البيئة المملوكية فى آواخر زمانها بيئة حافلة وحية، وتتيح للعمل الروائى فرصة العرض الحىّ الشائق الذى يَحُضُّ على المتابعة، ويير لدى المتلقى رغبة الاكتشاف.
    تحفل الرواية بوصف الأماكن والطرقات والمعالم، التى تتميز بها القاهرة، أو مصر فى ذلك الزمان، وما أكثر الحديث عن القصور والبيوت والمساكن والمساجد والدواوين، ديوان الجيش وقاعة الإنشاء، ودار الوزارة وبيت المال والزردخانة، وديوان البريد، ودور كبار الأمراء، والقصر الأبلق، وقاعات البيسرية والدهيشة والبحرة، وألسواق والحدائق وغيرها، وإن كانت القلعة، بأبهائها وحجراتها وطوابقها ومداخلها وحراسها وسكانها، هى المكان الأبرز فى البيئة الروائية المكانية، حيث كان يعيش شهريار، يلفة عالم من الغموض والألغاز والأسرار، وخاصة ما يتعلق بمصير الفتيات اللائى يلقَيْن حتفهنّ، والسجناء والمذنبين الذين يواجهون الإعدام.
    القلعة تبدو سجناً لشهريار، لا يخرج منه إلا نادراً فى المناسبات، ويَرهبه الجميع ولا يقترب مه إلا رجلان: ضائع أو مضيَّع، وتدور معظم الأحداث فى القلعة وما تضمّة من قصور وبيوت، أما بقيها فتجرى فى الشوارع والأسواق والميادين (حيث يجلس الرواة والحكاؤون) والمساجد.. وقد دخلت المقابر إلى المجال عندما تم التضييق على الرواة ومراقبة ما يقولون.
    وتبدو البيئة القاهرية فى ذلك الزمان أقرب إلى البيئة التجارية فى عمومها، وإن كانت تضم أصحاب المهن والحرف المتواضعة، وهذه البيئة هى التى تنبت فيها الشخصيات الإيجابية بحكم أنها ألقرب إلى التأثر بما يقوله شهريار ويسلكه، حيث تنعكس عليها قراراته قبل أن تنعكس على غيرهم، فهى على كل حال تمثل ما يعرف الآن بالطبقة الوسطى التى تُعد عماد المجتمع وأساسه الفعال، ,على جانب ذلك فهى عنصر رئيسى من ناصر الصراع الروائى تدفعة إلى الذروة، وتتحكم فى نهاياته.
    أما الزمن الروائى فى "زهرة الصباح" فيبدو متدفّقاً أفقياً فى تتابع مسلسل، ولكنه يعود إلى الوراء فى أحيان كثيرة ويتجاوز الفترة الزمنية الروائية التى تمتد إلى ما بعد "ألف ليلة وليلة"، وذلك عن طريق الراوى أو الاسترجاع، فالراوى يملك قدرة واسعة على عبور المكان والزمان من خلال الحكايات الشعبية والتاريخية والأسطورية العديدة، فيمكنه مثلاً أن يعود مئات السنين ليتحدث عن الهلالية والزناتى وسيف بن يزن، وعنترة وكليب، وبذا ينفسح الزمان وتتّضح آفاق جديدة، ورؤًى مختلفة تعطى للزمن الحقيقى طماً متميزاً، وتكسر رتابة السرد الروائى، خاصة وأن الحكايات تأتى ـ كما سبق القول ـ لتوازى الأحداث الروائية فى السرد، ولنتأمل مثلاً، مايقوله الروائى فى بداية الليلة الخامسة بعد التسعمئة :
    قال الراوى عن الصحصاح بن جندية، فى سيرة "ذات الهمّة" :
    ـ لو عاش فى عصر عنترة، لجعله من رجاله، ولغدا عنترة بن شداد من غلمانه..
    وقالت زهرة الصباح للجارية نسيم :
    ـ ماذا لو بدَّلتِ اسمك إلى عُنيترة؟
    قالت نسيم:
    ـ وأنى لى أن أصل إلى عُنيترة! لقد قادت أخوتها بعد وفاة أبيها!
    استطردت فى دلال
    ـ أليس "نسيم" أجمل وأرقّ؟
    قال زهرة الصباح:
    ـ لكن عُنيترة صارت ـ بعد إسلامها ـ واحدة من المسلمين الغزاة الأوائل!
    ويقوم الاسترجاع بالعودة إلى تاريخ الشخوص وسيرتهم الذاتية، أو إلقاء الضوء على الأحداث الروائية، كما نرى فى سيرة "عبد الملك المتبولى" وهو يقارن بين ما انتهى إليه من مكانةٍ وجاه عند شهريار، وكيف بدأت حياته منذ زمان بعيد:
    "الرحلة طويلة، منذ أن أنهى حفظ القرآن فى الكتاب، وجلس إلى إمام المغاربة فى عموده بالجامع الأزهر، ثلاث سنوات وأربعة أشهر، أفادته حياة المجاورين، اختلاف المشارب والاتجاهات، والمناطق التى قدموا منها، دلّ على متأمرين فى طائفة البهرة، جعلوا من جامع الأقمر وكراً لنسج مؤامراتهم، بلغ شهريار ما له، فطلب استدعاءه، أدناه منه، وسأله عن اسمه وبلدته وأحواله، خلع عليه، وأمر بإلحاقة فى طباق القلعة"
    ثمة ملمح آخر فى الزمن الروائى فى "زهرة الصباح" هو انتماء اللغة إلى زمن الرواية الأصلى، فى العصر المملوكى، وكثيراً ما نجد معجم هذا العصر حاضراً فى عملية القصّ والوصف، بحيث يتشكل أمامنا العصر القديم بملامحه وأحداثه، ولنتأمل هذه العبارة مثلاً:
    "قضت زهرة الصباح وأمهّا اليوم كلّه عند جدتها فى المغربلين، جرى فى القصر تطويش خمسة من العبيد السود، ليقوموا بحراسة حريم القصر، وخِدْمتهنّ، مع أنّ التطويش كان يجرى فى مداراةٍ داخل السراديب السفليّة،فإنّ عبد الملك المتبولى كان يشدَّ على الأم والابنة فتغادران القصر" .
    و "التطويش" يعنى إخصاء الذكور بما يجعلهم غير قادرين على ممارسة الحياة الجنسية، مما يؤهلهم إلى خدمة النساء فى قصور السادة والحكام دون خوفٍ عليهنّ، وكان التطويش سائداً فى الفترة المملوكية وما بعدها، حتى انتهى بإلغاء الرق فى القرن الماضى تقريباً.
    يمكن القول: إنّ لغة الرواية لغة تاريخيّة أو زمنيّة، تنتمى إلى التاريخ، وإن كتبت بصياغة العصر، وبذا يحقق الكاتب تناغماً ملحوظاً بين الأحداث والبيئة واللغة جميعاً فى إطاؤ تاريخىّ يتحدث عن عصرنا بصورةٍ ما.
    (يتبع)


    </i>

  10. #20

    (القسم الثالث)

    4. ابطال الرواية.. والتغيير.
    تحفل "زهرة الصباح" بكثيرٍ من الأشخاص، لدرجة يصعب معها تحديد الشخصية الرئيسية التى يمكن أن نتوقف عندها، فلا شهريار، ولا شهرزاد، ولا دنيا زاد، ولا عبد الملك المتبولى، ولا ابنته زهرة الصباح، ولا غيرهم، يمكن أن ينفصل فى دورة عن الآخر، وخاصّةً أن بعضَهم الواقعىَّ يقوم بدور موازى لبعضهم التاريخى (أو المستدعى تاريخياً) أيضاً فإنّ أرباب الحرف والمهن والتجار يقومون بدور رئيسى فى أحداث الرواية، وكأن الكاتب جعل منهم شخصية قائمة بذاتها فى مواجهة شهريار، وسكان القلعة، كذلك فإن هنالك نوعية أخرى من الشخصيات مجهولة الأسم والملامح تقوم بدور الرواة الذين يقصّون الحكايات الشعبية على العامة، فى صورة موازية لأحداث الرواية الواقعية، وهؤلاء يمثلون نوعاً من المقاومة يزعج شهريار وأتباعه، لأن قصصهم تشير إلى ما يجرى فى القلعة وتُعلَّق عليه، ولعل الرواية أرادت أن ترمز بهم إلى نوع من المثقفين يختلف عن عبد الملك المتبولى مساعد شهريار، ويملك فى الوقت نفسة القدرة على العمل الإيجابى مهما كان الحصار شديداً والمقاومة دائمة، أمّا من يفتقر إلى الفعل الإيجابى أو الصدق فيما يقول، فإن الناس ينفضون من حوله بل ينقضون عليه، وهو ما حدث عندما خاض الراوى فى حارة الجودرية، فيما لا صلة له بقصص العرب، وحكايات الأيام الغابرة، وأخترع حكايات أخرى تخدم المتبولى وأعوانه.
    ومع ذلك، فإن الكاتب قد أعتنى ببعض الشخصيات على وجه خاص، ورسمها بصورة معينة لتمثل حالةً ما، أو نموذجاً ما، يشارك فى الآداء الروائى المشترك.
    أول هذه الشخصيات بالطبع "شهريار" وقد جعلته الرواية شخصية متحولة، حيّة، نطالع أعماقها، ونقرأ أفكارها، ونشاهد عملية تغيّرها على يد شهرزاد، من إنسان قاسٍ متوحشاً، يجد لذة فى اإنتقام ومتعة فى القتل، إلى شخصية أخرى تسعى إلى العدل وأحترام آدمية الإنسان والحفاظ على كرامتهم.
    وفى البداية تطرح الرواية أسباب شهوة "شهريار" للانتقام وقسوته فى معاملة الناس، فتخبرنا أن الخيانة الزوجية كانت سبب كرهه للمرأة، وانتقامه من النساء، وقتله لكل فتاة بعد أن يدخل بها، ويبدو حين يطلب عروس اليوم التالى إنساناً آخر غير الذى كان أمس، إنّ شهريار يبدو شخصية مزدوجة، وخاصةً حين يجتمع إلى شهرزاد ويستمع إلى قصصها فينسى وحشيته، ويتحول إلى إنسان رقيق، وكأنه لم يأمر بالقتل أبداً! بل أنه إنسان محب للثقافة والمعرفة، ولعل حبه هذا اتضح بعد تأثير شهرزاد عليه، فقد أمر بإعادة تأسيس مكتبة لقصر، وتزويدها بما تحتاجه من الكتب بعد أن عانت طويلاً من الإهمال ونهب الخدم والحراس معظم ما فيها، وخصص المكافآت لمن يزوّد بما فى حوزته من نفائس المخطوطات وكتب القدامى والمحدثين،وعين للمكتبة خُزّاناً وخَدماً وفراشين، ووفر ما يحتاج إليه النساخ والمطالعون من الأقلام والمحابر والورق، وأمر النساخ أن يكتبوا بعض المؤلفات القيمة بماء الذهب، وغير ذلك من مظاهر العناية بالمكتبة ورعاية القراء والاهتمام بالعلماء والأدباء والشعراء..
    تصور الرواية شهرذاد وقد غيرت شهريار حتى زهد فى الدنيا، وندم على ما فرط فى قتل النساء والبنات، وتوبته إلى الله عن ممارسة الظلم، مما حداها على أن تُعلَّ على حديث له بأنّ طبيعته تختلف عما يظهره، ثمَّ تظفر شهرزاد بالعفو والحياه، لأنه رآها عفيفةً نقيّة، ومن أجل أن ترعى أولادها الثلاثة.
    وبدأ شهريار مرحلة تغييرٍ شاملة فى أرجاء الدولة، فغاب الخوف بعد أن غابت اليد الباطشة، وسادت العدالة والمساواة والرحمة لدرجةٍ أدهشت الناس، حيث نظروا فى البداية إلى الأمر بشئ من الريبة، ثم أطمأنوا بتوالى الأحكام الصائبة فى حكمه، وأيقنوا أن الله أذهب ما فى نفسه من مشاعر غاضبة، وشفى صدره.
    لقد حققت الرواية، من خلال تغيُّر شهريار بالثقافة والفكر، صورة الحاكم/ الحلم، والإنسان/ المثال، بدلآً من أت تجعله عرضةً للعقاب على يد المظلومين الذين أوذوا، وصبوا طويلاً على القهر والكيد، وكأنها تطرح حلاً لما يعانيه الناس يتمثل فى تثقيف المسؤول وملء رأسه بالمعرفة حتى يعود إلى جادة الصواب، وإن كان هذا الحل ليس ناجحاً دائماً، فكثيراً من الطغاة كانوا من المثقفين الأذكياء، ولم تمنعهم الثقافة أو الذكاء من التوحّش وقهر العباد.
    أمّا "شهرزاد" فهر رمز المرأة المثقفة الجسور، التى تواجه الخطر بصبر وإيمان، رباها أبوها الوزير "رندان" أحسن تربيّة، وعلّمها وثقّفها، فاستفادت بكل هذا فى ترويض شهريار وتحويله عن الطغيان والقتل، وكشفت عن مشاعره الإنسانية الطيبة، وأحبته، وأنجبت منه، وافتدت أختيها "دنيا زاد" و"زهرة الصباح" وبقية بنات جنسها، ومثلت "الفتاة القدوة" للأخريات وخاصةً "زهرة الصباح" التى راح أبوها يلقنها ما يصل إلى سمعه من معلومات وحكايات حتى تتسلح بها فى مواجهة شهريار حين يأتى الدور عليها.
    لقد تطابقت صورة شهرزاد فى الرواية مع صورة شهرزاد فى "ألف ليلة وليلة" ولكنها هنا تحولت إلى رمز أكبر، بحكم موقعها الصعب المتأزّم الذى يجعلها بين الحياة والموت، يطلع الصباح كل يوم ويتوقع الناس أنها قتلت بيد شهريار، ولكنهم يكتشفون أنها مازالت على قيد الحياة، حتى انتصرت فى النهاية، وكأن الرواية تبشر بانتصار الشعوب وعودة السلام إلى جنباتها، وفى الوقت نفسه تؤكّد على قدرة المرأة المثقّفة فى وقت التدهور والمأساة، "من كان يتصوّر أن الحدّوتة وحدها هى التى أفلحت فى وقف مسلسل الإعدام؟! " .
    وتبدو "زهرة الصباح" فى الرواية ظلاًّ واقعياً لـ "شهرزاد" أو موازياً واقعياً لها، فهى تقتفى خطاها، فى العلم والمعرفة والثقافة، وتعيش محنتها حين تنتظر دورها، بعد أن يقضى شهريار عليها، فتقوم بقصّ الحكايات عليه أملاً فى أن تطيل عمرها بعض الوقت أو تَفْلِت من مصيرها المؤلم، لذا تتحلّى بقدر من الشجاعة وحبّ الحياة فى قلب المحنة، وتوافق على الزواج سرّاً من الشابّ التاجر "سعد الداخلى"، ابن التاجر "الداخلى الملوانى" وهو من التجار المرموقين الذين حققوا أموالاً كثيرة وأقتنوا الدوابّ والأراضى فى الريف، ويحرص دائماً على أن يرعى الله فى كل أعماله والتمسك بأحكام الدين، ويبتعد عن أهل الخلاعة والفسوق، ومن أجل "زهرة الصباح" قَبِلَ أن يكون مجرّدَ خادم فى قصر المتولى والدها، حتى لا يكتشف أمره، وتعيش معه "زهرة الصباح" حياةً يظلَّها الخوفُ وعدم الأمان، وكأنها تحتمى بالزواج ممّا تتوقعه وتراه! بيد أن نجاح شهرزاد فى تغيير شهريار، يحقق لها أمان كما حققه لبنات جنسها وأبناء جنسها جميعاً.
    وكما بدت "زهرة الصباح ظلاً موازياً لشهرزاد، فإنّ عبد الملك المتبولى والدها، يبدو كذلك ظلاً موازياً لشهريار مع الفارق بين الرجلين، فإذا كان شهريار يهوى الزواج بالفتيات ثمّ يقتلهنّ، فإن المتبولى يحب ابنته ويحرص بكل السبل على أن تبقى حيّةً ولا تتعرّض لمصير الأخريات، ويجمع الرجلين، بعدئذ وقبله، التصرف بقسوةٍ ووحشية وقمع العباد، وإن استطاعت شهرزاد أن تغيّرهما بطريقةٍ مباشرة أو غير مباشرة، فينتهى الأول إلى إقامة العدل، ويتحول الثانى إلى زاهد فى الدنيا مذهول كأنه نسى نفسه والناس!
    ومع تضخّم الرواية بالشخصيّات، خاصّةً الجوارى والعبيد والضحايا، فإن هناك بعض الشخصيات الثانوية المهمة، لأنها تقوم بالتوصيل أو التواصل بين الشخصيات الرئيسية، وتلقى الضوء على سلوكها وفكرها، وخاصّةً فى الأماكن المغلقة أو المستعصية على العامّة،وأولها "القلعة" وقصورها وغرفها، ويمكن أن تُعدّ الدلاّلة "حمدونة" أو الجارية "نجوى" من الأمثلة الدالة على ذلك، أيضاً فإن بعض هذه الشخصيات تمثل الآداه الفاعلة أو التى لا بد منها مثل شخصية "مسرور" السيّاف، الذى يتحرّق شوقاً فى كل آن لتنفيذ أوامر سيده بقطع الرؤوس على النطع، وهو هائل القامة، أسود البشرة، يغطّى الشعر الأكرت رأسه إلى الأذنين، وأهم ما يميز سحنته شفتان غليظتان كأنهما منفصلتان عن بقية الوجه، وقد جعلته شهرزاد يقضى شهوراً دون أن يؤدى واجبة اليومى المتمثل فى الإطاحة برأس الفتاة التى تُزف إلى شهريار.
    وتقدّم الرواية نماذج عديدة للضحايا، وإن كانت لم تتوقف أمامهم كثيراً ولعل ذلك يرجع إلى كثرتهم، مثل: "معروف خضر" و "بهاء زينهم" و "عقيل البابلى" و "طاهر العجمى" و "جعفر الوزان" وغيرهم.وواضحّ أن كثرة الشخوص فى الرواية تبير عن طبيعتها التى تعالج قضية عامة تهم جميع الأفراد فى المجتمع، لذا جاء بعضها جاهزاً ومرسوماً من الخارج، باستثناء الشخصيات الرئيسية فى أثناء القراءة من الداخل أو الخارج معاً، كما يتبدّى فى شهريار "شهريار" وظلة الموازى عبد الملك المتولى، وشهرزاد وظلها الموزاى زهرة الصباح.
    5. لغة تاريخية.. فى سياق عصرى :
    تتميز الصياغة لدى محمد جبريل بخصائص مشتركة، تكاد تنسحب على معظم رواياته، فهمو حريص على أن تبدو الجملة الروائية قصيرة وبسيطة قدر الإمكان، كما يحرص على إسقاط أدوات الربط بين الجمل تبعاً لذلك، ولعل هذا يعود إلى تأثره بلغة الصحافة التى تحرص على الإيجاز، ومن علائمه تقصير الجلة من حيث التركيب وإسقاط الرورابط، ولكت لغته فى مجموعها ـ كما قلت فى مناسبة أخرى ـ نقيّة، وبعيدة عن الترهلّ والمفردات الزائدة.
    الجديد، هنا، هو استخدام اللغة التاريخية الملائمة للإطار التاريخى فى الرواية، ولا نعنى باللغة التاريخية أنها لغة قديمة سادت فى هذا الزمان الذى جرت فيه أحداث الرواية، ولكنها تستخدم مفردات المعجم الذى يشير إلى تاريخية اللغة فى سياق عصرىّ، وقد أشرنا إلى فى الفقرة الرابعة، فمفردات العادات والتقاليد والمسميات والتقسيمات الإدارية والوظائف والرتب والألقاب.. الخ، كلها نجدها ائمة فى لغة السرد الروائى، يذكر الكاتب بدقةبل أنه يأتى أحياناً بفقرات مسجوعة على غرار الأسلوب المسجوع الذى كان شائعاً فى ذلك العصر، ولنقرأ، مثلاً الفقرة التاريخية التى تصف "مريم الزنّارية" مع ما فيها من طرافةٍ عصرية أحياناً:
    "كأنها فضّة نقيّة، أو بلطية من فسقيّة، أو غزالة من بريّة، بوجةٍ يُخجل الشمس المضيئة، وعيونٍ بابلية، ونهودٍ عاجية، وأسنان لؤلؤيّة، وبطن خماسية، وأعطاف مطويّة، وسيقان كأطراف ليّة، كاملة الحسن والجمال، ورشيقة القدّ والإعتدال.." .
    بيد أنّ الرواية تحرص على أن تقد ذلك العصر من خلال وصفٍ حرّ ينقلنا إليه وإلى معالمه، تأمّل، مثلاً، وصف مسيرة أحدِ المواكب التى أشتهر بها :
    "سار الموكب من حىّ الطبّالة، على الجسر الطويل بين بركة الرطلى والخليج الناصرى، فى المقدمة حملة المشاعل، ثمّ المئات من فرس الديلم، يرتدون الثياب الموشاة بالقصب، ويحملون الحراب، ثم حملة العصىّ، يتقاذفونها فى الهواء، فراكبوا الجمال، يضربون كؤوساً معدنية، وركب الآلتية ظهور الحمير، يضربون على الطبل، أو يعزفون على آلات النفخ، يتبعهم الصُّحبجيّة وأولاد عبد السلام، بثيابهم الواسعة، الملوّنة المزركشة، يتقدمون ويحيطون بالهودج، الذى جلست "شهرزاد" فى داخله، تنثر عليه خائف الذهب والفضة ".
    والأمر يسير على هذا النحو فى وصف الأماكن والمجالس والقصور، بما يتلاءم مع الصورة التاريخية التى تنبض بالحياة من خلال اللغة الحية أيضاً، فإنّ الحوار ينطبق عليه ما ينطبق على الوصف، وتعبّر اللغة عن دلالاتٍتاريخية خاصةً بذلك العصر، وأنماط السلوك فيه، فضلاً عن الحوار فى البناء الروائى وقيامه بدوره ى عملية الكشف والنفسير والشرح، وربط الحاضر بالماضى، وتوقع الأحداث الآتية، مثلاًُ، أن نقتطف الجزء التالى من الحوار الذى دار بين زهرة الصباح وزوجها سعد الداخلى، حيث كان يتهيّأ للخروج من البيت وهى تبدى إشفاقها عليه:
    ـ أظلّ فى خوف عليك، منذ خروجك من البيت، حتى عودتك إليه!
    تلاعب بأصابعه شأن المتحيّر:
    ـ جعلنى أبوك خادماً فى قصره.. لكننى كذلك أشرف على أعمال أبى.
    فوّتت المعنى:
    ـ وبماذا تقدّم نفسك للمحتسب؟
    وهو ينزع الشارب الأسود من فوق شاربه المائل للاصفرار:
    ـ كما تعلمين.. أغادر القصر متخفيّاً، وأعود إليه متخفيّاً..
    استطرد وهو يتهيأ لاحتضانها:
    ـ أنا عند أبى مشرف على أعماله. أما هنا، فأنى سعيد بأن أكون خادماً لمحبوبتى الجميلة.
    وكما نرى، فإنّ الحوار، مع كفه لطبيعة العلاقة بين الزوجين، وظروف الزوج الذى يتخفى للوصول إلى زوجته، بالإضافة إلى التعريف بطبية عمله، فإنه يشير إلى الوظيفة التاريخية الهامة التى كانت سائدة فى عصر الرواية وهى وظيفة المحتسب، وكانت مهمّته مراقبة الأسواق، والآداب العامة، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، من خلال مساعديه الذين يختارهم من بين المؤهلين لهذه المهمّة.
    وعلى هذا النحو يمضى الحوار فى المواضيع الأخرى حاملاً الدلالة التاريخية، وقائماً بمهمّة الكشف والإيضاح، تؤازره فى ذلك عملية تضمينٍ واسعةُ النطاق تعتمد عليها الرواية، ويتنوع التضمين ـ الذى ينتمى إلى الموروث ـ ما بين موّال، وحكايةٍ شعبية، وأسطورة، وإن كان الموّال أكثرها حضوراً من حيث الإبقاء على صيغته الأصلية.. أما الحكاية أو الأسطورة فقد تتعدّل صياغتها اللغوية لتكون أقرب إلى القارئ المعاصر..
    إنّ الموّال، وهو صورة من صور الزَّجَل، يبدو أقرب إلى روح الشعب ووجدانه، فضلاً عن لهجته الدارجة القريبة من الفصحى، وقد أكثرت الرواية من تضمينه بحكم تسجيلة لأحزان الناس ومعاناتها فى واقعها وحياتها، فاهتمّ به الرُّواة الذين يقصّون الحكايات الشعبية فى المقاهى والميادين والحارات، واستدعته الرواية، ليؤكّد على اللغة التاريخية، ويتوازى مع الأحداث ودلالاتها، لذا نجد بعض فصول الرواية تقتصر على موّالٍ واحد فقط، لتكثف من دلالته، ولتؤكد على الأمل فى النجاة وعبور المحن، ولو بالموت، ففى الليلة الثامنة بعد الثلاثمئة مثلاً، يقول الراوى:
    الـدنـيـا غـازيـّة مـا داِمـتْش للـنّاس ولا لـيـّهْ
    ولا دامِتْش لمصرى ولا للرُّومى اللى نشا سور اسكندريّهْ
    ولا دامتش لسيدنا داود اللى فتل الحديد، ولان لما بقى مَيّهْ
    ولا دامتش لـسيـدنا سليمان اللى طاعـه الإنس والجنيّهْ
    ولا دامـت لسيف اليزل اللى سعى وجـاب كـتاب المِيّهْ
    ولا دامتش لأبو زيـد وديـاب أيـام حـروب الهلاليّةْ
    والموّال هنا هو كلّ الفصل الروائى، واعترض المجال السردى ليؤكد على حقيقة الموت التى تطال الجميع بلا تفرقة ولا تمييز، وكأنّ الرواية بهذا الفصل الموّال، تؤكد مسبقاً على مصير شهريار المحتوم مهمه علا فى الأرض وجعل أهلها شِيَعاً.
    ولا يقتصر التضمين بالموًال على هذا الفصل، ولكنه يتكرّر فى مواضع أخرى تشى بالحزن والألم، ولعلّ أكثرها توفيقاً الليلة الثامنة والثلاثون بعد الثمانمئة، حيث أنشد الراوى موّالاً، منه هذه الأبيات:
    وكـلً سـاعَهْ نقـولْ بكرَهْ حا تتعدّلْ
    ومهما نسعى نـلاقى الـزهر بَـهْدلْنا
    ظـروفنا هيّـه كِـدَهْ حلفتْ ما تتعدّلْ
    مـا دام معاهْ حَـظّ.. أحـوالُه بتتعدّلْ
    وصاحب العقل فى الدنيا عايشْ مظلوم
    والتضمين بالحكاية الشعبية قد يشمل القصة كاملةٍ، مثل حكاية القديس الذى ذبح الوحش وانتصر عليه، كما فى الليلة التاسعة بعد الأربعمئة، أو إشارات تستدعى الشخصية الشعبية مع ملمح من قصتها، كما نرى فى استدعاء عنترة وكليب والهلالية وغيرهم على مدى صفحات الرواية، ممّا يعطى المذاق التاريخى للرواية بعامّةٍ وللغتها على نحوٍ خاصّ.. وإن كان الحصاد فى النهاية عصرياً وقائماً بالقرب منا.
    6. رواية الحلم بالنجاة:
    وبعد..
    فإن "زهرة الصباح" حلقة جديدة من حلقات البحث عن الأمل، والحلم بالنجاة من خلال إقامة العدالة والمساواة والرحمة، ورفض الشرّ والقسوة والانتقام الأعمى، ليعيش الناس فى أمن سلام وطمأنينة.


    </i>

صفحة 2 من 9 الأولىالأولى 1234 ... الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. الفنان أحمد حلمي مصاب بالسرطان
    بواسطة رغد قصاب في المنتدى فرسان الفني
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 12-13-2014, 06:05 AM
  2. كتاب 28 حرف /لـ أحمد حلمي
    بواسطة عبد الرحمن سليمان في المنتدى فرسان المكتبة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 01-15-2013, 08:19 PM
  3. نرحب بالأستاذ/أحمد حلمي
    بواسطة ريمه الخاني في المنتدى فرسان الترحيب
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 04-15-2012, 05:45 AM
  4. قراءة أ.د / حلمي القاعود ، في محموعة قصصية للشاعر الدكتور / عزت سراج
    بواسطة الدكتور/عزت سراج في المنتدى فرسان الأبحاث والدراسات النقدية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 04-05-2010, 03:12 PM
  5. الف مبروك أحمد حلمي...
    بواسطة رغد قصاب في المنتدى فرسان الفني
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 12-12-2009, 11:14 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •