الطيب صالح:من الجنوب الى الشمال
عالــم صغيـــر يتــحول الى حكايــة أمــــةقادني شغفي بالرواية في فترة من الفترات الى قراءة الكثير من الأعمال الروائية العربية لروائيين معروفين منهم نجيب محفوظ، وحنا مينة، والطيب صالح، وحيدر حيدر، وعبد الرحمن منيف، والياس خوري وغيرهم، لكنني اعترف أن القليل من تفاصيل هذه الأعمال بقي عالقاً في ذاكرتي الى الآن، بعد كل هذه السنين التي مضت، باستثناء أعمال قليلة منها روايتا عبد الرحمن منيف خماسية مدن الملح وشرق المتوسط، التي قرأتها أكثر من مرة، وروايتا «موسم الهجرة الى الشمال»، و«بندر شاه مريود» للطيب صالح الروائي السوداني، الذي غادر عالمنا راحلاً منذ أيام، دون أن يغادر بأعماله وجداننا وذاكرتنا، كما ودعنا عبد الرحمن منيف منذ سنوات قليلة.
يفقد الأدب العربي برحيل الطيب صالح واحداً من أهم عمالقة الرواية العربية الذين ساهموا في ايصال الأدب العربي الى العالمية بعد أن ترجمت أعماله الى لغات عالمية عديدة «وترجمت روايته موسم الهجرة الى الشمال» الى ثلاثين لغة.
استطاع الطيب صالح بلغته الفذة وطروحاته الاشكالية الواقعية الهامة أن يطور بيئته السودانية المحلية الصغيرة ويجعل منها عالماً روائياً شاملاً وغنياً بدلالاته ورموزه الانسانية والروحانية السامية.

ففي روايته الأولى «عرس الزين» 1962، يأخذنا الطيب صالح بجاذبية ساحرة الى عالمه السوداني الفطري البسيط، والمسكون بالخرافة والأسطورة والمرح وحب الحياة والتمسك بتلابيبها دون تذمر أو تقهقر، حياة تجري في مستقرها كجريان النيل الأبدي، تفيض مع فيضه وتهدأ مع هدوئه، فلهذا النيل العظيم حكاية مع الطيب صالح لا تغيب عن أجوائه الروائية إلا لتعود.
في هذه الرواية يبدأ صالح حكايته بأسلوبه الاسترجاعي الذي سيشكل ثيمة أساسية في نتاجه الروائي القادم، يبدأ القصة من النهاية مع خبر عرس الزين ليعيدنا الى الحكاية من البداية بلسان الراوي الشاهد على تفاصيلها وحوادثها تارة، وبلسان أبطالها تارة أخرى، فهو يحرص في هذه الرواية على استخدام اللهجة السودانية المحكية في استطرادات حوارية مختارة بعناية عندما يترك لأبطاله مهمة القص بلسانهم عبر ديالوج مباشر يغوص في تفاصيل الحياة السودانية الريفية ومفرداتها اللغوية المحلية العصية على الفهم أحياناً للقارىء، لكنه يستخدمها ليضع قارئه المفترض في صورة الواقع يعايش أحداثه بتماهٍ تام.
بطله في هذه الرواية شخص غير عادي ولد وهو يضحك عكس باقي الأطفال الذين يخرجون من رحم أمهاتهم وهم يبكون، بلغ مبلغ الرجال ولم ينبت الشعر في رأسه ووجهه، لكنه شاب مبروك ينظر الناس الى أفعاله بسخرية ممزوجة بالاحترام والتبجيل، فهو يحمل قلباً محباً لجميع الناس، يعطف على الفقير ويعين المحتاج يشارك الناس أفراحهم وأحزانهم، لا يمر عرس دون أن يكون الزين أول المشاركين فيه يشكل المحور الأساس للرواية بعلاقاته المتشعبة وتواصله مع الناس ليأخذنا الطيب صالح معه في رحلة من الادهاش والتشويق متنقلاً بسلاسة واضحة بين الأزمنة والأشخاص الذين يصورهم بدقة تثير خيال القارىء وتدفعه لتكوين التصور الشكلي لكل شخصية.
حياة الزين بقدر ما هي غريبة نجدها طريفة، يحب كل فتيات البلدة وفي الوقت ذاته يكون أول من يشارك في أعراسهن حتى أصبح محط أنظار الأمهات اللواتي يبحثن عن زواج لبناتهن، فهو بمثابة الدلّال ما أن يحب فتاة حتى يصبح اسمها على كل لسان ويكثر المعجبون بها، لكن فتاة واحدة هي ابنة عمه ابراهيم أبت أن تتزوج وبقيت تراقب الزين الى أن طلبته هي للزواج وعقد قرانه عليها في عرس شغل أهل القرية لأيام.
موسم الهجرة الى الشمال
في روايته الثانية «موسم الهجرة الى الشمال» 1965، التي عدت واحدة من أفضل مئة رواية في العالم، ظل الطيب صالح في بيئته الريفية ذاتها، لكن بخطاب روائي متطور أكثر أخذ شكل المواجهة أو المفاضلة بين الشمال والجنوب، ناقش فيها نظرة الشمال الى الجنوب، والجنوب الى الشمال في فترة النصف الأول من القرن الماضي تلك المرحلة التي شهدت فيها الكثير من البلدان المستعمرة استقلالها ومنها السودان، فالشخصية التي يبني الطيب عليها روايته هي شخصية غير اعتيادية أيضاً، شاب فقير يعيش مع أمه في بلدة فقيرة على ضفاف النيل يدخل المدرسة مصادفة، في زمن كان يصعب على السوداني فيه دخول المدرسة، لكن مصطفى سعيد التحق بها وتفوق على أقرانه فيها ليحصل على منحة دراسية في مصر التي تعرف فيها على عائلة انكليزية تقيم هناك، تساعده على السفر الى لندن لمتابعة تحصيله العلمي في تلك المدينة الأوروبية، التي ستشهد مغامراته النسائية فيما بعد كأي عربي تطأ قدماه الأرض الأوروبية، لكنه لا يستمر فيها طويلاً بعد أن يحاكم بتهمة التسبب بانتحار زوجته الانكليزية ويسجن لسبع سنوات يخرج بعدها مشرداً في أصقاع الأرض من باريس الى كوبنهاكن ودلهي الى بانكوك لينتهي به الحال في قرية مغمورة على ضفاف النيل.
يطرح الطيب صالح في هذه الرواية الكثير من الأفكار والقضايا الاشكالية عن علاقة الشمال بالجنوب، وخاصة نظرة الغرب عن تفوق الرجل الأبيض ورد الرواية عليها بجعل مصطفى الشاب الافريقي الأسمر يتفوق عليهم في عقر دارهم، يقول مصطفى سعيد: «إنني جئتكم غازياً في عقر داركم قطرة من السم الذي حقنتم به شرايين التاريخ»، لكنه يرفض في الوقت ذاته تحميل الاستعمار فقط أسباب اخفاقاتنا ومشاكلنا: «كنتم تشكون من الاستعمار، ولما خرجنا خلقتم أسطورة الاستعمار المستتر، يبدو أن وجودنا بشكل واضح ومستتر ضروري لكم كالماء والهواء».
يتطرق صالح الى خصال المجتمع العربي التي يفتقر اليها المجتمع الغربي الغني خصال تفوق بغناها غنى الشمال، هي الرابط العائلي والانساني «نحن بمقاييس العالم الصناعي الأوروبي فلاحون فقراء، ولكنني حين أعانق جدي أحس بالغنى».
يحاكم الطيب صالح في هذه الرواية المرحلة ويبين أسباب تراجعها من التعليم والادارة والفساد، لا ينهي الروائي تلك المرحلة مع غياب مصطفى سعيد أو وفاته، بل يجعلها مستمرة في شخصية الشاب الراوي الذي عاد من أوروبا بشهادة دكتوراه بالشعر ليرث تركة سعيد ويكمل مشواره ليس بالهجرة الى الشمال، بل بالبقاء في الجنوب، حيث يجب أن يبقى ليعيد صياغة الواقع من جديد ويغير نمط تلك الحياة النمطية لترقى الى مستوى عراقة ذلك النهر الضارب في عمق الصحراء.. «كنت أحس بقوى النهر تشدني الى أسفل وبالتيار يدفعني الى الشاطىء الجنوبي في حالة بين الحياة والموت رأيت أسراباً من القطا متجهة شمالاً، هل هي رحلة أم هجرة، سأحيا بالقوة والمكر».
بندر شاه مريود
في روايته الثالثة بندر شاه مريود يستهلها الطيب صالح بأبيات من شعر أبي النواس، هذا الشاعر الذي سيستشهد بشعره في أكثر من رواية أو قصة من أعماله ليبدو تأثيره الواضح في حياة وأعمال شخصيات هذه الرواية تتكرر أسماؤها في روايات أخرى تشكل سلسلة متواصلة مكانياً وزمانياً، فأحداثها تدور في بلدة «ودحامد» الفضاء الذي ستمور فيه أحداث رواياته الأخرى، في هذه الرواية يعود الطيب الى الأسلوب ذاته في استخدام اللهجة المحكية على لسان أبطاله، بعد أن غيبه في «موسم الهجرة الى الشمال» ليغرق في عالم الخرافة والأسطورة، مستكملاً ما بدأه في «عرس الزين»، حيث الروحانيات والتصوف، والمسلمات الدينية تأسر عقول الناس من الشيخ «الحنين» في عرس الزين الى الشيخ «نصر الله ود حبيب» والشاب المبروك «بلال» في هذه الرواية التي تقودنا الى مرحلة ظهور الإمام محمد أحمد المهدي في السودان، وينتقل منها بين اشكالية التعليم وذكورية المجتمع الرافض لتعليم الفتاة، حيث تلجأ مريم الى الخداع للدخول الى المدرسة بعد ارتدائها زي الأولاد، وخداعها للناظر مدة ثلاث سنوات بالاتفاق مع أخيها محجوب وحبيبها مريود، لكن عندما يكشف أمرها تتغير حياتها وتتفتح عيناها على عالمها الانثوي، الذي سيعيدها عن عالمها البريء الحالم، براءة علاقتها بمريود الذي رفض جده زواجه منها ليفقدها الى الأبد.
بندر شاه ضو البيت
أحدوثة عن كون الأب ضحية لأبيه وابنه، كما يسميها الطيب صالح كتبها عام 1997 واستخدم فيها اللغة المحكية بأسلوب لا يخلو من الدعابة والسخرية أحياناً، وهو فيها يستكمل ما بدأه في عرس الزين ومريود، عبر زمان ليس ببعيد يناقش فيها قضية السياسة والدين من خلال مجتمع بلدته مروى منبته، لكنه يرتقي بأبطاله من مجرد مزارعين بسطاء الى موظفين يتنافسون على المناصب الحكومية وتشغلهم أمور السياسة وتصاريف الحكم وقضية الديمقراطية أكثر مما تشغلهم القضايا الزراعية، ليؤرخ بهذه الرواية أحداث فترة زمنية هامة من تاريخ السودان.
تدور القصة حول شاب وجد مغمياً عليه على ضفاف النيل جرفه الفيضان من مكان مجهول الى «ودحامد» ينقذه السكان بعد أن يفقد ذاكرته وكل شيء عن ماضيه، الشاب ذو بشرة بيضاء يطلق عليه سكان البلدة اسم «ضو البيت» ويدخلونه الى الاسلام ويعلمونه الصلاة ويزوجونه من احدى بناتهم فيكون مثال الصدق والتفاني في العمل والمشاركة الاجتماعية.
يغرق الطيب في هذه الرواية بتفاصيل الحياة السودانية بتفاصيلها الدقيقة وأسماء نباتاتها وأشجارها وحيواناتها وبلداتها وعوائلها بأنسابهم وجذورهم موثقاً لموسوعة هامة من حياة ذلك الجنوب الغامض.
منسي: انسان نادر على طريقته
في حكاية منسي انسان نادر على طريقته يخرج الطيب من عالمه الروائي المعروف ليؤرخ لفترة عمله في اذاعة الـ bbc البريطانية في خمسينيات القرن الماضي عبر حكاية «منسي» الشاب المصري القبطي الذي جاء الى لندن من بلدية ملاوى في عمق الصعيد المصري ليحصل على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد، ومن خلال حكايته يتطرق الطيب صالح الى القضية الفلسطينية والقضايا العربية الأخرى بالاستعراض والتحليل ويتناول الأجواء الأدبية والفنية السائدة في أوروبا ذلك الوقت، لكنه يحاكم الوضع العربي لتقاعسه على حل القضايا المصيرية مشيراً الى الموقف الأوروبي الرسمي والشعبي والدور الذي لعبته الجاليات العربية المهاجرة في تحريك الرأي العام الشمالي لصالح القضايا العربية والاشكاليات التي كانت تواجههم.
تبدأ الرواية من خبر وفاة منسي الذي اسلم بعد استقراره في أوروبا، ويعود من خلالها الى بداية الحكاية وحوادثها المتشعبة عبر مراحل تاريخية هامة شهدت حوادث هامة مرت على العالم العربي منها ضياع فلسطين، واستقلال الجزائر والوحدة السورية المصرية وتأميم قناة السويس وغيرها، عبر محاكمة منطقية ومباشرة تضع النقاط على الحروف.
وهكذا برحيل الطيب صالح الذي رشح لجائزة نوبل للأدب دون أن يسعى إليها تفقد الرواية العربية أحد فرسانها الكبار، ولعلها لن تستطيع سدّ الفراغ الكبير الذي يتركه رحيله.

آصف ابراهيم