استعرضت في المقال السابق الموسوم بـ استقلال الدول العربية وسيادتها.. هل هي مجرد كذبة كبيرة أخرى؟ وضع الدول العربية من حيث هل هي مستقلة أم لا؟ استنادا إلى مرحلة الحرب الباردة وما بعدها عموما. وهناك نظريات أو فرضيات عدة حول مدى استقلال الدول العربية، بعيدا عن الإجابة الجامدة بنعم أو لا على السؤال المطروح: هل الدول العربية مستقلة فعلا؟علما بأن من يجيب بنعم أو لا عليه أن يحدد مدى الاستقلالية ودرجتها سواء أكانت درجة الاستقلالية هي 100% أو صفرا مكعبا أو غير ذلك، وهل تختلف الأمور من دولة عربية إلى أخرى وما وجه وحجم الاختلاف؟


نظرية المؤامرة والماسونية
هناك من يرى أن العالم كله عموما، والدول العربية خصوصا في حالة خضوع لتحكم وسيطرة مطلقة من حكومة خفية سرّية، تتولى إشعال الحروب ورسم السياسات، وإدارة الاقتصاد، والتحكم بالموارد، وهذه الحكومة الخفية تدير من وراء الكواليس شؤون الأمن والتعليم وتوجيه الإعلام والثقافة. وهي حكومة ترتبط عضويا أو أنها من مخرجات الماسونية العالمية، ومن يحاول أو يفكر بالخروج عن خططها وتوجيهاتها فمصيره التصفية الجسدية كحل نهائي ورادع لغيره.

ويتم الاستعانة لإثبات هذه النظرية/الفرضية ببعض الكتب مثل (بروتوكولات حكماء صهيون) على اعتبار أن الماسونية هي بنت فكرة سيطرة اليهود على العالم؛ بل إن (وليم جاي كار) في كتابه المشهور (أحجار على رقعة الشطرنج) يرى أن قادة دول عظمى وكبرى ليسوا سوى أحجارا على رقعة الشطرنج مثل تشرشل وستالين ورزوفلت، وعليه يمكن طرح السؤال البدهي: كيف أو أي نوع من أحجار الرقعة يكون قادة دول ضعيفة وعالة على غيرها عسكريا أو اقتصاديا أو كلاهما كالدول العربية؟!


إننا نعيش في كوكب الأرض المحكوم فعليا من ثلة حاخامات يهود ومعهم دهاقنة سياسة وإعلام ومال يديرون الصراعات والأزمات والاقتصاد الدولي وفق مصالحهم وهدفهم الكامن بالسيطرة التامة على الأمم والشعوب[/TD]


وهذه الفرضية لها رواج واسع ربما لا نستطيع تقديره رقميا ولكن يمكن أن نلحظه في أوساط العامة والخاصة، وهناك من يصدق هذه الفرضية ويبني رؤيته لكل أزمات ومشكلات العالم بناء عليها، وحتى قناة روسيا اليوم بثت مؤخرا مواد وثائقية (موجودة على يوتيوب لمن لم يتابعها) استعرضت موضوع الماسونية وتأثيرها حتى على الفاتيكان، وقبلها كانت قناة الجزيرة قد بثت في برنامجها السابق واسع المتابعة(سرّي للغاية) الذي كان مقدمه (يسري فودة) استعراضا وتحليلا استقصائيا مكثفا عن الماسونية وذلك عام 1999م أي قبل ما يقارب العقدين من الزمن. وحتى حركة حماس عندما صاغت ميثاقها في 1988 كان واضحا تأثر من صاغ الميثاق بهذه الفرضية التي ترى أن اليهود عبر الماسونية يكيدون للعالم وينشرون الشرور ويقفون وراء أحداث كبرى وحروب عالمية!

فما هذه الماسونية الغامضة، التي يتحدث عنها الناس في الكتب والمقالات والتدوينات والبرامج الوثائقية، والجلسات الخاصة في البيوت والمقاهي والمدارس والجامعات بل في المساجد، باعتبارها شيئا سرّيا شديد الغموض، له أدوات رهيبة وقدرات عجيبة، وعمليا لا نراها، ولكننا-وفق الفرضية-نرى آثارها وأفعالها، وكأنها شبح مخيف أو عفريت أوتي قدرات خارقة؟!

فحسب هذه الفرضية فإننا نعيش في كوكب الأرض المحكوم فعليا من ثلة حاخامات يهود ومعهم دهاقنة سياسة وإعلام ومال يديرون الصراعات والأزمات والاقتصاد الدولي وفق مصالحهم وهدفهم الكامن بالسيطرة التامة على الأمم والشعوب في القارات الست، وجعلها ألعوبة بين أصابع أيديهم؛ فهم يشعلون الحروب ويديرون عمليات بيع الأسلحة، ويتسببون بالمجاعات وانهيار العملات، ولهم إدارة على ما يعرف بـ(صناعة الجنس) بحيث يغوون من شاءوا بالمال والنساء، ويتحكمون بمختلف وسائل الإعلام الكبرى، وتلقائيا الصغرى، ويشغلون الناس بمباريات كرة القدم أو الأزياء والموضة أو المخدرات أو غير ذلك.

وكي نذكر بموضوعنا فإن الدول العربية ليست خارج هذا العالم، بل لها وضع واهتمام خاص نظرا لوجود إسرائيل في قلب العالم العربي في أرض فلسطين المغتصبة، وبالتالي فإن الماسونية تتغلغل بكل ثقلها وأدواتها في المحيط العربي حفاظا على إسرائيل، آخذين بعين الاعتبار علاقة الماسونية التاريخية بمجموعة(فرسان الهيكل/المعبد) التي بعكس التشكيلات الحربية الصليبية الأخرى وضعت عينها على المسجد الأقصى بزعم بنائه فوق هيكل سليمان وهذا معتقد يهودي لا مسيحي، قبل أن يتمكن صلاح الدين من تحريره وقبل أن يخرج كل الصليبيين من بلادنا على يد الأشرف قلاوون، وقبل أن يسحق ملك فرنسا فيليب الرابع فرسان الهيكل عام 1307 أي بعد حوالي قرنين من هزيمتهم وطردهم من فلسطين وبلاد الشام.


من يتبنون فكرة سيطرة وتغلغل الماسونية وتحكمها الخارق يرون أنها هي وراء فكرة نفي (نظرية المؤامرة) وبكلمات أخرى: من صلب المؤامرة استبعاد ونفي وإنكار وجود المؤامرة



وقد كانت الماسونية وما زالت وربما ستظل لفترة قادمة، خاصة في الظروف الحالية، محل اهتمام شعبوي ونخبوي، ولذا نجد هذا الكم الكبير من المصنفات والمرئيات حولها، وهي مواد لا شك تلقى رواجا واسعا؛ لأن أي حركة يكتنفها الغموض وتحيط نفسها بهالة من السرّية خاصة طقوس العضوية فيها، ولأنها مشبعة بالإشارات ذات المغازي المشبوهة، تكون عرضة للإشاعات التي قد يكون لقليل أو كثير منها شيء من الصحة، أضف إلى ذلك انتشار محافل الماسونية في العواصم والمدن الكبرى في العالم، وكون بعض الزعماء المعروفين، والشخصيات المشهورة أعضاء في هذه الحركة.

ومن يتبنون فكرة سيطرة وتغلغل الماسونية وتحكمها الخارق يرون أنها هي وراء فكرة نفي (نظرية المؤامرة) وبكلمات أخرى: من صلب المؤامرة استبعاد ونفي وإنكار وجود المؤامرة، مثلما فعل (أحمد خالد مصطفى) في رواية (أنتيخريستوس)! وكي لا نبتعد في ضرب الأمثلة على أحداث لم نعشها، أو أحداث كانت وسائل الإعلام فيها أقل تطورا؛ فلنأخذ أحداث الحادي عشر من أيلول(سبتمبر) سنة 2001 والتي أريد لها أن تكون حدثا مفصليا تغير معه العالم، وخاصة منطقتنا، فقد تغوّل الأمريكان ومن حالفهم على العرب والمسلمين تغولا مضاعفا عما كانوا عليه منذ عقود، فاحتلوا أفغانستان والعراق، وفتحوا معسكر غوانتانامو لزج المعتقلين المسلمين، وصاروا يضربون في اليمن وسيناء أهدافا بطائراتهم علنا، ووصل صلفهم وعدوانهم إلى وضعهم شروطا و إملاءات على التعليم ومناهجه وتمويل الجمعيات الخيرية التي تعنى بالمحتاجين واليتامى، وصولا إلى خطب الجمعة، وتم إعطاء شارون تصريحا بمواصلة القتل والتدمير في فلسطين، وصار هو وجورج بوش الأب أشبه بتوأم سياسي وأيديولوجي، وصار مصطلح (الحرب على الإرهاب) يعني الحرب على الإسلام بوضوح.

ووفق الفرضية المتعلقة باليهود والماسونية، فإن تلك الأحداث كانت مدبرة ومخططا لها بإحكام؛ وقد انتشرت عدة أخبار ومقولات بعضها وجد طريقه إلى المطبعة ككتاب، وبعضها سال عبر المواقع الإلكترونية وأحاديث الناس، مثل القول بأن الموظفين والعاملين اليهود قد غادروا البرجين في نيويورك قبل اصطدام الطائرتين، وبأنه من الناحية الهندسية لا يمكن للطائرتين إحداث هذه الانهيارات في البرجين، بل تم تفجير البرجين من الداخل، وبأن مبنى البنتاغون لم يتعرض للهجوم بعكس الإدعاء الأمريكي.. وردد معتنقو هذه الفرضية سؤالا دائما: لماذا كانت الكاميرات التي تنقل إلى العالم مشهد الاصطدامين مثبتة بهذه الطريقة الاحترافية الدقيقة؟!

ويبقى السؤال قائما عن مدى استقلالية العرب والذي تتولد عنه تساؤلات: هل أجبروا على الخضوع لأمريكا بفعل الماسونية ومخططاتها؟ أم أنهم ليسوا خارج دائرة الماسونية أصلا؟ ولماذا نجعل المخططات والمؤامرات حكرا على الماسونية؟ لماذا لا تكون أجهزة أو جزء من أجهزة أمريكية هي من خططت ونفذت؟ وهل هذه الأجهزة تتبع الماسونية، أم العكس؟.. أم أننا يجب أن نضع التفكير بالماسونية ودورها وتأثيرها وراء ظهورنا ونفكر بطريقة أخرى؟.. أسئلة سأستمر بمحاولة الإجابة عليها إن شاء الله.