النتائج 1 إلى 10 من 19

الموضوع: إبداع الشعراء والأدباء لإحياء ذكرى عواصمنا العربية / إشراف غالب الغول

مشاهدة المواضيع

المشاركة السابقة المشاركة السابقة   المشاركة التالية المشاركة التالية

  1. رجا صابر
    #11
    أعلام دمشقيون من ثلاثة قرون ـــ عبد القادر محمود الأرناؤوط ( منقول )


    مدخل

    لقد اقتضت حكمة الله عزّ وجل أن تكون دمشق الشام من أهم حواضر العرب والمسلمين الكبرى التي انتقلت إليها بواكير العلوم من المدينة المنورة عاصمة الدولة الإسلامية الأولى عقب الفتوحات العظيمة التي حرّرت بلاد الشام وغيرها من البلدان العربية والإسلامية آنذاك من الذل والقهر والعيش تحت ظل تسلط الفرس والروم قبل تلك الفتوحات العظيمة. وسرعان ما انتشرت في هذه الحاضرة الكبرى حلقات العلم فتحولت دمشق مع مرّ الأيام إلى مركز إشعاعٍ عظيم للحضارة العربية الإسلامية ثم انتقل نورها بعد ذلك إلى جميع أصقاع الأرض. وكان للتاريخ والحديث النبوي الشريف نصيب وافر من الانتشار من بين العلوم والفنون العربية الإسلامية الأخرى في دمشق الشام منذ تلك الفترة, فنشطت فيها مجالس العلم خلال القرون الهجرية الثمانية الأولى منها بشكل ملحوظ, يُقرُّ بذلك أهل العلم جميعاً من عرب ومسلمين ومستعربين أيضاً, وقد كانت القرون الثلاثة الأخيرة منها – السادس والسابع والثامن – من أهم القرون التي نبغ فيها عددٌ كبيرٌ من العلماء الأعلام في التاريخ والحديث معاً, لأن التاريخ والحديث فنان متداخلان تداخلاً عظيماً بسـبب دراسة أسانيد النصوص الحديثية وحاجة المحدّثين إلى معرفة حال رواتها المقبول حديثه منهم, والمردود حديثه أيضاً بسبب ضعف صاحبه أو اتهامه بالكذب, أو الوهم, أو النسيان في أحسن الحالات. وحين قررت كتابة هذا البحث وصدرته بهذا العنوان خطر في بالي التعريف بثلاثة من الأعلام الكبار الذين عرفتهم دمشق الشام في القرون الثلاثة التي أشرت إليها, نظراً لأن كل واحد منهم قد جمع فيما وضعه من مؤلفات وصنفه من مصنفات بين فني التاريخ والحديث, أملاً مني في أن أسلط الأضواء على أمثال هؤلاء الأعلام الكبار وأذكِّر بهم, وهم من الذين أثروا الحركة العلمية العظيمة في بلاد الشام في تلك الفترات الذهبية من الزمن بآثار يرتفع رأس دمشق بها عالياً أمام الحواضر والعواصم الأخرى, ولو كان حيّز هذه المقالة يتسع للكلام على غيرهم من العلماء والأعلام الذين كانت لهم أدوار هامة جداً في خدمة العلم ونشره في دمشق الشام على مرّ الأيام لفعلت, ولكن لا يمكن لمقالة واحدة بعدد صفحاتها القليلة أن تتسع لمثل ما دار في خاطري كتابته في هذا الأمر, فاقتصرت على التعريف بهؤلاء الأعلام الثلاثة, إشارة إلى مكانتهم ولفتاً لأنظار أبناء هذا الجيل والأجيال اللاحقة إلى ما كان لهم من فضل على أمر العلم والثقافة الأصيلة من أثر عظيم سيبقى مذكوراً بالخير ما دام في الدنيا من ينطق بالضاد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
    (1)
    عبد الغني المقدسي
    هو الإمام المُحَدِّث المحقّق المؤرِّخ حافظ عـصره, تقي الديـن أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر الجَمَّاعيلي(1) المقدسي ثم الدمشقي, صاحب «الكمال في أسماء الرجال» و«عمدة الأحكام» و«النصيحة في الأدعية الصحية» و«الاقتصاد في الاعتقاد» و«أشراط السـاعة» و«تلخيص كتاب الكنى» و«اعتقاد الإمام الشافعي» و«الجامع الصغير لأحكام البشير النزير» و«محنة الإمام أحمد بن حنبل» وغير ذلك من المصنفات الكثيرة النافعة.
    وقد انتهى إليه حفظ الحديث متناً وإسناداً ومعرفة بفنون, مع الورع والعبادة والتمسك بالأثر, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».
    ولد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة(2) بجمَّاعيل, وكان قدومه مع أسرته من بيت المقدس إلى مسجد أبي صالح خارج الباب الشرقي لمدينة دمشق أولاً. ثم انتقلت أسرته إلى سفح جبل قاسيون, فبنوا داراً تحتوي على عدد كبير من الحجرات دعيت بـ «دير الحنابلة» ثم شرعوا في بناء أو مدرسة في جبل قاسيون, وهي المعروفة بـ «المدرسة العمرية»(3), وقد عرفت تلك الضاحية التي سكنوها بالصَّالحيَّة فيما بعد نسبةً إليهم, لأنهم كانوا من أهل العلم والصلاح.
    وقد نشرت هذه الأسرة الجليلة المذهب الحنبلي في الشام, فانتشرت مدارس المذهب لا في الصالحية فحسب, بل في دمشق ذاتها, وكثر أتباع هذا المذهب في ضواحيها, كدومة(4) والرُّحَيبة, الضُمَيْر, وبَعْلَبَك, وأثرت هجرتهم في مذهب الإمام أحمد, فقد استطاعوا بدراساتهم وتآليفهم الفقهية أن يوجدوا كتباً قيمة في مذهب الإمام أصبحت عمدة المذهب الحنبلي في أيامنا, وأثّروا أيضاً في علم الحديث, وظلوا نحو مئة عام يُعَدُّون من فطاحل علماء الحديث, وانتشرت في عصرهم دور الحديث في الصالحية ودمشق, وأدخلوا على هذا العلم اتجاهات جديدة كان لها أكبر الأثر في تنسيق علوم الحديث وتصنيف أبحاثه المتعددة.
    وقد تتلمذ الحافظ عبد الغني في صغره على عميد أسرته العلَّامة الفاضل الشيخ أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي, ثم تتلمذ على شيوخ دمشق وعلمائها, فأخذ عنهم الفقه وغيره من العلوم, ثم قصد بغداد سنة (560هـ) ونزل عند الإمام الشيخ عبد القادر الجيلاني, فقرأ عليه شيئاً من الفقه والحديث, وأقام عنده نحو أربعين يوماً, بعدها مات الشيخ الجيلاني, فأخذ عن الشيخ أبي الفتح بن المني الفقه والخلاف, ثم رحل إلى أصبهان فمكث فيها وقتاً طويلاً يدرس ويدرِّس إلى أن عاد إلى بغداد مرة ثانية سنة (578هـ), فحدَّث بها, وانتقل من ثَمَّ إلى دمشق, فأخذ يقرأ الحديث في رواق الحنابلة من مسجد دمشق الأموي, فاجتمع الناس عليه, وكان رقيق القلب سريع الدمعة, فحصل له قبول من الناس عظيم, فحسده بنو الزَّكي, وبنو الدَّولعي, وجهزوا النَّاصح ابن الحنبلي فتكلم تحت قبة النسر في المسجد الأموي, وأمروه أن يجهر بصوته ما أمكنه حتى يشوش على الحافظ عبد الغني, وعند ذلك حوّل الحافظ ميعاد درسه إلى ما بعد العصر, فذكر يوماً عقيدته, فثار عليه القاضي ابن زكي الدين, وضياء الدين الدَّوْلَعي فعقدا له مجلساً في قلعه دمشق يوم الاثنين الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة (595هـ), وتكلموا معه في مسألة العلّو, ومسألة النزول, ومسألة الحرف والصوت, وطال الكلام, فظهر عليهم الحافظ عبد الغني بالحجة, فقال له الصارم برغش والي القلعة: كل هؤلاء على ضلال وأنت على حق؟ فقال نعم, فأرسلوا من كسر منبره في الجامع, ومنعوه من الجلوس فيه, فضاق ذرعاً ورحل إلى بَعْلَبَك, ومنها إلى مصر, فنزل عند الطحانين, وصار يقرأ الحديث, فنفق سوقه, وصار له حشد وأصحاب, فثار عليه الفقهاء بمصر أيضاً, وكتبوا إلى الوزير صفي الدين بن شكر فأقرّ نفيه إلى المغرب, غير أن الحافظ عبد الغني مات قبل وصول كتاب النقي إليه.
    كان لا يضيّع شيئاً من وقته, يصلي الفجر, ويقرأ القرآن أو الحديث, ثم يتوضأ ويصلي الكثير من النفل إلى قبيل الظهر, ثم ينام سويعة, ثم يصلي الظهر ويقبل على التسميع والتسبيح إلى صلاة العصر فيصليها, ويتابع ما كان عليه إلى الغروب, فيفطر إن كان صائماً, ويصلي المغرب, وينتقل إلى العشاء فيصليها وينام إلى نصف الليل ثم يستيقظ فيتوضأ ويصلي إلى قبيل الفجر فينام قليلاً, ثم يستيقظ لصلاة الفجر, وهكذا دواليك.
    وكان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آية بيّنة, يكسر الشبابات والطنابير, ويُريق الخمور, لا تأخذه في الله لومة لائم.
    وكان جواداً لا يدّخر ديناراً ولا درهماً, فجمع إلى السخاء بالعلم السخاء بالمال, ولذا كان محبباً عند الناس جميعاً.
    لقد وصفه جمع من مشاهير العلماء بأوصاف كثيرة تنبئ عن تمكنه من علم الحديث, وتحليقه في إطار علم الرجال, وصفاء سريرته, وقوة اعتقاده وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وغضبه لانتهاك حدود الله عزّ وجلّ.
    قال ضياء الدين المقدسي: كان لا يُسأل عن حديث إلا ذكره وبيّنه, وذكر صحته أو سقمه, وكان يقال: هو أمير المؤمنين في الحديث جاء إليه رجل فقال: رجل حلف بالطلاق أنك تحفظ مئة ألف حديث, فقال: لو قال أكثر من هذا العدد لصدق.
    وقال أيضاً: رأيت فيما ير النائم وأنا بمرو, كأن الحافظ عبد الغني جالس والإمام البخاري يقرأ عليه من جزء أو كتاب, وكأن الحافظ عبد الغني يرّد عليه شيئاً.
    وقال تاج الدين الكندي: لم ير الحافظ عبد الغني مثل نفسه, ولم يكن بعد الدارقطني مثله.
    وقال ابن ناصر الدين: هو محدِّث الإسلام وأحد الأئمة المبرزين الأعلام, ذو ورعٍ وعبادة وتمسك بالآثار, وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر.
    وقال ابن رجب: امتحن الشيخ ودُعي إلى أن يقول لفظي بالقرآن مخلوق, فأبى فمنع من التَّحديث, وأفتى أصحاب التأويل بإراقة دمه, فسافر إلى مصر وأقام بها إلى أن مات.
    وقال فيه أبو نزار ربيعة بن الحسن.




    يا أصْدَقَ النَّاس في بدوٍ وفي حضـر
    وأحفظ النّـــاس فيما قالت الرّسُلُ
    إن يَحْسِدُوك فلا تعبأ بقائلهم
    هم الغثاء وأنت السَّـيِّدُ البَطَلُ



    وكان إذا مر بأصبهان يصطف الناس في السوق فينظرون إليه, ولو أقام بأصبهان مدة وأراد يملكها لملكها من حبهم له ورغبتهم فيه, ولما وصل إلى مصر أخيراً كان إذا خرج يوم الجمعة إلى الجامع لا يقدر يمشي من كثرة الخلق يجتمعون حوله.
    وقال الشيخ موفق الدِّين بن قدامة المقدسي: كان رفيقي, وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقني إليه إلا القليل, وكمّل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدع وقيامهم عليه, وقد رزق العلم وتحصيل الكتب الكثيرة إلا أنه لم يُعمَّر حتى يبلغ غرضه في روايتها ونشرها.
    وقال سبط ابن الجوزي: كان ورعاً, زاهداً, عابداً, يقوم أكثر الليل, وكان كريماً جواداً, لا يدّخر شيئاً, يتصدق على الأرامل والأيتام حيث لا يراه أحد, وكان يرقّع ثوبه, ويؤثر بثمن الجديد, وكان قد ضعف بصره من كثرة المطالعة والبكاء وكان أوحد زمانه في علم الحديث والحفظ.
    وقال ابن كثير: رحم الله الحافظ عبد الغني فقد كان نادراً في زمانه في الحديث وأسماء الرجال.
    وقال السيوطي: كان غزير الحفظ والإتقان, وقيّماً بجميع فنون الحديث, كثير العبادة, ورعاً, ماشياً على قانون السلف, وكان لا يسأله أحد عن حديث إلاّ ذكره له, ولا عن رجل إلّا قال: هو فلان ابن فلان ونسبه.
    قال ولده الحافظ أبو موسى ابن بنت الشيخ أبي عمر بن قدامة زوجة الحافظ عبد الغني قال لي والدي في مرضه الذي مات فيه: يا بني أوصيك بتقوى الله والمحافظة على طاعته, فجاء جماعة يعودونه فسلّموا عليه فردّ عليهم السلام وجعلوا يتحدثون, ففتح عينيه وقال: ما هذا الحديث؟ اذكروا الله وقولوا: لا إله إلا الله, فقالوها ثم قاموا, فجعل يذكر الله ويحرّك شفتيه يذكره, ويشير بعينه, فدخل رجل فسلّم عليه وقال له: ما تعرفني يا سيدي, فقال بلى فقمت لأناوله كتاباً من جانب المسجد, فرجعت وقد خرجت روحه, وذلك يوم الاثنين الثالث والعشرون من ربيع الأول, ودفناه يوم الثلاثاء بالقرافة مقابل قبر الشيخ أبي عمرو بن مرزوق.
    (2)
    محيي الدِّين بن شرف النّووي(5)
    هو الإمام القدوة الحافظ المؤرخ الزاهد العابد الفقيه المجتهد الرَّبَّاني يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حزام النووي الدمشقي, أبو زكريا صاحب «روضة الطالبين» و«رياض الصالحين» و«تهذيب الأسماء واللغات» و«الأذكار» و«الأربعين» و«المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجَّاج» وغير ذلك من المصنفات المفيدة النافعة.
    ولد في نوى من أرض حوران في الجنوب الغربي من سورية, وذلك في العشر الأوسط من شهر الله المحرّم سنة إحدى وثلاثين وستمائة, ونشأ نشأة صالحة, وشرع بحفظ القرآن الكريم وهو صغير, ولما بلغ التاسعة عشرة من عمره قدم به والده إلى دمشق لطلب العلم, فسكن المدرسة الرواحية, وأخذ العلم عن جمهرة غفيرة من العلماء الكبار في الشام آنذاك, منهم الرضي بن البرهان, وشيخ الشيوخ عبد العزيز بن محمد الأنصاري, وزين الدين عبد الدائم, والقاضي التفليسي, وغيرهم.
    قال هو: وبقيت نحو سنتين لم أضع جنبي إلى الأرض. وكان قوتي فيها جراية المدرسة لا غير. وحفظت «التنبيه» في نحو أربعة أشهر ونصف.
    قال: وقرأت وحفظت ربع «المهذَّب» في باقي السنة, وجعلت أشرح وأصحح على شيخنا كمال الدين إسحاق المغربي ولازمته, فأعجب بي وأحبني, وجعلني أعيد لأكثر جماعته.
    ثم حج مع والده, فذكر والده قال: لما توجهنا من نوى, أخذته الحُمَّى, فلم تفارقه إلى يوم عرفة ولم يتأوه قطُّ. قال: وذكر صاحبه الشيخ أبو الحسن علي بن العطار أن الشيخ محيي الدين حدَّثه, أنه كان يقرأ كل يوم اثني عشر درساً على المشايخ, شرحاً, وتصحيحاً, درسين في «الوسيط» ودرساً في «المهذب», ودرساً في «الجمع بين الصحيحين» ودرساً في «صحيح مسلم»ودرساً في «اللّمع» لابن جنِّي, ودرساً في «إصلاح المنطق»لابن السِّكِّيت ودرساً في التصريف, ودرساً في أصول الفقه, تارة في «اللُّمع» لأبي إسحاق وتارة في «المنتخب» لفخر الدِّين ودرساً في أسماء الرجال, ودرساً في أصول الدِّين وكنت أعلق جميع ما يتعلق بها, من شرح مشكل, ووضوح عبارة, وضبط لغة, وبارك الله لي في وقتي وخطر لي الاشتغال في علم الطب, فاشتريت كتاب «القانون» وعزمت على الاشتغال فيه, فأظلم على قلبي, وبقيت أيَّاماً لا أقدر على الاشتغال بشيء, ففكرت في أمري, من أين دخل عليَّ الداخل, فألهمني الله أن سببه اشتغالي بالطِّب, فبعت «القانون» في الحال واستنار قلبي.
    وقد لاحت عليه أَمَارات النُّجابة والفهم, فاتفق أنه أقام بالمدينة المنورة شهراً ونصفاً, وتعلل في أكثر الطريق, ورجع وأكب على طلب العلم ليلاً ونهاراً اشتغالاً, فضرب به المثل, وهجر النوم إلا عن غلبة, وضبط أوقاته إلا بلزوم الدرس أو الكتابة أو المطالعة, أو التردد إلى الشيوخ, وأكثر من رواية الدواوين الكبار, وقرأ «الكمال» للحافظ عبد الغني عل الزين خالد, وسمع «الصحيحين» على المحدِّث أبي إسـحاق بن عيسى المُرَادي, وأخـذ الأصول عن القاضي التفليسي, والفقه عن الكمال إسحاق, وشمس الدين بن نوح, وعز الدين عمر الإربلي, والعربية عن الشيخ أحمد المصري, وعن ابن مالك.
    ولازم الاشتغال والتصنيف, والإفادة, محتسباً في ذلك, مبتغياً وجه الله, مع التعبّد, والصوم, والتهجد, والذكر والأوراد وحفظ الجوارح وذمِّ النفس.
    تخرَّج به أئمة منهم الخطيب صدر الدِّين سليمان الجعفري, وشهاب الدين أحمد ابن جعوان والقاضي شهاب الدين الإربدي, والمفتي علاء الدين بن العطار.
    وحدَّث عنه ابن أبي الفتح, والمِزِّي, وجماعة.
    وكان لا يقبل من أحد شيئاً إلا في النادر, يقبل شيئاً يسيراً ممن لا يشتغل عليه. قد أهدى له فقيرٌ إبريقاً فقبله, وعزم عليه صاحبه الخطيب برهان الدين الإسكندراني أن يفطر معه, فقال: هات الطعام ونفطر معاً, فأكل منه وكان لونين, وقل إن كان يأكل إدامين.
    وكان قليل الضحك. عديم اللعب, بل هو جدٌّ صرفٌ, يقول الحق وإن كان عليه, لا تأخذه في الله لومة لائم, ويواجه الأمراء والظلم بالإنكار, ويكتب إليهم, ويخوفهم بالله.
    كتب مرة من عبد الله يحيى النَّووي, سلام الله ورحمته وبركاته على المولى المحسن ملك الأمراء, بدر الدين أدام الله له الخيرات, وتوّلاه بالحسنات, وبلّغه من خيرات الدنيا والآخرة كل آماله, وبارك له في جميع أحواله آمين, أن أهل الشام في ضيق وضعف حال بسبب قلة الأمطار, و ذكر فصلاً طويلاً, وفي طي ذلك ورقة إلى الملك الظاهر فرد جوابها رداً عنيفاً مؤلماً, فتلبدت خواطر الجماعة.
    وله غير رسالة إلى الملك الظّاهر في النّهي عن المُنكرات.
    ولي مشيخة دار الحديث الأشرفية مع صغر سنه, ونزول روايته في حياة مشايخه بعد الإمام أبي شامة المقدسي, فما أجد ما مكنه فيما بلغني, بل كان يجيئه من والده شيء يقتات منه, واشترى بالجامكية كتباً وفقهاً.
    لقد وصفه جمع من مشاهير الأعلام بأوصاف كثيرة:
    قال الشيخ الرشيد الحنفي ابن المعلِّم: عذلت الشيخ محيي الدين في تركه الحمَّام وضيق العيش, وخوّفته من مرض يعطِّله عن العلم, فقال: إن فلاناً صام حتى أخضر جلده.
    كان رحمه الله يمتنع جملة من أكل الخيار والفاكهة, ويقول: أخاف ترطبني وتجلب النوم.
    وقال ابن العطار: كان قد صرف أوقاته كلها في أنواع العلم والعمل بالعلم, وكان لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة واحدة بعد العشاء الآخرة, ولا يشرب إلا شربة واحدة عند السَّحر, ولم يتزوج.
    وقال أيضاً: كلمته في الفاكهة, فقال: دمشق كثيرة الآوقاف, وأملاك المحجور عليهم, ثم المعاملة فيها على وجه المساقاة, وفيها حلف, فكيف تطيب نفسي بأكل ذلك.
    قال الذهبي: لزم الاشتغال ليلاً ونهاراً نحو عشرين سنة, حتَّى فاق الأقران, وتقدم على جميع الطلبة, وحاز قصب السبق في العلم والعمل ثم أخذ في التصنيف من حدود الستين وستمائة إلى أن مات. وكان مع تبحره في العلم وسَعَة معرفته بالحديث, والفقه, واللغة وغير ذلك مما قد سارت به الرّكبان, رأساً في الزُّهد, وقدوةً في الورع, عديم المثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, قانعاً باليسير, راضياً عن الله والله راضٍ عنه, مقتصداً إلى الغاية في ملبسه, ومطعمه, وأثاثه, تعلوه سكينة وهيبة, فالله يرحمه ويسكنه الجنة بمنه.
    وكان تؤثر عنه كرامات وأحوال.
    وكان أسمر, كث اللحية, ربعة, مهيباً, لا يرى الجدال ولا تعجبه المغالبة, ويتأذى ممن يُجادل ويُعرض عنه, وقلمه أبسط عن عبارته, رحمه الله تعالى, فقد كان عديم النظير.
    وقال قطب الدين موسى اليونيني شيخنا: كان أوحد زمانه في العلم والزُّهد والورع والعبادة والتقلل من الدنيا وخشونة العيش, واقف الملك الظاهر بدار العمل غير مرة, فحكي عنه قال: أنا أفزع من هذا.
    وقال الفقيه شمس الدين محمد بن الفخر: كان إماماً بارعاً حافظاً مفتياً, اتقن علوماً شتى, وصنَّف التصانيف الحسنة, وكان شديد الورع والزهد, تاركاً لجميع ملاذ الدنيا من المآكل, إلا ما يأتيه به أبوه من كعك وتين, وكان يلبس الثياب الرثة المرقعة, ولا يدخل حماماً, وترك الفواكه جميعها, ولم يتناول من الجهات.
    وقال ابن ناصر الدين: هو الحافظ القدوة الإمام, شيخ الإسلام. كان فقيه الأمة وعلم الأئمة.
    وقال الإسنوي: كان في لحيته شعرات بيض, وعليه سكينة ووقار في البحث مع الفقهاء, وفي غيره, ولم يزل على ذلك إلى أن سافر إلى بلده, وزار القدس والخليل, ثم عاد إليها فمرض بها عند أبويه.
    وتوفي ليلة الأربعاء رابع عشري رجب سنة ست وسبعين وست مئة, ودفن ببلده رحمه الله ورضي عنه.
    (3)
    ابن كثير الدمشقي
    هو الإمام الحافظ المؤرخ المفسّر الفقيه عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عُمر بن كثير بن ضوء بن كثير البصروي الدمشقي الشافعي(7).
    صاحب «تفسير القرآن العظيم» و«البداية والنهاية» و«جامع المسانيد والسنن» و«اختصار علوم الحديث» و«شــرح التنبيه» و«تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب» وغير ذلك من المصنفات المفيدة النافعة.
    ولد في مجيدل القرية التابعة لبصرى الشام, وهي قرية والدته مريم بنت فرح بن علي وكان والده قد أسند إليه الخطابة بها, فأقام فيها مدة طويلة في خير وكفاية وتلاوة كثيرة, انتقل بعد ذلك إلى دمشق صحبة شقيقه كمال الدين عبد الوهاب سنة (707هـ) بعد موت أبيه.
    وفي دمشق لقي عالماً من الشيوخ, وكانت دمشق آنذاك مركزاً أصيلاً من مراكز العلم في العالم الإسلامي, كانت تحفل بدور القرآن, ومعاهد العلم من المدارس والمساجد, ولقد أفاد ابن كثير من لقاء أعلام عصره. بدأ بطلب العلم على يد أخيه كمال الدين, ثم على يد كبار علماء دمشق, حفظ القرآن الكريم وعمره (10) سنوات, وقرأ القراءات, وبرع في التفسير ودرس الفقه على كبار علماء دمشق منهم برهان الدين الفزاري, وكمال الدين ابن قاضي شهبة, وسمع من الحجّار, والقاسم ابن عساكر وشهاب الدين ابن الشحنة, والشيخ علم الدين البرزالي, والحافظ جمال الدين أبا الحجاج المِزِّي ولزم شيخ الإسلام ابن تيميّة وقرأ عليه واستفاد منه, وكان لملازمته له أثر كبير في تكوين شخصيته, فقد تأثر به في جوانب الفكر والعقيدة والاجتهاد, بينما تأثر في دراسته للتاريخ والحديث بشيخه الحافظ المِزِّي, الذي أصهر إليه وتزوج ابنته زينب, وكان لصحبته له وقربه منه أثر واضح في مؤلفاته, وبرع في الفقه والتفسير والحديث, ومعرفة الأسانيد والعلل والرجال والتاريخ, وقرأ في الأصول على الأصبهاني وألَّف في صغره «أحكام التنبيه». ثم أقبل على الحديث, فاشتغل بمطالعة متونه ورجاله, فسمع «الموطأ» للإمام مالك, و«الجامع الصحيح» للإمام البخاري, و«الجامع الصحيح» للإمام مسلم, و«سنن الدارقطني» وشيئاً من «السنن الكبرى» للبيهقي, وسمع «مسند الشافعي» وغير ذلك من المصنفات الحديثية وهو لا يزال في مقتبل العمر.
    وأجازه من مصر عدد كبير من العلماء. وكان ابن كثير كثير الاستحضار, قليل النسيان, حسن المفاكهة, جيد الفهم, يشارك في العربية وينظم نظماً وسطاً, ومن نظمه قوله:


    تمرُّ بنا الأيامُ تَتْرَى وإنِّما
    نُساقُ إلى الآجال والعين تَنْظُرُ
    فلا عائدٌ ذاك الشبابُ الذي مضى
    ولازائلٌ هذاالمشيبُ المُكَدَرُ



    انتهت إليه رئاسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير.
    وكان له تلاميذ كُثر. ولقد وصفه جمع من مشاهير العلماء بأوصاف كثيرة.
    قال الحافظ الذهبي في «المعجم المختص» فقال عنه «الإمام المحدِّث المفتي البارع» ووصفه بحفظ المتون وكثرة الاستحضار جماعة, منهم الحسيني, وابن العرافي.
    وقال ابن حِجّي: «ما اجتمعت به قط إلا استفدت منه, وقد لازمته ست سنين».
    وقال ابن حبيب: «إمام ذوي التسبيح والتهليل, وزعيم أرباب التأويل سمع وصنّف, وأطرب الأسماع بأقواله وشنّف(8), وحدَّث وأفاد, وطارت أوراق فتاويه في البلاد, واشتهر بالضبط والتحرير, وانتهت إليه رئاسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير».
    وقال ابن حجر: «كان كثير الاستحضار, وسارت تصانيفه في البلاد في حياته, وانتفع الناس به بعد وفاته, ولم يكن على طريق المحدِّثين في تحصيل العوالي وتمييز العالي من النَّازل ونحو ذلك من فنونهم, وإنما هو من مُحّدِّثي الفقهاء».
    وعقب الحافظ السيوطي على كلام الحافظ ابن حجر هذا في «طبقات الحفاظ» بقوله: «قلت: العمدة في علم الحديث معرفة صحيح الحديث من سقيمه, وعلله واختلاف طرقه ورجاله جرحاً وتعديلاً, وأما العالي والنازل ونحو ذلك فهو من الفضلات لا من الأصول المهمة».
    وقال غيره كما قاله ابن قاضي شهبة في «طبقاته» كانت له خصوصية بابن تيميَّة ومناضلة عنه واتباع له في كثير من آرائه, وكان يفتي برأيه في مسألة الطلاق, وامتحن بسبب ذلك وأوذي, وقد وافاه الأجل ـ رحمه الله ـ في شعبان سنة أربع وسبعين وسبعمائة ودفن بمقبرة الصوفية عند شيخه ابن تيميَّة رحمهما الله تعالى رحمة واسعة وأسكنهما فسيح جنانه. رثاه بعض طلبته بقوله:


    لفقدك طلاب العلوم تأسَّفوا
    وجادوا بدمـع لا يبيدُ غـزيزِ
    ولـو مَـزجوا مـاء المـدامـع بـالدِّما
    لكـان قــليلاً فيك يا ابن كـثيرِ

المواضيع المتشابهه

  1. مساجلة 2015 للفرسان / إشراف غالب الغول
    بواسطة غالب الغول في المنتدى مساجلات الفرسان
    مشاركات: 29
    آخر مشاركة: 01-23-2015, 08:18 AM
  2. قصائد مساء الخير / إشراف غالب الغول
    بواسطة غالب الغول في المنتدى الشعر العربي
    مشاركات: 59
    آخر مشاركة: 08-02-2014, 11:03 AM
  3. شذرات من ذكريات الخليفة عمر بن الخطاب / إشراف غالب الغول
    بواسطة غالب الغول في المنتدى مساجلات الفرسان
    مشاركات: 19
    آخر مشاركة: 05-20-2014, 07:35 PM
  4. المساجلة الرمضانية الحرة / إشراف غالب الغول
    بواسطة غالب الغول في المنتدى الشعر العربي
    مشاركات: 50
    آخر مشاركة: 08-07-2013, 09:44 AM
  5. جولة في عالم المدن العربية والعالمية/ إشراف غالب الغول
    بواسطة غالب الغول في المنتدى فرسان الأبحاث التاريخية
    مشاركات: 19
    آخر مشاركة: 07-20-2013, 04:32 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •