منتديات فرسان الثقافة - Powered by vBulletin

banner
صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 11 إلى 20 من 20
  1. #11
    (10) الطوفان ينحرف أحيانا

    قصة قصيرة، بقلم: يس الفيل
    ...................................

    في صدر المنصة جلس .. على رأسه تخفق الأعلام وإلى سمعه تتهادى أنغام الموسيقى ، ومقاطع الأناشيد الوطنية .. تلاحق الصواريخ وهي ترسم على صفحة الأفق صورا بديعة ، بينما المذيع ينقل إلى العالم وقائع الاحتفال بعيد التحرير الأول .
    الوزراء .. والسفراء .. وكبار القادة .. من حوله .. ورغم ذلك .. تغزوه الذكريات ، وتشده عنوة إليها .
    في الزمن الذي سما بالعلم ، وعلى الأرض التي احتضنت خطى الإسلام الأولى .. وبين من عرفوا للجار حقه ، وللأعراض حرمتها ، وللحب مكانته ، وللكرم قدره .. في هذا الزمن وعلى هذه الأرض ، وبين الأهل والعشيرة .. يحدث ما حدث .. هو لا يصدق ، رغم أنه وقع ، فوق تصوره ما كان ، وفوق احتماله ، أن يندفع الطوفان ، فيأتي على الأخضر واليابس ، ويجتاح بلا رحمة المكان والبشر والماضي والحاضر ، بل والآتي أيضا .. كاد ينهي حياته بيديه، لولا بقية من إيمان انبثقت من أعماقه ولولا فرجة من أمل ، لاحت من قلب هذا الليل البهيم ، يغوص في ذكرياته ، ينتشل مذيع الحفل الداخلي ، حين يعلن أن مفاجأة تنتظر العالم في النهاية ، يطفو على السطح برهة . يمد بصره إلى بعيد ، آثار الدمار لا تزال ، قطع الأخشاب ، كتل الخرسانة ، حاجيات الناس ، دماء متخثرة ، كل ذلك مختلط بهمجية ، متناثر هنا وهناك لا يستطيع أن ينسى ، يعود بذاكرته إلى ملجئه البعيد .. حيث قضى الليلة الأولى مذهولاً .. شئ في داخله يتكسر ، يتشظى ، قطع من زجاج تجرح وتذبح .. في الليلة الثانية .. يزداد ثقل الهم بمرور الساعات ، لكنه يستطيع أن يلملم شتات نفسه ، ويحدد لإدراكه بعض المنارات التي قد يطل على الغد القاتم ، في الليلة الثالثة كان قد استطاع أن يستوعب الحدث تماما ، يتذكر .. وهو حبيس الجدران منفردًا .. ذلك القائد الذي فر منهزما وهو يتطلع إلى حائط مخبئه ، ليتابع نملة ، تحمل حبة قمح .. غذاء الشتاء القادم ، تقطع بها الجدار صعودا وتسقط الحبة مرة ومرة ، وعشر مرات ، وعلى أبعاد متفاوتة ، من عشها في أعلى الجدار ، فلا تمل المحاولة ، ولا تسأم التكرار ، حتى يتحقق لها – في النهاية – ما تريد.
    يتذكر .. كيف ألهبت وجدانه حكاية النملة ، وكيف أحيت الأمل في قلبه ، وكيف حمته من السقوط .
    ما كان يرمي جوارحه بعنف هو انعدام الوفاء ، وغلظة الخيانة ، وعدوان الجار ، وجاهليته ، في الزمن الذي لم يعد فيه الكون غابة ، ولا الناس وحوشًا.
    عند هذا الحد .. غزت عينيه الدموع الحارة ، التي أوشكت أن تحرق مقلتيه ، وهو يستعيد ما كان .. استشعر الحرج ، أوشك أن يغادر المنصة ، شده الماضى إليه ، طفا على السطح ما اختزنته الذاكرة ، تجسدت أمامه صورة ذلك القائد ، الذي فرّ بدينه وكرامته إلى هذه الأرض ، تذكر كيف استقبله الأجداد ، وكيف أقام كريما ، ثم رحل عظيما ، مع بضعة من رجاله الشرفاء ، يسترد الحرم الآمن ، قطعة قطعة ، ينتزع الأرض من غاصبيها ويعاهد الله أن لا يلقي سلاحه ، رغم مرارة المسيرة ، وشدة المعاناة ، إلاّ بعد أن يضمد الجراح ، ويرفع الرايات على الثغور ، تكبر الله .. ويجعل الأمل في الوحدة عملا يقف شامخًا في وجه الأعاصير ، طفا على السطح موقف الجار المهيب ، ، وقد اكتسحه الإعصار سنينا .. وأوشك أن يجعله أثرا بعد عين ، وكيف أرخص من أجله كل غال ، التفاصيل قريبة العهد ، لم يطمس معالمها الزمن بعد ، قوت الأبناء ، دم الشباب ، الموقف ، الاستنزاف للموارد ، كل هذا تداعى إلى السطح ، دون أن يستدعيه ، راح يقارن بين من يفتح قلبه وبيته ، ويضحي بأمن بلده واستقراره ردًا لجميل طمست معالمه الأيام ، وبين أخ ظالم ، لم يكتف بالتنكر للجميل ، وإنما هو يحاول قطع اليد التي امتدت إليه بهذا الجميل .
    شد انتباهه بعض الهرج في طابور العرض ، للحظات تابع المشهد ، صاروخ من صواريخ الاحتفال أوشك أن يخترق الصفوف ، خرج من المقارنة باللائمة على نفسه ، حين سوّى بين الصالح والطالح ، كان يمكنه أن يتحاشى همجية الطوفان لو أنه مد البصر قليلا ، ولم يأمن الذئب حين ارتدى مسوح الحمل هربا من الصياد ، كان يمكنه أن يؤمن الجسور ويقويها ، ويضع الخطر في حسبانه ، فلا يدعها عرضة للانهيار أمام أول موجة تعلو ، كان يمكنه أن ينام يقظا ، عينه على الثغور والممرات والحواجز .. حتى إذا ما فكر الطوفان في الاجتياح ، وبدت طلائعه مسعورة ، ردّه إلى حيث أتى ، كان يمكنه أن لا يترك هذه المداخل خالية من الحماية ، هو يملك المال والعتاد ، ويملك أن يطلب ذلك من الأوفياء ، وهم حوله كثير .. لكنه يعود .. ويعزي نفسه ، بأنه ما غفل ، وإنما هو أمن ، دون أن يدرك أن الخطر يجئ من الإفراط في الأمان .
    دوامات من الألم تعصف به ، يخفف من حدتها .. أن الأرض لم تقهر ، وأن الوديان تستعصي على الطوفان وهي تتحول إلى أنفاق وخنادق ، تبتلع المدّ الغادر ، وتعلو تبابا تستحيل على الغزو تماما .
    طلائع الجيل الجديد ، تعبر من أمام المنصة ، الحفاوة بها بادية على وجوه من حوله ، وفي استقبال الجماهير لها .. المسيرة لم تتوقف .. ولم يتوقف هو ، يتخطى الواقع ، يتحسس مواقع أقدامه بحذر ، يخطو متماسكا ، فوق أرض احتضنته ومدت له جسور الأمل ، ليعبر إلى الصامدين من الخنادق البعيدة ، وكلما خطى خطوة ، كلما انفتح باب جديد لأمل جديد .
    كان قد تصور في لحظات اليأس ، أن الذئب قد ابتلع الفريسة ، وأن لا أحد في الغابة يستطيع أن يقول له إن الحمل لم يعكر عليك الماء .. لكنه وجد الغابة تتحرك ، وتثور ، ثم لا تلبث أن تصير ماردا ، لا يعبأ بالتهديد ، ولا ينخدع بالمناورات ، ولا ينطلي عليه الزيف .
    صحيح أن الخطوات سادها الهرج والمرج في البداية مما مكن الغدر من التغلغل في الأعماق ، ليحرق كفاح الماضي ، وأمل الحاضر ، وليدنس التراب الذي احتفظ بشرفه على مر العصور نقيا .
    صحيح أن الطوفان - في لحظات اليأس من التسليم له بالتهام الفريسة - قد راح يذبح ويسرق وينتهك ، بلا دين ، ولا ضمير ، ولا خلق ، وأن كبرياء الجرح ، كلما اجتث له ذراعا، بدا أخطبوطا بألف ذراع ، مما تصور معه أنه بات ملك الغابة ، لكنه كان قد نسي أن اليائس لا يخاف ، وأنه عندما يفقد الأمل وتؤدي كل دروبه إلى الخيبة ، فلا تكون إلاّ العاصفة الهوجاء .. نهاية لهذه المهزلة .
    عند هذه النقطة أفاق .. كانت موسيقى الختام حادة صاخبة ، كأنها قطع الرصاص ، تصب في أذنيه .
    بدأ يتململ ، بدأ الكل يتأهب للقيام ، حانت اللحظات الحاسمة .. لحظات الختام .
    هو يعرف حرمة الجار حتى لو جار ، ويضن بالدماء البريئة أن تراق سدى ، ثم إنه لا يريد أن يتحول إلى شمشون جديد .. لكن ماذا يصنع ؟! ..والاختيار فوق الاحتمال .
    الساحة أمامه تغلي ، السماء بدت ملبدة بغيوم لم يعهدها ، كل الدلائل تنذر بالانفجار ، الذيلا يعرف مداه ، وعلى الرغم منه .. كان عليه أن يختار.
    وينطلق المارد من القمقم .. الأرض تقذف حمما ، والسماء تمطر لظى .. يطول الانفجار، وينهمر المطر .. يتوقف كل شئ .. كلٌ يحبس أنفاسه ، ثم بعد حين .. لا يلبث هذا الطوفان ، أن ينحسر عن الأرض ، وعن البشر ، وتكون المفاجأة أن يتحول الطوفان إلى إعصار وأن يتحول هذا الإعصار إلى الاتجاه المضاد .. ليغرق ذلك الذي أيقظ الفتنة النائمة .. وأن يكون لحن الختام.. كما كان دائما : على الباغي تدور الدائرة .
    .................................
    * كتبت عام 1992م.

  2. #12
    (11) البـطــــل

    قصة قصيرة، بقلم: يس الفيل
    ...................................

    كالمارد .. انتصب على خشبة المسرح .. خطف أنظار المشاهدين .. تعلقت به ، شدني ، وهو يرفع عقيرته ، ثم .. وهو يكوم قبضته ، في حركة آلية مع ثني الذراع ، كمن يستعد للدخول في ملاكمة ..
    لاح الخصم في اللحظة المناسبة .. فتاة رقيقة ، هادئة ، بوجه لا انفعال فيه ، ولا ضغينة مكبوتة .. تحاول سترها .
    تناقض المنظر ، جعلني انكفئ على ذاتي ، أفتش في داخلى عن مهرب .. بعد أن تجسد أمامي شيطانا .. كلما حملق .. خلته يتوعدني فأزداد التصاقا بهدوئي ، وهروبًا إلى داخلي ، وكأنما قد أثارته بلادتي ، وانصرافي عنه ، فتضاعف هياجه المصاحب لسرعته ذهابا وإيابا .
    فجأة .. صفق البعض ، سرت عدوى التصفيق في الكل .. ثم انتقلت العدوى إلى الأقدام ، فتحركت ، وأحدثت جلبة وضوضاء .. انتزعني كل ذلك من غفلتي لأعايش الواقع المرير في الساحة المضطربة .
    الجو ينذر بعاصفة .. ورغم ذلك .. فقد ابتسمت البطلة .. وانسابت كالعطر .. ثم همهمت بكلمات واثقة .. ساد السكون على إثرها .. من جديد تتعلق بها الأنظار .. ثم لا تلبث شفتاها أن تنفرج عن لحن عذب ، يجسده صوتها المتهدج الرخيم .
    استطالت أذناى .. حتى لمستا شفتيها ، استقرت كلماتها في القلب ، رددتُ معها في عفوية :
    - أيها الغاصب مهلا .. إن للظلم نهاية .
    غزتني نشوة مبهمة ، أفقت منها على شد وجذب ، في المقعد الخلفي .. فتاة .. تهب مذعورة ، كمن لدغها عقرب ، تحاول الانصراف .. جارها يتعلق بها ، في همس أشبه بالاستجداء : اهدئي .. حاولي التغلب على مشاعرك .. لا تدعي فرصة للناس ، لتتقول علينا ، بينما هي تؤكد في عصبية : إنها لا تطيق رؤية هذا الجلف، المتسيد خشبة المسرح .
    تمتد أذناي على الرغم مني إلى الخلف ، بينما عيناى تسمرتا على المشهد أمامي .. والحوار متصل بين الفتى والفتاة .. لفح النار ، وبرودة الثلج .. تصارعا طويلا .. لكن .. تغلبت المياه على الحريق .. في النهاية .. يسألها باستعطاف ..
    - يبدو أنك على معرفة به ؟
    - بكل تأكيد .
    - كيف ؟ وبلا غضب .. قصي عليّ.
    وهي تكاد تبكي .. كان قد ظهر فجأة .. في الحي الذي نسكنه ، تساءلنا : من هو؟! من أين جاء ؟! ومتى ؟! وكيف ؟! لم نجد لأسئلتنا صدى .. فلا أحد يعرف له أصلا .. يتحشرج صوتها .. تتقطع الكلمات بين شفتيها ، كأنما تجئ من مكان سحيق .. شائعات .. في البداية .. لم نصدقها .. حتى حدث ما حدث .
    - وماذا حدث ؟
    شد انتباهنا ، بصفاقته ، وبلادة حسه ، وقوته البدنية الواضحة ، بدأ يثير الناس ، يتحرش بهم ، وامتد أذاه لكل من خالطه ، بات العراك سبيله ، على كل من لا يدفع أو يخضع مكرها .. لكن .. لكل ليل آخر .. قالتها .. وتنهدت !!
    - يبدو أن الحكاية جد ..
    - وهل تشك ؟..
    بغيظ تستطرد :
    - سأحكي لك ما حدث ، لكي تصدق .
    منذ عام أو يزيد .. طارد هذا البلطجي صبية من صبايا الحي .. مشهود لها بين السكان بالخلق والطهارة .. تعقبها.. كادت سخافاته تقضي عليها .. بدأ الهمس الخافت .. يجتاح الشارع الغاضب .
    قطع الحديث .. تطاول البطل على الفراشة الراقصة التي تتقافز فرحة وهي تغني .. فتتجاوب القلوب معها .. أثارته كلماتها ، حين صفق لها الجمهور طويلا .. فقد السيطرة على أعصابه تماما .. والكل يردد معها بصوت حاد : أيها الأفاّك .. إن الغدر آت لا محالة .. في جنون لكمها .. انهارت باكية .. احتد الجمهور ، سرت فيه عدوى الشهامة .. بدأ يصيح ويتوعد .
    أغلظ القول للصبية ، وهي تتحاشاه ، امتدت يده إليها في عرض الشارع .. صرخت .. انشقت الأرض .. عن شاب من شباب الحي .. غاية في البساطة .. أقترب منه ، أنبه .. أنتقد تصرفه المشين .. عز الأمر على البلطجي .. رأى في ذلك خروجا على الشرعية .. أحس بهيبته تسقط على الأرض .. كوم يمناه .. وثنى ذراعه .. لكن الفتى لم يعبأ .. بكل الثقة تحداه .. بتحد مماثل .. رد البلطجي .. وامتدت يده .. وكز الصبية .. صرخت .. وقعت على الأرض .. هنا تحول الحمل الوديع إلى أسد كاسر ، بيد جذبه .. وبالأخرى لكمه ، سال الدم من فمه ، وقع على الأرض ، جذبه من جديد - قبل أن يفيق من المفاجأة - سدد له سيلا من اللكمات .. انتفض البلطجي .. تحول إلى وحش جريح .. استقبله الفتى بما هو أهل له .. تدافع الناس ، ساد الهرج والمرج ، الصراخ والصخب ، الشد والجذب .. حوّل الساحة إلى سوق .. لا يُعرف الرابح فيه من الخاسر .. لكنها لحظات .. وإذا بالثور على الأرض يخور .. وقد تناثرت الدماء على وجهه وملابسه ، بقعا عشوائية .. وهو يحاول النهوض .. فلا يستطيع .
    - والنتيجة ؟
    - ماذا تتوقع ؟ انسحب خزيانا ، يلعق جراحه ، من يومها لم يظهر في الحي أبدًا .. ولم أنعم بمشاهدته إلا الآن .
    - أنت تبالغين .. لا شك .. إنه فرد آخر .. غير هذا الذي يقف على خشبة المسرح الآن .. إن هذا الرجل ممثل قدير .. مستحيل أن يكون هو ذلك البلطجي الذي تتحدثين عنه .. والذي احتل ذاتك من كثرة التفكير فيه .. والكرهُ له .. لكنها ترد بتشنج وحماس .. وصوتها يكاد يختنق من شدة الانفعال .. أنا متأكدة .. وليس لدي شكُ فيما أقول أبدًا .. ما قلته لك هو اليقين ما بعده يقين ..وحين تلمح الشك يغلف نبرات صوته ، وهو يجاملها معقبا .. تنفجر صارخة في وجهه - دون وعي - كيف تتصور أن مثلي .. هي التي تنسى موقفا .. كهذا .. وقد أوشك هذا البلطجي أن يقضي عليّ فيه ؟!
    قطع الحديث عليهما .. لعنات الجمهور تنصب على البطل .. بينما الستار ينسدل على الفصل الأول .. ورغم ذلك فما يزال يصطك بأذني .. صوت الفتاة الغاضب .. إن هذا المهرج .. وإن أجاد دوره المرسوم .. إلا أن النهاية معلومة .. معلومة تماما .
    ............................................
    * كتبت عام 1993م
    * نشرت بمجلة "الخفجي" السعودية ـ يونيو 1993م

  3. #13
    (12) النتيجة

    قصة قصيرة، بقلم: يس الفيل
    ........................................

    لم يكن يعلم أن النتيجة سوف تعلن في صباح الغد ، حتى لقد انتابه القلق واستولت عليه الهواجس وعصفت به الظنون .. كان الليل قد بدأ يرخي سدوله والظلمة قد راحت تلف المدى من حوله ، والسكون الرهيب قد أخذ يفترسه ، ويضاعف من وحدته النفسية القاسية .
    صحيح أن الكل من حوله ، الزوجة ، الابنة ، الأقارب ، الناس ، لم يتغير شئ في البيت ولا في الشارع ، ولا في الدنيا كلها ، لكنه هو الذى تغير ، فلم يعد يطيق ثرثرة ولا صخبا ولا ضوضاء ، تنبعث من المذياع ، أو من التليفزيون ، أو من القلة القليلة الملتفة حوله ، مما حمله على أن يدخل إلى غرفته ، متدثرا بالصمت ، متلفعًا بالسكوت ، حتى لا ينعكس ما بداخله على غيره ، وحتى لا يتصور أحد أنه قد علم بالنتيجة . ولأن الريح ضد الأمل ، فهو يخفي ما يعلم .
    في وحدته .. أطلق لخياله العنان ، تخيل نفسه يستقبل المهنئين ، الصادق منهم والمرائي والحاقد ، وهو يواجههم ، مرفوع الرأس ، عالي الجبهة ، بل وهو يتحدى إذا لزم الأمر ، بل إنه قد أنجب رجلا يغبطه الكل على شهادته الجامعية ، وأنه منذ الليلة ، لن يعيّره أحد بأميته التي لم يكن له ذنب فيها .. ومرة أخرى .. يتخيل ولده ، وقد اعتلى منصة القضاء ، ليحكم بين الناس بما أمر الله ، يرد الظالم عن ظلمه ، ويأخذ بيد المظلوم إلى مرفأ الحق ، مشاركا بعلمه في نهضة عالمه الذي يحتاج إلى العين اليقظة ، واليد القوية ، والعلم النافع ليحيا مرهوب الجانب .
    وكلما امتد به الليل ، ونشر أردية الهدوء من حوله ، كلما سبح بخياله أكثر وأكثر ، فيرى وحيده قد اجتاز الامتحان بامتياز يؤهله لمواصلة الرحلة العلمية، ويراه في النهاية دكتورا في الجامعة ، يقدم عصارة فكره وثمرة علمه ، لجيل جديد يحتل مكانه المرموق بين البشر .. وآه .. كم يحب هذا الولد .. الذي جادت به عناية الله ، بعد أن فقد الأمل في الإنجاب ، وصار قاب قوسين أو أدنى من اليأس والقنوط ، فحوّله مجيئه من إنسان مستهتر إلى حكيم، ومن مسرف إلى مقتصد ، ومن كاره للحياة إلى محب لها بكل جارحة فيه .
    لم يكن يتصور أبدًا .. وهو يقطع رحلة العمر ، والتي ذاق فيها ألوانا من الشقاء والنعيم ، وتجرع فيها صنوف الحزن والسرور ، أن الليل يمكن أن يطول بهذه الكيفية ، لكنه الآن يعيش التجربة بكل أبعادها ، حتى لقد خيل إليه ، أن الليلة لن تمر إلا بالقضاء عليه ، لكنه في غمرة اليأس .. تذكر فضل الله عليه ، تذكر يأسه من الإنجاب ، تذكر حاجته وضيق ذات يده ، وما هو فيه الآن ، مما أنعم الله به عليه .. فتاب وأناب ، ورجع إلى ربه مستغفرا ، لاعنًا الشيطان الرجيم ، لينهض من فوره .. فيتوضأ ، ويضرع إلى الله ، أن لا يخذله في جولة الغد أبدا .. لكنه لا يلبث أن يستمع إلى صوت المؤذن ينادي لصلاة الفجر .. فينطلق إلى المسجد .. وفي رحاب الله ينسى همومه ، ليعود أكثر هدوءًا .. وأقوى يقينا .. وليهيئ لنفسه للرحلة المرتقبة في الصباح حيث تعلن النتيجة في الجامعة ، التي لم يسبق له الذهاب إليها قبل الآن .
    كان يعرف الطريق إلى العاصمة ، ويعرف بعض الأماكن فيها ، بل ويستطيع تحديد موقع الجامعة على خريطة المدينة الكبيرة ، مما شجعه على التسلل من البيت مبكرًا ، دون أن يخبر أحدا من أهله ، بما عزم عليه ، حتى ولده الوحيد ، لم يخبره بما أراد ، ولم يحاول أن يصحبه معه ، حتى يجنبه الصدمة في حالة الفشل .. وحتى تكون المفاجأة أروع ، إذا منّ الله عليه بالنجاح ، لكنه غرق في دوامة من الحيرة وهو يقف على باب الجامعة ، فالمباني متعددة والطلبة فوق ما تخيل ، الكل في حركة دائبة . الكل متسرع ، هؤلاء مندفعون للداخل ، وهؤلاء مندفعون للخارج .. الصدام يتوالى، ولا أحد يتوقف .
    كان يتصور أنه بمجرد وصوله للمكان ، فإن الأمر سوف ينتهي بسهولة ، لكنه يكتشف الآن أن المشكلة أكبر من ذلك بكثير .. دلف من الباب الكبير ، راح يسأل عن كلية الحقوق ، وجد من يدله عليها ، راح يدور ويدور ، حتى اهتدى إلى مكان إعلان النتيجة ، تصور أن الحل أصبح في يده ، لكنه كان كمن يقبض على سراب .. كتل بشرية ، أجساد شابة ، عفية ، لا يستطيع اختراقها ، حاول .. كاد يسقط على الأرض ، انتحى جانبا ، وقف عاجزًا ، عزت عليه نفسه ، دمعت عيناه ، أحس بخطئه ، لو أنه أحضر ولده لما وقف هكذا مهيضا ، لحظات مرت .. لا يدري .. طالت أم قصرت .. وهو في وقفته يفكر ، ماذا يصنع .. لم يجد مخرجا سوى أن يحدق في الوجوه عساه يتعرف على بعضها ، أو يتعرف أحد منها عليه موقنا أن الله لن ينساه ، مرددا بعض أدعيات يحفظها ، وبعض سور من القرآن الكريم ، وهو لا يمل مصافحة الوجوه الغادية الرائحة .
    فجأة .. وجد من يشخص غليه ، متمعنا فيه ، ثم يقترب متفرسا، لكنه لا يلبث أن يكر عائدا .. أمسك بالخيط ، تشبث الغريق بالقشة ، نادى عليه ، أقبل الشاب معتذرًا :
    - حسبتك أبي ..
    لم يتركه .. اتجه إليه بكل حواسه طالبا المساعدة ، استجاب الشاب .. اندفع كالسهم في الزحام ، لكنه عاد بعد حين .. ليقول .. معتذرًا:
    - يا والدي ، لقد مزق الطلبة الكشوف .
    - وما العمل يا ولدي ؟
    - تعود .. وستجد ولدك قد علم بالنتيجة .. زملاؤه قطعا أبلغوه بها .. وربما قد حضر .. من يدري .
    - لم يخبرني يا ولدي بعزمه على الحضور .
    - وهل أخبرته أنت بحضورك ؟
    انسحب الرجل طعينا .. ألقى بجسده الواهن على الكرسي ، أتمت السيارة به حمولتها من الركاب .. كانت تتأهب للانطلاق .. تفحص الوجوه من حوله .. الأكثرية من الشباب ، بعضهم تخرجه الفرحة عن المألوف ، بينما يطرق البعض صامتًا ، تمنى في هذه اللحظة لو أن ولده كان بينهم ، وتجسد له الخطأ فادحا ، كيف استبد برأيه هذه المرة .. وهو الذي يستشير ولده في الصغيرة والكبيرة .. كل شئ كان أهون مما هو عليه الآن .. أنهكه القلق والسهر والاضطراب حتى النخاع .. ظهر كل ذلك عليه جليا ، همّ أكثر من مرة أن يسأل ، رفقاء الرحلة ، خاف من الصدمة ، عاش على الأمل ، من يدري .. فقد يكون من بين هؤلاء من يعرف ولده ، وبالتالي يعرف النتيجة .. احتضن همومه ، وانطوى على نفسه ، لم ينطق بكلمة ، قرر أن لا يخبر أحداًً في البيت بما كان .. وطال الطريق .. طال ، كأن السيارة لا تسير ، لم تغفل عينه ، لحظة ، وهو الذي تعود أن يغفو لحظات في الرحلات المرهقة . أخيرًا .. وصلت السيارة إلى نهاية المطاف ، هبط صاحبنا .. نقد السائق أجره ، انصرف مطاطئ الرأس ، السيارات العائدة من العاصمة تتوالى في مواجهته ، لا يلتفت إليها .
    فجأة .. سمع من ينادي عليه ، تلفت .. لم يجد أحدًا.. تصور أن الأوهام قد خيلت إليه ذلك .. سار خطوات .. لكنه مرة أخرى يسمع من يناديه .. .. وباسمه .. يتوقف تماما .. يلتفت للخلف مستطلعا ، من بعيد جدا ، أمعن النظر في القادم .. شاب يندفع ناحيته .. كاد قلبه يسقط بين ضلوعه ، تماسك ، أمعن النظر في القادم، لم يتعرف عليه .. لكن الأمل سمّره في مكانه .. الشاب يقترب ، وكلما اقترب ..اتضحت معالمه أكثر ، لحظات ، وكان الشاب يلقي بنفسه بين أحضانه ، يقبل رأسه ويديه .. وهو يقول بصوت مرتجف ، وفي كلمات متقطعة :
    - مبروك يا والدي .. الحمد لله .. نجحت اليوم .. بتقدير ممتاز ..
    ..............................
    * كتبت عام 1994م.

  4. #14
    (13) الميراث

    قصة قصيرة، بقلم: يس الفيل
    .......................................

    انبهاره بأبيه .. بتغلغله في كافة الطبقات ، بتواجده الفعال على الساحة ، بحاجة الناس إليه ، كل يوم ، وكل ساعة ، بصبره البالغ على جدل الخصوم ، كان مثار دهشته الممزوجة بالتعالي على الأقران .
    كثيرًا ما ردد المدرس عليهم حكمته : يأتي الخطر من مكمنه ، في محاولة للحث على الجد .. ونبذ التواكل ، والمبادرة إلى الإنجاز اليومي للواجبات .. لكنه لم يلق بالا إلى ما يقول . لا يذكر أن أباه تبرم يوما .. أو أصابه الملل لحظة .. أو عجز عن حل مشكلة ، تمنى أن يكون ذلك الأب الواعي المتفتح ، صاحب الرؤية النفاذة ، والعقل المدرك لأبعاد الزمان والمكان .
    أمر واحد كان يلجمه ، كلما جمحت ثورته .. أو اشتط غروره :
    - أبوك عمدة ، لكنه أمىٌّ .. والأمية عجز..
    لو لم تكن هذه الغصة في الحلق ، لما جاراه أحد في غطرسته يوما ..
    احتضن سخطه .. وهو يبذر الأماني في الأرض السبخة ، ويرفع القواعد على غير أساس .. وقد استهوته النظرات الملتاعة ، وأغرقته الشفاه المبتسمة دائما ، في طوفان من الأحلام المريضة صورته لذاته المتضخمة ، أن الكل متيم به ، غريق بين أمواج هواه .
    بدأ الرحلة مبكرًا ، اصطفى من الأقران - وهو لا يدري - المنافق والمداهن ، وأبعد عن ساحته .. متعمدًا كل مؤمن بالمبدأ ، ملتزم بالقيم والأخلاق .. نفخ المضللون فيه :
    - يا رجل .. أنت البطل .. أنت العمدة .. المستقبل بين يديك .. قدرك أن تكون مقصدا .. ويكون بيتك مزارًا .. أهناك أجمل من هذا ؟
    زينوا له الوهم .. حببوا إليه التراخي والكسل والإهمال .. قطع شوطا كبيرا .. يتسكع في الطرقات الملتوية ، أحس أبوه بما هو فيه ، ثار ، انتقد مسلكه ، أراد أن يوقف هذا التيار المكتسح ، الثورة المضادة كانت أعنف وأشد .. هجر الولد القرية .. أغرته الحبيبة المراهقة ، على اختصار الطريق .
    أنت الوارث الشرعي ، طال الزمن أم قصر . وراء السراب أبحر ، واثقا أنه لا منافس له على الميراث أبدا .. الجنون أصاب الوالد ، وهو ينقب في التربة ، بحثا عن ولده ، الذي ترك الدراسة ورحل ، حتى لكأنما ابتلعته الأرض ، استعان الرجل بالأهل والمعارف ، حتى العرافين والدجالين ، دار على أوكارهم ، دون أن يلوح بصيص من النور ، وسط الظلمة المطبقة .. ومن ثم فقد تضاعف ضغط الدم في عروقه ، لتنفجر شرايين الأمل .. ويتآكل الحلم ، ويسقط العمدة فاقد الوعي ، دون حراك ، مرة واحدة ، فتح عينيه فيمن حوله ، طالع الوجوه المحزونة ، لم يجد ولده ، علا أنينه المتوجع :
    - حتى وأنا راحل .. تضيع مني .. يا أمل ..
    ثم تنهد بصعوبة .. وأطلق زفرة .. أودعها كل حراراته ، وهمس : يا خسارة !! وأغمض عينيه للأبد .
    أيام .. وعاد الوارث .. يحصر التركة .. ويحصي المغانم .. يقرب من يشاء .. ويبعد من يريد .. الطيور - دائما - على أشكالها تقع ، انفرط العقد المتجانس ، لتلتف حوله ، بطانة السوء، صغيرا لا يزال .. حاول أن يجعل من الخليط المتنافر بديلا ، صور له الوصوليون أن الأمر سهل ويسير ، وأن الميراث خالد .. فقط عليه أن يجرب .. وسوف يرى .
    بدأ يمارس اللعبة .. اعتلى الكنبة .. وراح يمثل دور العمدة ، يرفع يدا .. ويخفض أخرى .. يميل يمينا تارة .. ويسارا تارات .. الصغار من حوله يباركون اللعبة .. غير أن الجلباب كان فضفاضا .. والعباءة واسعة .. فبدا للعيان .. قزمًا .. هزيلاً ..
    في البداية ، اعتمد على المخزون العاطفي ، لكن العواطف رمال متحركة ، لا يقر لها قرار ، تأرجح الميزان في يده .. حاول أن يستجمع الطاقات المدخرة ، ويلم الشتات المبعثر ، الذي طارده في البداية ، استعصى الجرح على الالتئام ، وتوارت من سمائه تلك النظريات الملتاعة ، والشفاه المبتسمة دائما ، بعد أن اشتدت كثافة الضباب .
    تلفت يبحث عن مخرج ، هؤلاء تنكر لهم ، وهو لا ينكر .. لكنهم بقايا أهله ، وذوو رحمه .. لم يتذكر حكاية الخطر ومكمنه ، التي لم يلتفت إليها صغيرًا .. ومراهقا .. إلاّ عندما ظهر المنافس على أرض الواقع .. لم يكن غريبا عنه .أحد أبناء العمومة ، الذي حاول أن يبعده عن المنحنيات المجهولة ، ويشده شدا من الأوكار المظلمة ، حفاظًا على شرف العائلة ، وسمعتها دون جدوى ، ودّ لحظتها أن يبدأ من جديد .. إنسانا آخر .. يعرف كيف يحافظ على الميراث ، إن لم يضف إليه .. لكن السقوط المدوي للضلال .. مهما أحاطته الجهالة بأسلحتها ، لا يستطيع أن يوقف زحف الحق ، المسلح بالعلم والإيمان .. ومن ثم تكون النتيجة المحتومة :
    "انتقال الميراث .. لمن يستحق" .
    ..............................................
    * كتبت عام 2000م.

  5. #15
    (14) الجائزة

    قصة قصيرة، بقلم: يس الفيل
    ..........................................

    الله أكبر .. سمعها الرجل الكبير .. انتفض كيانه .. هبط درجات السلم ، مسرعًا .. وقف يؤدي ركعتي السنة .. عيناه مركزتان على موضع سجوده ، سريعًا أنهى ما هو فيه ، قبل أن تقام الصلاة .
    ما أثار انتباهه حقا .. هو تراجع من هو أمامه ببطء ، متوخيا الحرص ، على أن لا يلفت إليه نظر أحد ممن هم حوله .. ورغم إدراكه لأبعاد هذا الفعل ، الذي أنكره بينه وبين نفسه ، إلاّ أنه لم يستطع أن يوقفه ، أو يجد له تفسيرا مقنعا .
    استغرقته الصلاة تماما ، وإن كان هذا الخاطر ما زال يقبع في أعماقه ، مما حمله على التلفت قبل أن يغادر المكان .. ليتحقق مما أثار شكه وألهب ظنونه ، غير أن دوامة العمل ، وتعلقه الشديد بأمر الهاتف ، وبتلك المكالمة الهامة التي بات يحلم بها ، كل هذا حال دون وضع حد لذلك الخاطر ، الذي اقتحم بوابة فكره ، واحتل الداخل بعنف ، على غير موعد أو انتظار .
    خلف مكتبه جلس ، يستكمل ختام صلاته .. لحظات .. وبدأت الحركة في البنك تأخذ مسارها المعتاد .. أطل من نافذة مكتبه على الصالة التي كانت في جانب منها مصلى .. فوجدها قد امتلأت بالعملاء من جديد .. هذا يراجع نقوده . وذلك يسرع لإيداع ما يريد .. وهذه أمام الشباك متحفزة ، تتابع الصراف الذي يعدّ لها النقود ، وتلك تستفسر عن كيفية الحصول على قيمة الشيك الذي أودعته للتحصيل .. ومتى يتم لها ذلك .
    قفل النافذة ، مطمئنا إلى أن حركة العمل تسير على خير وجه .. لكنه وهو يحاول تجميع شتات عقله .. أفاق على من يضع كوبا من الشاي على المكتب برفق .. وينصرف دون جلبة أو ضوضاء ، مما أعاده لمشهد الصلاة مرة أخرى .. ووضعه في بؤرة الاهتمام ، بذلك الذي تراجع ببطء من أمامه ، دون النظر لمن هم وراءه .. ودون أن يثير انتباه أحد .
    همّ أن يناديه .. لكنه أمسك .. أفكاره المضطربة أوقفته .. ماذا يقول لهذا الرجل الطيب ؟ وكيف يتفادى الحرج .. وهو واقع لا محالة ، إذا لم يحسن اختيار اللحظة .. ويدقق كثيرا فيما يجب أن يقول .
    هنا ارتفع رنين الهاتف ، وبالتالي ارتفع مؤشر الأمل لديه ، لكنه سرعان ما تراجع ، ليخلف صراعا حادا .. استعاذ بالله .. وتشجع .. دق الجرس .. حضر العامل مرة أخرى سريعا ، وعلامات الدهشة تتراقص بين عينيه ، بينما يد المدير تشير إليه ، وتحثه على الاقتراب .
    ازدادت حيرة العامل ، واتسعت دائرة استنكاره ، وسرت الرعشة في أطرافه ، بينما وجهه يتصبب عرقا ، رغم استسلامه لأقداره ، وقناعته بما أفاء الله عليه من دخل يلبي مطالب أسرته ، حيث لم يعد يعنيه سوى الحرص البالغ على أن يستمر هذا الفضل ، ليتمكن من تعليم أولاده .. فقد يرى من بينهم الصالح مثل هذا المدير الذي فضله على الزملاء .
    لم تستغرقه الأحلام طويلا .. فقد رأى المدير يشير إليه بالاقتراب من جديد .. فاقترب .. واقترب ، حتى أوشك أن يقع بين أحضانه ، بينما الآخر يحملق في الباب ، كأنما يحثه على إغلاقه .
    خبرة العمل سنوات طويلة ، جعلته يترجم النظرات والإشارات إلى سلوك وأفعال .. من هنا سارع بإغلاق الباب ، وتأكد من ذلك بالضغط على مقبضه مرة أخرى .. وإن كانت الحيرة تسد عليه منافذ الإدراك .. فهو لم ير المدير مرتبكا مثلما يراه الآن .. ورغم ذلك .. فقد عاد يقف بين يديه دون حراك وإن كان القلق والاستياء قد أخذا يتناوشانه ، ولمح المدير ذلك على وجه الرجل .. فأمسك بيده .. وهمس في رفق :
    - يا أخي أنا مدير البنك ، نعم .. وأرؤس هذا الحشد من العمال والموظفين .. هذا ما أعرفه .. وما تعرفه أنت أيضا .. وهو ما يجب أن أحرص عليه ، وما يجب أن يحرص عليه الجميع ، استكمالا لهذا المظهر .. الذي بدونه يختل دولاب العمل ، أما ما بيننا وبين الله .. فالأمر يختلف .
    لست تعرف أنت .. ولست أعرفُ أنا .. مَنْ مِنا أفضل عند الله من الآخر .. وما فعلته أنت في صلاة الظهر ليس مقبولا ، ولن يرضى عنه الله أبدا ..
    ثم استطرد :
    - ربما أتقدم عليك أمام الناس .. لكني .. أمامه سبحانه وتعالى .. قد أتأخر عنك آلاف الأميال ..
    وواصل في تأثر بالغ :
    - ما بيننا وبين الناس شئ .. لكن ما بيننا وبين الله شئ يختلف تماما .. أفهمت ؟
    وهمّ باحتضانه .. لكن رنين الهاتف ينطلق عاليا ، بتهنئة حارة على الترقية التي انتظرها طويلا .
    ويجلس المدير مشدوها ، بينما تقف الدموع حائرة في مقلتيه ، لا تسقطها على الخدين رطبة ندية ، سوى قبلات العامل الطيب .. تتوالى على جبهة المدير..
    .....................................
    * كتبت عام 2003م
    * نشرت بالمجلة العربية السعودية ـ شعبان 1424هـ (أكتوبر 2003م)
    * كما نشرت بمجلة "الخفجي" السعودية ـ رجب 1425هـ (أغسطس/سبتمبر 2004م)

  6. #16
    (15) الورقــــة الماليــة

    قصة قصيرة، بقلم: يس الفيل
    .........................................

    سنوات طويلة .. عاش يحلم أن يمتلك مثل هذه الورقة ، التي رآها في حافظة بعض الناس ، ليبدأ مشروعه الذي يرى فيه الخلاص مما يعاني ، دون أن تعجزه المطالب اليومية الملحة ، وضآلة المرتب ، وسكنى المدينة بما تفرضه على الأعزب من التزامات .. وغير ذلك مما يحول دون إقامة مشروعه .. الأمل .
    فجأة .. وهو يسير في الشارع .. يرى مثل هذه الورقة .. ملقاة على الأرض وقد اختلطت بالتراب ، بعد أن داستها الأقدام ، فتثنّت زواياها ، وتآكلت أطرافها مما شوّه معالمها ، وجعلها شيئا باليا .
    التقطها .. ثم وضعها في جيبه ، دون أن يتأكد منها .. بينما هو يتلفت يمنة ويسرة ، ليرى زميله حسن يتفحص أرض الشارع ويمسحها بنظرات متلهفة ، كأنه يبحث عن شئ فقده ، لكنه يتخلص من هذا الزميل ويبتعد عن موقع بصره ، بعد أن انتابه شعور جارف أن الورقة التي التقطها هو ، إنما هي خاصة بهذا الزميل ، الذي يكاد يفتش المارة بحثا عنها .
    أسرع الخطى ، توارى في أول شارع يقابله . لم يشأ إخراج الورقة من جيبه ، مخافة أن تلحظها نظرات زميله أو سواه من البشر ، ليقينه أن حسن يتبعه أينما يسير ، وأنه كلما أسرع في خطاه، ازدادت سرعة من يطارده ، مما حمله على التلفت إلى الوراء ، لكن زحام الشارع وحركته الصاخبة تحول دون رؤية من فيه جيدا ، مما جعله يؤكد لنفسه أنه أصبح من الضروري صرف هذه الورقة ، وذلك بشراء ما يلزمه منها ، ويأخذ الباقي نقودا أخرى جديدة، غير معلومة لدي صاحبها ، حتى إذا حدثت المواجهة التي يخشاها لا ينكشف أمره ببساطة ، لكنه يخاف إن هو فعل ذلك ، أن يكون زميله من خلفه يتعقبه .. وهنا تكون الفضيحة التي لابد منها بين الزملاء .
    هنا يتجه إلى مسكنه الخاص بسرعة ، ليرى إن كانت هذه الورقة حقيقة أم مجرد وهم جسدته حالته المادية المتدنية ، ثم ليتدبر أمره في روية ، وعلى انفراد ، لكنه سرعان ما يعتريه همٌ جديد ، يفقده اتزانه كلية ، ومن ثم يسأل نفسه متأوها :
    "نعم ، أنا ضللت حسن وهربت منه ، فلم يستطع أن يراني في الزحام .. نعم أنا فعلت ذلك معه .. وحسن مخلوق مثلي .. فهل أستطيع أن أفعل ذلك مع الخالق ؟ الذي لا أشك في أنه قد رآني يقينا .. إن الحساب أمام الله أشد قسوة من الحساب أمام العباد .. ثم أين البركة فيما أسعي إليه ، إن كان رأس المال من حرام ؟".
    أسئلة كثيرة دارت برأسه ، نغصت عليه فكره ، وشتتت ذهنه ، وألقت به في دوامة من الأخذ والرد .. لا تنتهي .
    نسي تماما لماذا خرج مبكرا من عمله قبل موعد الانصراف ، نسي أنه على موعد مع الأهل ، حيث يعيشون بعيدا عن المدينة التي عُين بها مراجعا للحسابات ، بعد حصوله على المؤهل الجامعي ، نسي أنه يريد أن يحمل للأسرة بعض روائح المدينة ، من طعام وثياب ، نسي الهم الذي أرقه طوال الليل ، يفكر كيف يدبر أموره .. ومن أين سيلبى هذه المطالب ، والمرتب لا يكفيه إلا بالكاد ، ولا أحد ممن حوله أحسن حالا منه .. فكلهم في الهم سواء ، مما جعله يدير حوارا طويلا مع نفسه فيما يجب ومالا يجب .. وهنا تبرز من جديد مشكلة الورقة المالية ، وماذا سيصنع بها .. ويرد مؤكدا أن الضرورات تبيح المحظورات ، وأنه يستطيع بعد فترة وجيزة من تحقيق الحلم برأس المال الذي في جيبه ، أن يحتال ويرد الورقة إلى صاحبها ، كأن يلقيها تحت مكتبه أو يدخلها من فرجة باب مسكنه الذى يعرفه جيدا ، دون أن يراه أحد .. لكنه يعود ويتساءل : ومن يضمن لي أن حسن هذا هو صاحب هذه الورقة ؟ ثم أليس الأفضل لي ولمشروعي ، بل ولمستقبلي كلية .. أن أبنيه بالعرق والكفاح والمال الحلال ، ليبارك الله فيه؟ لكنه يعود بعد تفكير لم يطل هذه المدة ، يستبعد أن يبدأ برأس مال ملوث ، كذلك يستبعد أن تكون الورقة التي استحوذ عليها ملكية خالصة له ، من هنا يقرر فجأة .. ودون مقدمات أن يبحث عن صاحبها : بالعودة إلى المكان الذي وجدها فيه .. والسؤال هنا : إن كان أحد من الناس قد سأل عن ورقة مالية فقدها .. حتى لو أدى ذلك إلى إرجاء السفر للأهل .. أو حتى إلى إلغائه من الأساس ويكفيه عُشْر هذا المبلغ ما دام حلالا .. ثقة منه أن الحلال هو بداية الطريق للوصول إلى الهدف المنشود، ولكن وهو في طريقه إلى المسكن يتنفس الصعداء .. بعد أن وصل إلى حل مقبول لهذه المشكلة الشائكة التي داهمته على حين غفلة منه .
    وبحركة آلية يضع المفتاح في الباب ، ويدلف إلى الداخل على عجل ، لكنه ما يكاد يستخرج الورقة من جيبه ويفردها أمام ناظريه حتى يصاب بالذهول ، حيث يكتشف أنها ليست مالية ، ولا قيمة لها على الإطلاق ، وإنما هي رسم مشابه اقتطعه محروم مثله من إحدي المجلات المتخصصة .. وهنا يحمد الله ، ويتنهد بارتياح بالغ ، بينما يده تشبع الورقة تمزيقا ، وفي عصبية يلقي بها بعيدا ، بينما الكلمات تتقاطر على شفتيه متشنجة : "الجوعان يحلم بسوق العيش" .
    ........................................
    * كتبت عام 2005م

    [overline]
    (انتهت المجموعة)
    [/overline]

  7. #17
    الفاضل د/ حسين
    تحية لك
    جميل ما قدمت
    لى عودة قريبا
    يحيى هاشم
    يا قاتلى فلتنتظر وامنح قتيلك بضع ثوان
    واخض السيف قليلا اننى ماعدت أبصر من
    اللمعان

  8. #18
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة يحيي هاشم مشاهدة المشاركة
    الفاضل د/ حسين
    تحية لك
    جميل ما قدمت
    لى عودة قريبا
    يحيى هاشم
    شُكراً للأديب القاص الأستاذ يحيى هاشم
    مع موداتي.

  9. #19
    اسجل قرائتي للقصة الاولى
    سعيدة بانضمام قلم رائع في سماء القسم الادبي
    بنت الشام-سوريا

  10. #20
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بنان دركل مشاهدة المشاركة
    اسجل قرائتي للقصة الاولى
    سعيدة بانضمام قلم رائع في سماء القسم الادبي
    بنت الشام-سوريا
    شكراً للأديبة الأستاذة بنان على المشاركة،
    وكل عام وأنتم بخير

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

المواضيع المتشابهه

  1. النص الكامل للتوراة السامرية باللغة العربية
    بواسطة محمد عيد خربوطلي في المنتدى فرسان المكتبة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 01-10-2015, 03:00 AM
  2. النص الكامل للتوراة السامرية باللغة
    بواسطة محمد عيد خربوطلي في المنتدى فرسان المكتبة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 01-07-2014, 06:21 PM
  3. النص الكامل للتوراة السامرية باللغة العربية
    بواسطة ريمه الخاني في المنتدى ركن اللغة العبريه
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 09-06-2013, 08:06 PM
  4. النص الكامل لمجموعة «قطعة سكر» لبدر بدير
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى منقولات قصصية
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 04-01-2009, 07:36 AM
  5. النص الكامل لمجموعة «الدار بوضع اليد» لحسين علي محمد
    بواسطة د. حسين علي محمد في المنتدى فرسان القصة القصيرة
    مشاركات: 16
    آخر مشاركة: 05-01-2008, 07:00 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •