www.omferas.com
شبكة فرسان الثقافة

عبد الكريم عبد الرحيم يغادر صهوة التعب/في ذمّة الله/عدنان كنفاني

0

(في صباح هذا اليوم 8 نيسان، آثر شاعرنا الفلسطيني الكبير عبد الكريم عبد الرحيم (أبو مصباح) أن يغادر هذا العالم، ويخرج من حومة التعب، بين جانحيه حلمّ متوقّد بفلسطين، بصفد، بالجرمق.. كانت قضيته، وقلقه، نزف نبضه من أجلها، وكتب لها روائع قصائد، فكان الوفيّ الصادق المناضل.. يرحمك الله يا أبا مصباح، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم.)

عبد الكريم عبد الرحيم يغادر صهوة التعب
في ذمّة الله
عدنان كنفاني

(في صباح هذا اليوم 8 نيسان، آثر شاعرنا الفلسطيني الكبير عبد الكريم عبد الرحيم (أبو مصباح) أن يغادر هذا العالم، ويخرج من حومة التعب، بين جانحيه حلمّ متوقّد بفلسطين، بصفد، بالجرمق.. كانت قضيته، وقلقه، نزف نبضه من أجلها، وكتب لها روائع قصائد، فكان الوفيّ الصادق المناضل.. يرحمك الله يا أبا مصباح، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم.)

أيها الفارس النبيل: كلما سمعتك، أو قرأتك، أبحث عن مفردةٍ أحملها برفق كأنها عطر زجاج أخاف أن يتكسّر، كي أهديك اسماً.. صفةً، ما أن أسيّلها على لساني، حتى أجدها أقلّ من تطلّعي لقامتك، وأقل من أن أطلق وصفاً يعبّر من خلال مفردة واحدة عنك..
تارة أراك قبّرة فلسطين، وتارة أراك عصفورها، وبلبلها، وغرّيدها الشجيّ، وتارة أخرى أراك نسرها.. لسانها.. مرّة قلت أنك سنديانة فلسطين، فقلت لي: أنا أرقّ من يباس جذعها.
عندما تتظلّل بدفء الوجدان، أرى فلسطين في عينيّ محبوبتك.
أرى زيتون صفد، وجرمقها، ومسجدها، وسبلانها تتدفق عطوراً وهي تتفلّت من ذاكرتك الغنيّة.
آه يا أخي النبيل، لماذا استبقت السفر.؟
يوم ودّعنا محمود فلاحة إلى مثواه الأخير، سألتني: إذا متُّ هل ترثيني.؟
قلت لك: وإذا أنا متّ هل ترثيني.؟
قلت لي: لن أرثي سواك.!
يا صديقي النبيل، كنت أعزّي نفسي بكَ، أن تبقيني على قائمة الحضور عندما أغيب.. أن ترثيني، وها أنا ذا، أغصّ بالحزن، ولا أجد كلمات تصل إلى قامة رثاء..
وهل يبقى من طيفٍ للمفردات وللأمكنة بعدَك.؟
ابتسامتك النبيلة.. وصدى بوح متفلّت من ذاكرةٍ مشحونةٍ بصفاء الذكريات، تُسيِّل أشجانها على صمت صالةٍ، أو فسحةٍ قريبة من السماء كم سَكَنتْ على وشوشاتنا.. وكم تألّقت بنور الحق والحقيقة.
آه يا أخي الجريح..
كنت أسمعك.. أقرأ في وجهك الوسيم نبضات الحب، وفواصل الأشعار، ورصف الذكريات، وملاعب صفد.
هذا المنبر الأليف ما زال ينتظر أوراقك وأشياءك كي يستعيد وهجَهُ.
أراك بين الشباب، تناغي تعلّقهم بالأصالة، وتعلّمهم أن اللغة انتماء، والدين عقيدة، والحقّ فضيلة.
أراك.. قبل أن يتفتّح الصباح، تخرج إلى العالم البسيط، تتجوّل في الحارت القديمة، وتستريح في عبق الذكريات، ورجفات الوطن، والأصالة النبيلة.
آه يا أخي الغريب.
كان صدرك لنا وطن، وقلبك دفء، وحبك يقين..
جاءني صوتٌ من بعيد، ينبض بالحزن، ويغصّ بالدموع، قال كلمتان: “مات أبو مصباح”.! فنَزَفتُ أوجاعي دفعة واحدة، تصوّرتُ أن الأرض حقيقة تنقصُ من أطرافها دونك، حاولتُ أن آتيكَ وأنت مسجى على فراش الانتهاء، لكنني أشفقت عليك، وأعرف أنك آثرت أن تغادر عالم التعب والانتظار.
أيها القدر الحاكم.. كيف تُعلِنُ غربتي عنه وأنا على ذلك الحدّ القريب منه.؟
أسمعه.. أراه.. أتحسس نبضات الألم القاهر المسكون فيه، وأعرف أنه الأقوى، يشكّل الحياة كما يهوى، ويزيّنها بذلك الترف الشوقي المخزون في ذاكرته التي لم تكفّ عن شحنه بالعطاءات.
ثم.. يأتي موسم الزهر، موسم نيسان، فيقرر الرحيل، إلى هناك، إلى المدى الأرحب.
يحمل تعبه، ويسافر.. يسدل ستائر سوداء على بياض عينيه، ليفتح أيقونات روحه، يتحسس الموجودات التي يعرفها مقيمة معه، كم وكم عايشَ طقوساً غريبة عن أبجديته، فما نافق، ولا تملّق، بل تمسّك أكثر بطقوس أصيلة مزيّنة بالإيمان والأخلاق والنبل.
أتعبته الرحلة، فآثر أن ينفضَّ عنّا، ويسافر ذات فجأة دون تلويحة وداع، يسبقنا جميعاً إلى ذاكرةٍ لم تجفّ، إلى بيت وحارة وشجيرات وورود وحانوت يسكنون، ما زالوا، في الذاكرة، ليطلَّ على مدينة أرستْ مراكبَها في صدره، فكانت له الزاد كلما أوجعته الغربة.
سبقنا إليها.. طار فوق الحزن المقيم، وخلع عن كتفيه دهشة الانتظار المملّ، وألقى عن كاهله تعب الحصارات.
طار إلى وطنه الذي لم يغادره، يحمل معه بشائر الربيع، وطيوف الذكريات النابضة أبداً صوراً تترامى على شاشةٍ ملوّنة بالعطر والجمال.
أراه الآن يعانق السابقين، يرسم تلك الابتسامة التي ما فارقت، رغم طوفان القهر، تفاصيل وجهه النبيل، يظلّلها بترفٍ من نوع لا يستطيع أحد أن يدركَ كنهَهُ، ويعجنها بالشوق ليستقبل وطنه.
الرحلة قاسية حدّ الفزع، مؤلمة حدّ الصراخ، لكنه عايشها، واستطاع، رغم المتغيرات غير المعقولة، أن يبقى على حدّ الصمود.
علِّمنا يا عبد الكريم، أيها الحاضر الغريب، كيف “نصعد إلى الطوفان” وكيف “ندخل في مفردات المكان”.. كيف نهدي “للقدس معراج فرح”، كيف “نعترف للندى” وكيف “نقيم بين موتين وعرس”  .؟
علّمنا كيف نُهدي “من فضّة الروح أقماراً لغزّة” .؟
علمّنا كيف نشتاقُ إليك ولا ننزفُ وجعاً ودموعاً، وكيف نحبكَ بلا دموع.
وقل لنا لماذا تعجّلت الإقامة “قريباً من الجرمق” .؟
وداعاً يا صديقي النبيل، وداعاً أيها الغريب الصادق، وداعاً يا أعزّ الناس..

ـ   ـ   ـ

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

bodrum escort bayan ankara escort bayan mobile porn wso shell