www.omferas.com
شبكة فرسان الثقافة

الخصخصة في الأردن/أسامة عكنان

0

إنه لمن قبيل إدراك أن هيمنة الدولة على الحراك الاقتصادي يتطلب روحا أخلاقية عالية في المجتمع، لا تربط بالضرورة بين القطاع العام والفساد، أن نعترف بأن الخصخصة أو التَّخاصِّيَّة أو الخَوْصَصَة كما يُطْلِق عليها المغاربة،

الأردن أسوأ نموذج في العالم لخصخصة القطاع العامالخصخصة في الأردن مجزرة وطنية وكارثة قومية

أسامة عكنانعمان – الأردن

 إنه لمن قبيل إدراك أن هيمنة الدولة على الحراك الاقتصادي يتطلب روحا أخلاقية عالية في المجتمع، لا تربط بالضرورة بين القطاع العام والفساد، أن نعترف بأن الخصخصة أو التَّخاصِّيَّة أو الخَوْصَصَة كما يُطْلِق عليها المغاربة، تُقَلِّلُ من عدم فعالية الشركات بسبب ما تَضْطَرُّها إليه من مواجهة متطلباتِ انضباطيةِ التنافس وقواعده الصارمة في الأسواق، وهو ما ينبثق ابتداءً عن تقليص دور الدَّوْلَة في الاقتصاد. هذا الدَّور الذي تعارفنا – لأسبابٍ غير مُبَرَّرَة منطقياًّ – على أنه يقود إلى انعدام الفعالية، وإلى ما يصاحب هذا الانعدام غالباً من فسادٍ أو إساءةٍ في استخدام الموارد. إن اللجوء إلى التَّخاصِّيَّة أسلوبا في إصلاح البُنىَ الاقتصادية المهترئة، نتج عن اعتقادٍ خاطئ مفاده أن التَّوَرُّط في الفساد يكون أصعب بكثير في اقتصادٍ مفتوحٍ شفافٍ مِماَّ هو في اقتصادٍ تُهيمن عليه الدولة، وتَجري فيه الصفقات المشبوهة خلف أبوابٍ مغلقة.ولعله لهذه الأسباب اعْتُبِرَت الخصخصة إحدى أدوات استقرار السياسة الاقتصادية من ناحية تخفيف العبء عن كاهل القطاع العام، وبخاصة العجز الذي يعاني منه القطاع الحكومي نتيجة دعم وتَمويل المؤسسات الحكومية المُتَعَثِّرَة. وإننا سنقفز عن مناقشة مقولة اعتبار الخصخصة حلاًّ لأزمات الاقتصاد الأردني، تاركين ذلك إلى دراساتٍ أيديولوجيةِ الطابع، لنناقش الحكومات الأردنية المتعاقبة في مردود الخصخصة على الصعيد الوطني، لنكتشف أن الأمرَ لم يتغير لا على صعيد الحد من الفساد المالي، ولا على صعيد مَنْهَجَة السرقة والنهب، حتى ومجموعة “التبعية” الغارقة في تمرير الدور الوظيفي للدولة الأردنية ترفده بمختلف عناوين الإصلاح التي يُرَوِّجون لفعاليتها ليل نهار.المخلصون والوطنيون أصحاب الانتماء الحقيقي والولاء المتحرر من الذاتية والشَّخصانية، يُحَدِّدون الأهدافَ الوطنية أولا، ثم يبحثون عن وسائل تحقيقها بعد ذلك. أما اللامنتمون وأذناب مراكز رأس المال العالمي من طفيليي التخوم، فيحدِّدون أهدافا غير وطنية تتمثل بادئَ ذي بدءٍ في الأجندة المرحلية التي يُفترض تنفيذها في سياق الدور المفترض، أو في برنامج سلب ونهب المال العام الذي سيعملون على ممارسته عبر حقبة من الزمن، ثم يبدأون بعد ذلك بصياغة الخطط والبرامج الأقدر على تَحقيق أهدافهم تلك. ليست هذه خرافة وجدناها في أساطير ألف ليلة وليلة، بل هي عين ما يَحدث في الأردن المكلوم بطعنات حكوماته التي تعاقبت على تزييف وعيه وتدمير اقتصاده وانتمائه وهويته على مدى عشرات السنين مضت.فنحن إذا قمنا بتحديد الأسباب والأهداف التي تقف بوضوحٍ وراء تبنيِّ سياسة “الخصخصة” في الأردن، سنعرف على وجه الحقيقة إن كانت خصخصة القطاع العام الأردني مطلبا اقتصاديا لا فكاك عنه، أم أنها مجرد مشروع مشبوه أملته متطلبات تنفيذ الأجندات الأجنبية التي تقف على رأسها كلها “تفاهمات واشنطن” التاريخية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، ومجرد طريق التفافية على الثروة الوطنية تتيح فرصة من نوع مختلف لأنياب الفساد الذي لا يرحم كي تنغرز فيها، لتصبح مهمة تحديد الاستخدامات المناسبة والمثالية للأموال التي يتم توليدها نتيجةً للتنفيذ العملي لبيع القطاع العام إذا ثبتت ضرورته بطبيعة الحال، مهمة سهلة. ولهذا السبب فنحن بحاجة إلى معرفة دقيقة وواضحةٍ بالهدف الذي تسعى سياسة “الخصخصة” إلى تَحقيقه. فمثلا إذا كانت تلك السياسة تَهدف إلى تَخفيف العبء المالي عن بعض المشاريع التي تَمتلكها الحكومة، فإن البدء ببيعِ المشاريع الخاسرة وتعزيز المشاريع الرابِحة، يغدو هو الوسيلة الأنسب للتعاطي مع فكرة “الخصخصة”، لا أن يتم بيع كل شيء، وبدءا بالمشاريع الرابحة والرابحة جدا، وبأثمان بخسة لا تعكس القيم الحقيقية لتلك المشاريع.ولكننا بالعودة قليلا إلى الوراء، وبالتحديد إلى تاريخ انطلاقة برنامج التصحيح الاقتصادي، يتَّضِح لنا أن الرؤية الاقتصادية الأردنية الرسمية وفي كافة أبعادها كانت ضيِّقَةً للغاية، إلى درجة أنها كانت مَحصورةً بشكل أساسي في حدود الموازنة العامة للدولة، وضرورة إعادة التوازن إليها وتجنيبها تداعيات اختلالاتها التي لا تنقطع، بسبب سياسات الحكومات غير الرشيدة، لتَنْبُع منها المشاريع التنموية لاحقا. وهذا هدفٌ مشبوهٌ للغاية، مادامت الموازنة هي المجال الأضمن والأنسب للنهب والسلب بدون حسيب ولا رقيب في دولة لا سلطة فيها لأحد على المال العام سوى حكومات لم يَخترها الشعب ولا بأي شكل من أشكال الاختيار، ولا همَّ لها إلا اقتسام الغنائم المستباحة، ومص دماء الشعب، بعد اعتصاره إلى آخر قطرة من دمه. أي أن الطبيب أراد أن يُجَمِّلَ وجه مريضه – هذا أذا افترضنا بالفعل أنه كان يريد تجميله، وأنه لم يتخذ من هذا الادعاء الكاذب حجة لتخريب وإفساد أعضاء جسده الأخرى – وذلك دون النظر في احتياجات بقية جسده، الذي تنعكس عليه كافة آثار الاختلالات التي أصابت هذا الوجه ابتداءً. فراح يُجَمِّلُه على حساب ذلك الجسد الذي تفاقمت حالته وازدادت سوءاً. وهو الأمر الذي جعل الوجه نفسه كي يَتَجَمَّل ذلك التَّجَمُّلَ المُخادعَ، في حاجة ماسة إلى اقتطاع أجزاءَ من الجسد المنكوب أساساً وزرعِها فيه. وهكذا فقد راح الوجه المُزَيَّف التَّجميل يستنزف كلَّ طاقات الجسد بلا رحمة دون أن يتجَمَّلَ هو أساسا.إن الرؤية الاقتصادية الصحيحة كان يجب أن تنصب باتجاه تنمية البلد أوَّلاً، كي تتحسَّن حالة الموازنة لاحقاً، لا أن تتحسن هذه الموازنة – شكلا وليس مضمونا – على حساب التنمية الحقيقية. لأن المعادلة الصحيحة، هي أن الموازنة العامة ليست إلا انعكاسا كاملا لحالة الاقتصاد، ولوضع التنمية، ولمستوى رفاهية المواطنين في بلد ما، وهي المؤشرات التي تُمكن قراءةُ حالتها ومشكلاتها واختلالاتها من خلال قراءة الموازنة العامة للدولة في ذلك البلد وليس العكس. فالشعب الغني يَخلق حكومةً غنية وليس العكس. والحكومة عندما تفكر في إغناء نفسها دون أن يكون ذلك عبر إغناء الشعب أولاً، فإنها في الواقع تغني نفسها عبر إفقاره وتدميره. لقد كان الحديث في كواليس الحكومات الأردنية المتعاقبة يدور على مدى العقدين الأخيرين وبشكل دائم، حول كيفية المحافظة على دخل الحكومات ومستويات إنفاقها المرسومة على مقاسات دولة غنية ومرفهة، ليست مستعدة لأن تأخذ في الاعتبار واقع شعبها وحالة الفقر التي يعاني منها، في حين كان يَجب للحديث في تلك الكواليس أن يدور حول كيفية إغناء المواطن الذي سيؤدي إغناؤه إلى ظهور دولةٍ غنية وحكومات غنية.إن برنامج الخصخصة الأردني كما يظهر للعيان عمل ومازال يعمل في الاتجاه الذي يدفع نحو إغناء حكوماتٍ على حساب إفقار شعب. ولأن المنطق يقتضي أن تتحرك الحكومات وفق ما تُمليه مصالح شعوبها. ولأن إغناء الحكومة على حساب إفقار الشعب ليس في مصلحة الشعب بأي حال، فهذا يعني أن الإغناء الحكومي ليس هدفاً بريئا، بل هو هدف لغاية أخرى لا يُمكنها أن تكون بعيدة عن خَلْقِ الظروف المواتية للحكومات وللفئات التي تُمثلها مصلحيا داخلها وخارجها، لنهب ما يُمكن نَهبه من أموالٍ وثرواتٍ تتيحها الخصخصة كبَنْدٍ جديد من بنود التوريد النقدي لخزينة الدولة المخرومة مع الأسف.وللتعرف على آفاق هذا الاستنتاج الذي نوجه بموجبه أصابع الاتهام، وكل مبررات الإدانة إلى الحكومات الأردنية التي تعاقبت على حكم هذا البلد خلال ربع القرن الأخير، فإننا سنلقي نظرة رقمية حقيقية على واقع خصخصة أهم مؤسسات القطاع العام في الأردن، لنكتشف بما لا يدع مجالا للشك أن من فعلوا ذلك، لم يكونوا يفكرون لا في وطن ولا في مواطن، ولا في بطالة أو في فقر أو فقراء، ولا في جيل حاضر ولا في أجيال مقبلة، ولا في إنقاذ مؤسسات متعثرة. وأن كل ما كان يشغلُهم، هو ملء جيوبهم، ونهب أقصى ما يمكن للِصٍّ أن ينهبه من مال متاح ومباح، وجدَ نفسَه صاحبَ القرار الأوحد في إدارته والتصرف فيه دون حسيب أو رقيب، بناء على متطلبات تنفيذ أجندة أجنبية مشبوهة وضعته أمام هذا الجسد المستباح كي ينتهكه بلا رحمة، فغرز أنيابه فيه وولغ في حرمته. 1  –  شركة مناجم الفوسفات.. مُنِحَت الشركة بعد خصخصتها وبيعها لمن سُمِّيَ شريكا إستراتيجيا، حقوقَ التعدين في مناجم “الرصيفة” و”الحسا” و”الرشاديه” و”الوادي الأبيض”. إن الاحتياطي المؤكد من الفوسفات في تلك المناجم قُدِّرَ حتى عام 2008 بحوالي “1,450” مليون طن من المادة الخام بشكلها المناسب للتصدير، وهو شكلها في مرحلة ما قبل “السحق”. فإذا علمنا أن السعر العالمي للطن الواحد من مادة الفوسفات الخام “قبل السحق”، بلغ في عام 2009، ما قيمته “400” دولار أميركي. لأدركنا عِظَمَ الجريمة التي ارتكبها من باع هذه الشركة في حق هذا البلد، عندما يتبين لنا بحسبة بسيطة أن القيمة الفعلية للاحتياطي المؤكد من ثروة الأردن من الفوسفات، تقدر بـ “580” مليار دولار، وذلك بالأسعار الجارية لعام 2009، في حين تم بيع حصة الحكومة في هذه الشركة في إطار برنامج الخصخصة، بمبلغ “88” مليون دينار فقط، أي بما لا يتجاوز الـ “125” مليون دولار. وقد حققت هذه الحصة الحكومية وحدها ربحا مقداره “238” مليون دينار، خلال عام  2008،  أي أن أرباح الحكومة من هذه الشركة لسنه واحدة، يعادل ما يقارب ثلاثة أضعاف المبلغ الذي بيعت به حصتها.2  –  شركة البوتاس العربية.. أُعْطِيَ الشريك الإستراتيجي “الكندي” بموجب عقود المبايعة في إطار خصخصة هذه الشركة، الامتياز الحصري بحق استخراج الأملاح والمواد الكيماوية في كامل منطقة البحر الميت وعلى مدى شاطئ بعمق “1” كيلومتر. ولقد بيعت حصة الحكومة في شركة البوتاس العربية بمبلغ “126” مليون دينار، أي بأقل من مائتي مليون دولار أميركي. وقد وصلت أرباحها عام 2008 إلى “311,4” مليون دينار، أي ما يتجاوز قليلا الـ “435” مليون دولار بالأسعار الجارية. وهكذا يتضح آن أرباح الشركة لعام واحد فقط قد قاربت ثلاث أضعاف المبلغ الذي بيعت به، علما بأن سعر الطن الواحد من البوتاس الذي تنتجه الشركة، بلغ ما يقارب الـ “320” دينار، أي حوالي “450” دولارا بحسب الأسعار الجارية لعام 2008.3 – شركة الإسمنت.. لقد باعت الحكومة حصتها في شركة الإسمنت عام 1998 الى مجموعة “لافارج الفرنسية” بمبلغ يثير الريبة هو “70” مليون دينار، أي “100” مليون دولار أميركي فقط. علما بأن لهذه الشركة مصنعين، أحدهما في منطقة “الفحيص” والأخر في منطقة “الرشادية”. وقد حققت الحصة الحكومية في الشركة عام 2008 ربحا مقداره “118” مليون دينار، أو أقل قليلا من “170” مليون دولار أميركي، وهو ربح يكافئ قرابة الضعفين إلا قليلا من المبلغ الذي بيعت به تلك الحصة. إننا حين نحاول التعرف على فلسفة الخصخصة التي قامت عليها فكرة بيع تلك الشركات الثلاث الوطنية الكبرى الأهم في الأردن، سنكتشف أن الثروة الوطنية الإستراتيجية التي تعكسها الشركات الثلاث، سواء على صعيد المادة الخام التي تتعاطى مع معالجتها، والدلالات الفعلية لها في حجم ثروات الأردن الطبيعية التي تم رهنها بهذه الصفقات المهينة والمشبوهة، أو على صعيد مردوديتها المباشرة كشركات تصنيعية منتجة، تم التَّصَدُّق بها على الشركاء الإستراتيجيين بسخاء غير مسبوق، سنكتشف الفاجعة التي أصابت الأردنيين وهم يرون أهم شركاتهم قد بيعت، وأميز مخزوناتهم الطبيعية قد رُهِنَت، بمبلغ “284” مليون دينار، أو ما يعادل الـ “400” مليون دولار أميركي. ولقد تمكنت تلك الشركات من تحقيق أرباحٍ تجاوزت الـ “667” مليون دينار، أي ما يقارب المليار دولار أميركي، خلال سنة واحدة فقط. فحكومات الأردن الرشيدة جدا في التعامل مع الثروة الوطنية، ونظيفة الأيدي بامتياز من أي تهمة بالفساد والولوغ في المال العام، تبيع مصدر ثروة متجددة يَدُرُّ على خزينة الدولة العاجزة دوما وبتصاعد لا يتوقف عاما بعد عام، ما مقداره “مليار” دولار سنويا، ليتوقف هذا المورد المتجدد نهائيا بعد بيع مصادره تلك، وذلك بمبلغ مقطوع وغير متجدد وغث ومهين، يبعث على التقيؤ والاشمئزاز والشعور بالأسى، يقل حتى عن نصف ذلك الإيراد المتجدد الذي كان يقف على اعتاب آفاق تطوير وتفعيل ممكنة ومتاحة تمت إضاعتها وتبديدها إلى الأبد.وإذا واصلنا متابعة المجزرة التي ارتكبت بحق القطاع العام في الأردن، لوجدنا العجب العجاب. فـ “شركة الكهرباء الأردنية” التي أُسِّسَت وبُنِيَت وتُطَوَّرت بفعل الضرائب التي كان يدفعها الأردنيون، والتي أوصلت التيار الكهربائي إلى ما نسبته “100%” من مناطق المملكة، وهي أعلى نسبة في العالم العربي، بيعت بمبلغ “52” مليون دينار أو ما يعادل الـ “70” مليون دولار، لشركة “دبي كابيتال”، مع أن ممتلكات هذه الشركة من مباني ومعدات ومحطات وتجهيزات، تقدر بأكثر من مليار دينار، أو ما يعادل “1,4” مليار دولار أميركي.أما منطقة “العقبة” وهي بالمناسبة الإطلالة الأردنية الوحيدة والضيقة على البحر، فهي أرض من الأردن عاثت فيها الحكومات فسادا وإفسادا وبيعا ورهنا، مُغَطِّيَة على العمولات والرشاوي التي فاحت روائحها، بكذبة الخصخصة والاستثمار الفعال والشركاء الإستراتيجيين، وسمِّيَت “منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة”، دون أن ندري كيف ولماذا ولا من الذي أعطى الحق لهؤلاء في أن يفعلوا بها ذلك. لقد تخلت الحكومة بموجب “القانون الخاص” الذي ابتدع لتدار به المنطقة عن كافة صلاحياتها فيها، محيلة هذه الصلاحيات إلى ما تمت تسميته “مجلس مُفوضي العقبة”. ونتساءل عن القيمة المضافة التي حققها هذا القانون للاقتصاد الوطني، في ظل إدارة ذلك المجلس الذي يصعب اعتباره شيئا آخر غير كونه “مجلسا للصوص” سُلِّمَ مصير ما يعرفه الأردنيون جميعا باسم “ثغر الأردن الباسم” الذي تحول إلى “ثغره الحزين” بامتياز؟! يقول المسؤولون في المفوضية إياها، أن حجم الاستثمار في العقبة قد تجاوز الـ “16” مليار دينار، أي ما يعادل الـ “23” مليار دولار، علما بأنه لم يتجاوز على أرض الواقع كما تشير إلى ذلك المستندات الرسمية، ما قيمته “2” مليار دولار. فقد بيعت شواطئ العقبة كاملة بهذا المبلغ. منها منطقة الميناء بمبلغ “700” مليون دولار لشركة “المعبر الدولية للاستثمار”، علما بأن ثمن أرض الميناء الحقيقية وحدها بدون التجهيزات، تزيد عن الـ “6” مليارات من الدولارات. كما بيعت أرض الشاطئ الجنوبي لمشروع “تالابيه” بسعر لا يتجاوز الـ “5,000” دينار أي “7,000” دولار للدونم الواحد، علما بأن قيمة الدونم الحقيقية في تلك المنطقة قد بلغت “مليون دينار” أو ما يعادل الـ “1,4” مليون دولار. فإذا تمت إضافة المليار والثلاث مائة مليون دولار التي تمثل إجمالي ثمن أرض الشاطئ الجنوبي، إلى الثمن الذي بيع به ميناء العقبة، لما تجاوز المبلغ الملياري دولار كما أشرنا. فلم يكتفِ ذلك المجلس بالسلب والنهب وتلقي الرشاوي والعمولات لبيع العقبة ورهنها، بل راح يغطي على سياسته تلك بالكذب الصريح!! والمسلسل نفسه يتكرر عند الحديث عن “شركة الاتصالات الأردنية”، التي بيع ما نسبته 88% منها الى شركة “فرانس تيليكوم”، بمبلغ “508” مليون دولار، علما بأن أرباح الشركة السنوية بناء على تاريخ سجلاتها قبل البيع تتعدى قيمة ما بيعت به بكثير. شركة الطيران الوطنية “الملكية الأردنية” لم تنجُ من هذه السياسة المدمرة. فلقد تم إلغاء كونها “مؤسسة أردنية” وتم تحويلها إلى “شركه استثماريه قابضة”. وتم فصل نشاط الطيران فيها عن النشاطات المساندة، بعد أن تمت خصخصتها. حيث بيعت “مجمعات صيانة محركات الطائرات” و”تموين الطائرات” و”مركز التدريب” و”الأسواق الحرة” و”أكاديمية الطيران”، لشركات أجنبيه بمبلغ “122” مليون دولار. كما أن “مطار الملكة علياء الدولي” وكافة مرافقه تديره شركه فرنسية، علما بأن السعر الحقيقي لهذه البيوعات يزيد عن “600” مليون دينار، أي ما يعادل قرابة الـ “870” مليون دولار. كما تم بيع كامل حصة الملكية من “شركة عالية للضيافة” و”فندق عالية” و”رويال تورز” الى مستثمرين أجانب بأثمان بخسة للغاية.وفضلا عن كل ما سبق من ذبح مهين للمؤسسات الكبرى في القطاع العام، فقد بيعت وبأسعار زهيدة ولا تعبر عن قِيَمِها الحقيقية كل من “سلطة المياه” و”فندق الأردن” و”حمامات ماعين” وحصص الحكومة من الأسهم في كل من “بنك الإسكان”، و”بنك القاهرة عمان”, و”بنك  الصادرات والتمويل”, و”بنك الإنماء الصناعي”, و”مصنع رب البندورة” في الأغوار،  و”الألبان الأردنية”, و”البتراء للنقل”, و”الأجواخ الأردنية”, و”الدباغة الأردنية”, و”الخزف الأردنية”, و”العربية الدولية للفنادق”, و”الأردنية لتجهيز الدواجن”, و”مصانع الورق والكرتون”, و”المؤسسة الصحفية الأردنية”. إذن فنحن أمام مجزرة حقيقة استهدفت القطاع العام الذي مثل على مدى سنوات طويلة صمام الأمان للموازنات الحكومية المترنحة باستمرار بفعل الفساد والمفسدين، والحاضنة الآمنة للاهتزازات المتتابعة في الاقتصاد الوطني على أيدي هؤلاء اللامنتمين، مجزرة باعَتْه بثمن بخس لم يتجاوز الملياري دولار. فماذا بعد ذلك؟!نحن في الأردن لم نُخَصْخِص، أو يُفْتَرَض أننا لم نُخَصْخِص لكي ندعمَ الدينار الذي يَنعم بوضعٍ مستقر منذ زمن طويل. وما كان هذا الدعم ليكون أحد أهداف الخصخصة. كما أننا لم نُخصخص لكي نضع أموالنا المتأتية من وارادت الخصخصة في البنك المركزي. فالحكومة التي لا تعرف كيف تستثمر هي التي تضع أموال الشعب في البنك تحت تصرفها الدائم. كما أنه يوجد تحت تصرف الحكومة في البنك المركزي من العملات الأجنبية ما يغطي حاجات الأردن من الواردات لمدة كافٍية تزيد عن الثلاثة الأشهر بشكل دائم، في حين كنا نفاخر في الماضي بمخزون نقدي ملائم وآمن، حتى عندما كان يكفي لمدة تقل عن الثلاثة أشهر. وإذن فالتَّحَدُّث في هذا الموضوع كسببٍ لوضع أموال الخصخصة تَحت تصرف الحكومة هو حديث مشبوه وغير بريء، ويهدف إلى إتاحة الفرصة لوضع أموال الخصخصة تحت سيطرة الحكومات كي تعبث بها كيفما تشاء، “وكأنك يا بوزيد ما غزيت”.. فإذا كانت الخصخصة هي ملجأُنا للهروب من الفساد ومن سوء إدارة موظفي القطاع العام للمؤسسات التي خُصْخِصَت كما يروج لذلك من خصخصوا وباعوا ورهنوا القطاع العام، فهل يُعقل أن تودعَ أموالُ الخصخصة مرةً أخرى في أيدي من سحبنا منهم المؤسسات العامة المباعة بِحجة الفساد وسوء الإدارة؟!إن عوائد التَّخاصِّيَّة استخدِمَت في المكسيك في التعليم وفي تنمية البنية التحتية. وفي الفلبين في شراء أراضٍ زراعية للفقراء. واستُخْدِمَت في السينغال من أجل دعم وتطوير المشاريع والصناعات الصغيرة والمتوسطة التي تعود بالفائدة على الفئات الفقيرة والمُعْدَمَة. أماَّ نصف عائدات الخصخصة في فنزويلا فقد استخدم في الابتكار التقني وفي تطوير الصناعة. وجزءٌ كبير من عوائد خصخصة المؤسسات التركية وُضِع في صندوق للتأمين ضد البطالة. والأمثلة الناجحة والمُشَرِّفة على استخدام أموال الخصخصة في صالح الفئات التي تحتاج إليها من الشعب كثيرة. ولا يتسع المجال لذكرها جميعها تفصيلا. فماذا عن الأردن؟! وماذا فعلت حكوماتنا العتيدة بإزاء هذه الخبرات الإنسانية الماثلة أمامَها؟!من أصل 660 مليون دينار عائدات الخصخصة لغاية عام 2001 تم استخدام 130 مليونا فقط في مشاريع عشوائية وهزيلة، فيما بقي الجزء الآخر أو اسْتُخْدِمَ في تغطية التزامات حكومية لها علاقة بالموازنة المختلة على الدوام. أما الـ 130 مليونا فقد تَمت بعثرتها على النحو التالي.. “3” مشاريع في قطاع الصحة، و”3″ مشاريع في قطاع المياه والزراعة، و”3″ مشاريع في قطاع الإسكان، و”4″ مشاريع في تسديد الدَّين المحلي، ومشروعان حكوميان خدميان، أحدهما في شراء مبانٍ للحكومة، فيما تمثل الآخر في تعزيز دائرة الجمارك، بالإضافة إلى مشروعٍ واحد في قطاع التعليم.فعلاوة على هَزالَة القيمة الإجمالية من الأموال المستخدمة في هذه المشاريع من إجمالي عائدات الخصخصة المُحَصَّلة لغاية عام 2001 – ونحن هنا لا نتحدث عما حصل لعائدات الخصصة بعد ذلك العام والتي بلغت لوحدها قرابة الـ “800” مليون دينار أضيفت إلى مبلغ الـ 660 مليون دينار السابقة، فهذه قصة مؤلمة لمنظومةٍ متكاملةٍ من سياسات الفساد والإفساد لوحدها – وعلاوة على هَزالَة نوعية هذه المشاريع، فإن الخطورة تكمن في طبيعة هذا المزيج الغريب من المشاريع التي تم تَمويلها من عائدات الخصخصة، والمفتقر إلى أي تجانس قد يوحي بالجدية أو بالمسؤولية الوطنية للقائمين على الموضوع برمته. إن ما أوردناه من استخدامات مَعيبة لجزءٍ يسير من هذا المورد الهام، يكشف عن نَمطٍ خطير في استخدامِ مصدرٍ للأموالِ غير متجدد ولا متكرر الحدوث كما هو شأن الكثير من بنود الموازنة السنوية. وسوف يتم استنفاد هذا المورد ببساطة وسرعة – وقد حصل ذلك بالفعل – إذا استمرت الحكومات في استخدامه مثلما تستخدم حاليا موارد التمويل المتأتية إلى خزينتها. إذ أن تجزئةَ أموال الخصخصة على هذا النحو الغريب والمفَتِّتِ لفاعليتها، ستقف عقبةً دون تَحقيقها لكامل طاقتها وإمكانياتها المُتَوَخاَّة في تفعيل التنمية والنمو الاقتصاديين في البلد. ولكن هل كانت الخصخصة بالأساس سياسة تهدف إلى تحقيق التنمية؟! بالتأكيد لم تكن الخصخصة سياسة تهدف إلى ذلك. إن الذي حصل يشير إلى خطةٍ منهجيةٍ تَهدف إلى توزيع غنائم الخصخصة التي تتعامل معها الحكومات على أنها أموالٌ سائبة، أو ملكا خاصا لها، على مجموعة مافيا الفساد والنهب والسَّلْب؟!إن بعثرة الإنفاق من شأنها – وهذا مبدأ أصيل في أبْجديات التخطيط الاقتصادي في أيِّ بلد – أن تُقَلِّل من أهمية القوة والفاعلية التمويلية التي تنطوي عليها كتلة مالية ماَّ. وبالتالي فبدل أن نكون بصدد الحديث عن مليار دولار ككتلة واحدة وقوية التأثير في سياق حل أي خلل من تلك التي يعاني منها الاقتصاد الوطني، فإننا بِحسب سياسة الحكومة سنرى تلك الكتلة وقد تبعثرت إلى قطعٍ صغيرة لا تترك أي أثر إيجابي اقتصاديا أو اجتماعيا. وهو الأمر الذي نَخسر معه وإلى غير رجعة الفرصة الكبيرة التي أتاحتها لاقتصادنا المُنْهَك هذه الكتلة المالية، التي لن تتاح – مع الأسف – إلاَّ مرَّةً واحدة رغم ضآلتها بالقياس لحقيقة أسعار ما بيع بها. إن هناك مجموعة من الأشخاص تفعل المستحيل لتخلق لنفسها الآليات التي تساعدها على امتصاص أقصى ما تستطيعه من هذه الكتلة المُسْتَباحَة، قبل أن تنفدَ، فتفوتها هذه الفرصة النادرة للسرقة الميسٍّرة.وأمام واقعة أن الحكومات تقوم ببعثرة هذا المصدر التمويلي النادر والمهم وغير المتجدد علانية وعن سابق إصرار، غير مباليةٍ بوصفها بالحماقة والرعونة، أو حتى بالجهل وبانعدام الخبرة، فلا شك إذن في أنها تفعل ذلك قابلةً لأن توصف بهذه الأوصاف المهينة، لسبب وجيهٍ هو عندها أهم وأجدى وأنفع، في ضوء مُخططاتها المرسومة للتعامل مع هذه الكتلة المالية. ولا يُمكن لهذا السبب أن يكون شيئا آخر غير خلق الفُرَصِ الدافعة نَحو كفاءة توزيع مغانم الخصحصة المتاحة على محترفي تفتيت أموال الشعب خدمة لأجندات مشبوهة. ولعل شيئا من التمحيص يساعدنا على تَلَمُّس هذا المنهج التطويقي المدروس والمقصود، والمتمثل في إحاطة أموال الخصخصة بكل ما يساعد على تَحقيق الهيمنة الحكومية الكاملة عليها، مادامت هذه الهيمنة هي البوابة الميسرة لتمرير كل ما يراد تمريره من أجندات الارتهان وبرامج النهب.فقد نصَّت المادة “12/ أ” من قانون التَّخاصِّيَّة رقم “25” لسنة “2000”، على إنشاء صندوقٍ خاص يسمى “صندوق عوائد التَّخاصِّيَّة” في البنك المركزي، تودع فيه جميع عوائد التَّخاصِّيَّة، ويتولى مجلس التَّخاصِّيَّة وهو مَجلسٌ وزاري يترأسه رئيس الوزراء، الإشرافَ على هذا الصندوق. كما حددت الفقرة “د” من المادة نفسها الأغراض التي ستُسْتَخْدَم فيها عوائد التَّخاصِّيَّة، وبقرارٍ من مجلس الوزراء. وعند تفحُّص هذه الأغراض، تَتَكَشَّف خطورة منهج الحكومة في التعامل مع هذه الكتلة التمويلية النادرة من العائدات رغم ضآلتها.. فمن بين الأغراض التي أشارت إليها الفقرة “د” من المادة “13/ أ” من القانون المشار إليه، ما يلي..1 – شراء الديون المترتبة على الحكومة للاستفادة مِماَّ يتأتى لها من خصمٍ على هذه الديون، أو لتسديدها عن طريق المبادلة أو أي طريقة أخرى يقرها مَجلس التَّخاصِّيَّة ويوافق عليها مَجلس الوزراء.2 – الاستثمار في أصولٍ مالية.3 – تَمويل النشاطات الاقتصادية والاستثمارات الجديدة في قطاعات البُنْيَة التحتية ذات المردود الاقتصادي والاجتماعي المجدي، والتي تساعد في تَحقيق التنمية المستدامة على أن تُدْرَج في قانون الموازنة العامة.ولنا مع هذه الغايات الثلاث وقفة فاحصة نَحاول من خلالها استجلاء مؤشرات الخطورة في اتجاهات الحكومة وهي تتعامل مع أموالِ الخصخصة. فقيام الحكومة بسداد الدَّين – بناءً على ما ورد في الغاية الأولى – لا يعني إصلاحاً اقتصاديا، بل هو يعني هدرا اقتصاديا وإمعانا في الربط الاقتصادي بِمؤسسات الإقراض المختلفة. إن سداد الدَّين يُعطي الحكومة فرصةً للاقتراض من جديد، خاصة في ظل تغير الحكومات السريع في الأردن، وإلقاء العبء من حكومة على أخرى، خاصة وأن سياقات الاقتراض مُلَغَمَة بمنطق العمولات والخصومات التي تُدرج بالاتفاقات السِّرِّيَّة ضمن أصل الدين الذي سيتكبده الشعب في نهاية المطاف، فلا بأس في أن يُحَمَّلَ الشعب التزاماتٍ مرهقةً مستقبلا، مادام هذا هو السبيل الوحيد لايجاد الآليات التي تستطيع تلك الحكومات أن تلتف من خلالها للإمعان في الفساد. أما مقايضة الدين فيعني أن الأردن حَرم نفسه من فرصة الإعفاء من الدَّين والتي قد تتم بعد فترة زمنية قصيرة ونتيجة للتطورات في المنطقة. كما أن مثل هذا الاستخدام سهلٌ ويتم في كواليس القطاع العام ودون أي مشاركة من القطاع الخاص، حتى وإن يكن على مستوى الرقابة. وبهذا تكون الحكومات الأردنية قد باعت الأصول مقابل الدين دون أي إعادة لتوظيف هذه الأموال التوظيف المجدي لصالح البلاد. فما هو السِّرُّ الخفي وراء إصرار الحكومات على إدراج هذا الغرض في قانونٍ يَجعل تصرفاتها بهذا الخصوص مشروعة وقانونية؟! إننا نتساءل فقط!!أما البند الثاني المشار إليه في قائمة استخدامات أموال الخصخصة، فهو بند شديد الخطورة، حيث أن الحكومة قد أعطت لنفسها الحق بموجبه في إعادة استثمار هذه الأموال. وهنا نجد أن واضع هذا القانون قد تناسى عن عمدٍ شيئا مهما، ألا وهو أن التخاصِّيَّة يُفْتَرَض من حيث المبدأ أنها ثورةٌ مُهذَّبَة ضد القطاع العام وفساده وعجزه وسوء إدارته للمال العام، ثورة قائمة على اعترافٍ ضمني بأن الحكومة ليست قادرة على استثمار الأموال على الوجه الأمثل، ولا هي مؤهلة لإدارتها بشكلٍ يبقي يدَ القائمين على تلك الأموال نظيفةً، وأموالَ الشعب معافاة من الهبش والنَّبْش. فكيف يُسْمَح لها بالاستثمار إذن؟! أليست صياغة القانون على هذا النحو هي محاولة التفافية لإعطاء الحكومة فرصةَ الدخول من الشباك بعد أن خرجت من الباب، لتعود إلى نفس الأموال السائبة، بعد أن حولتها من مؤسسات إنتاجية تحافظ على التوازن الاقتصادي في المجتمع إلى نقد سائل يسيل لرؤيته متاحا في البنك المركزي لعاب اللصوص المتحكمين في إدارته؟!لقد بات واضحا أن التَّخاصِّيَّة في الأردن إنما هي “تسييل نقدي” لمؤسسات القطاع العام، بعد أن لم يعد مُمكنا اعتصارها أكثر مما تم فعله بها عبر عقودٍ من الزمن مضت، وكل ذلك تمريرا لوصفات المراكز الرأسمالية العالمية عقب “تفاهمات واشنطن”. إنها تَحويلٌ لهذه الأجساد المؤسَّسِيَّة التي لم تكن خاسرة بالمناسبة، لأنها كانت ترفد خزينة الدولة بمئات الملايين من الدنانير سنويا، إلى سيولةٍ نقدية تفقدها صفة أنها مورد رئيس من موارد الثروة القومية المستدامة، وصفة أنها منجزات شعبية تحافظ على استقرار البلاد من تقلبات اقتصاد السوق المدمرة. أماَّ في البند الثالث من بنود القانون الناظم للتَّخاصِّيَّة ولعائداتها، فقد وضع المشرع فكرةً غاية في الخطورة، تَحُدُّ من فاعلية المسألة برمتِها وتُحولها إلى حبر على ورق، وذلك بأن تم جعل ما يُنْفَق من أموال التخاصية جزءا من نفقات الحكومة العادية والمُدْرَجة من خلال موازنتها العامة السنوية، ولهذا التَّوَجُّه عدة مخاطر نوجزها فيما يلي..أ – استخدام أموال التَّخاصِّيَّة كإيراد للخزينة كلما دعت الحاجة. وهذا يفتح شهية المفسدين والفاسدين كلما وجدوا فرصة لممارسة هوايتهم في الإثراء على حساب المال العام. فمادام هناك مال غير مستخدم وغير مُحَدَّد أوجه الإنفاق، فإنه يُمكن اختلاق بنود إنفاقية مستحدثة خلال السنة المالية. ولأنها مستحدثة تحديدا فإنها لن تكون مُدْرَجة في بنود الإنفاق العام الوارد في الموازنة، لهذا يُمكن استخدام هذه الأموال السائبة لتغطيتها.ب – جعل أموال التَّخاصِّيَّة مصدرا بديلا للتمويل وليس مصدرا إضافيا.ج – إفقاد أموال التَّخاصِّيَّة صفتها الاستثنائية وخصوصيتها كأداةٍ تنموية.وبناءً على كل ذلك الوضوح الصارخ في تقنين الضَّرر والإضرار والرهن والارتهان. هل تُمكن الثقة في حكومات تفعل ذلك؟! وهل يُمكن التعامل مع منهجها الإضراري هذا بِحسن نية، بأن نفترض أنها تهدف إلى شيءٍ آخر غير استغلال فرصةِ وجودها على رأس الاقتصاد الوطني لتمارس دورها في خطة الارتهان العامة من خلال فكرة “الدولة الوظيفية”؟! لقد بيعت الشركات الوطنية الكبرى “الإسمنت” و”البوتاس” و”الفوسفات” إلى شركات أجنبية، تمكنت من استعادة الثمن الذي دفعته في مقابل ملكيتها المطلقة لتلك الأصول الغنية، في فترات تراوحت من سنتين إلى ثلاث سنوات، أي أن فترة استرداد تلك الشركات لرأـسمالها الذي يفترض أنه هو ما دفعته للبائع الأردني الذي هو “الحكومات”، كانت قياسية بالمعايير الدولية وبكل المقاييس الاقتصادية. إذن لم تكن تلك الشركات خاسرة، ومع ذلك فإن أي مردود متصور لعمليات هذا البيع على الاقتصاد الأردني كانت معدومة تماما، بل لقد شكلت عمليات البيع في المحصلة – فضلا عن تسببها في خسارتنا للأصول، وفي تبديد الموارد المتأتية عن بيعها – عمليات نزيف حاد متجدد للاقتصاد الوطني. فلو أخذنا شركة “الإسمنت” كمثال على ما نقوله، لوجدنا ما يلي.. إن تصدير هذه الشركة للسوق الخارجي نقلص من “867,491” طن عام 2002، إلى “20،661” طن عام 2006. بينما ارتفع تسويقها الداخلي من “2،656،344” طن عام 2002، إلى “4،070،201” طن عام 2006. أي أن الشركة المالكة الجديدة “الأجنبية” راحت تحقق أرباحها الطائلة على حساب المواطن الأردني والاقتصاد الوطني، محدثةً نزيفَ ثروةٍ انعكس على أداء كل المرافق الاقتصادية في وطنٍ لم تعد حكوماته التي ورطته، قادرة على ملاحقة الأزمات الناتجة عن سياساتها الرعناء، إلا بالإمعان في الضغط على المواطن وكسر ظهره بالضرائب وبرفع الأسعار، وبزج الطبقة المتوسطة – صمام أمان كل المجتمعات – شيئا فشيئا في زوايا الفقر الذي راح يلتهم كل شيء في هذا البلد. لم يحدث التطور الموعود من خلال هؤلاء “الشركاء الإستراتيجيين” في أي من الشركات الكبرى التي بيعت ولا في أي اتجاه. لا بل حدث وأن تظاهر أبناء بلدتي “الفحيص” و”ماحص” للمطالبة بمنع شركة الإسمنت المتواجدة على أراضيهم من استعمال “الفحم الحجري” المُلَوِّث للبيئة التي لم يكترث بها ذلك الشريك، فلجأ إلى الطاقة الرخيصة عندما ارتفع سعر النفط، ليبيعنا منتجاته آخذا في الاعتبار أنه استخدم النفط بأسعاره المرتفعة تلك وليس الفحم الحجري الرخيص والملوِّث. وهكذا يتضح أن ما بات يُعرف بسياسة الخصخصة التي اتبعها التحالف “الكومبرادوري البيروقراطي” الحاكم، لم تحقق أيا من الأهداف المعلنة لها، بل إن الأزمات التي ما كان لها إلا أن تترتب على بيع ثروات الأمة ومؤسساتها المستقرة الآمنة، تفاقمت واستفحلت وتعمقت، وازدادت تداعياتها الكارثية على مختلف شرائح الشعب الأردني. والحكومات لا تبالي ولا تبحث إلا عن آفاق جديدة لتنفيذ الأجندات الرأسمالية العالمية ولملأ الجيوب التي لا تمتلئ والبطون التي لا تشبع.خلاصة القول إذن، هي أن الحكومات الأردنية المتعاقبة مدينةٌ للشعب الأردني بتقديم فواتير حساب طويلة ومعقدة، تجيب فيها على الأسئلة المطروحة سابقا، والتي تنطق بها الأرقام الرسمية التي لم تستطع معها الحكومات المتعاقبة أن تستمر في إخفاء مظاهر فسادها وتآمرها على هذا البلد. ولأن نهبا وارتهانا مُمَنْهَجين من هذا النوع لا يُمكنهما أن يتما أو أن تتم التغطية عليهما إلا عبر وجود مافيا متغلغلة كالأخطبوط في مختلف مؤسسات الدولة. فإن الشعب الأردني المغلوب على أمره يَجب أن يعي أنه مطعون في الصميم، وأن حقوقه منهوبة على كل المستويات جهاراً نهاراً، من قبل تلك المافيا التي تطلب منه عند كل نائبةٍ أن يَشُدَّ الأحزمة حُباَّ في رفعة وطن سرقوه منه وباعوه لأعدائه!! والبقية في مسيرة التدمير آتية على الطريق، إن استمر هذا الوطن مملوكا لحكومات من ذلك القبيل، تمعن في تدميره بلا أي انتماء أو ذرة من خلق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

bodrum escort bayan ankara escort bayan mobile porn wso shell