www.omferas.com
شبكة فرسان الثقافة

عمر بن الخطاب…يا سارية الجبل/بقلم: زهير كمال

0

بعث عمربن الخطاب سارية بن زنيم الدؤلي أو سارية بن حصين على رأس جيش إلى منطقة فسا ودارأبجرد في بلاد فارس، وهي منطقة صحراوية، وعلى أطرافها جبل أو سلسلة جبال… وفي احدى خطب يوم الجمعة، سمع الناس عمر يخرج عن السياق ويقول: “يا ساريه.. الجبل!”، ويقال أنه كررها مرتين ثم عاد فأكمل خطبته..

عمر بن الخطاب…يا سارية الجبل
 
بقلم: زهير كمال
بعث عمربن الخطاب سارية بن زنيم الدؤلي أو سارية بن حصين على رأس جيش إلى منطقة فسا ودارأبجرد في بلاد فارس، وهي منطقة صحراوية، وعلى أطرافها جبل أو سلسلة جبال…
وفي احدى خطب يوم الجمعة، سمع الناس عمر يخرج عن السياق ويقول: “يا ساريه..  الجبل!”، ويقال أنه كررها مرتين ثم عاد فأكمل خطبته..
سمع الجيش الموجود على بعد آلاف الكيلومترات، صوتاً يقول: “يا سارية.. الجبل!”، فعملوا بالنصيحة ولجأوا إلى الجبل ، قامت معركة بعدها فحماهم الجبل وانتصروا.
بعد شهر، وصلت أخبار الانتصار إلى المدينة.. ويؤكد سارية وجيشه انهم سمعوا صوت عمر يحثهم على اللجوء الى الجبل! 
هكذا تذكر كتب التاريخ الرواية ..
ويحتار البحاثة في هذا الموضوع..
كيف يحللون هذا الحدث..فمنهم من آمن بها واعتبرها من بركات عمر وعلى رأس المؤيدين كان ابن تيمية الذي طهّر الدين من الخرافات في العصر الذي عاش فيه وأدى ذلك الى لوم البعض له…..
وفي العصر الحديث قال البعض أنها توارد خواطر (تلباثي) مثل عباس محمود العقاد في كتابه المميز (عبقرية عمر) وهو من الكتب  الجيدة عن عمر، وأدى ذلك ايضاً الى لوم العقاد !        
اما الباقي فقد خلص إلى أن هذه اسطورة من الأساطير..  ليريحوا أنفسهم من البحث في هذا الموضوع..
ويقيناً أن من تخلص من الموضوع بتحويله الى اسطورة لا يزال في داخله قلق حيال ذلك، فقد سمع المئات في المسجد عمر وهو يخرج عن سياق الخطبة وينادي سارية..  وينصحه باللجوء إلى الجبل..ونقل الرواة من مصادر عديدة ما سمعه الناس!
تفسير الرواية أو الأسطورة بسيط للغاية.
إن عمر نادى سارية فعلاً ونصحه باللجوء للجبل.
هو قلق جداً على هذا الجيش وعلى هذه الحملة العسكرية، ربما لزم أن تكون أكبر، ربما أن قيادتها غير مناسبة..  وهكذا، يستمر في القلق والتفكير بجنوده وسلامتهم، منذ آخر رسالة وصلته من سارية والتي يبلغه فيها بتضاريس المنطقة، ويفكر لو أنهم اهتموا بالوصول الى الجبل..
 كان عمر يطلب دائماً تفاصيل كاملة عن الأوضاع الجغرافية والتضاريس الطبيعية  ..
ففي كتاب الى سعد بن الوقاص، كتب له: “أكتُب إليَّ أين بلغك جمعهم، ومن يلي مصادمتهم، فإنه قد منعني من بعض ما أردت الكتابة قلّة علمي بما انتم عليه، والذي استقر عليه أمر عددكم، فصف لنا منازل المسلمين والبلد الذي بينكم.. واجعلني بكتبك اليّ كأني انظر اليكم،  وأعطني من أمركم الجلية.
لا يكتفي عمر بوصف واحد لمنطقة المعارك بل يسأل الجميع بما فيهم مبعوثيه الى قادة الجيش وحاملي البريد وكل من يأتي من المنطقة . مما يتيح له المشاركة والإشراف على التخطيط الإستراتجي للمعارك.
 من المؤكد انه عرف تضاريس منطقة عمليات جيش سارية، وعرف ان جبلاً في اتجاه سيرهم او قريباً منهم.  
والجبل حماية طبيعية ولا يستطيع العدو إلا أن يأتيهم من جهة واحدة يرونها منه، وظهرهم سيكون مؤمناً ولن يأتيهم من خلفهم فيتعرضوا للمفاجأة .
كان انشغال عمر بكل الحملات يفوق الوصف..
كيف لا يكون وهو الذي يقول:
(والذي بعث محمداً بالحق، لو أن جملاً هلك ضياعاً خشيت أن يسأل الله عنه آل الخطّاب)…
فاذا كان خوفه على جمل ضائع هكذا فما هو مدى خوفه على البشر وشباب هذه الأمة..؟
ما حصل مع عمر في خطبة الجمعة حالة إنسانية عامة فكثير ما ينشغل الإنسان بموضوع خاص يجعله ينسى ما حوله، ويركّز تفكيره حول نقطة ما..
فالطالب مثلاً يفكر في الامتحان القادم ويشعر ان هذا الموضوع بالذات سيكون محوراً لسؤال ولهذا لابد من دراسته جيداً، وهكذا يقوم بترديد بعض الجمل الهامة ترديداً ذهنياً او شفوياً مسموعاً!     
والتاجر يفكر ان هذا هو السعر المناسب لبضاعته ويقوم بحساب الكلفة عدة مرات في ذهنه وقد تسمعه يقول خمسة وستون بدون ان تعرف ما الذي يهدفه بذكر الرقم!   ..
والمزارع  يحلم بالمطر وحاجة حقله الى الماء ويتمنى من كل قلبه ان تمطر هذا الاسبوع، وقد تسمعه يقول الاربعاء! 
وآلاف الأمثلة حول انشغال الإنسان بأمور حياته الخاصة وقلقه على بعض التفاصيل والهموم.
هموم عمر، هي بحجم مسؤولياته، اذ ليس هناك فاصل بين الخاص والعام، بل أن العام يغلب الخاص..فهو مخ الدولة وقلبها.    
قالها فعلاً وسمعها المئات من الذين يحضرون الصلاة، واحتاروا ماذا يدور في ذهن أميرهم، وبدأ الناس يفسرون ويتأولون ..
ولكن…
يا سارية…  الجبل..!
عبارة تنم عن قلق ورهافة شعور وحس..  وخوف..ورجاء
وتبدأ الأسطورة بعد ذلك..  يبني الناس القصص على خروج غير مألوف عن السياق..
في الجانب الآخر من الرواية : كان طبيعياً جداً لجيش سارية عند وصوله الجبل أن يحتمي به، فهذا من بديهيات الدفاع عن النفس. فكونه في الصحراء مكشوفاً من كل الجهات، حالة غير مريحة لجيش في ارض غريبة يتوقع كل لحظة الهجوم من كل مكان وعليه ان يسارع للوصول إلى حماية طبيعية، فهل كان وصولهم إلى الجبل في نفس اليوم والساعة التي نادى بها عمر…
أمر مشكوك فيه، وان حصلت فهي من قبيل الصدف المحضة.
اما ان يكون الجيش أو أحد أفراده  قد سمع صوتاً أو أحداً ينادي، فهذا غير وارد..
التفسير في غاية البساطة:
(قالها عمر، سمعها الحاضرون في المسجد ولم يسمعها سارية وجيشه)..
فالدين خال من احداث غيبية كهذه.  فالإسلام دين العقل والمنطق.. 
 ويعتقد بعض صغار العقول أن حشو الدين بقصص كهذه تفيد الدين، لأنها تحيط الموضوع بهالة وقدسية من نوع خاص. 
هذه القدسية المهزوزة والتي لا تستند على أرجل ثابتة، تضر بالدين، وتحطّ من قيمته كدين منطقي يؤمن بالعقل. وتضر بعمر وهو في غنى عنها ففي سيرته من العظمة والقيمة ما يبهر.
 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

bodrum escort bayan ankara escort bayan mobile porn wso shell