www.omferas.com
شبكة فرسان الثقافة

انفلونزا الخفافيش في الإنترنت بقلم/ توفيق أبو شومر

0

إذا كان القرن الثامن عشر وما قبلها من القرون تتصف بأنها قرون المجازر الدموية والصراعات المذهبية والعرقية والدينية ، وإذا كان القرن التاسع عشر هو قرن الآداب والفنون والصناعات ، وإذا كان القرن العشرون هو قرن الحروب العالمية والصراعات الحزبية والأيدلوجية، فإن القرن الحادي والعشرين هو قرن شبكة الإنترنت وسطوة المعلوماتية . إن ما يكتب في كثير من صحافة الإنترنت هو مجزرة حقيقية ، يتم فيها ذبح المبدعين والمفكرين وإعداد سندوتشات من لحومهم !

انفلونزا الخفافيش في الإنترنت     بقلم/ توفيق أبو شومر
 
إذا كان القرن الثامن عشر وما قبلها من القرون  تتصف بأنها قرون المجازر الدموية والصراعات المذهبية والعرقية والدينية ، وإذا كان القرن التاسع عشر هو قرن الآداب والفنون والصناعات ، وإذا كان القرن العشرون هو قرن الحروب العالمية والصراعات الحزبية والأيدلوجية، فإن القرن الحادي والعشرين هو قرن شبكة الإنترنت وسطوة المعلوماتية .
إن ما يكتب في كثير من صحافة الإنترنت هو مجزرة حقيقية ، يتم فيها ذبح المبدعين والمفكرين  وإعداد سندوتشات من لحومهم !
إنها الحقيقة المرة التي يجب الاعتراف بها ، فقد تغيرت صورة ريشات وأقلام الكتاب والمبدعين من منارات للهداية والإرشاد لتصبح كريش الطيور الذابل تذروه شبكة الإنترنت في كل مكان . فمن لا يكتب، يسرق ، ومن لا يسرق، يقبس من غيره ، ومن لا يوفق في السرقة والاقتباس، فإنه يكتب جملا عربية عضلية قد تكون صحيحة نحويا ولغويا ، ولكنها خاوية على عروشها  !
وغصّت الشبكة  بالحروف والمفردات والجمل ، لدرجة أنها أصبحت ألدّ أعداء التثقيف في الشبكة ، وتحولت معظم الشبكة من ناشرة ثقافات ، إلى موزعة جهالات تنشر الخرافات والأباطيل وحجابات الأدعية وتمائم الحصول على الوظائف للعاطلين ، وقد أشرت في مقال سابق إلى تلك الظاهرة وأسميتها (تخريفولوجيا) الألفية الثالثة ، كل ذلك بفعل خبيصة كتاب الإنترنت ، ومجزرة ذبح الثقافات !
فغدا تكوين بلوغات ومواقع إلكترونية يشبه لعبة الورق كالطرنيب أو الباصرة أو الهندرمي ، يمكن لشاب أو طفل أن يؤسس له ولأسرته ولأفكاره منتجعا صيفيا في مواقع السياحة الإلكترونية ، ويمكنه أيضا أن يجد لنفسه مشتى دافئا في شاليهات المواقع الكبيرة الفارهة !
هذا إذا كان مبتدئا ، أما إذا كان متمرسا في سياحة الشبكة وخبيرا بمواقعها  وعالما بوسائلها فإنه يتحول إلى سمسار عقارات في الشبكة ، أو مقاول بناء شبكات ، أو سارقا مؤهلا مروجا لفن السرقات !
ومن يعجز أن يكون له موقع فيها أو أن يكون خبيرا وسمسارا وكاتبا ، فإنه يعتلق بأذيالها ويعمل ساعي بريد يحمل على كتفه شنطة البريد المغلقة المجهولة الهوية ويملأها بالتخاريف ويوزعها على عشرات آلاف العناوين حتى بدون استشارة مَن يصلهم البريد، وبدون أن يقرأها حاملها ، فيقوم بتوزيع الأحجبة والتمائم والرُّقى  ليحشو الشبكة باسمه واسم عائلته حتى ولو كان ثمن ذلك نشر الجهالات والخرافات .
وتحولت أكثر مواقع الشبكة من فكرة لخدمة مبدأ التواصل إلى  طريقة جديدة من طرق الإدمان ، فهي تروج أخطر أنواع الإدمان والتي لا يمكن مقارنتها بالإدمان على المخدرات، لأنها أشد خطرا ، فالمدمن على المخدرات فردٌ مريضٌ في نظر مجتمعه، أما المدمن على الشبكة فهو فردٌ محسوب ولكنه مسلوبٌ بدون أن يشعر !
فقد أصبحت مواقع كثيرة في  الشبكة  من أكبر مروجات الإدمان على الهلوسات بكل أشكالها ، هلوسات فكرية تصل إلى حد تعليم الصبيان أفضل الطرق للانتحار ووسائل صنع مواد متفجرة وحارقة  ومذيبة .
ونشرت هذه المواقع  (حبوبا) للتخلص من  الوعي والفكر ، ونشرت الاستسلام لأفكار المتطرفين ممن يروجون بأن عالم اليوم ليس سوى قسمين فقط ، الخير الذي يمثلونه هم ، والشر وهو كل ما عداهم ، وليس هناك مخرج سوى تطهير العالم من النصف النقيض ، ويشرحون وسائل التخلص من هذا النقيض بالقتل والذبح والتفجير والعنف، حتى باستخدام المناشير الكهربية !
وروج سمسارة الشبكة ودهاقنتها وعرابوها ومبتدعوها أخطر جرعات الإدمان ، وهو عزل الفرد عن المجموع ، وجعله يظن بأنه هو الجميع وليس هناك أحد خارجه، فهو مستغنٍ عن غيره ، يمكنه بناء علاقات متعددة الأغراض والأشكال مع آلاف مرتادي الشبكة (حقيقيين ووهميين) ، وهكذا استولت الشبكة الوهمية على عقول الأبناء وجعلتهم أبناء الألعاب الإلكترونية ، وأبناء المواقع والبلوغات ،
واستولت كثيرٌ من مواقع الشبكة على أجيال المستقبل وجعلتهم ينفصلون عن مدارسهم التقليدية العاجزة عن إشباع رغباتهم ، ودفعتهم للتمرد على مدرسيهم العاجزين عن اللحاق بالتكنولوجيا  الرقمية ، وأصبحوا يتناولون جرعات المعلومات الحقيقية من الشبكة، وليس من مدارسهم !
فقد سمعت طفلين لم يتجاوزا العاشرة من العمر يتبادلان هذا المزاح :
الأول : هاردسكك ضارب
الثاني: أنت سبام
الأول: أنت  تراش وبيتك جنك
الثاني : أنتم هاكرز
الأول : اسكت فأنت من عائلة فايروسات !
وفي ظل هذه البلوى تمكن مالكو الشبكة ومؤسسوها وأباطرتها من إنامة مدمني الشبكة والاستيلاء على ثرواتهم بواسطة  بيعهم (مساحات هوائية ) من (الشبكة الأثيرية) في صورة (بودرة) إعلانات  و(حبوب) جهالات، (وإبر) وريدية مهيجة ، ويبدأ مالكو الشبكات وناشرو الإدمان في جذب المريدين والأتباع من مدمني الشبكة بوسائل عديدة؛
أولها استدراجهم إلى الفخ الإدماني بعرض (طعوم) من لقطات مسروقاتهم من الشبكة ووضعها كأفخاخ أمامهم، في لوحة إعلاناتهم على الشبكة ، ثم يقتادونهم إلى الشرك الكبير منومين فيدخلون( أوكار الإدمان) السوداء ، وما أن ينتسبوا ويقدموا المعلومات المطلوبة، حتى يحسبوا ضمن جيش المدمنين على الشبكة ويتحولوا أرقاما من أرقام فرائس الإدمان !
وهكذا يتحولون من أفراد منتجين في مجتمعهم محسوبين عليه إلى مجرد (كلكات) أي أصابع تنقر مفاتيح الشبكة  وتحسب أصابعهم ضمن (قطيع الإعلانات) ، ومدمني ( النقر) بعد أن يتخلوا عن انتمائهم إلى محيطهم الجسدي !
ولا يهتم قبضايات الشبكة إلا بعدد زوار مواقعهم ، لذلك فهم يعمدون لجذب أعداد كبيرة ، بوسائل عديدة خطيرة، أبرزها سرقة الإبداعات ، فيقومون بالسرقة في وضح النهار ، يقتبسون بدون حسيب أو رقيب ، بعضهم يقتبس ولا ينسب الاقتباس إلى صاحبه وينشره في ضيعته الخاصة أو في مساحته الأثيرية في الشبكة ليصبح الاقتباس من ممتلكاته ، ويقوم بعض السارقين الآخرين بكتابة اسم صاحب الجهد بخط صغير وفي زاوية بعيدة لا يمكن ملاحظته بسهولة .
فقد تابعت بعض ما كتبته أنا في الصحف الإلكترونية ، فوجدتُ أن بعض الصحف والمواقع المحترمة وهي قليلة تنشره كما أرسله ولا تمحو التحذير المرفق بمنع النشر إلا بذكر المصدر ، وهناك مواقع كثيرة أخرى من فئة (مافيا) الشبكة تقوم بنشره بعد أن تجرده من اسم كاتبه ومن التحذير المرفق .
وهناك مواقع أخرى كثيرة تقوم بما هو أسوأ من ذلك، تقوم بتشويهه وتغيير مفردات كثيرة فيه وتنسبه إلى نفسها باعتباره جهدا من جهودها .
وتابعتُ منذ مدة إحدى المنسوبات للصحافة ، ممن التحقن بالصحافة بوصفها أسهل الطرق للحصول على المال والحظوة، فهي تقوم بتغيير جُمل من الترجمة التي أرسلها أنا من الصحف العبرية وتنسبها إلى جهدها ، ثم ترسلها إلى الصحيفة التي تعمل لحسابها وتتقاضى نظير ذلك مبلغا من المال، فهي تقوم ببيع جهدي وتسويقه في سوق الإنترنت السوداء، وتحصل به على المال !
إذن فإن الشبكة تعتبر بتصميمها الحالي عقبة  في تطبيق حقوق النشر وقوانين الملكيات الفكرية ، لأنها تساهم في نشر رذيلة السرقات، وينبغي أن تقوم المنظمات الحقوقية والجمعيات والهيئات بثورة على نظام الشبكة لغرض إجبارها على الالتزام بتوقيع أصحاب المساحات المنضمين للشبكة على قوانين تفرض عليهم الالتزام بقانون حفظ حقوق الملكيات الفكرية ،ويجب ألا تكتفي شركات بيع الأثير والهواء  بالتوقع على إقرار مكتوب بهذا الخصوص يشبه مواثيق الشرف الصحفية في بلد ليس فيه قانون، ويندر أن يقوم إقطاعيو الشبكة بمعاقبة المواقع التي لا تلتزم بالقانون .
فما أكثر المواقع الإلكترونية التي تقوم أساسا على سرقة برامج الكمبيوتر ، وتتولى توزيعها مجانا على مرتادي مواقعها لهدف ضمهم إلى فريق مشجعيها وناقري إعلاناتها بأصابعهم !
ومن أخطر الممارسات في أسواق الإنترنت السوداء ، وفي خبيصة مواقع الصحف الإلكترونية ، ظاهرة استسهال الكتابة الإلكترونية في كثير من الصحف للأتباع والمريدين  من مستأجري المساحات الأثيرية،، وهذا الغث والسيل الكبير من المقالات ، يبدو في نظر خبراء علم النفس شيئا رائعا لأنه يخفف الاحتقان النفسي ويفرج الكرب، ويساعد رجال المخابرات في جمع المعلومات عن المجتمعات غير أن خطورته تكمن في أن هذا الكم الهائل من كتاب الرأي يعوّق وصول الباحثين والدارسين وطالبي المعلومات، إلى المبدعين في وقت قصير من خلال صفحات الشبكة ، ويجعل المعلومات المهمة المفيدة ملقاة كقطعة من الدُّرر والجواهر في منحدر شلالات الإنترنت الصاخبة ! فهي تحتاج إلى غطَّاسين بارعين  مجازفين، نسبة فشلهم في الحصول على الجواهر أكبر بكثير من نسبة نجاحهم  !
لقد غدت الشبكة بركانا ثائرا، لا يبدو بأنه سيخمد يوما ، يكتسح في طريقه كل الممتلكات والعقارات الأثيرية السابقة بغض النظر عن جمال بنائها وتصميمها، ويبدو بأن العالم كله قد استسلم لهذا الواقع المرير ، وغدا عاجزا  عن تحديد مسارها ، وكفَّ عن محاولاته إقامة سدودٍ تحمي ما تبقى من معالم القيم التاريخية والثقافية .
وهذا السيل البركاني الجارف الحارق ، صحيحٌ بأنه يحملُ تربة جديدة، ، إلا أنه حارقٌ خارق للنباتات الغضة الطرية من الأجيال الصاعدة وبخاصة إذا لم تتمكن المجتمعات من وضع قوالب لصياغة تلك الأجيال ، التي تحولت بالفعل  إلى قنابل وشحنات جاهزة للتفجير !
والغريب  أن العالم مشغولٌ بمناقشة قضية بيئية خطيرة وهي  (خرق طبقة الأوزون) بفعل انبعاث الغازات الضارة، وتعقد الاجتماعات لهذا الغرض من قبل رؤساء الدول الكبرى ولم يفكر هؤلاء الرؤساء في مناقشة خرق طبقة الأوزون الثقافية الناتج عن غازات الإنترنت السامة الأكثر خطرا على جنسنا البشري من غاز ثاني أكسيد الكربون   !
وتُنظّم أيضا الندوات لمناقشة انهيار النظام المالي الرأسمالي ، وتُعقد الورشات في كل أنحاء العالم لدراسة طرق التخفيف من آثار الأزمة الاقتصادية والمالية ، على مستوى الرؤساء والوزراء،  ويغفلون في الوقت نفسه عقد مؤتمر دولي كبير لمناقشة أخطار انهيار القيم الأخلاقية والثقافية ، بفعل عثرات شبكة الإنترنت.
 وتزدهر كذلك الندوات المخملية التي تتحدث عن منظومة الحقوق المختلفة كحق الأطفال والنساء والشواذ والأقليات، ولا تعقد مؤتمرات وندوات بهذا الكم لمناقشة حقوق التأليف والنشر والاقتباس والملكيات الفكرية والثقافية والأدبية .
وأخيرا انشغل العالم بفايروس إنفلونزا الخنازير، وأعلن العالم كله حالة الطوارئ لمواجهة هذا الوباء ، وتناسوا وباء مواقع الإنترنت التي توزع الجهالات وتنشر إنفلونزا (الخفافيش) الناشرة للغباء والجهالة ، مع أن فايروس الخفاش هذا أسرع انتشارا  من مرض إنفلونزا الخنازير والطيور   !
مع تأكيدنا بأن هناك مواقع ثقافية كثيرة رائعة في شبكة الإنترنت تستحق أن يُشاد بها وأن يُكرَّم مؤسسوها والعاملون فيها وأن يُقدم لها العون المادي والمعنوي من الدول والمؤسسات والهيئات لتتمكن من مواصلة نشاطها الثقافي، لتتمكن هذه المواقع الثقافية من التصدي لمافيا الإنترنت فتطيح بالهرطقة التي تبثها المواقع الرخيصة ، وهذه  المواقع المحترمة هي  من أهم وسائل تصحيح مسار الشبكة  !
 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

bodrum escort bayan ankara escort bayan mobile porn wso shell