www.omferas.com
شبكة فرسان الثقافة

سيكولوجيا المحارب الإسرائيلي/أسامة عكنان

0

سيكولوجيا المحارب الإسرائيلي هكذا يفكرون.. هكذا يستعدون أسامة عكنان ينشر الكترونيا هنا: الفهرس

سيكولوجيا المحارب الإسرائيلي

هكذا يفكرون.. هكذا يستعدون

أسامة عكنان

 
الفهرس

الفصل الأول.. الجيتو اليهودي وأثره في تحديد مُكَوِّنات الشخصية اليهودية.
الفصل الثاني.. بداية عصر التنوير اليهودي وظهور “الهكسالاه”.
الفصل الثالث.. فشل الحـل الاندماجي التنويري وظهور الحركة الصهيونية.
الفصل الرابع.. جيل “الحالوتس”.
الفصل الخامس.. هل هناك شخصية يهودية إسرائيلية ذات تكوين سيكولوجي موحد؟
الفصل السادس.. شعور الاستعلاء والدونية في التكوين السيكولوجي اليهودي.
الفصل السابع.. التوحد بالمعتدي وآثاره على السيكولوجية اليهودية.
الفصل الثامن.. العدوانية اليهودية ضد العرب وأثرها في التكوين السيكولوجي اليهودي.
الفصل التاسع.. مؤسسات التنشئة الاجتماعية ودورها في تكوين السيكولوجية اليهودية.
الفصل العاشر.. السابرا أو الساباريم، مَنْ هم وكيف يُخَطَّط لهم؟!
الفصل الحادي عشر.. الكيبوتز مَفْرَخَة إسرائيليي المستقبل.
الفصل الثاني عشر.. فكرة الحرب والسلام وأثرها في السيكولوجية اليهودية.
 
 
الفصل الأول
الجيتو اليهودي وأثره في تحديد مُكَوِّنات الشخصية اليهودية

بقدر ما يُعتبر “الجيتو” واحدة من أهم الظواهر التي رافقت المسألة اليهودية في سياقاتها الأوربية الحديثة، بقدر ما يُعتبر أحد أهم مكونات النزعة الانعزالية في شخصيةِ اليَهودي. ولقد ظلت العزلة الاختيارية من قبل اليهود قائمة إلى أن أصدر البابا “بولس الرابع” (1550 – 1559)، نشرة بابوية في العام (1555)، توصي ولأول مرة بعزل اليهود إجبارياً. أما قبل ذلك، وعلى الرغم من عدم لجوء أحد إلى إجبار اليهود على العزلة، فإن اليهود أنفسهم كانوا يلجأون إليها اختيارياً. فقد قال “إسرائيل أبراهامز”: “قبل أن تصبح السُّكْنَى في مكان محدد أو في الجيتو أمراً إجبارياً، كان اليهود أينما وُجِدُوا يجتمعون في أماكن منعزلة في المدن التي كانوا يعيشون فيها”..
أما الزعيم الصهيوني “ناحوم جولدمان”، رئيس المنظمة الصهيونية السابق، فقد قال في هذا الشأن: “يجب أن نؤكد على أن من الخطأ القول بأن الجويم قد أَرْغَموا اليهود على الانفصال عن بقية المجتمع”.. أي وبكلمة أوضح فإنه مع صدور قرار البابا “بولس الرابع” الخاص بإنشاء أحياء اليهود المستقلة “الجيتو”، تحول النظام الاجتماعي الاقتصادي الديني للحياة اليهودية والقائم على العزلة، إلى نظام إجباري.
وهكذا فمنذ (26)  يوليو عام (1555)،  اضطر يهود روما إلى نقل محل إقامتهم إلى الحي الجديد على الضفة الشمالية من نهر “التَّيْبِر”، والذي أحيط على الفور بسور يعزله عن المدينة، وبعد فترة قصيرة اتُّبِعَ هذا الأسلوب المُسْتَحدث في سائر المدن الواقعة تحت سلطة البابوية، واعتباراً من عام (1562)، أُطْلِقَ على هذه المؤسسة الجديدة بشكل رسمي اسم حي اليهود في مدينة البندقية “الجيتو”.
في روسيا القصيرية كان الأمر أكثر عمقاً وشراسة، فقد أصدرت الإمبراطورة “كاترين الثانية”، إمبراطورة روسيا القيصرية، مرسوماً إمبراطورياً عام (1796)، أدى إلى تحديد إقامة اليهود. ولما تولى القيصر “نيقولا الأول” حكم روسيا عام (1825)، أوضح منذ البداية أنه يعتبر اليهود شعباً غريباً، يجب أن يَتَكَيَّف بسرعة مع الأكثرية السلافية اليونانية الأرثوذكسية، أو أنه سوف يعاني من النتائج الوخيمة لحالة اللاَّتَكَيُّف.
وفي عام (1840)، طلب القيصر من وزير الدولة “الكونت. ب. د. كيسيلييف”، عقد لجنة تكون قادرة على إصدار مبادئ جديدة وفريدة من نوعها بالنسبة لحل المشكلة اليهودية. ولقد قررت اللجنة في تقريرها أن أساس المشكلة إنما يرجع إلى التعصب الديني اليهودي وإلى الروح الانفصالية لدى اليهود. ولقد أوضحت اللجنة في ذلك التقرير أن التلمود هو الذي غَذَّى في اليهود مقولات تُكَرِّسُ في أذهانهم أنهم شعب الله المختار، وتزرع في نفوسهم الرغبة في أن يحكموا بقية العالم، وفي أن يَكْرَهوا الشعوب التي تؤمن بديانات أخرى، ولقد تنبه تقرير اللجنة إلى حقيقة هامة، وهي أن تعاليم التلمود لا تَعتبر وجود اليهود في أي مكان في العالم غير فلسطين سوى إقامة مؤقتة وإجبارية في الأسر إلى أن يأذن الرب.
إن الرغبة اللاواعية في الإحساس بحياة الأسر هي التي دفعت بالكثير من اليهود الذين كانوا يعيشون خارج الجيتو إلى الانضمام إليه بعد فترة، ولعل من أشهر الأمثلة على تسلل هذه النزعة اللاواعية إلى السلوك الواعي الدافع إلى البحث الفعلي عن أَنْساق العزلة، حالة يهود “براغ” الذين كانوا يعيشون خارج نطاق المنطقة المخصصة لليهود، ثم قرروا في القرن الخامس عشر الانضمام لإخوانهم الذين يعيشون داخل المنطقة، لا بل إن هذا التوجه الانعزالي غير الطبيعي، استغرق يهود الجيتو إلى درجة اعترافهم بالجوانب الإيجابية له، وإقامة الصلوات في المعابد كل عام في جيتو “فيرونا” وجيتو “منطونا”، احتفاء بالذكرى السنوية لإنشائهما.
تؤكد هذه النزعة الانعزالية التلقائية لدى اليهود، أنهم عزلوا أنفسهم حتى في البلدان التي لم تكن تنظر إليهم نظرة كتلك التي تحدث عنها البابا “بولس الرابع” أو قياصرة روسيا. ومن تلك البلدان، البلدان الشرقية عامة، والعربية منها خاصة، فقد أخذ شكل تواجد اليهود في “مصر” اسم “حارة اليهود”، وفي اليمن اسم “قاعة اليهود” أو “القاع قاع” أو “المَسْبَتة”، نسبة إلى يوم السبت، وفي المغرب اسم “المَلاَّح”، وفي الجزائر اسم “درب اليهود”… إلخ.
ومع أن مناطق الانعزال اليهودي في شرق أوروبا قد اتخذت مُسَمَّيات عديدة مثل “الشَّتْتِل”، وهي كلمة “يديشية” تعني المدينة الصغيرة، التي كانت حياة اليهود فيها تدور حول المعبد والمنزل ثم السوق الذي يلتقي فيه اليهود مع الأغيار. ومثل “القاهال”، وهي كلمة عبرية تعني جمهوراً أو جماعة كبيرة من الناس في مكان واحد، وهي الخلية الأساسية لتنظيم حياة اليهود في منطقة إقامتهم. والقاهال يُعَدُّ تجسيداً للحكم الذاتي داخل الدولة، فقد مَثَّلَ اليهودَ أمام السلطات في كل شيء، حتى في مسألة جمع الضرائب منهم نيابة عنها لصالح خزينة الدولة، علاوة على تعيين القضاة والحاخامات.
إلا أن “الجيتو”، يُعَد أشهر الأشكال الانعزالية اليهودية في العالم، وهو قد عُمِمَ لوصف الحياة اليهودية الانعزالية وسط الشعوب التي عاشوا بين ظهرانيها. وهو عبارة عن حي أو عدد من الشوارع المخصصة لإقامة اليهود. ومن المحتمل أن تكون الكلمة قد استخدمت للمرة الأولى لوصف حي من أحياء البندقية يقع بالقرب من مَسْبَك لصهر المعادن يسمى “جيتو”، كان محاطاً ببوابات وأسوار، وذلك في عام (1516)، بعد أن خُصِّصَ كمكان لإقامة اليهود فيه، وهو يقع في جزيرة منعزلة بين قنوات المدينة، وقد كانت البوابات والجسور المؤدية إلى هذا الحي تطوى خلال الليل.
ولكن من الضروري أن نشير إلى أن مؤسسة الجيتو التي كانت في جانب منها تعبيراً عن طبيعة الشخصية اليهودية وتَعاَمُلِ الآخرين معها، تحولت مع مرور الزمن بفعل الفرز الطبقي الطبيعي في التجمعات البشرية إلى بُؤَرٍ للظلم والجور تمارسه الطبقات المتنفذة في الجيتو – وهي القلة عادة – في حق الغالبية العظمى التي كانت تعيش حياة بدائية قميئة. وقد ظهرت أولى بوادر التمرد على التنظيم القاهالي والجيتوي بأكمله، في النصف الثاني من القرن الثامن عشر في “لتوانيا”، حين اشتكى عدد من سكان الجيتو هناك معلنين أنهم يُعَبِّرون في شكواهم عن موقف الأغلبية.. وقد جاء في الشكوى المقدمة إلى مسئول الإقطاعيات في بلدة “شاول”: “نحن جميعاً سكان شاول من اليهود نعلن بدموع أعيننا أننا لسنا في حاجة إلى حاخام ولا إلى رؤساء، لأنهم يعملون في الابتزاز والمؤامرات ويضطهدوننا تماماً، ونظراً لأنهم يرتبطون فيما بينهم بروابط عائلية، فإنهم ينهبون “بروطاتنا” (اسم عملة) حتى آخرها من أجل أن يزدادوا ثراءً”.
ولعل شيئاً شبيها بهذا هو ما أشار إليه “يوري إيفانوف”، عندما تحدث عن مرسوم عام (1796) في روسيا قائلاً: “بعد فترة تاريخية قصيرة استطاعت العائلات اليهودية الواسعة الثراء والنفوذ، تخطي أسوار الإقامة في الجيتو، وبناء القصور الفاخرة في موسكو وبطرسبرغ، فيما بقي داخل الأسوار عشرات ثم مئات الألوف من الكادحين اليهود الذين يعانون من الفقر والتعسف”.. ينطبق على هذه التجمعات اليهودية بالتالي نفس المنطق التاريخي التطوري الذي انطبق على غيرهم من الأوروبيين. بل ربما بأثر أعمق وأشرس، ما سينعكس عليهم عندما تبدأ حركات التحرر الأوروبية بالظهور والانتشار.
ولكن، ما هو السر في هذا الطابع الانعزالي في موقف الشخصية اليهودية من الحياة مع الآخرين؟!
في الواقع لا يمكننا فهم هذا الطابع دون إلقاء  الضوء على دور الدين بعامة في تكوين هذا النسق من الحياة. فعلى الرغم من أن الدين اليهودي بوصفه دينا سماوي المنبع والأصل، يحتوي من دون شك على الكثير من التعاليم السماوية التي تحض على الخير وتنبذ الشر، إلا أن المحاولات التي تمت على أيدي حاخامات اليهود، بعد أن تم تدوين التراث اليهودي الشفهي “التلمود”، أدخلت إلى هذا الدين مجموعة من الأفكار المحورية، خلقت عند اليهود استعداداً للانعزال عن الأغيار، وعمقت لديهم بعض العقائد الاستعلائية وثيقة الصلة بالانعزال مثل فكرة “الشعب المختار”، و”الشعب المقدس”، و”انتظار المسيح المخلص”، وغيرها من العقائد التي انطوى عليها التلمود الذي يضم بين دفتيه اجتهادات هؤلاء الحاخامات في تفسير الدين اليهودي.
وربما كان هذا هو ما يفسر لنا وجود كتاب مثل “شولحان عاروخ”، الذي يُعتبر بمثابة دليل للحياة اليهودية بكل تفاصيلها وجزئياتها، والذي يحتوي على نظام صارم للسلوك اليهودي في الحياة اليومية، على كل يهودي متدين أن يلتزم بالمحافظة عليه.
لقد غدا واضحاً ومؤكداً أن القوانين الدينية اليهودية المختلفة ومجموعة المحظورات التي لاقت استهزاء الآخرين، والتي فرضها حاخامات اليهود بتشدد لا يَسْمح بأي قدر من التجاوز، هي التي عمقت من طابع العزلة اليهودية، خالقة لدى اليهودي بالتالي حالة تمركز، جعلته يعيش بذهنية الانفصال والتميز والتفرد. 
وعندما نحاول توصيف الديانة كما عبرت عن نفسها في موروثات الدين اليهودي وأدبياته، فإننا نجد بوضوح أن اليهودية ما برحت منذ ظهورها وحتى الآن تمثل عبادة قبلية لجماعة خاصة متفردة، قاد تَشَبُّثُها بنزعتها القَبَلِيَّة إلى تحجر الديانة اليهودية ذاتها، وفي ذلك يقول المؤرخ “أرنولد توينبي”: “إن اليهودية هي أقبح الأمثلة على عبادة الذات الفانيةً صيتا”.
وإذا كانت للديانة اليهودية تأثيراتها على هذه النزعة الانعزالية، فإن لهذه النزعة بدورها تأثيراتها على واقع اليهود وعلى سيكولوجيتهم وعلى موقف العالم منهم. فقد قَلَّلَت العزلة الجيتَوِيَّة من اختلاط اليهود بالمسيحيين يوما بعد يوم، وبالتالي فقد زادت الشبهات حولهم وتبلورت المواقف المعادية لهم والمتوجسة منهم في الذهن المسيحي، ما انعكس مجددا على واقع حياتهم ليغدو مريرا بكل المقاييس.  
إن القيود التي كانت مفروضة على التوسع في مساحة الأحياء اليهودية، والاضطرار إلى التوسع الرأسي بدل الأفقي بإضافة طوابق جديدة على المباني، جعل الكثافة السكانية تزداد بشكل مخيف في أحياء اليهود عما سواها، ما أدى إلى انحطاط وتدهور المستوى الاجتماعي للحياة، وإلى تفشي الأمراض وتراكم القاذورات، ما ترك أثراً عميقاً على وجدان اليهود القاطنين في “الجيتو” وعَمَّقَ بالتالي من انفصالهم عن العالم الخارجي، وأدى كل ذلك في نهاية المطاف إلى انعدام الإحساس بالأمن لدى اليهودي عندما يكون خارج أسوار الجيتو التي كان يقف عليها حراس من المسيحيين، يُلْزَم اليهود بدفع أجورهم. وقد كانت هذه الأسوار تُغلق أثناء الليل وفي أيام الأعياد المسيحية الهامة، ما راح يعمق فكرة العزلة التي تخيم على تلك الأحياء عن محيطها المسيحي.
وهكذا فقد أصبح اليهودي يشعر بوجود عالم غريب وشرير خارج الجيتو، أما داخل الأسوار فقد كان يجد الأمن والطمأنينة والثقة، وكان يعتريه بسبب هذه العزلة إيمان عميق بأنه ينتسب إلى الأمة المقدسة وإلى الشعب المختار. لقد عمقت حياة العزلة إحساساً خاصاً لدى اليهودي بأن الجيتو هو درع الأمان للحفاظ على الجماعة اليهودية وعلى طريقتها، إلى أن يحين الوقت الذي يشاء فيه الرب إعادته إلى أرض الميعاد مع حلول الخلاص المسيحي.

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني
بداية عصر التنوير اليهودي وظهور (الهكسالاه)

ولكن للتاريخ منطقه، وللتطور رغم كل مظاهر الانكفاء والعزلة والجمود والتحجر التي مَيَّزَت اليهود عن غيرهم، سطوته القاهرة على الحركة. فرويداً رويداً بدأت الآراء الجديدة حول حرية الإنسان من تلك التي ظهرت في أوروبا، تدخل متسللة إلى الحارات اليهودية الضيقة. وحينئذ بدأ اليهود في الجيتو يشعرون بجو “بيت همدراش”، الضيق الخانق (وهو مركز للعبادة والدراسة في آن واحد)، وبعالم “الربانيم”، القاسي والمتزمت (الحاخامات التلموديين). ولم يعد الكثير من اليهود يرون أي معنى لبعدهم الزائد عن الشعوب التي تشربت بحب الإنسان وبالحرية، وتفجرت في كل ناحية داخل الجيتو هتافات عالية مؤداها.. “لنخرج من الجيتو”، و”لنتقرب من الشعوب”، و”لنتعلم لغاتهم”، و”لنتثقف ونتعلم الحكمة والمعرفة”، لتبدأ حركة تثقيف عصرية بين اليهود كانت بدايتها في ألمانيا تم التعبير عنها بما يسمى بحركة التنوير اليهودية أو “الهكسالاه”، ولقد كان هذا المصطلح هو الذي استخدمته “يهودا جيليتس”، لأول مرة عام (1832) للدلالة على عصر النهضة الثقافية اليهودية الذي استمر من عام (1750) إلى عام (1880).
ولكن ما هو جوهر دعوات عصر الاستنارة اليهودي؟
كم يبدو الأمر غريباً ومثيراً عندما نعلم أن غضب التنويريين اليهود “المسكيليم”، انصب بشكل خاص على الدين اليهودي بكل أبعاده الانعزالية، فقد أعلنوا غضبهم من المعبد اليهودي، لأنه كان مُشبعا بالجو القومي اليهودي. وهاجموا التراث الشفوي “التلمود”، وكتاب “شولحان عاروخ”، مُبْقين فقط على التراث المكتوب “العهد القديم/التوراة”، بعيداً عن هجومهم الشرس، وقاموا بمحو كلمات “صهيون”، و”أورشليم”، من كتاب الصلوات، وحذفوا كل الصلوات التي تدعو للعودة إلى صهيون أو لإحياء مملكة إسرائيل، بل إن الأمر قد وصل بالكثيرين من دعاة الاستنارة اليهودية إلى حد إنكار الدين اليهودي ذاته. وفي معابد كثيرة مُنِِعَ استخدام اللغة العبرية واعتمدت الصلوات بالألمانية والفرنسية، كما كانت هناك محاولات لاستبدال يوم السبت بيوم الأحد.
لقد آمن دعاة الاستنارة اليهود بالعقل وبضرورة تقبل الواقع التاريخي المُتَعَيِّن، لذا فهم قد وجهوا سهام نقدهم إلى التراث القومي الديني اليهودي المغرق في الغيبية واللاتاريخية، فهاجموا فكرة “الماشيح”، (أي المسيح المُخَلِّص)، وأسطورة العودة، وحولوا فكرة جبل صهيون إلى مفهوم روحي أو إلى اسم للمدينة الفاضلة التي لا وجود لها إلا كفكرة مثالية في قلب الإنسان. لقد أصبح الخلاص لديهم يتمثل في انتشار العقل والعدالة وليس مرهوناً بانتظار المُخَلص في عزلة عن العالم ليحمل اليهود على أجنحته إلى أرض الميعاد. ولعل جوهر هذه الدعوة التنويرية يلتقي مع جوهر الدعوات الأوروبية في ذلك الوقت حول الإنسان وحريته وحقوقه وإنسانيته وعقليته وحياته وإخضاع مصيره لإرادته الواعية.
إذن، فقد تجلت أفكار التنوير اليهودية في عهد جديد من الدعوة إلى الاندماج في الشعوب، فقد رسم “موسى مندلسن” (1729 – 1786)، الرائد الروحي لحركة الهكسالاه البرلينية، وجهة  نظر جديدة في الفكر اليهودي عندما أسدى النصح لليهود كي ينبذوا عقلية الجيتو ويندمجوا في الشعوب التي يعيشون فيها، مؤكداً على أن اليهود يمكنهم أن يكونوا مواطنين مخلصين للوطن الذي يعيشون فيه.
ولقد طور اليهودي التنويري “يهودا ليف جوردن” (1830 – 1892) هذا الفكر معبرا عنه بمقولته الشهيرة التي وجهها إلى كل اليهود: “كن يهودياً في بيتك وإنساناً خارج بيتك”. ولكن بالرغم من نجاح حركة التنوير إلى حد كبير في تحقيق أهدافها في غرب أوروبا، فإنها جوبهت بمقاومة شديدة في شرق أوروبا التي كانت أسوار الجيتو فيها أكثر سماكة، وكانت قوى معارضة التغيير فيها أكثر شراسة.
ولقد عبر عن هذه الثنائية القطبية المتنافرة في التوجه والتفكير لدى يهود أوروبا، المؤرخ اليهودي “ديفيد ونتز” قائلاً: “لقد كان هناك بديلان لوضع اليهود، فقد رأى اليهود في غرب أوروبا أن الحل يكمن في تساوي الحقوق مع باقي المواطنين، أما اليهود في شرق أوروبا فقد تطلعوا إلى النموذج القومي، معتبرين أن من الممكن صياغة قدرهم داخل إطار أمة مستقلة لا تعتمد إلا عليهم”. ولقد كان هذا المؤرخ يعتبر “أن فكرة أن اليهود يمثلون أمة هي فكرة بغيضة، فهم لا يشتركون إلا في الدين”.
وفي ظل هذا التجاذب الشديد بين رجعية يهودية تحاول الإبقاء على الوضع على ما هو عليه فكرياً ومعتقدياً داخل الجيتو انتظارا لمسيح مُخلص، يحقق انتظاره الأبدي مصالح طبقية لطبقة من اليهود أفرزتها ضرورات العزلة الجيتوية، وبين تقدمية يهودية تنويرية راحت تفعل ما تستطيع لتحول اليهودي إلى إنسان قابل للاندماج في المجتمعات الأوربية، نقول: في ظل هذا التجاذب، حصلت منطقة فراغ هائلة لم يتمكن أحد من ملئها وردم الهوة التي أنشأتها سوى الحركة الصهيونية، فقلبت وجهة التنوير اليهودية رأساً على عقب بعد أن ساندها الاستعمار الأوربي وحقنها بمقومات الاندفاع لتحقيق أغراضها التي كانت أولاً وقبل كل شيء أغراضه هو.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث
فشل الحل الاندماجي التنويري وظهور الحركة الصهيونية

مع استفحال التوتر في صفوف اليهود بسبب الدعوات التنويرية، وبعد فشل الطرح الاندماجي وخصوصاً في صفوف يهود روسيا وشرق أوربا، كان اليهود قد انقسموا إلى أربعة أصناف بحسب ردود فعلهم على هذا الفشل.. 
       – فقد ظهرت ردود فعل فردية، بأن يعتنق اليهودي ديناً آخر، بل وإذا لم يَكْفِ ذلك بأن يندمج تماماً في المجتمع عبر تغيير كافة معالم شخصيته اليهودية، بما في ذلك اتخاذه لاسم آخر، كي يمحو محواً كاملاً أي أثر لأصله اليهودي.
       – وظهرت ردود فعل تمثلت في مشاركة اليهودي في الحركات الليبرالية أو الاشتراكية لتغيير الواقع الاجتماعي، على اعتبار أن ذلك التغيير سيحقق له ولليهود الخلاص من معاداة السامية.
       – أما ردود الفعل  القومية الإقليمية فقد تبدت عبر مطالبة بعض اليهود داخل المجتمعات التي يعيشون فيها بالاستقلال الثقافي أو الإداري الذاتي ضمن الدولة نفسها، كما فعل الحزب الاشتراكي الديمقراطي المعروف باسم “البوند” في روسيا، والذي انتهى أمره بظهور الاتحاد السوفياتي.
       – أما رد الفعل الراديكالي القومي الشامل الذي تمحور حول فكرة جمع كل اليهود بهدف خلق قومية يهودية لها أرضها الخاصة، فقد تم التعبير عنه فيما سُمِّيَ بالحركة الصهيونية، ولقد اتخذ هذا الاتجاه أشكالاً مختلفة ابتداء من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين.   
يمكننا القول أنه بفشل حركة التنوير اليهودية، فشل الحل الاندماجي لما يسمى بالمسألة اليهودية، لكن فشل هذه الحركة لم يكن وحده هو الذي أفشل الحل الاندماجي ومهد للحل الصهيوني، فقد ساهمت عدة عوامل أخرى في ذلك منها..
       – تكامل القوميات في أوربا. 
       – نمو الرأسمالية في العالم.
       – ازدياد موجة معاداة السامية.
       – حادثة اغتيال القيصر ألكسندر الثاني في مارس (1881)، واتهام أحد اليهود بقتله.
       – نشوء موجة من الاضطهاد في روسيا ضد اليهود.
       – رغبة الاستعمار الأوربي في توظيف المسألة اليهودية لاختراق المسألة الشرقية. 
وإذا كان السببان الأول والثاني يمثلان المؤثرات الحتمية الحدوث في بُنْيَة الفكر اليهودي، فإن الأسباب الثلاثة التالية هي في واقع الأمر مُصْطَنعة وتتعارض مع ما بدأ ينتشر في أوربا من تسامح وحريات، وهو ما يؤكد أن السبب السادس الممثل  لمحصلة السياسة الأوربية الناجمة عن السببين الأول والثاني، هو ما دفع الأوربيين إلى زج اليهود في دائرة الأسباب الثالث والرابع والخامس، ليتسنى تنفيذ مُعْطى السبب السادس، الذي غدا اتجاهاً استراتيجياً في السياسة الأوربية. 
لقد عبر “ناحوم جولدمان” الرئيس السابق للحركة الصهيونية عن خطر الاندماج الذي دعت إليه حركة التنوير، بعد أن تحقق لليهود الخروج من الجيتو الأوربي، قائلاً: “إن الاندماج هو الخطر الكبير الذي يهددنا منذ اللحظة التي خرجنا فيها من الجيتو ومن المعتقلات”. ولقد عنى ذلك بوضوح من المنظور الصهيوني، أن خروج اليهودي من قوقعة الجيتو يعرضه لعوامل التطور الطبيعية التي تراها الصهيونية خطراً على يهوديته، لأنها تقضي على ذاتيته اليهودية، إن لم يتكيف كيهودي مع البيئة الاندماجية الجديدة، وهو ما خشي منه الصهاينة.
لقد نجحت حركة الاستعمار الأوربي التي فرضها تكامل القوميات الأوربية ونمو الرأسمالية في العالم، وعبر ذراعها اليهودية الشكل فقط، “الحركة الصهيونية”، في ملء الفراغ الفكري والمعتقدي والتاريخي الحاصل في بُنية الشخصية اليهودية وفي بنية الوجود اليهودي، بعد معركة التنوير وخلالها، وذلك عبر تبني واحتضان واحتواء ما سُمِّيَ بحركة التمرد اليهودي على الحياة اليهودية في أوربا، بعد أن نجحت في توجيهها – أي في توجيه حركة التمرد هذه – نحو غاياتها هي.
فعندما هاجم دعاة الاستنارة فكرة انتظار المسيح الذي سيأتي ليقود رحلة الخلاص اليهودي إلى أرض الميعاد، منادين عبر هجومهم على تلك الفكرة، بأن على اليهود أن يحصلوا على الخلاص بأنفسهم، فإن الحركة الصهيونية نجحت بامتياز في استخدام هذه الدعوة ذاتها، وفي تجييرها لصالح فكرة الخلاص بالتوجه مباشرة وفوراً إلى أرض الميعاد، وليس بالذوبان في المجتمعات والخلاص من العزلة والحصار والنبذ، لتكون الحركة الصهيونية بذلك وعبر هذا التجيير الذكي، الذي قفزت من خلاله باليهود من الحيرة في تحديد معنى الخلاص الحقيقي، إلى اعتباره أنه هو السعي والتخطيط والتحرك للعودة إلى فلسطين، قد نجحت في إزالة الحواجز الوجدانية التي كانت تقف بين اليهود وبين الصهيونية.
وهكذا فقد أصبح من الممكن، بل من الضروري، أن يكون الخلاص الذي مثل جوهر فكرة التنويريين أنفسهم، متحققا بالتحرك اليهودي عبر المنظمة الصهيونية، وبالعمل على العودة إلى فلسطين وانتظار المسيح هناك، لا انتظاره في أوربا ليعود بهم إلى فلسطين.. لم يعد المسيح المنتظر بسلبية هو الذي سيخلص اليهود من شتاتهم، بل غدا اليهود هم الذين سيخلصون المسيح من انتظاره الطويل في السماء.
لقد أدت آراء “موسى مَندلسون” التنويرية إلى انقسام اليهود على أنفسهم، فقد أراد جانب منهم أن يصبح مواطناً عادياً في مجتمعات أوربا، فيما خشي الجانب الآخر من الاندماج اليهودي في الحضارات الأخرى، ومن تعرض اليهود للامتصاص الثقافي، الذي سيؤدي حتماً – في نظر هذه الفئة – إلى ضياع الصفات اليهودية المميزة.. ولقد شكلت الصهيونية فكراً وحركة، الوجه المعبر عن هذا الخوف من الامتصاص، في البعد اليهودي لها، وإن كان هذا البعد لا يمثل في مبررات وجوهر مكوناتها، البعد الأهم والأخطر، بل إن الجوهر الاستعماري الأوربي هو الذي يمثل ذلك البعد!!
وإذن فما هي الأسباب الحقيقية التي تقف وراء نشأة الصهيونية اليهودية؟!
لم تظهر الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر بسبب أشواق جغرافية وتاريخية جديدة إلى فلسطين، ولا بسبب كراهية مفاجئة سيطرت على اليهود تجاه أماكن إقامتهم خارجها، فرغم أن اليهود كانوا يكرهون الشتات دائماً، إلا أنهم كانوا يفضلون الإقامة فيه، مع أن أبواب فلسطين كانت على الدوام مُشْرَعة ومفتوحة أمامهم. كما أن الأشواق الدينية إلى فلسطين لم تكن هي السبب الذي يقف وراء ظهور هذه الحركة، لأن مثل هذه الأشواق لم تحرك اليهود عبر التاريخ من أماكن إقامتهم للذهاب إلى فلسطين رغم عدم وجود معوقات أو صعوبات في هذا السبيل.
فلقد حرص الكثير من الكتاب الصهاينة وغير الصهاينة، على القول بأن فلسطين بالذات كانت قبلة اليهود على مر العصور، وأنها كانت أملاً يراودهم منذ تشردهم  في الزمن القديم. وانطلاقاً من كون يهود التوراة هم أنفسهم يهود الجيتو بمستسلميه ومتمرديه (الحالوتس)، فإن من الطبيعي أن تكون فلسطين هي الاختيار المنطقي والأوحد بالنسبة لهم وهم يبحثون عن مستقر لهم بعد تمردهم على واقعهم في أوربا. إلا أن هذا الادعاء أبعد ما يكون عن الحقيقة وعن وقائع التاريخ.
فلقد شهد التاريخ العديد من الهجرات اليهودية في مختلف العصور، ولم تكن فلسطين هي قبلة تلك الهجرات، رغم أنها كانت متاحة لها. ولا وجود لأي تفسير منطقي يوفق بين التسليم بأن فلسطين كانت أملاً وقبلةً لليهود في شتى العصور، وبين حقيقة أن وقائع التاريخ الفعلية لا تحمل ما يدل على حقيقة وجود ذلك الأمل في صورة تعبير فعلي وواقعي عنه منذ ذلك التاريخ الغابر.
فقد شهد القرنان السادس عشر والسابع عشر هجرةً لليهود من إسبانيا والبرتغال إلى القارة الأميركية، وقد شهدت أواسط القرن التاسع عشر خروجاً يهودياً واسعاً ونشطاً، حمل إلى الولايات المتحدة نحو ربع مليون يهودي. وفي بدايات القرن العشرين ظلت الولايات المتحدة هي القبلة الحقيقية التي توجه إليها في الفترة من (1885) إلى (1914) عدد هائل من يهود روسيا والنمسا والمجر ورومانيا، بلغ قرابة المليون ونصف المليون شخص. أما هجرة اليهود بسبب الاضطهاد النازي، فقد اتجه الجزء الأكبر منها إلى العالم الجديد، وخاصة إلى الولايات المتحدة على الرغم من أوج نشاط الحركة الصهيونية آنذاك، وهو النشاط الذي كان يعمل على توجيه اليهود إلى فلسطين.
لا بل إن صراعاً داخلياً شهدته الحركة الصهيونية حول تحديد أصلح الأماكن لاستيطان اليهود، وكانت تلك الصراعات تعكس مصالح الدول الإمبريالية المتباينة. بل إنه وبعد استصدار المجموعة الموالية للإمبريالية البريطانية بزعامة “وايزمان”، قراراً بأن تكون فلسطين هي جهة الاستيطان اليهودي، قام الزعيم الصهيوني البريطاني “زانجويل” بإحداث انشقاق في صفوف المؤتمر الصهيوني، وكَوَّنَ منظمة صهيونية مستقلة تهدف إلى استعمار أوغندا أو أي مكان كالأرجنتين مثلاً.
ورغم انتهاء ذلك الانقسام في صفوف الصهاينة لصالح مجموعة “وايزمان”، فإن مجرد حدوثه واكتسابه الأنصارَ، إنما يدل في جوهره على أن فلسطين لم تكن بحال الأمل الذي استقر في أذهان اليهود جميعاً منذ التاريخ الغابر، فضلاً عن أنها لم تكن بالمستقر الذي أجمع عليه الصهاينة للوهلة الأولى ودون خلاف. فلقد تم هذا الاختيار من خلال الحركة الصهيونية ونتيجة لقيامها وليس العكس. أي أن تلك الحركة لم تقم وتنشأ ابتداء تلبية وتجسيدا لذلك الاختيار التاريخي القديم، بل إن هذا الاختيار نتج عن وجود الحركة الصهيونية، وكان لاحقاً لها، بعد المفاضلة بينه وبين بدائل أخرى، كانت كلها مطروحة على مائدة الحوار وبساط البحث، نشأت الحركة عندما نشأت قبل أن تكون قد حسمتها أيديولوجياً.
وهذا يعني أن الدلالة السيكولوجية لهذا الاختيار إنما خلقتها الحركة الصهيونية وسعت إلى تدعيمها وإرسائها في نفوس اليهود كوسيلة لخدمة الأهداف السياسية والاقتصادية لتلك الحركة بعد أن وقع الاختيار على فلسطين التي تم اختيارها بالتالي لأسباب استعمارية صرف وحسب ما أملته الأجندة الإمبريالية البريطانية آنذاك.
وبناء على ما سبق، فإن الحقيقة هي أن الحركة الصهيونية في بعدها اليهودي قد ظهرت لا بسبب تلك الأشواق المفاجئة إلى فلسطين، بل بسبب الإحساس بالخوف من الشتات، وذلك بتأثير عاملين وقعا على مصير اليهود في هذا الشتات وقع الصاعقة، وهما..
 1 – ازدياد موجات الاندماج اليهودي في المجتمعات الأوربية، بما تمثله هذه الموجات من تهديد بزوال مقومات الذاتية اليهودية.
 2 – موجة الاضطهاد التي بدا أنها مُصْطَنعة ومُخَطط لها لإنجاح الدعوات الصهيونية وإعطاء المشروعية الدينية والتاريخية لمبرراتها المرسومة في دوائر الاستعمار الأوربي.  
وبسبب هذه الحملة المحمومة التي مارستها الحركة الصهيونية لإذكاء مشاعر الخوف لدى اليهود في أوربا من الشتات، بعد أن نجحت في تصوير التأثير المروع والخطير للعاملين السابقين، تصويرا فعل فعله في الذهن اليهودي، فقد كانت النتيجة أن الخوف من الشتات لدى البعض تفوق على الخوف التاريخي من فلسطين، وهو الخوف الذي يحول في بُنْيَة الشخصية اليهودية بين اليهودي وبين مغامرة اتخاذ القرار بالذهاب إليها، وهذا القول يفرض علينا السؤال المهم التالي.. 
هل يخاف اليهود حقاً من فلسطين كجغرافيا؟!
إن الشخصية اليهودية لم ترتبط في وجودها بإطار جغرافي محدد، ومن هنا فإن الجغرافيا لم تكن جزءًا من هويتها، بحيث أن من السهل ملاحظة تعدد المراكز الجغرافية في التراث الخاص بهذه الشخصية. وبما أن اليهود القدماء وُجِدُوا أول ما وُجِدُوا في “مصر” وليس في فلسطين، وفق ما تفيد به أساطيرهم التي امتلأت بها التوراة الحالية، فإن تاريخهم السيكولوجي يكشف عن علاقة غير طبيعية بينهم وبين فلسطين التي مثلت عندهم ذروة المعتقد الجغرافي. وبما أن إعداد اليهود كشعب كان في مصر، فإن عقيدة الشتات التي تؤطر للمرحلة الانتقالية التي تفصل بين خروجهم من مصر موطن النشأة والتكوين، ودخولهم إلى فلسطين أرض الميعاد والسطوة، تسللت إلى أعماق التفكير اليهودي منذ القدم مُشَكِّلَةً بوتقة لصهر اليهود.
إن العلاقة الخاصة التي قامت بين إسرائيل وبين الرب كانت في الصحراء، فالتوراة أُعْطِيَت لموسى فيها وليس في فلسطين، ففي الصحراء إذن حُددت الصفات المميزة لهوية اليهود، في منطقة خاوية بين الشتات وبين فلسطين. ولهذا السبب فإن وجود الصحراء في الوعي اليهودي يعتبر مهماً جداً، فكل الأعياد القومية التي يحتفل بها اليهود مرتبطة بوجودهم التاريخي في الصحراء. وبما أن دخول فلسطين بناء على وصايا الرب وهم في الصحراء ارتبط بشروط قاسية، فإن اليهود يخافون من الدخول إلى فلسطين، خشية ألا يستطيعوا تنفيذ الشروط الصعبة التي حددها الرب من أجل وجودهم فيها، أو حتى من أجل القدرة على دخولها في ظل الأوصاف المخيفة التي سيطرت عليهم لساكنيها الذين يَفترضُ دخولها قتالَهم وتحقيقَ النصر عليهم.
إن خوف اليهود التاريخي من الدخول إلى فلسطين بالمعنى السابق، يعد مفتاحاً لفهم العلاقة بينهم وبين هذه الأرض. وهكذا فقد كشفت لنا أدبيات الشتات عن أن جيلاً كاملاً كان يجب أن يموت في الصحراء ليولد بدلاً منه جيل جديد يكون مؤهلاً ومجهزاً لدخول فلسطين في إطار سمات جديدة واستعداد كامل للوفاء بالالتزامات.
إن نفس الفكر الذي يطبع الشخصية اليهودية يتكرر في الوقت الحاضر، ففي الكتابات الصهيونية المعاصرة يوصف يهود الشتات بالجبن وبأنهم قُدِّمُوا للذبح دون مقاومة، ويوصف الشتات بأنه كان خزياً وعاراً. إن الحركة الصهيونية ما فتئت تؤكد أنه يتم في فلسطين خلق شخصية يهودية جديدة، قائمة على معادلة قوامها، “آخر يهودي وأول عبري”، أو بتعبير أدق، “آخر يهودي وأول صهيوني”، وهي المعادلة القديمة والأزلية في التفكير اليهودي حسب ما تؤكد عليه العلاقة التراثية لدى ذلك الفكر بين الشتات وفلسطين. إنها في الصهيونية المعاصرة الصيغة التي أطلقها المفكر الصهيوني “أحادهاعام”.
إن اليهودي الذي يخاف من مجرد التفكير في الذهاب بمبادرة منه إلى فلسطين بسبب الموروث التاريخي المرهق لذهنه والمرتبط بها، إلى درجة أنه قنع بذل الشتات وبقسوة انتظار المخلص الذي سيرحل به إلى أرضه الموعودة، إن يهوديا هذه صفاته النفسية في التعامل مع أرض فلسطين، لم يكن من السهل على أي فكر مجرد أن يقنعه بالنضال والكفاح لتخليص نفسه بنفسه في السياق الفلسطيني، خاصة وهو يرى بأم عينه أن أبواب الإنسان الأوربي الجديد مشرعة أمامه ليقتحمها بسهولة كجزء من حركة التحرر الأوربي التي انتشرت عشية ظهور الحركة الصهيونية.
وإذن فإن الحركة الاستعمارية الأوربية التي رأت في ظهور الفكر الصهيوني في بعده اليهودي ضرورة لا مفر منها للتعامل مع المسألة الشرقية تعاملاً يضمن توجيهها الوجهة المستهدفة، خاصة بعد خبرة مائتي عام فاشلة من الحروب الصليبية، لم تكن لتقف مكتوفة الأيدي أمام ظاهرة الخوف والرعب المُسْتَوْطِنَة في الذهن اليهودي من فلسطين، لترى ربيبتها الصهيونية وهي تذوي فاشلة في ملء الفراغ الذي راح الاندماجيون يمهدون الطريق لملئه.
لم يكن أمام الحركتين التوأمين، الاستعمار الأوربي والصهيونية اليهودية، سوى تحويل الدفة لصالح الخوف من الشتات ومن الاندماج، على حساب الخوف من فلسطين، كي يُصبح التفكير في الرحيل إلى أرض الخلاص أهون الشَّرَّيْن بالنسبة لليهودي. ولهذا السبب سبقت كل موجات العداء للسامية، وحملات اضطهاد اليهود المُبَرْمَجة والمدروسة ظهور الحركة الصهيونية، كل ذلك من أجل جعل الوجهة الاندماجية أشدَّ خطورة من التوجه إلى فلسطين. ولعله لهذا السبب أيضاً كانت موجات اضطهاد اليهود تتفاقم مع كل مرحلة من التاريخ تقضي بدفع اليهود إلى فلسطين، ودعم فكر الحركة الصهيونية.
هذا الذي نقوله تؤكده حقيقة أن الحركة الصهيونية كانت في بدايتها حركة قِلَّة، وقد جوبهت بالرفض من معظم الفئات اليهودية، لقد رفضها الدينيون، ورفضتها جماعة البوند ورفضها الاشتراكيون اليهود ورفضها الاندماجيون بأنواعهم، بل حتى الحالمون من اليهود رفضوها أيضاً.
لكن ماذا يعني كل ذلك على صعيد التعرف على جوهر الدعوة الصهيونية؟!
يكشف المفكر اليهودي “حاييم هازار” النقاب عن الفرق الكبير بين اليهودية والصهيونية بأقوال معبرة وجريئة، فهو يرى: “أن اليهودية والصهيونية ليستا شيئا واحدا، بل شيئان يختلف كل منهما عن الآخر، بل هما أمران متناقضان. فحينما لا يستطيع شخص يهودي أن يكون يهودياً، فإنه يصبح صهيونياً”.. إن هذا التمرد الوثني هو في رأيه جوهر الفكر الصهيوني، فالحركة الصهيونية – حسب رأيه – هي الحركة التي تمكنت الرجعية اليهودية عن طريقها من احتواء التيارات الإصلاحية والتحررية التي انتشرت في صفوف اليهود في أواخر القرن التاسع عشر.
وهو يأسف بشدة وهو يرى أن الصهيونية قد نجحت في إنجاز عملية الاحتواء هذه، بأن قدمت نفسها على أنها حركة متمردة على التراث اليهودي القديم، وتحاول طرح تصور جديد قومي علماني للشخصية اليهودية. لكنها رغم العلمانية الظاهرة التي تغلفت بها، وجدت نفسها مضطرة لأن تستند في برنامجها السياسي والثقافي إلى الأساطير القديمة، خاصة أسطورة العودة والشعب المختار.
ولعل هذا ما يفسر الأزمة الأيديولوجية في قلب الفكر الصهيوني الذي اعتمد على التمرد على التراث الديني لاحتواء حركة التمرد اليهودية في أوربا، ليعود ويعتمد على التراث الديني ذاته مُقولبا التمرد في إطار الدعوات الصهيونية، التي لا يمكنها أن تضم في صفوفها إلا أولئك اليهود الذين فشلوا في أن يكونوا يهوداً. لكن الأزمة المدمرة للفكر الصهيوني مُسْتَحْكِمَة في صميم طبيعته المتناقضة، إذ بعد أن كانت محاربة دعوات الاندماج هي السيف الذي سلطته على رقاب اليهود كي يتصهينوا، عادت بعد أن حققت الجانب الجغرافي من حلمها، متمثلاً في استيطان فلسطين، لتكشف عن تناقضها ولتفعل المستحيل لدمج هذا الشتات المُشَوَّه القادم من كل أصقاع الأرض، في مجتمع أثبت أنه عصي على تحقيق الاندماج الفعلي لأبنائه في إطار الفكرة التي يُراد لهم أن يندمجوا فيها وبها.
إن التناقض الحقيقي الذي رافق وسيرافق الحركة الصهيونية والفكر الصهيوني إلى أن يفجرهما من الداخل، يتمثل في أن هذه الحركة التي رأت في اندماج اليهودي الروسي مع المسيحي الروسي في بوتقة اجتماعية وجغرافية روسية واحدة، كارثة تهدد الشخصية اليهودية بالزوال والاندثار، هي ذاتها التي رأت في اندماج اليهودي اليمني مع اليهودي البولندي في بوتقة  اجتماعية وجغرافية إسرائيلية واحدة أمراً ممكناً، لا بل وضرورياً، رغم أن ما يجمع اليهودي الروسي بالمسيحي الروسي أكثر بكثير مما يجمع اليهودي اليمني باليهودي البولندي.
ولأن أوهام الحركة الصهيونية في دعوة الاندماج الجديدة في إسرائيل على أشلاء وأنقاض دعوات الاندماج القديمة في أوربا، أثبتت أنها غيض من فيض جنون الصهاينة، فإن الحركة الصهيونية لم تَكُف لحظة واحدة عن السعي لإيجاد تلك الرابطة التي يمكنها أن تربط بين قادم من جوهانسبرغ من أقصى جنوب القارة الإفريقية، وقادم من استوكهولم في أقصى شمال القارة الأوربية، وبين من أمضى طفولته في “الجوديريا”، حي اليهود في أسبانيا، ومن أمضاها في “القاع قاع” حي اليهود في اليمن.
ترى هل يمكن أن يخرج من كل هذا الخليط غير المتجانس تكوين سيكولوجي مُوحَّد لمُكوِّنات شخصية مُوَحَّدة المعالم؟!.. إن الإجابة على هذا التساؤل تقودنا بادئ ذي بدئ إلى الحديث عن جيل “الحالوتس”، وهو الجيل الذي احتوت الحركة الصهيونية تمرده على الجيتو، وحولت وجهته التمردية هذه إلى فلسطين. 

 

الفصل الرابع
جيل الحالوتس

نشأت حركة الحالوتس كنتيجة طبيعية لانهزام حركة التنوير اليهودية، وانتصار الحركة الصهيونية الاستعمارية ونجاحها في احتواء واحتضان التمرد اليهودي على الحياة في الجيتو وعلى حكومة الجيتو. لقد كان مناخ هذه النشأة هو مناخ التمرد الناجم عن شعور التهديد بالفناء روحياً وحضارياً واقتصادياً وسياسياً، وعن الإحساس بالعزلة حتى في قلب دعوات الاندماج والذوبان في الآخرين، بعد أن تمكنت الصهيونية من ترسيخ الاعتقاد لدى اليهود، بأن المجتمع الحديث لا يمكنه أن يقبلهم أو يهضمهم، وأنه سيتعامل معهم على الدوام باستعلاء واحتقار، لذلك فقد مثل جيل الحالوتس الخلاصة السياسية لهذه البيئة الذهنية الانعزالية مُمَثَّلاً في هؤلاء الرواد الذين تمكنت الحركة الصهيونية من قذفهم إلى فلسطين ضمن مشروعها الاستعماري المُغَلَّف بالدثار اليهودي.. أي أن الحالوتس من الناحية الفعلية هم اليهود الذين هاجروا إلى فلسطين تحت لواء الحركة الصهيونية.
لكن سؤالاً مهماً يفرض نفسه في هذا السياق، وهو.. هل أن التكوين السيكولوجي الذي ميز الحالوتس، والمتمثل في ذلك التمرد والخوف اللذين وضعاهم في أتون الحركة الصهيونية، هو الذي دفعهم للقفز باتجاه فلسطين؟! 
إن هذا يقودنا إلى الحديث عن دور التكوين السيكولوجي لأفراد المجتمع في تحديد المسار التاريخي لذلك المجتمع. وفي هذا الشأن فإن أهل الاختصاص من علماء النفس وعلماء الاجتماع يؤكدون على أنه – أي التكوين السيكولوجي – لا يحدده – أي المسار التاريخي – بأي حال.. نعم، قد يُسهم في تكوينه وقد يدفعه إلى الأمام، أو قد يحاول الوقوف في وجه تقدمه، لكنه ليس هو المُحَدِّد له في المحصلة النهائية. إن التكوين السيكولوجي هو مجرد إمكانية مُتَوَقَّعة، يتحول توقعها إلى واقع موضوعي بفعل الظروف الاجتماعية المحيطة بذلك التكوين والمرافقة له. كما أن شكل ذلك التكوين وليس مجرد وجوده، يتوقف أيضاً على تلك الظروف. إذن فالتكوين السيكولوجي المُحَدَّد والمُوَحَّد، يتوقف وجوداً وعدماً من جهة، وشكلاً ومضموناً من جهة أخرى، على مجموعة الظروف الاجتماعية التي يَتَخَلَّق ذلك التكوين إنْ تَخَلَّق في محيطها.
وإذن فقد كان من الممكن لحركة التمرد اليهودي على الجيتو في أوربا، ألا تتحول إلى فلسطين، لو كانت تلك الظروف التي نتحدث عنها غير تلك التي دفعت إلى تحويل ذلك التمرد إلى حركة حالوتس. فلقد كان من الممكن لحركة التمرد هذه مثلاً، أن تنتهي بمجموعات من الشباب تجوب أوربا معلنة رفضها لحياة آبائها، متمردة على تقاليدهم وأساليبهم في الحياة، وعلى أساليب وتقاليد العالم المحيط بهم أيضاً.. ثم، لا شيء بعد ذلك.
وكان يمكن للعالم أن يشهد على سبيل المثال ظهور حركة أشبه بحركات “الهيبيز” الأوربية عقب الحرب العالمية الثانية، ولكن في زمن متقدم عما شهد فيه مثل تلك الحركات بقرن من الزمان أو يزيد. وكان من الممكن للتاريخ ألا يُسجل آنذاك سوى ملاحظة خافتة عن ارتفاع معدل الأمراض النفسية بين اليهود في وسط أوروبا وشرقها في تلك الفترة. بل كان يمكن لتلك الحركة أن تندمج آنذاك في تلك الثورة العارمة التي شهدتها أوربا مع بداية الثورة الفرنسية التي لم تكف أحداثها عن التفجر حتى مطلع الثورة الاشتراكية في روسيا.
إن عبارة “كان يمكن” التي أوردناها أكثر من مرة فيما مضى، تعنى أن حركة الشباب اليهود المتمردين في أوربا، تجعل لأولئك الشباب التكوين السيكولوجي نفسه لدى تلك الأجيال من الشباب في فترات التحول والأزمة، والذي لا يعدو أن يكون نوعاً من السلوك المختلف بصورة أو بأخرى عن سلوك الآباء، وهو أمر لا يكاد يخلو منه مجتمع، بل لعله يكاد يشكل السمة التي تميز ما يعرف بصراع الأجيال كشرط من شروط التقدم.
ويحدث أحياناً أن يتخطى ذلك التكوين الصراعي حدوده الطبيعية، فيشتد متخذاً صورة الثورة الاجتماعية بكل ما تعنيه من أبعاد، وبكل ما يمكنه أن يترتب عليها من تداعيات نفسية وسلوكية. كما يمكنه أن يتخذ صورة السلوك الجماعي فيما يعرف بحركات الشباب، أو صورة الأمراض النفسية أو حتى العقلية. إن جيل الحالوتس  كان جيلاً من هذا النوع، إنه جيل كان يود أن يمضي بعيداً إلى أي مكان يكفل له ممارسة تمرده على ما هو متمرد عليه، ولقد عَبَّرَ أبناء هذا الجيل عن هذا التمرد بمنتهى الوضوح عندما انتشرت بينهم معادلة تحكم نظام تفكيرهم مفادها..”إن أساس نظامنا بالغ البساطة، أن نفعل عكس ما خبرناه أو تعلمناه ونحن أطفال”.
إن جيل الحالوتس الذي أصبح هو العمود الفقري لحركة الاستيطان التي رعتها وغذتها الحركة الصهيونية، لم ينشأ صهيونياً منذ البداية، فالحالوتس وهم الأقلية اليهودية ليس على صعيد العالم فقط، بل حتى على صعيد وسط وشرق أوربا، الموطن الأساسي للأزمة التي ولدتهم وأدت إلى ظهورهم، هم جيل من الرافضين لكل ما يمت بصلة لحياة الجيتو.
ولكن هل معنى هذا أن العناصر الأساسية لتكوينهم السيكولوجي تتناقض تماماً مع عناصر التكوين السيكولوجي للغالبية اليهودية الجيتوية؟!
لقد كان الإحساس بالتميز والإحساس بالاضطهاد، هما عنصري التكوين النفسي الرئيسيين لليهود آنذاك. ولقد وَجَدَ عنصر الإحساس بالتميز لدى الأغلبية اليهودية تعبيراً صادقاً عنه في تمسك هذه الأغلبية بالإقامة في الجيتو، وفي تمسك أفرادها بارتداء الشارات التي فرضت عليهم من قبل الأوربيين المسيحيين، حتى بعد أن أصبح في وسعهم الإقلاع عن كل ذلك بسبب حركات التحرر التي انتشرت في أوربا في تلك الفترة. أما عنصر الإحساس بالاضطهاد فقد تجلى في أصرح صوره فيما عُرِفَ عن يهود الجيتو من استسلام وخضوع حيال الإجراءات الموجهة ضدهم.. لقد كان هذا هو حال الأغلبية، فماذا عن الأقلية؟! أي الحالوتس؟!
هل اختفى هذان العنصران، وحلت محلهما عناصر جديدة لدى هذه الفئة المتمردة على ثقافة الجيتو المذلة؟! 
الأمر هو على العكس تماماً، فكل ما حدث أن هذين العنصرين، “الإحساس بالتميز” و”الإحساس بالاضطهاد”، قد أعيدت صياغتهما وأعيد إنتاجهما على الصعيد السيكولوجي في صورة جديدة تتناسب والظروف الجديدة، كما تتناسب واتجاهات التمرد لدى الحالوتس. فبدلاً من التميز المُذِل بالإقامة في الجيتو وبارتداء الشارات المميزة لليهود والمفروضة عليهم من مُذِلِّيهم، فليكن التميز، تميزاً عنصرياً هذه المرة، يقوم على تبني فكرة الامتياز العقلي لليهود، والدعوة إلى تفوق الجنس اليهودي ونبوغه. وبدلاً من الشعور بالاضطهاد المعبر عن نفسه في الخضوع والاستسلام للأمر الواقع، فلتتح الفرصة لهذا الشعور كي يعبر عن نفسه في صورة جديدة، تتمثل في الفرار من موطن الاضطهاد. أي ليكن هذا الشعور بالاضطهاد فراراً من الجيتو وفرارا من الاندماج في غير اليهود أيضاً. أي فراراً من النقيضين معاً، العزلة الاجبارية والاندماج الاختياري. وليكن التعبير عن ذلك من ثمة بإقامة نظام جديد في مكان ما، نظام متناقض مع نظام الانعزال الجيتوي من جهة أولى ومع نظام الاندماج التنويري من جهة ثانية.
التقط الفكر الصهيوني الرجعي، ومن ورائه الحركة الإمبريالية الأوربية متمثلة في الاستعمار البريطاني آنذاك، هذه النزعة الاضطهادية والعنصرية التي غذتها عناصر عديدة معظمها مصطنع ومقصود، وبُحث لها عن جذور تاريخية ودينية سبق أن ثار عليها هذا الفكر نفسه، عندما أراد أن يحارب مؤسسة الجيتو وما قامت عليه من دعاوى دينية وتاريخية، فاحتوى الحالوتس وجعل منهم مادة الهجرة إلى فلسطين، بعد أن جعلتهم الدعاية اليهودية الصهيونية أولاً والفعل الاستعماري المُغَذَّى سراً ثانياً، نهبا للحيرة والخوف. الحيرة من شكل التمرد المفترض والخوف من النقيضين المتاحين، الجيتو والاندماج.
ولكن هل تحقق الحلم الصهيوني بخلق مجتمعٍ يتمتع أبناؤه بتكوين سيكولوجي موحد في إسرائيل التي أريد لها أن تكون البوتقة البديلة لكل من مؤسسة الجيتو وفكر الاندماج؟! وبمعنى آخر هل يكفي توافر عنصري الشعور بالتميز والشعور بالاضطهاد لدى جيل الحالوتس للقول بأن التكوين السيكولوجي الواحد متوافر فعلا في إسرائيل، سواء لحظة التأسيس أو الآن أو مستقبلاً؟!
إن إسرائيل تضم اليوم جيل الحالوتس، وهو الجيل الذي نزح إليها من وسط وشرق أوربا، مُسْهِماً بالفعل في إقامة هذا الكيان المُسَمى “إسرائيل”. والحالوتس الآن أقلية بالقياس لإجمالي عدد يهود ذلك الكيان، كما أن إسرائيل تضم علاوة على هذه الأقلية الحالوتسية التي تناقصت وستستمر في التناقص مع مرور الوقت، أغلبية يهودية ينتمي أبناؤها إلى أكثر من مائة قومية، تسود بينهم علاقات هي أقرب إلى الجفاء والعداوة والصدام منها إلى التفاهم والتوافق.
وإذن فإن وحدة وتكامل التكوين السيكولوجي للحالوتس – إن سلمنا بوجود هذه الوحدة أصلاً – لا تعني وحدة وتكاملاً في ذلك التكوين السيكولوجي للإسرائيليين المعاصرين الذين يضمون من نزحوا إلى إسرائيل في ظل ظروف مختلفة قطعا عن ظروف نزوح الحالوتس. فالتسليم بوجود عناصر مشتركة تلعب دوراً في التكوين السيكولوجي للإسرائيليين المعاصرين، لا يعني بأي حال التسليم بوجود وحدة وتكامل في ذلك التكوين السيكولوجي. إن جيل الحالوتس رغم أنه كان جيلاً متمرداً على أسلافه من سكان الجيتو، فإن العنصرين الأساسيين في تكوينه السيكولوجي هما نفسهما العنصران الأساسيان للتكوين السيكولوجي لأولئك الأسلاف. وما كان الاختلاف إلا في جوهر التعبير عن هذين العنصرين.
وإذن أفلا تتيح لنا هذه الملاحظة القول بأن القوميات المائة التي ينحدر منها الإسرائيليون سَتُغَذي المجتمع الإسرائيلي بمائة تكوين سيكولوجي حالي ومستقبلي هي امتداد سيكولوجي لمائة تكوين سيكولوجي مرجعي، لا يمكنها أن تتغير بين عشية وضحاها، ولا بين جيل وآخر أو حتى كما يقول علماء النفس، ولا بين قرن وآخر في الحالات الطبيعية للتغير في النفس البشرية؟..
فإذا كان التكوين السيكولوجي للحالوتس هو نفسه التكوين السيكولوجي للجيتو الذي تمردوا عليه وكفروا به وخجلوا منه، رغم ذهابهم إلى أرض الميعاد، فهل يُعْقَل أن يتغير التكوين السيكولوجي لليهود القادمين إلى فلسطين من مائة مجتمع، ليس بينهم وبين أي منها تناقض جوهري كذلك الذي حكم العلاقة بين الحالوتس والجيتو؟!
الفصل الخامس
هل هناك شخصية يهودية إسرائيلية ذات تكوين سيكولوجي مُوَحَّد؟!

إن حجز الزاوية في الفكر الصهيوني، هو فكرة امتداد التاريخ اليهودي إلى زمن موغل في القدم، هذا ما أشار إليه “بنتوفيتش” في كتابه “فلسطين” بقوله: “إن عراقة الصهيونية إنما ترجع إلى زمان هدم الهيكل، ووقوع الشعب اليهودي في أسر نبوخذنصر”، وهو أيضاً ما أشار إليه “بن غوريون” في مذكراته حين قال: “منذ آلاف السنين ورغبة اليهود في العودة إلى إسرائيل لا تموت”.
يقوم الفكر الصهيوني في جوهره إذن على مسلمة رئيسية مؤداها أن اليهود كيان واحد متجانس ممتد في الزمان وفي المكان، وأن ثمة فعلاً ما يسمى بالمشكلة اليهودية التي تتمثل في تشتيت اليهود واضطهادهم، وأن الحل الوحيد لهذه المشكلة هو عودة اليهود إلى أرض الميعاد، أي إلى فلسطين.
لكن ما تجب الإشارة إليه هو أن التسليم بهذه المسلمة الصهيونية، يترتب عليه التسليم مباشرة وبشكل حتمي بعدد من القضايا الفرعية، أولاها، أنه رغم تسليمنا بأن البشرية شهدت عبر تاريخها الطويل كَماًّ هائلاً من التغيرات، إلا أن اليهود من دون باقي البشر، قد حافظوا تماماً على مقدرتهم على تجاوز قانون التطور وتخطيه وعدم الخضوع لسطوته عبر آلاف السنين، وبالتالي فإن يهود اليوم هم امتداد حضاري مباشر وغير منفصل لليهود القدامى – أي ليهود التوراة – أي وبكلمة أخرى، إنهم عبارة عن كيان حضاري ممتد زماناً، لم يتأثر جوهره حتى الآن بما طرأ على العالم المحيط به من تغيرات.
 أما القضية الثانية التي علينا التسليم بها جراء ذلك، فهي أن هناك ثمة ما يربط دائما بين اليهود جميعا في شتى أنحاء العالم، مهما تباينت الظروف المحيطة بهم، قد تكون هي الديانة اليهودية، وقد تكون هي التعرض للإضطهاد.
ولكن هل يُعَدُّ الإسرائيليون الذين أنجبتهم الصهيونية اليهودية حقا، امتدادا ماديا أو سيكولوجيا لليهود الذين حدثتنا عنهم الكتب السماوية؟!
لو كانت الإجابة على هذا السؤال بالإيجاب، لكان علينا أن نستمد مادتنا حولهم من الكتب القديمة التي تعرضت لنشأة اليهودية أو التي صاحبت تلك النشأة، كالتوراة والتلمود. أما إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن علينا حينئذ أن نتصدى للبحث من جديد عن نقطة بداية لمعلوماتنا ولتحليلاتنا. وبما أن الإجابة هي قطعا بالنفي، فإننا سنلجأ إلى العقل وإلى العلم للتحقق والتثبت من دعاوى الحركة الصهيونية تلك.
تتناقض الصهيونية تناقضا تاما وصريحا ومنذ البداية، مع الحقيقة القائلة بأن الفكر هو وليد الواقع الاجتماعي بالدرجة الأولى، وقبل أن يكون هذا الواقع وليد ذلك الفكر بشكل من الأشكال. وذلك بسبب انطلاقها من مسلمة مضمونها أن الصهيونية كفكرة – خلافا لكل الأفكار – هي القوة الخالقة لذلك الواقع الذي يجسده التجمع الإسرائيلي على أرض فلسطين، دون الأخذ في الاعتبار أنها قبل أن تكون خالقة لذلك الواقع، كانت مخلوقة لواقع إجتماعي شهدته الساحة الأوربية عامة والساحة اليهودية منها خاصة، لتكون وليدة واقع إجتماعي كوَّنها وخلَّقها كفكرة اتخذت هذا الاتجاه، قبل أن تلد هي وتخلق واقعا إجتماعيا جديدا تمثل في الكيان المسمى “إسرائيل”.
كما أن الصهيونية من جانب آخر ترفض مبدأ التناقض أو ما يسمى في الأدبيات العلمية الديالكتيكية، مبدأ وحدة الأضداد كسبب للتطور والتغير. فهي لا تقبل مطلقا بإمكانية أن تكون ثَمَّة تناقضات أساسية وفعالة بين اليهود أنفسهم، كأن يظهر أي تنافر بين أي يهودي وبين الصهيونية!! كل يهودي – في نظر الصهيونية – يجب أن يكون صهيونيا، وكل صهيوني هو بالقطع يهودي. كما أن كل يهودي إسرائيلي وكل إسرائيلي يهودي، بل وكل إسرائيلي صهيوني وكل صهيوني إسرائيلي.. ولكن هل هذا صحيح؟!
دلت النتائج النهائية للإحصاء الذي أجرته اللجنة التحضيرية للمؤتمر الصهيوني الثاني والعشرين، على أن مجموع الذين تم تسجيلهم في عضوية المنظمة الصهيونية العالمية قد بلغ حوالي 900 ألف عضو، في حين بلغ عدد اليهود في البلدان التي شملها الإحصاء المذكور في نفس السنة، حوالي ثمانية ملايين ونصف المليون يهودي. إلا أن الأمر لم يقف عند حد اللامبالاة التي يتصف بها اليهودي في الانتماء للحركة الصهيونية، بل إن هناك نوعا جَدِّياًّ وعميقا من المعاداة اليهودية للصهيونية، بدأت مع ظهور الحركة الصهيونية نفسها.
ففي البيان الذي صدر عن هيئة الحاخامات الألمان إحتجاجا على دعوة هرتزل لعقد المؤتمر الصهيوني الأول في أواخر القرن التاسع عشر، تم التأكيد على أن الدعوة إلى عقد مؤتمر صهيوني وإذاعة جدول أعمال هذا المؤتمر، أدت إلى بث تصورات خاطئة ومضللة عن مضمون التعاليم اليهودية، وعن الأماني والتطلعات التي تجيش  في عقول ونفوس معتنقي هذه الديانة.
هذا، وقد وجدت هيئة الحاخامات الموقعة على البيان المذكور نفسها مضطرة إلى التأكيد على أن مساعي الذين يسمون أنفسهم بالصهيونيين، وهي المساعي الرامية إلى تأسيس دولة قومية يهودية السكان في فلسطين، تتنافى بالكامل مع العقائد المتعلقة بانتظار مجيئ المسيح المخلص في الديانة اليهودية، كما نصت عليها العقائد والتعاليم في الكتاب المقدس وفي المصادر المتأخرة للديانة اليهودية. لا بل قد أوضحت الهيئة الموقعة على البيان وبما لا يدع مجالا للشك، أن اليهودية تلزم معتنقيها بالعمل في خدمة الوطن الذي ينتمون إليه بكل إخلاص وتفان، وبالدفاع عنه وعن مصالحه القومية من صميم القلب وبجميع الطاقات والإمكانات. ويُختتم البيان بالدعوة إلى الابتعاد عن المحاولات والمساعي الصهيونية الواردة أعلاه، وعلى وجه الخصوص الابتعاد كليا عن المؤتمر الصهيوني الذي يصر الصهاينة على عقده رغم كل التحذيرات والتنبيهات التي أطلقت ضد الفكرة والدعوة.
وإذا لم يكن كل يهودي صهيونيا فليس كل يهودي إسرائيليا أيضا!!
فقد أوضحت البيانات الإحصائية خلال عقد السبعينيات أن يهود العالم بلغوا حوالي 13 مليون شخص، فيما لا يضم التجمع الإسرائيلي بحسب آخر الإحصائيات إلا 5 ملايين يهودي فقط، أي حوالي 35% من يهود العالم ليس إلا. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل هو يتجاوزه إلى حقيقة ذات دلالة هامة في توضيح أهداف الحركة الصهيونية.
إذ ليس كل صهيوني أسرائيليا!!
فمن بين 13 مليون يهودي منتشرين في مختلف أصقاع الأرض، يوجد 100 ألف صهيوني عامل خارج إسرائيل. فالتجمع الإسرائيلي إذن لا يضم كل صهاينة العالم. إذ أن ثمة صهاينة متعصبون لصهيونيتهم كأشد ما يكون التعصب، ومع ذلك فإنهم يمانعون في الهجرة إلى إسرائيل كأشد ما تكون الممانعة، في وضع غير مقبول ولا منطقي وعصي على التفسير المتوازن إلا بافتراض التشكيك في صهيونيتهم، أو على الأقل في الجانب اليهودي منها، ووصمهم بالتالي بتبني الجانب الاستعماري الإمبريالي الغربي من جوهر الدعوة الصهيونية!؟
فإذا كان عماد الفكرة الصهيونية هو الهجرة إلى فلسطين، وهو ما تحرص عليه إسرائيل باستمرار عبر استقدامها من تستطيع استقدامه من يهود العالم إليها. فكيف يكون صهيونيا ذلك الذي يصنف نفسه خارج إطار دائرة وجوب الهجرة إلى فلسطين!؟
إن هذا الأمر يؤكد أن الصهيونية هي تيار فكري سياسي، وما دام الفكر أيّاً كان نوعه، ومهما كان تقديرنا لتأثيره، لا يعدو أن يكون نتاجاً للظروف الاجتماعية المادية، فإنه لا يحدد وحده سلوك الإنسان وبالتالي سلوك أفراد المجتمع. وإذن فإن الفكر الصهيوني ورغم شراسة الدعاية له، لم يكن قادرا على إقناع أتباعه مهما غالوا في تعصبهم له، بالهجرة من بلاد الرخاء إلى المجتمع الإسرائيلي.
إن ثمة حادثة مثيرة وقعت خلال المؤتمر الصهيوني الثامن والعشرين الذي انعقد في مدينة القدس في يناير من عام 1972 تكشف بمنتهى الوضوح عن التناقض المريب الذي يتغلغل في أعماق بنية الحركة الصهيونية. فقد تقدم “بجيئيل ليكيط”، زعيم شباب حزب العمل الإسرائيلي باقتراحِ فَرْضِ واجب الهجرة إلى إسرائيل على كل صهيوني في العالم، وفي الطليعة الزعماء الصهاينة، ليكونوا قدوة حية للشباب اليهودي، مقترحاً عقوباتٍ على أي زعيم صهيوني لا يهاجر إلى إسرائيل خلال أربع سنوات من انتخابه، وذلك بعدم انتخابه مرةً أخرى لأي منصبٍ صهيوني. فما الذي حدث؟!
لقد أثار هذا الاقتراح الذي باركته الأوساط الصهيونية في إسرائيل ردة فعل عنيفة لدى ممثلي المنظمات الصهيونية التي تعمل في الخارج، وخاصة منها الأمريكية الممثلة في المؤتمر. حتى أن رئيسة منظمة “هداسا” النسائية، وهي إحدى المنظمات الصهيونية الرئيسية في الولايات المتحدة، قد أعلنت أن منظمتها قد تضطر إلى الانسحاب من المؤتمر إذا ما جرت محاولة لوضع هذا الاقتراح موضع التنفيذ العملي.
وإذا لم يكن كل الصهاينة إسرائيليون برفضهم الهجرة إلى التجمع الإسرائيلي، فليس كل الإسرائيليين صهاينةٌ أيضاً!!
فهناك من يحمل الجنسية الإسرائيلية ويختلف مع الفكر الصهيوني من منطلقات متباينة وبدرجات متفاوتة. فجماعة “ناطولي كارتا” وهي جماعة صغيرة الحجم من يهود فلسطين الذين ظلوا فيها منذ الزمن القديم، ترفض الصهيونية وفكرتها ودعوتها من منطلقٍ ديني، ولا تعترف بالتالي بالثمرة الصهيونية التي هي دولة إسرائيل، وتعتبرها ثمرة الغطرسة الآثمة، لأنها قامت على أيدي نفرٍ من الكافرين الذين حرفوا مشيئة الرب بعملهم، وتدخلوا بالتالي في صنعه بدل الانتظار لما وعد به.
وهناك جماعة ” الماتزين”، التي تُعْتَبَر تنظيما سياسيا إسرائيليا معاديا للصهيونية، تكوّن في أوائل الستينيات. ويرى هذا التنظيم أن التجمع الإسرائيلي الاستيطاني قد أقامه الإستعمار وما زال يدعمه عسكرياً ومادياً لضرب حركات التحرر الوطني في المنطقة وفي العالم.. ولا ننسى حزبي “ماكي” و”راكاح” وغيرهما من القوى الصغيرة التي لا تؤمن بالصهيونية بل تعاديها.
وإذا تجاوزنا علاقة اليهود بالصهيونية لنعكف على معرفة علاقة غير اليهود بهذه الحركة، فإننا نكون بصدد وضع أيدينا على بيت القصيد في منظومة المصالح الاستعمارية في العالم وفي المنطقة العربية. فالأصولية المسيحية ممثلة في البروتستانتية المتطرفة بالدرجة الأولى، والاحتكارات الرأسمالية الدولية وشبكتها الأخطبوطية في العالم، والمُجَمَّع الصناعي الحربي في الغرب وكارتلات الصناعات الكبرى، ومجموعة المحافظين الجدد الذين يقفون على رأس المؤسسة الغربية التي تقود هذه الشبكات الاقتصادية وتشرف عليها. هؤلاء جميعاً هم في حقيقة الأمر الصهاينة الحقيقيون الذين أسس أسلافهم الفكر المسيحي المساند للصهيونية والذين يتبعون خطى هؤلاء الأسلاف بمنتهى الإخلاص، والذين يرعون الصهيونية اليهودية، الواجهة الأمامية والقاعدة المتقدمة لكل نشاطاتهم وأجنداتهم على ظهر هذا الكوكب.
خلاصة القول إذن أن الصهيونية تيار فكري سياسي إقتصادي عالمي، غربي الروح، إمبريالي الجوهر، يهودي المظهر، استيطاني الشكل، عنصري السِّمَة. وهو بهذا المعنى يسري عليه ما يسري على غيره من التيارات الشبيهة، وأما الإسرائيلية فهي جنسية يسري عليها ما يسري على سواها من الجنسيات والتابعيات، وأما اليهودية فدين ودين فقط.
وبناء على ما سبق، فإننا كي نفهم جيداً حقيقة التجمع الإسرائيلي وحقيقة صيرورته وحقيقة بنائه وطبيعة ارتباطاته، يجب أن نفهم أولاً وقبل كل شيء التناقض الرئيسي فيه، هل هو التناقض بين أحزابه السياسية المختلفة؟! أم هو التناقض بين شبابه وشيوخه؟! هل هو التناقض بين أغنيائه وفقرائه؟! أم هو ذلك التناقض المتأصل بين أتباع الأصول الحضارية المتباينة الذين يضمهم؟! أم لعله غير ذلك كله؟!
لقد كانت هناك تناقضات هامة بين المهاجرين الشرقيين (السفارديم) والمهاجرين الغربيين (الأشكنازيم). فبالنسبة للعديد من اليهود الشرقيين كانت حياتهم الجديدة في إسرائيل تمثل إنجازاً واقعياً لتراثهم الديني اليهودي، لكن بالنسبة لمعظم اليهود الغربيين فقد كانت الحالة الإسرائيلية تمثل نبذاً لماضيهم اليهودي الذي بسببه عاشوا حياة الذل في الجيتو الأوربي.. أليس هذا تناقضاً خطيراً يرجع إلى التباين في الأصول الحضارية لكل من اليهودي الشرقي واليهودي الغربي؟!
تثبت الأرقام والإحصائيات أن الإلحاد ينتشر بشكل مثير وملفت وسط “الأشكنازيم”.. لماذا؟!
لأن اليهودية الأرثوذوكسية، أي المتشددة أو المتطرفة، توحي للأشكنازيم بصورة يهودي روسيا البائس الذي كان يعاني من الكبت والقمع، وهي الصورة التي يود يهود أوربا نسيانها بأي شكل، ولكن هؤلاء اليهود الأشكنازيم الذين يرون في ماضيهم اليهودي عاراً وخزياً يجب محوه من الذاكرة والقضاء على روابطهم به شكلاً ومضموناً، لا يستطيعون فعل ذلك بالتحول إلى الديانة المسيحية أو الديانة الإسلامية، وإلا ترتب على ذلك عدم احتوائهم في إسرائيل حيث تُمارس التفرقة الدينية على أشد صورها، فليس – والأمر كذلك – من سبيل أمام هؤلاء الأشكنازيم الذين يريدون شطب أسمائهم من قائمة الماضي البغيض، إلا أن يتحولوا للإلحاد ورفض الحل الأرثوذوكسي للعلاقة مع التراث اليهودي الذي يتبناه أكثر اليهود السفارديم. فبإلحاد الاشكنازي يمكن بقاؤه إسرائيلياً، بل ويمكن قبول وصفه بأنه يهودي ملحد، خاصة بعد أن أصبح اليهودي يتعامل مع يهوديته كقومية وليس كديانة، لكن من المستحيل تَفَهُّم صيغة يهودي مسيحي، لأنها صيغة عديمة المعنى.
إن ما يكرهه الأشكنازيم في السفارديم، هو أنهم يذكرونهم من خلال حفاظهم المفرط على التقاليد الدينية المتوارثة بالأحوال الاجتماعية والثقافية التي كانت سائدة في الجيتو اليهودي، إن الرغبة العارمة والحقيقية لدى غالبية الأشكنازيم في نسيان ماضيهم والتخلص منه، هي التي أدت إلى التحول الخطير عن تقاليدهم الأصلية وثقافتهم القديمة، وتكاد تتفق معظم التحليلات السيكولوجية التي كُتِبَت جميعها بأقلام يهودية، على أن الأشكنازيم لا يزالون عن وعي أو عن غير وعي منهم يخجلون من ماضيهم.
ولكي يقنعوا أنفسهم بأنهم أصبحوا الآن من الجنس الأبيض، تسيطر عليهم رغبة تصل إلى حد الحاجة الملحة لإبداء الازدراء للعناصر اليهودية التي تشبه معتقداتها وعاداتها، معتقدات وعادات أسلافهم في الجيتو الأوربي. ومن هنا فإنهم يشعرون بنزعة قاهرة للاستخفاف باليهود السفارديم والعرب على حد سواء للاطمئنان إلى أنهم يوسعون الهوة بينهم وبين ماضيهم المخجل الذي يرونه في هؤلاء السفارديم.
إن الأشكناز كي يعمقوا من هذا الإحساس بالابتعاد عن ماضيهم، فإنهم لا يجدون أمامهم سوى السفارديم مرآة تعكس لهم هذا الابتعاد، وكلما زاد احتقارهم للسفارديم واستخفافهم بهم كلما أشبعوا غرورهم. ولعله لهذا السبب راح الأشكنازيم يصرون على النظر إلى السفارديم باعتبارهم إسفين الحضارة العربية البغيضة والمتخلفة التي تذكرهم بماضيهم الأسود، والمزروع داخل المجتمع الإسرائيلي. فهم – في نظر الأشكنازيم – سيكونون أكثر الفئات الإسرائيلية قدرة على فهم العرب والتعايش معهم، فالسفاردي يتحدث العربية مثل العربي، ويمارس الكثير من العادات مثله، وهو في العادة يشبهه، لأنه في الأساس عربي.
ولهذا السبب فإن الاشكنازيم وتجنباً لحدوث مثل هذا التحول في موقف السفارديم تجاه البلاد العربية، يسعون دائماً إلى تأجيج مبررات العداء النفسي في قلوبهم تجاه العرب، كما أنهم يسعون إلى القيام بإجراءات كثيرة للحيلولة دون اختلال موازين القوى داخل إسرائيل لصالح السفارديم، ومن هنا فقد أصبح من الشائع والمعروف أن السلوك السفاردي يُجَسِّد الحقد العميق ضد العرب، وأن السفارديم هم أكثر من كافة الإسرائيليين الأخرين شوفينية وتزمتاًً وحباً للحرب ضد العرب وتجسيداً للروح العدوانية الإسرائيلية، وأشدهم مساندة لمبدأ ضم الأراضي العربية المحتلة.
إن السفارديم يشكلون حالياً ما يزيد على (60%) من يهود إسرائيل رغم أنهم لا يمثلون على مستوى العالم سوى (10%) من إجمالي اليهود. بينما يمثل الأشكنازيم (40%) من يهود إسرائيل في حين أنهم يشكلون (90%) من يهود العالم. وتثير هذه الأرقام معضلة تثبت عمق التناقضات في المجتمع الإسرائيلي. فالأصل الحضاري الذي يضم تحت لوائه النسبة الأقل من يهود العالم يمثل أتباعه اليهود غالبية سكان إسرائيل، والعكس بالعكس، فالأصل الحضاري الذي يضم تحت لوائه النسبة الأكبر من يهود العالم، يمثل أتباعه الأقلية في التجمع الإسرائيلي. لا بل أن المعضلة لا تقف عند هذا الحد، وتتجاوزها إلى ما هو أخطر في دلالته. فالحالوتس الذي نشأ وتكون في أوربا على أنقاض الجيتو، خالقاً إسرائيل التي أرادها نموذجاً ينسيه ماضيه المذل ويقطع صلاته بتراثه القميء الذي يذكره بهذا الماضي. الحالوتس هذا غدا الآن يشكل أقلية في هذا التجمع، فيما النمط اليهودي الذي هرب منه ابن الحالوتس إلى إسرائيل طغى عليه، وأصبح يكون الآن في إسرائيل النموذج والنسبة الأكبر.. أليست هذه الظاهرة تعبيراً عن أشد حالات التناقض غرابة وخطورة على هذا الكيان وعلى البنية السيكولوجية لأبنائه وعلى طبيعة العلاقات القائمة والتي ستقوم بين طرفي المعادلة الحاكمة لهذا التجمع، الأشكنازيم والسفارديم؟!
ولكن هل من الممكن حل التناقضات الحضارية العميقة القائمة بين السفارديم والأشكنازيم لخلق تكوين سيكولوجي موحد لدى أبناء التجمع الإسرائيلي كافة؟!
بادئ ذي بدء علينا أن نسلم من منطلق علمي بأن عادات وتقاليد وقيم اليهود من أبناء مصر مثلاً هي أقرب بالتأكيد إلى الطباع المصرية المسيحية والإسلامية مهما اختلفت عنها، إذا ما قورنت بعادات وتقاليد اليهود من أبناء بولندا مثلاً، مهما كانت نقاط التشابه بينهم. إن اليهودي الألماني أقرب إلى المسيحي الألماني منه إلى  اليهودي من أبناء جنوب إفريقيا. لقد عاش اليهود ظروفاً متباينة إقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وبقدر تباين هذه الظروف كان لا بد من أن تتباين أفكارهم وتكويناتهم الاجتماعية وخصائصهم النفسية.
إن الفهم العلمي للعلاقة المتبادلة تأثراً وتأثيراً، بين البناء التحتي والبناء الفوقي في المجتمع، يبين لنا أن التغيرات التي تطرأ على البناء الفوقي تنمو وتتحرك بمعدلات أبطأ كثيراً من نظيرتها التي تطرأ على البناء التحتي، وبالتالي فإنه بعد أن يتم تغير الظروف الموضوعية، تبقى الأبنية الفوقية متمثلة في الفكر والتكوينات الذهنية والنفسية محتفظة بخصائصها لفترة طويلة.
 ولو حاولنا تطبيق ذلك في مجال سيكولوجية الجماعات، لاتضح لنا أن ثمة قناة تربط بين البناء التحتي – أي الظروف المادية العامة – والبناء الفوقي- أي شخصية الجماعة وشخصية الفرد داخل الجماعة – إن هذه القناة تتمثل أساساً في عملية التنشئة الاجتماعية، ثم فيما يرتبط بها من عمليات الاتصال المختلفة.
 وذلك يعني أن تغير الظروف المادية المحيطة بتجمع بشري معين لا يمكنه أن يؤدي بشكل فوري إلى تغير في التكوين السيكولوجي لأفراد هذا المجتمع، بل أن الأمر يتطلب أن يبلغ تغير تلك الظروف الحالية الحدَّ الذي تتغير عنده أساليب التنشئة الاجتماعية السائدة.
 ولذلك فإن السؤال الخاطئ التالي: “ألا يعيش يهود إسرائيل اليوم في ظل ظروف مادية مشتركة؟! أو لا يعني ذلك بالتالي أن تكوينهم الفكري والسيكولوجي قد أصبح موحداً؟!” يجب أن يعدل ليطرح على النحو التالي: “هل توحدت بالفعل أساليب التنشئة الاجتماعية التي تُمارس في التجمع الإسرائيلي كي نتحدث عن تكوين سيكولوجي موحد في إسرائيل؟!”
 هل يمكن التحدث إذن عن شخصية إسرائيلية واحدة في إطار هذا التباين والتنوع في الأصول الحضارية والثقافية لسكان إسرائيل الذين وفدوا إليها من أكثر من مائة دولة، وفي إطار التباين والاختلاف في أساليب التنشئة الاجتماعية بين كل من الأشكنازيم والسفارديم وعلى مستوى عميق من جهة أولى،  وبين مختلف المنابت العرقية السفاردية أو المنابت العرقية الأشكنازية، وإن يكن على مستوى أقل عمقاً من جهة ثانية؟!
 إن الإجابة على هذا السؤال هي بالنفي قطعاً، فمن غير الممكن التحدث عن شخصية يهودية إسرائيلية واحدة. بل يمكننا الحديث عن شخصية يهودية سفاردية عامة تتضمن داخلها قدراً هائلاً من التقسيمات التكوينية للشخصية اليهودية وفقاً للبلدان الأصلية التي ينتسب إليها هؤلاء السفارديم (العراق- اليمن – مصر – المغرب – الهند – جنوب إفريقيا – إثيوبيا .. الخ). كما يمكننا الحديث عن شخصية يهودية أشكنازية تمثل يهود وسط وشرق أوروبا وهم منشئو الحركة الصهيونية ومؤسسو دولة إسرائيل والقائمون على حكمها منذ إنشائها حتى الآن – وإن كنا داخل البوتقة الأشكنازية سنعود لنتوه في خِضم قدر هائل من التقسيمات التكوينية للشخصية اليهودية وفقاً للبلدان الأصلية التي ينتسب إليها الأشكنازيم (بولندا – روسيا – المجر – تشيكوسلوفاكيا – رومانيا.. الخ).
  ومن جديد يلح علينا السؤال التالي: “مَنْ مِنْ هذه الأنماط السكانية في إسرائيل يعتبر أكثر تجسيداً للشخصية اليهودية الإسرائيلية وتعبيراً عنها في داخل هذا النسيج الفسيفسائي للتجمع الإسرائيلي؟!
 إن الشخصية القومية أو التكوين السيكولوجي للجماعة، إنما هي جميعها أبنية فوقية لابد لها من بناء تحتي ترتكز إليه، يفرزها وتتفاعل معه، وهذا يعني أنه لا يمكن أن تكون ثَمة وحدة سيكولوجية بين أفراد جماعة بشرية معينة، إلا بقدر تشابه الظروف الإجتماعية والإقتصادية والتاريخية المحيطة بتلك الجماعة. وانطلاقاً من هذا الفهم يتكشف زيف الادعاء بوجود ما يسمى بالسيكولوجية اليهودية الموحدة، أو بالسلوك اليهودي الموحد، أو بالقومية اليهودية، وما إلى ذلك من تعبيرات يشيع ترديدها في كُتب الصهاينة.
 إننا لا نسلم بوجود واقع تاريخي مادي متصل منذ نشأة الديانة اليهودية حتى اليوم، يجمع بين اليهود السوفييت واليهود العرب، أو بين يهود اليمن ويهود ألمانيا مثلاً. وبناء على ما سبق فإننا نستطيع التأكيد على أن هناك سيكولوجيتين أساسيتين على الأقل يمكن أن يندرج تحتهما سكان إسرائيل.
 1 – واحدة تضم أولئك اليهود الذين ينتمون لأصول سفاردية بصرف النظر عما إذا كانوا ولدوا بالفعل على أرض فلسطين أو هاجروا إليها مؤخراً.
 2 – الثانية، وتضم أولئك اليهود الذين ينتمون لأصول أشكنازية دون النظر أيضاً إلى مكان الولادة الفعلي.
إن إغفالنا لمسألة مكان المولد، قد انبنى على تسليمنا بأن قضية التكوين السيكولوجي هي في الأساس قضية تاريخ وليست قضية جغرافية، ولكي تتمكن الجغرافيا من أن تشكل أساساً للتكوين السيكولوجي يجب أن تتحول إلى تاريخ. أي وبكلمة أخرى، فإن التجمع الإسرائيلي الذي ولد منذ ستين عاماً فقط، ربما يحتاج كي يتمكن من خلق تكوين سيكولوجي موحد لسكانه على هذه الرقعة الجغرافية المسماة إسرائيل، إلى ما لا يقل عن خمسمائة عام تتيح للجغرافيا الحديثة أن تصبح جغرافيا بقوة التاريخ.

 

 

الفصل السادس
شعور الاستعلاء والدونية في التكوين السيكولوجي اليهودي

 نستطيع منذ البداية أن نضع أيدينا على خاصيتين سيكولوجيتين متناقضتين ميزتا المناخ الذي تمت فيه تنشئة جيل رواد الصهيونية اجتماعياً.
 1 – خاصية الشعور بالتميز والاختلاف عن الآخرين، وقد اتخذت هذه الخاصية في البداية شكل اعتناق فكرة النقاء العنصري والتفوق العقلي، ثم تعددت أشكالها بعد ذلك.
 2 – خاصية الشعور بالاضطهاد، أبو بالدونية، على اعتبار أنه لا يحس بالاضطهاد إلا من غمرته مشاعر الدونية. ولقد استغرقت هذه المشاعر العقل اليهودي في تلك الفترة، حتى لو كان الأمر مُتََوَّهمًاً وغير حقيقي.
لقد كان لهاتين الخاصيتين الدور الأكبر في صياغة التكوين السيكولوجي لأولئك الذين قدموا من الغرب، وبالتحديد من وسط أوروبا وشرقها إلى فلسطين، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والذين قامت على أكتافهم دولة إسرائيل والذين تصدوا لصنع التجمع الإسرائيلي.. هذا يعني تحديداً أن التنشئة الاجتماعية التي تعرضت لها تلك المجموعة من اليهود التي عاشت في تلك الفترة وفي ذلك المكان، كانت تنطلق من هاتين الخاصيتين وتدور حول تدعيمهما، بحيث نجد فيهما التفسير لغالبية عادات وتقاليد وتصرفات تلك المجموعة.
 ولكن ألا يوجد هناك تناقض حقيقي بين الشعور بالاستعلاء والتميز من جهة أولى، والشعور بالدونية والاضطهاد من جهة ثانية؟! ثم، ألا يعكس هذا التناقض نوعاً من العقد النفسية في التكوين السيكولوجي للإنسان اليهودي، خاصة إذا علمنا أن الشعور بالاستعلاء والشعور بالدونية لا يمكنهما أن يجتمعا في إنسان سٍَِّوي واحد؟! فكيف والحال كذلك اجتمع هذان النقيضان المتنافران في نفسية الشخص اليهودي؟!
في ظل مناخ انعزالي متمحور حول الدين وسلطة الحاخام والإيقاع التنظيمي ذي الطابع الاقتصادي الهامشي المنحصر في التجارة المتجولة وبيع الملابس المستعملة وفتح الخانات وعمليات الحياكة والصباغة والإقراض بالربا والصيرفة، تبلورت السمة السيكولوجية الأساسية للشخصية اليهودية الجيتوية التي عانت نوعاً من الانفصام في الرؤية، حالت بينها وبين القدرة على لفظ المشاعر المتناقضة والحياة بمشاعر منسجمة ومتوازنة، فظهرت هذه الشخصية وكأنها ساحة صراع غير منطقية لأكثر المشاعر تناقضاً وتنافراً. وهكذا فقد أدى هذا الصراع في المشاعر إلى تناقض حاد في السلوك الذي راح يشكل مع مرور الوقت إطاراً رئيسياً تحددت من خلاله السمة الحاكمة للصيرورة التاريخية للشخصية اليهودية في تلك الحقبة من الزمن، والمتمثلة في عقدة التناقض بين الشعور بالاستعلاء والشعور بالدونية.
ولكن ماذا عن نشوء فكرة الإحساس بالاضطهاد لدى اليهود؟!
 إن ما لقيته فكرة “اضطهاد اليهود عبر التاريخ” من إلحاح مستمر يفوق كل تصور من جانب المفكرين الصهاينة، لم يكن في الواقع هو المبرر الوحيد من الناحية السيكولوجية لامتدادها وانتشارها إلى هذا الحد. فلقد لقيت تلك الفكرة تدعيماً آخر من فكرة أخرى نشأت خارج الفكر الصهيوني وإن يكن بموازاتها، إلى درجة أنها كانت تبدو للوهلة الأولى وكأنها نقيض لها.. إنها فكرة أن اليهود هم سبب كل شرور العالم، وخلف كل كارثة حلت أو ستحل بالبشرية.
 إن هاتين الفكرتين تعبران في الواقع عن الحقيقة السيكولوجية نفسها، وتخدمان الهدف السيكولوجي نفسه، أي أن مناداة الفكر الصهيوني بأن اليهود لقوا ومازالوا يلقون عنتا واضطهاداً منذ ؤجدوا حتى اليوم، تجد في القول بأن اليهود هم سبب كل شرور العالم، دليلاً على ذلك العنت والاضطهاد، وهو دليل يكتسب قوته من صدوره عن الجانب الذي يُعد نقيضاً للفكر الصهيوني.
 ولعل حرص الصهيونية على أن يظل ذلك الدليل محتفظاً بقوته، هو ما يفسر حرصهم على إبراز أنهم نقيض النازية وضحاياها. فلقد حرص الفكر الصهيوني حرصاً شديداً على إضفاء صورة التناقض على طبيعة العلاقة بين مصدري هاتين الفكرتين، النازية كمصدر لفكرة أن اليهود هم سبب كل شرور العالم، والصهيونية كمصدر لفكرة أن اليهود مضطهدون، فيما الحقيقة أنها علاقة ظاهرها التناقض وباطنها التطابق.
 ومع الأسف الشديد فإن الفكر العربي المعاصر فيما يتعلق بخطابه المُشَخِّص لليهودية والصهيونية زاخر بمفردات الترويج لهذه الثنائية الصهيونية النازية، عبر الترويج لعنصرها النازي المتمثل في اعتبار أن اليهود هم سبب شرور العالم، ليتقمص هذا الفكر بالتالي وكنتيجة لهذا الترويج القناعة بالعنصر الصهيوني لهذه الثنائية، والمتمثل في اضطهاد اليهود لتكون النتيجة النهائية من كل ذلك أن هذا الخطاب أصبح يتحدث عن الصهيونية ومن حيث لا يدري بلسان حالها.
 ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره “محمد فرج” في كتابه الصادر عن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في القاهرة عام (1967) والمعنون بـ “فلسطين عربية”.. “.. نحن لا نعني بذلك أن الصهيونية كفكرة وُجِدَت في القرن التاسع عشر فقط، بل هي فكرة قديمة تمتد بجذورها إلى الوقت الذي شُِّرَد فيه اليهود من فلسطين فيما قبل الميلاد”.
 ويقول “عبد الراجي” في كتابه الصادر عن دار المعارف بالقاهرة في عام (1964) والمعنون بـ “الشخصية الإسرائيلية”.. “.. لقد دأبنا جميعاً في الفترة الماضية على التمييز بين اليهودية والصهيونية، والواقع أننا وقعنا بهذا في خطأ كبير، ذلك أن الدارس الموضوعي لحياة الشعب الإسرائيلي، يعلم أن هناك حقيقة هامة لا ينكرها باحث، بل لا ينكرها الإسرائيليون أنفسهم، فضلاً عن أنهم يعتزون بها ويدعون لها، وهي أن الإسرائيلية واليهودية والصهيونية ألفاظ مترادفة لمعنى واحد”.
 ويقول “على حسن الخربوطلي” في كتابه الصادر عن معهد البحوث والدراسات العربية عام (1964)، والمعنون، بـ “العلاقات السياسية والحضارية بين العرب واليهود”.. “.. إن العقلية اليهودية تختلف في تفكيرها واتجاهاتها عن عقلية البشر جميعاً. وإن هذا الاتجاه قد أحدث تأثيره في تاريخ العالم كله وحاول أن يفرض طابعه على البشرية جمعاء لكي يضعها تحت طاعة حكماء يهود .. فالسحر بجميع أسراره وأنواعه جاء من العقلية اليهودية، والإيمان بالأشباح وتحضير الأرواح ومخاطبتها جاء من هذه العقلية، والعرافة والتدجيل والتكهن بالمستقبل وقراءة الكف والنجوم والطوالع، كل ذلك جاء من العقلية اليهودية”.
 ويحدد “محمد دروزة” في كتابه الصادر عن المكتبة المصرية في بيروت عام (1964) والمعنون بـ “تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم”، صفات اليهود الملازمة لهم منذ القدم قائلاً: “.. تعصب شديد وأنانية قوية وأفق ضيق، كان وظل يبدر منهم ويسيطر على سيرتهم سواء في معاملتهم لغيرهم أو فيما كانوا يزعمونه لأنفسهم من اختصاصات وامتيازات”.. ويمضي دروزة ليؤكد أن لليهود جِبِلَّة خاصة عُرفت عنهم وعرفوا بها منذ القدم، وأن أخلاقهم متوارثة فيما بينهم جيلاً بعد جيل وعلى امتداد القرون المتطاولة منذ أسفار العهد القديم.
 أما في كتابها الصادر عن معهد البحوث والدراسات العربية عام (1975)، والمعنون بـ “الإسرائيليات في الغزو الفكري”، فإن عائشة عبدالرحمن تُحكم سيطرة اليهود على كل شيء في هذا العالم، حتى لا يكاد يخرج من بين أيديهم شيء أو أمر على الإطلاق.. فهي تقرر في كتابها، أن اليهود هم الذين بثوا في المجتمع الإسلامي نِحلَ التناسخ والرجعة المثنوية، مما ظهر أثره في تمرد الموالي بخراسان وإسقاط الدولة الأموية ثم في ثورة الزنج والقرامطة في العصر العباسي، ونشوء الزندقة والإلحاد، وانتعاش النحل الدخيلة على العقيدة الإسلامية.
 وهي لا تألو جهداً في كتابها كي تدعونا إلى الاهتمام بتقصي دور بني إسرائيل في إسقاط الخلافة الإسلامية وتمزيق أقطارها لتركها نهباً لأولياء اليهود وأتباعهم من المستعمرين!! فلقد تواطأت الصهيونية وأولياؤها الاستعماريون مع جماعة الدونمة التركية، ونجحوا جميعاً في عزل السلطان عبد الحميد الثاني، ثم ما لبثت معاهدة سايكس- بيكو التي عقدت عام (1916) أن قضت بتوزيع تركة الدولة العثمانية على المستعمرين وَرَثَة ثأر الصليبية وأولياء اليهود.
 أما بالنسبة للحروب الصليبية في نظر الدكتورة عائشة عبد الرحمن، فإنها كانت صنيعة لعصابات اليهود سَدَنة خزائن المال في أوروبا والقابضون على الخيوط المحركة لقادة الصليبية والاستعمار، وكذلك كان الأمر بالنسبة للاحتلال الفرنسي للجزائر، والذي كان يحمل في ظاهره علم المطامع الاستعمارية لدولة أوروبية كبرى تريد أن تنافس بريطانيا العظمى في السباق على مناطق السيطرة والنفوذ، ولكن لحساب يهود فرنسا في الواقع، كان اجتياح المستعمرين الفرنسيين لأرض الجزائر وقبضتهم على كل مواردها الاقتصادية.
 كما أن اليهود كانوا وراء العملية الرهيبة لاحتلال بريطانيا لمصر قبل أكثر من ثلاثين عاما من توقيع اتفاقية سايكس- بيكو. إلى أن فتحت بيوتهم المالية بفرنسا لتمويل الدعاية لمشروع حفر قناة السويس.. كما أن الكتاب يرثي لحال العالم تحت ما يسميه سيادة قوة الوثنية المادية لليهودية العالمية، التي جعلت من ساسة العصر وقادة الدول موجهي مصائر الشعوب، أحجاراً في اليد الخبيثة على رقعة الشطرنج.. وليس غريباً والأمر كذلك أن تكون الدعوة إلى القومية العربية جزءاً مرحلياً من هذا المخطط اليهودي الأخطبوطي الذي بدأ بإسقاط الدولة العثمانية.
 خلاصة ما يريد الكتاب قوله، هو أنك أينما وليت وجهك شرقاً أو غرباً فاليهود أمامك، وحيثما نقبت في تاريخنا أو في تاريخ غيرنا، فأصابع يهودا الأسخريوطي واضحة فاعلة، وأياً كان الفكر الذي تتبناه أو يتبناه غيرك فأنت واقع لا محالة في حبائل حاخامات اليهود، سواء كنت قومياً عربياً أو ماركسياً أممياً أو حتى شعوبياً فرعونياً أو فينيقياً.
 حتى النظريات والفلسفات لم تنج من كونها إفرازات يهودية شيطانية، تهدف إلى تدمير العالم.. ألم يفرد محمد قطب في كتابه “الإنسان بين المادية والإسلام”، وفي كتابه الأخر “التطور والثبات في حياة البشر” فصولاً تدرس “ماركس” و”دوركايم” و”فرويد”، وهم أكثر من أَثْرَوْا الفكر الإنساني الحديث بفلسفاتهم ونظرياتهم ورؤاهم العلمية الثاقبة، لا كمفكرين وفلاسفة ورواد نظريات، بل فقط كيهود ثلاثة أرادوا تدمير العالم بتشويه فكره وضرب الأديان فيه؟!
 لقد أسهمنا بالقسط الأوفر في تبرير وتدعيم فكرة الاضطهاد التي نادى بها الصهاينة في دعواتهم، بأن روجنا بكل ما نملك من سذاجة وسطحية، إلى أكثر الأقاويل بعداً عن العلم والتفكير السوي، وهي أن اليهود يحركون العالم في كل شيء بخيوط سرية من وراء الكواليس.
 ولنعد إلى فكرة الاضطهاد كما يعرضها ويقدمها الفكر الصهيوني، لنرى كيف قام هذا الفكر بجعلها تغطي زمناً مترامياً بمساحة التاريخ اليهودي كله. فهو قد قدمها لنا في صور أربع متتالية تاريخياً تغطي كل صورة منها مرحلة هامة من مراحل الصيرورة اليهودية عبر التاريخ. ويمكننا إيجاز هذه الصور فيما يلي.
 1 – أقدم هذه الصور وأوضحها حجة، هي مع الأسف الصورة التي تحظى بالقدر الأكبر من التركيز والاهتمام من قبل مفكري الصهيونية، وبالقدر الأكبر من القبول والتسليم من قِبل الآخرين بمن فيهم من يطرحون أنفسهم كنقيض للصهيونية. إنها الصورة التي ترجع بالاضطهاد إلى عصر الشتات البابلي الذي يزعم اليهود أنه أعقب طردهم من فلسطين.
 2 – أما في العصر الوسيط فقد تمثلت صورة الاضطهاد المستمر في أحياء الجيتو وما لقيه اليهود فيها من عنت ومعاناة، علماً بأن تلك الأحياء لم تكن بالظاهرة التي تعرض لها اليهود في كافة أنحاء العالم، كما أنها لم تكن بشرية دائماً، فكيف يمكنها والحالة كذلك أن تمثل حلقة من حلقات الاضطهاد المتواصل والمزعوم.
 3 – أما في العصر الحديث فقد وجد الفكر الصهيوني ضالته، فيما أقدم عليه هتلر حيال اليهود، علماً بأن المعسكرات النازية كانت قاصرة على أماكن محددة ومحدودة، هي تلك التي سيطر عليها النازيون، وعلى عصر محدد ومحدود هو عصر هتلر، علاوة على أن المعسكرات النازية لم تكن موجهة ضد اليهود، بل ضد كل من ليسوا آريين، وربما أن من قتل وحرق في تلك المعسكرات من غير اليهود كالبولنديين، أضعاف من ذهبوا ضحية هتلر من اليهود.
 4 – أما الآن فمضطهدو اليهود هم العرب، حتى بعد انتزاع فلسطين عام (1948) واحتلال ثلاث دول عربية عام (1967) واجتياح لبنان واحتلال بيروت عام (1982) وارتكاب أكثر من خمسين مجزرة مروعة ضد الفلسطينيين والعرب حتى عام (1995).
 ومع أنه لا يكاد يخلو تاريخ شعب من الشعوب من اضطهاد وقع عليه بشكل ما وفي وقت ما دون أن تكون لذلك دلالة تستدعي العجب، إلا أن الحركة الصهيونية ومن ورائها الدول الاستعمارية الكبرى تتجاهل كل ذلك عند الحديث عن الشعوب الأخرى، فالشعب الجزائري احتلت أرضه (130) عاماً وقتل منه خلال هذه الفترة على أيدي الاستعمار الفرنسي ما يربو على الثلاثة ملايين شخص، والأمريكيون لم يغادروا فيتنام إلا على أنقاض مدنها الكبرى وأراضيها الزراعية التي سمم الكثير منها لمئات السنين قادمة وعلى أشلاء ثلاثة ملايين قتيل من شعبها ومثلهم من المعوقين إعاقات دائمة. وما حدث للفلسطينيين لم يحدث لشعب من الشعوب عبر التاريخ.
 إلا أن جوهر الفكر الصهيوني وهو يدرك هذه الحقيقة التاريخية كان لابد له كي تأخذ الحالة اليهودية خصوصيتها من أن يوفر لفكرة اضطهاد اليهود ثلاثة أبعاد هامة تمنحها هذه الخصوصية، وهي:
1 – الامتداد التاريخي، أي امتداد ذلك الاضطهاد واستمراره منذ وجود اليهود وحتى الآن، أي منذ العصور القديمة وإلى العصر الحديث مروراً بالعصور الوسطى.
2 – الامتداد الجغرافي، أي أن ذلك الاضطهاد قد شمل اليهود جميعاً مهما تباعدت بينهم شقة المكان، ومهما تباينت ظروف الأوطان التي اتخذوها مستقراً لهم، يستوي في ذلك يهود الشرق مع يهود الغرب، ويهود الشمال مع يهود الجنوب. أي أن اليهود مضطهدون أينما وجدوا، مما يؤسس لفكرة أنهم مضطهدون لأنهم يهود، ما يمثل المقدمة الطبيعية لنشأة الفكر العنصري لدى اليهود.
3 – الفارق الكيفي، أي أن الاضطهاد الذي وقع على اليهود لا يعادله أي اضطهاد وقع على غيرهم في أي زمان أو مكان، أي أن أحداً لم يلق ما لقيه اليهود من العنت والعذاب.
 إلا أن “يوري إيفانوف” في كتابه “الصهيونية حذارٍ” يفند هذه الفكرة قائلاً: “أن التأكيد على أن شعباً ما أو قومية معينة، قد عانت من العذاب أكثر من أي شعب آخر في العالم وعلى امتداد التاريخ الإنساني كله، لا يعني فقط تشويه الواقع التاريخي جرياً وراء إثارة نعرات التعصب القومي الذميم، بل هو أيضاً انزلاق بالغ الخطورة إلى مواقع العنصرية”.
 وعلى الرغم من التعارض الظاهر الذي يبدو للوهلة الأولى بين الإحساس بالدونية والاضطهاد من جهة والإحساس بالتميز والتفوق من جهة أخرى، إلا أن ثمة علاقة وثيقة تربط من الناحية السيكولوجية بين هذين الإحساسين المتناقضين ظاهرياً، بصرف النظر عن كونها علاقة سبب بنتيجة أو علاقة جوهر بمظهر أو أنها مجرد علاقة تآنٍ أو تتالٍ، وفي هذا السياق فإن التاريخ يحمل لنا نموذجين لا نكاد نجد من يتناول قضية تمايز مجموعة معينة من الناس عن بقية البشر إلا ويشير إليهما، أياً كان موقفه من قضية التمايز ذاتها، أو من قضية هذا النموذج أو ذاك. الأول هو النموذج الألماني أو قضية النازي المستندة إلى فكرة نقاء العرق الآري. أما الثاني فهو النموذج اليهودي أو قضية التميز الصهيوني المستند إلى فكرة نقاء ما يسمى بالجنس أو بالعرق اليهودي.
 ما يلفت الانتباه في الموقف الغربي عموماً والأمريكي خصوصاً حيال النموذجين العنصريين، النازي والصهيوني، هو حالة التناقض والازدواجية غير المبررة. ففي الوقت الذي تم خوض الحرب العالمية الثانية باشتراك فاعل من الولايات المتحدة للقضاء على النزعة العنصرية النازية المعادية للإنسانية والتي راحت تهدد البشرية والحضارة الإنسانية القائمة على عدم التفرقة العنصرية. نجد حلفاء الأمس ضد المحور العنصري النازي هم أنفسهم حلفاء اليوم للمحور العنصري الصهيوني باستثناء الحالة السوفيتية التي لها خصوصيتها التي لسنا في معرض مناقشتها هنا.
ففي الوقت الذي لا يختلف فيه عاقلان أو مفكران محايدان أو محللان نفسيان أو عالما إجتماع أو سياسيان نزيهان على أن الصهيونية نزعة عنصرية كالنزعة النازية ولا فرق إن لم تتفوق عليها في هذا المجال، إلى درجة أن عَبَّرَ العالم عن هذا الإقتناع في القرار التاريخي الذي وصم الصهيونية بالعنصرية في الأمم المتحدة، فإننا نجد أن من وصموا النازية بالعنصرية بالأمس القريب يساندون الصهيونية التي أجمع العالم على عنصريتها، ويفعلون المستحيل كي يلغوا قرار الأمم المتحدة سالف الذكر.. ما معنى هذا؟!
 المعنى واضح ولا يحتاج إلى كثير فذلكة. أعداء النازية بالأمس لم يعادوا فيها عنصريتها بالدرجة الأولى، بل طرحها لنفسها منافساً إستعمارياً شرساً للاستعمار التقليدي الفرنسي والأنجلوساكسوني، هذا لا يعني أن النازية لم تكن عنصرية، فهي قد ربطت عنصريتها بنزعتها الاستعمارية الطامحة والصاعدة، ولكن عنصريتها لو لم تكن خطيرة وذات تهديد، أو لو عملت في إطار يصب في خانة المصلحة الاستعمارية التقليدية، لتم التغاضي عن عنصريتها، بل ربما لتم توظيف تلك العنصرية بشكل ما، كما يتم حالياً توظيف العنصرية الصهيونية المساندة للخندق الاستعماري التقليدي والمتحالفة معه والناشئة لخدمة مصالح هذا الاستعمار.
 ولكن وحسب ما تقتضيه طبائع الأمور، كان على المؤسسة الاستعمارية التقليدية أن تلعب بأكثر الأوراق قدرة على تحشيد العالم ضد النازية، فعالمٌ يتحرر لن يقبل أو يتفهم الحرب ضد الألمان على قاعدة منعهم من تقاسم المستعمرات مع ناهبيها القدامى، فكان لابد من استدرار عطف ومساندة هذا العالم بإبراز المستعمرين القدامى وهم يحاولون الحفاظ على مستعمراتهم ومناهجهم الاستعمارية، كمن ينقذ العالم من عنصرية بغيضة قادمة. أما الصهيونية فلا داعي لإنقاذ العالم منها لأن الإمبريالية بحاجة إليها وحاجتها إليها حاجة حقيقية ووجودية ومصيرية.
 عود على بدء.. من هم اليهود الذين استغرقهم الإحساس بالتمايز (العنصري) والمستند إلى إحساس أعمق بالدونية؟!
 إن الواقع يكشف عن حقيقة بالغة الدلالة ألا وهي أن هذا الشعور بالتمايز لم يكن بالشعور العام الذي يشمل اليهود جميعاً في شتى أنحاء العالم، بل هو قد كان متمركزاً في يهود وسط وشرق أوروبا، ونحن نعلم – كما مر معنا – أن غالبية جيل “الحالوتس” الذي تعتبر تنشئته الاجتماعية نقطة البداية في معرفة التكوين السيكولوجي للإسرائيليين، قد هاجرت إلى فلسطين من وسط وشرق أوروبا، وبالتالي فإن لنا أن نسلم بأن عنصر الشعور بالتمايز كان ضمن العناصر الأساسية التي تضمنتها تنشئته الاجتماعية، وبالتالي فقد أصبح هذا الشعور ضمن مكونات تكوينه السيكولوجي.
 لكن الأديب الصهيوني “حاييم بريير” الذي استوقفه هذا الإحساس الأجوف بالتمايز وحَيَّرَه، جعله يتساءل باندهاش قائلاً: “من أين جاء هذا الاحتقار من جانب اليهود للأغيار والشعور بالسمو عليهم؟! هل كان اليهودي عديم الشعور حقاً وميت الأحاسيس إلى درجة لم يشعر معها بأن حياة الأغيار الذين يحتقرهم، أكثر غنىً وأكثر جمالاً من حياته؟! كلا إن هذا مستحيل، ونحن لا نستطيع أن نصدق هذا. فإذا كان هناك احتقار للأغيار، فلم يكن ذلك سوى حقد طبيعي يشعر به الفقير تجاه الغني والراهب تجاه الفارس والعاجز تجاه القادر. إن هذا الاحتقار لم يكن سوى استسلام لنصيبنا في الدنيا، وأحياناً نوعاً من العزاء لآمالنا في العالم الآخر، يتلوه صرير أسنان وغضب داخلي عن وعي أو عن غير وعي”.
 لا نعتقد أن هناك وصفاً أدق وأوضح وأشمل وأعمق لمشاعر التمايز عند اليهود مما قاله أحد كبرائهم “حاييم بريير”. لكن هذا التعالي من قِبل اليهود يخلق لديهم حالة من الدوران في حلقة مفرغة من تناوب عنصري التعالي والاضطهاد على مشاعرهم. فبإزاء تعالٍ يهودي يندفع الاضطهاد نحوهم، وهذا الاضطهاد يؤدي بدوره إلى مزيد من مشاعر الاضطهاد والدونية والظلم، لا مهرب منها ولا مفر إلا في المزيد من التمسك بالتعالي. وهكذا يتعقد الموقف وتتشابك حلقاته، وتتداخل الأسباب بالنتائج، ويمتزج الفعل برد الفعل، بحيث يصبح الأمر في نهاية المطاف وقد غدا من الصعب معرفة أيهما أعمق جذوراً وأشد تأثيراً، أهو تعالي اليهود وعزلتهم، أم هو اضطهاد الآخرين لهم.
 لقد اختلطت عقدة الشعور بالاستعلاء عند اليهود بعقدة الشعور بالدونية مُشَكِّلَةً اختلالاً واضطراباً في الأداء السيكولوجي لديهم. ولقد عَبَّرَ الأديب الصهيوني “حاييم بريير” عن ذلك بقوله: “يُجمع كتاب تاريخنا على أن أجدادنا يهود الجيتو القديم كانوا يحسون بنوع من الكبرياء والسمو بالنسبة للجويم، حتى عندما كانوا يقبلون يدي أحدهم أو يركعون أمامه”.
 ولا تقف عقدة الشعور بالاستعلاء العنصري في التكوين النفسي اليهودي عند حد، بل هي تصل إلى درجة الإيمان العميق لدى اليهودي بحقارة أمم العالم، عاكساً ذلك كله في تعبيرات لغته التي يستخدمها، فهو يستخدم ألفاظاً مثل “جوي”، التي يشير بها إلى الشخص غير اليهودي، وتعني “القذارة المادية والروحية والكفر”، ومثل “عاريل”، ومعناها “الأقلف”، أي غير المُخَتَّن الذي يبقى بدائياً وفطرياً فيظل قذراً وكافراً في آن واحد، ومثل “منزيم”، أي “ابن الزنا”، وهي لفظة تدل في أسفار العهد القديم على الشعب المختلط الأنساب، وقد خصصها اليهود فيما بعد للمسلمين.
 وهكذا يتضح لنا أن الفكر الديني اليهودي قد صاغ العقلية اليهودية في إطار من العنصرية التي تُسْبِغُ على اليهود صفات المديح والتعظيم، في الوقت الذي تتعامل فيه مع الشعوب الأخرى غير اليهودية بسيل من الأوصاف العنصرية والشتائم التي تؤكد على أن الاستعلاء العنصري هو أساس ثابت في تكوينها.
 وتعود عقدة الشعور بالاستعلاء عند اليهود إلى أسفار العقد القديم، إذ لا يتردد اليهود في تشبيه أنفسهم من خلاله بـ “شعب الله المختار”، معتقدين أن هذا الاختيار هو برنامج إلهي، إذ بهم يعاقب الله الأمم الأخرى، وهم الذين سيبقون وحدهم في آخر الزمان متسلطين على رقاب العالم.
 كذلك فهم يسمون أنفسهم “الشعب الأزلي” (عم عولام)، و”الشعب الأبدي” (عم يتسح)، بحيث يعتبرون أنفسهم مثل الله، لا أول لهم ولا آخر، ولا بداية ولا نهاية، وأنهم “الشعب المقدس” (عم قادوس).
 يصف “فرويد” ادعاء اليهود بأنهم شعب الله المختار بالخرافة المُطْبِقَة، ويقرر أن تلك حالة لا نظير لها على الإطلاق في تاريخ الأديان. ففي الحالات الدينية المعروفة، نرى الشعب يندمج في معبوده اندماجاً تاماً منذ البداية، أو يتحول الشعب إلى عبادة معبوده، ولم يحدث قط أن اختار الله عابديه.. في “سفر التثنية 2:14” نقرأ: “لأنك شعب مقدس للرب إلهك، ولقد اختارك الرب لتكون له شعباً خاصاً فوق جميع الشعوب التي على وجه الأرض”.
 أما فيما يتعلق بعقدة الشعور بالاضطهاد (الدونية)، فإن العهد القديم زاخر بنصوص تتحدث عن ذلك، منها ما ورد في “سفر الخروج – 7:3”.. “فقال الرب لقد رأيت مذلة شعبي في مصر وسمعت صراخهم وعلمت أوجاعهم فنزلت لأنقذهم من أيدي المصريين وأخرجهم من تلك الأرض إلى أرض جيدة وواسعة”.. وما ورد في “سفر الخروج – 13:15”.. “فاستعبد المصريون بني إسرائيل بعنف”.. وما ورد في “سفر الخروج أيضاً – 9:3”.. “الآن هو ذا صراخ بني إسرائيل قد أتى إليَّ ورأيت أيضاً الضيق الذي يضايقهم به المصريون”. وأيضاً “1:20 من سفر الخروج”.. “أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية”.. لقد خلقت هذه الأساطير الدينية التاريخية لدى اليهود إحساساً بالمذلة الدائمة، عوضوه بعد ذلك بسلوك عدواني ووحشي تشهد على ممارسته مدوناتهم التي سجلت أسطورة غزو أرض كنعان.

 

 

 

 

 

الفصل السابع
التوحد بالمعتدي وآثاره على السيكولوجية اليهودية

 يقول الفيلسوف الألماني المثالي “هيجل”: “فَأَنْ تَقْتُل فإنما نفسَك تَقْتُل”.. ذلك أن قدر الإنسان الذي لا مهرب له منه، هو أنه لا يوجد إلا في الآخر. ذلك الآخر، الذي رغم آخريته، ورغم تمايزه وانفصاله واستقلاله، فإنه في نهاية المطاف المرآة التي يرى فيها الإنسان ذاتَه. فِعْلَ القتل إذن، بقدر ما هو حماية للذات من خطر، لا مفر من جَعل فاعله يرى نفسه مقتولاً في ذات القتيل. تُعَدُّ هذه الفلسفة العميقة، التفسير الفعلي لمبدأ التَّوَحُّد بالمعتدي.
 ولكن كيف يمكننا إسقاط ذلك على الإنسان اليهودي؟!
 فإذا جاز لنا القول بأن أولئك الذين كانوا عبيداً في أرض مصر وفق رواية التوراة، قد تحولوا إلى غُزاة محتلين لأرض كنعان بعد فترة التِّيه والشتات الأولى. فإنه يجوز لنا القول أيضاً، أن أولئك الذين كانوا عبيداً في الجيتو الأوروبي في العصر الحديث، قد تحولوا هم الآخرون إلى غزاة محتلين لأرض فلسطين، بعد أن تعرضوا لسلسلة من الإضطهادات بلغت ذروتََها في اللاسامية النازية.
 لقد نَفَذَت إلى أعماق مُكَوِّنات الشخصية اليهودية الإسرائيلية حقيقة أن أولئك الذين سبق أن عومِلوا باستخفاف من قِبل الآخرين، يفقدون الثقة في أنفسهم لا شعورياً. إنهم قد يحاولون إخفاء هواجسهم الداخلية عن الأشخاص الآخرين بالغطرسة، إلا أن افتقارهم الخفي للثقة في أنفسهم يظل قائماً. ومن أجل هذا السبب نراهم عندما يجدون الأشخاص الآخرين أضعف منهم يمارسون معهم الاستخفاف نفسَه والقسوة نفسَها اللذين احتملوهما في الماضي.. إن هذه الظاهرة معروفة في علم النفس بالتَّوَحُّد بالمعتدي.
 إن الإنسان الإسرائيلي، بل والمجتمع الإسرائيلي، اتخذ من النازي مثلاً أعلى له، وهو الأمر الذي يعطي له علم النفس التفسير المعقول التالي.. إذا ما تعرض الفرد لعدوان لا قِبل له بمواجهته، وأصبحت الهزيمة خطراً يهدد اتزانه النفسي، فإنه كثيراً ما يلجأ إلى اتخاذ مصادر العدوان نماذج له يَقتدي بها، ومُثُلاً عليا يسير على هديها، حفاظاً على هذا الاتزان الذي تتهدده المخاطر.. إن التوحد بالمعتدي إذن هو حيلة لا شعورية تُصْطَنَعَ للتغلب على الخوف من المعتدي.
 فلكي يتحول الإسرائيلي من (مُضْطهَد) إلى (مُضْطَهِد)، يتصرف بقسوة ووحشية. الأمر الذي يمكننا التأكيد معه على أن التركيب النفسي للشخصية اليهودية غير طبيعي، قائم على الوقوع في دائرة هذا المرض النفسي الخطير، ألا وهو “التوحد بالمعتدي”.. فكل يهودي يحمل في داخله أثر جرح نفسي قديم أو حديث نتيجة للإذلال الذي تعرض له هو أو أجداده.. وبالتالي فإن هذه الشخصية أحوج ما تكون إلى البطولة الكاذبة للشفاء من هذه الجراح.
 ولكن وبما أن الحقيقة الدامغة تكشف عن أن ما يفعله اليهود الإسرائيليون أبعد ما يكون عن البطولة التي يحتاج إليها الشخص اليهودي ليشفى من أمراض ذُلِّهِ المُسْتَحْكِمَة فيه، فإن أزمة هذا اليهودي المضطرب تتعمق وتزداد عمقاً في توحده بالمعتدي، وبالتالي نراه يزداد إجراماً وقسوة ووحشية.
 فهل يمكن اعتبار البطولة العسكرية، هي الفعل الإسرائيلي الذي أدى إلى جَعل رجلٍ مُسِنٍّ يبحث في أنقاض مخيمي صبرا وشاتيلا عن أشلاء حفيده، بعد أن هدمت القذائف الإسرئيلية بيته فوق رأسه؟! أم هل يمكن اعتبارها هي ذلك الفعل الذي أدى إلى جعل امرأة تفر من جحيم القصف في بيروت عام (1982) حاملة بين ذراعيها ابنتها ذات العشر سنوات وهي تنزف؟! أم لعل البطولة هي ما يمكنها أن تعنيه صورة مجموعة من الرجال والأطفال والنساء الذين يرفعون أيديهم بالاستسلام، فيما يحيط بهم حراس إسرائيليون مدججون بالسلاح؟! إن الأسرى الذين نراهم في مخيمات الاعتقال الإسرائيلية ترتسم على وجوههم، وتنطق عيونهم بعبارات لا يفهمها إلا اليهودي الذي عانى من قَبْلُ من الشعور بالإذلال.
 ومع ذلك فالحقيقة مهما تاهت وغابت عن تلك العقول المُضطربة والنفوس المشروخة بالعقد، هي كما يصفها الصحفي الصهيوني “يعقوب تيمومان”، وهو يعبر عن فظائع عام (1982): “حرام علينا عقد المقارنات بين ما يحدث اليوم لهؤلاء العرب على أيدينا وبين ما حدث لنا في الماضي على أيدي غيرهم، لأننا لو عقدنا هذه المقارنات لاتضح لنا أن الجرائم التي ارتُكِبَت في حقنا بالأمس هي الجرائم نفسها التي نرتكبها اليوم في حق هؤلاء”.
 والجرائم تتكرر باستمرار لتكريس هذه البطولة الزائفة، تجاوبا مع عقدٍ عَشَّشَت في أعماق الإنسان اليهودي. فمن صبرا في عام 1983، إلى قانا في عام 1996، وصولا إلى “مَرْوحين” و”عيترون” في عام 2006، وفي سلسلة من الجرائم لا نكاد نعرف لها بداية، ولا نحسب أن بالإمكان توقع نهاية لها بوجود هذه الدولة، تتواصل مسيرة التجاوب التلقائي مع متطلبات هذه النفس المريضة الموبوءة بشعور النقص المُعَبَّرِ عنه بمبدأ التَّوَحُّد بالمعتدي.
 مجدداً، إنها عقدة التوحد بالمعتدي وتَقَمُّص شخصيته ودوره وأدائه، وإن يكن في حق آخرين أبرياء. فعندما وُوجِهَ اليهود بعدوان قاوموه، فلها لم يستطيعوا له صداً تغلبوا عليه بطريقة أخرى، وهي اعتبار أن المرفوضَ مقبولٌ، وأن المفروضَ مختارٌ. فبدأوا يتصرفون في حياتهم في الشتات ولسان حالهم يقول: “بدل أن يَفْرِضَ علينا الآخرون السكنى في ذلك الحي القميء، فَلْنُقْدِم نحن على تلك السكنى، كما لو كنا قد اخترناها، ولنعتبرها شرفاً لا يعادله شرف، ولنحتفل بنوالنا ذلك الشرف كل عام.. وبدل أن يَفْرِضَ علينا الآخرون ارتداء تلك الشارات المميزة تحقيراً وإذلالاً لنا، فلنحرص على ارتدائها باختيارنا شرفاً وفخاراً”.
 إنها خاصية نفسية غريبة ومركبة وشديدة التعقيد، تبدو للوهلة الأولى كما لو كانت أمراً يستعصي على الفهم. لكن علم النفس يفهمها ويفسرها جيداً، ويسميها “التوحد بالمعتدي”، كحل يحفظ للذات اتزانها ويُبْقَي على وجودها في مواجهة عدوانٍ كاد يدمرها. حل لا يلبث أن يتحول من مجرد قبول لما يَفْرِضُه العدو في حالة الضعف، إلى عدوان شرس وهمجي على من ترميهم الأقدار في طريق هذا المُتَوَحِّد المريض، عندما يمتلك ناصية القوة. وهذا هو قطعاً ما يحدث مع العرب عموماً، وفي فلسطين وإلى جانبها لبنان تحديدا.
 لقد استمر اليهود في بعض الأماكن في إيطاليا، في إقامة احتفالات سنوية في ذكرى تأسيس الجيتو، أي أنهم كانوا يحتفلون بذكرى إقامة حوائط وأسوار العار هذه، لا بذكرى تهدميها كما يفعل الأسوياء عادة عندما يحتفلون بذكرى تَحَرُّرِهم، والأمر نفسه يتكرر فيما يتصل بالشارات المُمَيَّزَة التي فُرِضَ عليهم ارتداؤها قسراً، فقد وُوجِهَت في البداية بمقاومة عنيفة ورفض بالغ، إلا أنها هي نفسها قد تحولت في النهاية إلى موضع فخار، بل لقد استمر الكثير من اليهود المحافظين في ارتدائها حتى بعد أن كفت عن كونها مفروضة عليهم.
 وعندما تحول هؤلاء الأذلاء المقهورون في الجيتو وتعاليمه إلى أقوياء متمكنين، إزاء طرف آخر ضعيف مُستصغر، تَجَلَّت تلك العقدة في ممارسات وحشية لا تفسير لها إلا بهذا المبدأ القاضي بتقمصهم كَمُعْتَدىَ عليهم سابقاً شخصية المُعْتَدِي الذي أذلهم، بالقتل والتدمير والإذلال، وبكل الجرائم والمجازر الممكنة والمتصورة، بل بهذا السور العار، الجيتو الذي أرادوا نقله إلى الآخرين!!
 لقد عَبَّر جندي إسرائيلي شاب اعترته فجأة صحوة ضمير طارئة، عن حقيقة ذلك معترفاً بأنه رأى نفسه نازيا في فلسطين. فقد أورد مؤلف كتاب “أحاديث المقاتلين” اعترافات ذلك الجندي الشاب في أعقاب حرب (1967) التي جاء فيها: “إذ كنت في هذه الحرب، فقد تذكرت نكبةَ اليهود في أوروبا، فقد حدث هذا الأمر في لحظة معينة عندما كنت في طريق القدس، وكان اللاجئون يتدفقون أمامنا متجهين نحو الأردن، لقد شعرت على الفور بالتعاطف معهم، وحينما رأيت هؤلاء الأطفال المحمولين على أذرع آبائهم، رأيت فيهم نفسي محمولاً بين ذراعي أبي، وحينما دخلت معسكراً للاجئين للتفتيش، شعرت بأنني رجل جستابو” (أي رجل مخابرات نازي).
 هذا هو على وجه الدقة ما وصف به “هون مدرسون” رئيس مجلس العموم البريطاني اليهود أثناء مناقشة قضية فلسطين في (31 يوليو 1946) قائلاً: “لقد أحضر الإسرائيليون النازية معهم من أوروبا إلى فلسطين متمثلة في التفرقة والتعصب العنصريين وفي الرعب والخضوع للقوة، فهم يحتمون بها لكي لا تدمرهم وتؤدي بهم إلى الزوال”.
 لقد تمثل شكل تَوَحُّد اليهود بالنازية في أن جعلوا اليهودي الضحية نازيا له ضحاياه، يقتل بدلاً من أن يُقتل. فتشكلت في فلسطين العصابات الإرهابية التي صَدَّرَت كل أنواع الإرهاب للعالم. فعَلّمَت البشرية إلقاء القنابل في الأسواق لقتل الأبرياء، وعلمتهم تفجير وسائل النقل وخطف الطائرات وكل أنواع الموبقات البشرية التي تندرج تحت عنوان القتل المنظم الهادف إلى ترويع الآمنين، وارتكبت المذابح والمجازر وشتى صنوف الممارسات الإرهابية منذ ذلك الوقت ومازالت تمارسها حتى الآن.
 إن الهدف الجماعي لعملية التَّوَحُّد بالمعتدي كما كشفت عنه دراسات التحليل النفسي، هو أن يتحول الحَمَلُ ذئباً، وهكذا لا يبقى أمامه خطر يخشاه، ولكن العملية مع ذلك أعقد من ذلك بكثير، فعندما يتحول الحَمل إلى ذئب، يظل مع ذلك يشعر في أعماقه بوجود الحمل، وتكون شراسته المبالغ فيها بهدف مغالبة خَوَرِه السابق ومشاعره القديمة، أي بهدف مغالبة الحَمَل القابع في أعماقه. ومن جانب آخر يظل يرى فيمن راح هو يفرض عليه دور الحمل – أي في ضحيته – يظل يرى فيه نفسه. أي أن القاتل يرى نفسه مقتولاً في ضحيته، وبهذا يستمر فعل القتل وتتفاقم شراسة القاتل، وكأن القاتل بذلك يهرب من صورته مقتولاً، وهي الصورة التي يراها ماثلة أمامه في ضحاياه، وهو أمر لا يستطيع منه خلاصاً.
 من هنا نجد تفسير ذلك القهر الذي لا يجد منه القاتل فكاكاً، وهو أن يستمر في القتل لكي لا يُقتل. ومع تزايد ضحاياه يزداد خوفه من الثأر والانتقام، وبمواصلته فعل القتل يبرر لنفسه حماية نفسه المهددة. لقد عبر “عدنان الباجه جي” مندوب العراق الدائم في الأمم المتحدة عام (1967) عن ذلك بقوله: “إن أحقاد مئات الأعوام تجد مُتَنَفَّسَها من خلال الوحشية التي يُعامَل بها العرب على نحو لم يسبق له مثيل قط”.. ولكنه يتساءل مندهشا، ويحق له التساؤل.. “أي قَدَرٍ ساخر قاسٍ هذا الذي يجعل اليوم، العرب الذين كانت أراضيهم ملاذاً لليهود يفرون إليها من الفظائع الرهيبة التي كانوا يتعرضون لها في أوروبا خلال القرون الوسطى، ضحايا الاضطهاد بهذا المستوى من القسوة على أيدي اليهود بالذات؟!.. ولكن لِمَ الدهشة يا سيدي؟!.. إبحث عن الاستعمار الأوروبي وأنت تفهم الحقيقة.

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثامن
العدوانية اليهودية ضد العرب وأثرها في التكوين السيكولوجي اليهودي

 إذا كان سواد الخطيئة ينبغي أن يُقاس بدرجة العنف التي أذنب بها المذنب، وبقدر العذر الذي يمتلكه في ممارسة عنفه، فإن سواد خطيئة اليهود أشد وعذرهم أقل في طرد الفلسطينيين من ديارهم في عام (1948)، من سواد خطيئة “نبوخذ نصر” ومن عذره في أسره اليهود إلى بابل، ومن سواد خطيئتي “تيتوس” و”هادريانوس” وعذريهما في تدمير القدس وإبادة أهلها وتشريد من بقي منهم، ومن سواد خطيئة وعذر محاكم التفتيش الأسبانية والبرتغالية في حق اليهود والمسلمين في الماضي.
 ففي عام (1948) كان اليهود يعلمون عن تجربة ما يفعلون، وكانت مأساتهم الكبرى أن الدرس الذي استخلصوه من مواجهتهم مع النازيين، قد قادهم لا إلى تجنب ارتكاب الجرائم التي يمارسها النازيون في حقهم، بل إلى تقليدها ومحاكاتها والحرص على التفوق عليها.. ليس هذا حكمنا ولا رأينا. إنه حكم ورأي المؤرخ العالمي الشهير “أرنولد توينبي” في جرائم اليهود في فلسطين. و”توينبي” لم يجانب الحقيقة أبداً حين أعلن رأيه ذاك، لأنه الرأي ذاته الذي أعلنه ويعلنه زعماء اليهود ويقررونه ويفتخرون به ويؤكدون عليه في كل مناسبة.
 هذا “بن غوريون” يقول: “بالدم والنار سقطت يهودا، وبالدم والنار ستقوم يهودا”. وهو يعتبر “أن الجيش هو خير مُفَسِّرٍ للتوراة وخير مُعَلِّقٍ عليها”.. أما “مناحيم بيغن” نبي اليهود المعاصر فإنه يقول ما يعرض من خلاله فلسفته في صيرورة التاريخ، مقرراً ببرود عجيب وبثقة غير مسبوقة: “إن قوة التقدم في التاريخ ليست للعلم بل للسيف”. وعندما بهرته قاعدة “ديكارت” الشهيرة “أن أفكر إذن أنا موجود”، بصياغتها الإنسانية الفذة والعميقة، فإنه حَوَّرَها ولونها بكل الدموية التي راح يقرأ من خلالها العالم حوله قائلاً: “نحن نحارب فنحن إذن نكون”.
 أما البدائية والغوغائية التي يندى لها جبين التفكير الإنساني الطبيعي، فإنها تَنضَح من كلمات مفكر يهودي أكثر تطرفاً هو “يوسف بيردتيشفسكي” عندما يقول: “لقد كان اليهود في سابق عهدهم القديم مرتبطين ارتباطاً عميقاً بالطبيعة، وكانت حياتهم طبيعية (يقصد فطرية وتلقائية ومتحررة من الالتزامات والقواعد والقوانين)، وكان الذي يحدد طريقتهم في الحياة هو الجدوى، أي جدوى الأعمال الحقيقية، وهذه هي الفترة التي سادت فيها عبادة الأوثان بين العبريين، ومع ظهور الأنبياء ومطالبهم، ومع انتصار يهوة على البعل (يقصد الإله الوثني عند اليهود) بدأ التدهور في تاريخ اليهود، وبدلاً من السلوك الطبيعي والأخلاق المناسبة المستقاة من الحياة الطبيعية، فُرِضتْ على اليهودي أوامر ومحظورات بددت قوته. (أي أنه يقصد أن قوة اليهودي تكمن في غوغائيته البعيدة عن أي التزام أخلاقي).
 هكذا إذن يدعو هذا المفكر اليهود إلى الهمجية، ويَعُدُّ تدخل الإله في حياتهم لتفعيلها وتطويرها بأنبيائه، على كل الإساءة التي أساءوها إليه والتشويه الذي وسموه به، تبديداً لها وحرفاً لمسارها عن طبيعته، ودهورة لقوتها. وهو يرى في عبادة “العجل” حالة أفضل لليهود من عبادة الإله الرحيم العظيم، إنه يُعلن بصراحة أن اليهودي يجب أن يبقى بدائياً فطرياً غوغائياً من الناحية الأخلاقية، ومتحرراً من الأوامر والتعليمات كي لا تتبدد قوته ونزعته إلى القتل وسفك الدماء، شأنه في ذلك شأن حيوانات الغاب.. أَيُّ غوغائية هذه التي قام عليها الفكر الصهيوني؟! وأَيُّ همجية تلك التي تقبل عقد المقارنات بين السيف والكتاب لتقدم السيف على الكتاب؟!
إن “بيرديتشفيسكي” يقول: “إن كلاً من السيف والكتاب يناقض الأخر، ويقضي عليه كلياً، إن الفترة التي يعيشها الشعب اليهودي هي فترة عصيبة، وفي مثل هذه الفترات يعيش الرجال وتعيش الأمم بالسيف وليس بالكتاب، فالسيف ليس سيفاً مجرداً وبعيداً عن الحياة، إنه تجسيد مادي للحياة في أنقى معانيها، أما الكتاب فليس كذلك”.
 “زئيف جابوتنسكي” فيلسوف العنف والإرهاب في الحركة الصهيونية، لا يختلف كثيراً عن “بيرديتشفيسكي”. فلقد قال موجهاً مستشار الطلبة اليهود في فينا ناصحاً إياه: “تستطيع أن تلغي كل شيء، القبعات والأحزمة الملونة، وتستطيع أن تفرط في الشراب وسماع الأغاني، أما السيف فلا يمكن إلغاؤه، عليكم أن تحتفظوا بالسيف، لأن الاقتتال بالسيف ليس ابتكاراً ألمانياً بل هو ملك لأجدادنا الأوائل، إن السيف والتوراة قد نزلا علينا من السماء”. أما في مجموعة قصصية له، نشرت باللغة الروسية عام (1930)، فهو يقول: “على التلاميذ أن يحصلوا على فرعين من فروع العلم، أن يتحدثوا العبرية وأن يضربوا بالقبضة”.
 إن هذه الذهنية الدموية المفعمة بروح القتل والانتقام والحقد على الإنسانية عبر عنها شعراء يهود في قصائدهم وهم يمهدون الطريق لظهور أبشع أنواع الفكر الثأري في تاريخ البشرية.. فلنستمع إلى الشاعر “شاؤول تشير نحومسيكي”، وهو يجسد الحقد المسموم الذي لا يمكن لأي إنسان سوى اليهودي المعقد أشد ما يكون التعقيد، فهمه أو معرفة كنهه، في قصيدته “فليكن هذا ثأرنا”..
“سيأتي اليوم..
وتَغْرِسُ سكينك في عنق أخيك..
ابن أمك..
كأنك تذبح خنزيرك المفضل..
في عيد القيامة..
في الفِناء أو في ميدان القرية..
وسيكون رنين أنات موته مثل الموسيقى..
أو المهرجان في أذنيك المتلهفتين..
يا يوم الثأر!!
يوم ينتف ابنك شعر ذقنك التي علاها الشيب..
ويرفع في وجهك قبضته الصلبة مهدداً..
ويناديك من حنجرته الحيوانية..
أيها الشرير..
وأنت تذرف الدمع..
أمام كل الناس..
يا يوم الثأر والعقاب..
حين تعرض ابنتك الحبيبة نفسها عاهرة ضعيفة..
ملكتها الرغبة العامرة وسكرت في الخمر..
وأخذت تهمهم لك بكل قصص الزنا..
تلك التي ارتكبتها..
هذا هو ثأرنا..
فليعش ثأرنا..
نرثه جيلاً بعد جيل..
 أماَّ في قصيدته “بقوة روحي”، فإن الشاعر اليهودي “باروخ المغنتسي” يقول:
يا سيفي..
أين سيفي؟!..
سيفي المنتقم..
أعطني سيفي لأنتصر على أعدائي..
أين أعدائي..
سوف أصرعهم..
وأحطمهم وأقطعهم إرباً..
وسوف أوقف من الناس الذكرى..
سوف أقطعهم وأجتز جذورهم..
سوف أشهر يدي اليمنى القوية وأوبخ أعدائي..
وأجعل سيفي يشرب فوراً من دمهم..
وتستحم خطواتي في دماء الصرعى..
وتدوس قدماي على شعر رؤوسهم..
وسوف أقطع من يمين وأحصد من شمال..
فلقد اشتعل غضبي وصار جحيماً..
لقد ضايقني كثيرون..
ولكن لن يبقى أحد بعد المذبحة..
نعم، إني سوف أفنيهم حقاً..
يا سيفي..
أين سيفي؟!..
سيفي المنذر؟!
أعطني سيفي فلن أغمده مرة أخرى..
حتى أذبح كل أعدائي..
لست أطيق الاحتمال..
لقد أشرقت روحي..
وغضبي مشتعل..
وقلبي تل يتحرك..
ودمي في عروقي، تيار من شرار حارق..
 إن هذه الكلمات التي تصعب تسميتها قصيدة، ما هي في الواقع إلا كم من الألفاظ المتراكمة التي تعبر عن سَرد همجي يرفض الدخول في إطار مفهوم، لكنها تثير بلا شك تلك الروح الانتقامية القبلية البشعة التي حَلت في الشخصية اليهودية الصهيونية، بعد استجلاب كل ذلك التراث الهائل من تراكمات الحقد الديني والرغبة في الانتقام من الشعوب غير اليهودية كرد فعل لتاريخ من الإذلال والعبودية التي كان شطرها الأكبر اختيارياً.
 لكن “باروخ المغنتسي” يُتْحِفُ بني قومه بقصيدة أخرى تقطر سماً زعافاً ضد من ليسوا يهوداً، فيقول:
فلترسل يا إلهي..
إني أضرع إليك أن ترسل سيفك لتثأر منهم..
ولتتركهم في بؤس شديد دون ذرية..
فلتصب حنقك على الأمم التي لا تعرفك..
ولتصب غضبك على الممالك التي لا تنادي باسمك..
لأنهم قد دمروا مساكن شعبك وأكلوا نصيب يعقوب..
في كل ليلة نصعد من قبورنا حيث دُفِنا..
لنشرب من دم هؤلاء الجزارين حتى تسكر أرواحنا..
نرضع من أنهار الدم..
رشفة.. رشفة..
قطرة.. قطرة..
لنسكر من الحزن ونسكر من الآهات، حتى تراهم عيناي يرتجفون..
لا يبل لي صدى، وأشعر بالشماتة من نظراتهم..
وقد جحظت أثناء الليل من العاصفة ومن شعرهم الذي يقف من الرعب..
هذه هي تركة الإجرام التي ورثها شعراؤهم وأدباؤهم لهم في فلسطين، كي تكون المثل الأعلى الذي يقتدون به.. الحاخام “يسرائيل هس”، يحدد موقفه من قتل العماليق، وهم الشعوب العربية، فقد كتب يقول في إحدى المجلات الدينية الناطقة باسم طلبة جامعة “برابلان” في مقال عنوانه “شريعة القتال في التوراة”: “ليست هناك رحمة في هذا الأمر الذي يفرض القتل والإبادة للصغار والكبار. يعلن الرب القتال المضاد، وليس المقصود بذلك مجرد نزاع بين شعبين، لأن الرب شخصياً مُجَنَّدٌ في هذه  الحرب، لأن له مصلحة شخصية في الموضوع، سوف يقترب اليوم الذي نًُدعَى فيه جميعاً لشريعة الحرب المقدسة، هذا من أجل إبادة العماليق”.
وفي أحد المعاهد الدينية يقول التلميذ أنه فهم واستنتج من إجابة حاخامه على سؤالٍ يتعلق بقتال العرب وقَتلهم، أنه في ساعة الحرب مسموح له، وربما أكثر من هذا يجب عليه أن يقتل كل عربي وعربية يصادفانه في الطريق.
الحاخام “أبراهام أفيدان”، مسئول الشؤون الدينية السابق بالقيادة المركزية الإسرائيلية يحرض الجنود على قتل غير اليهود حتى بدون داعٍ، وذلك وفقاً لما تقتضيه شريعة اليهود، فهو يقول: “يجب علينا طبقاً للشريعة الدينية، ألا نثق بغير اليهودي، إنه مصرح لكم، بل من واجبكم طبقاً للشريعة أن تقتلوا المدنيين الطيبين، أو بمعنى أصح الذين يبدون طيبين، يجب عليكم أن تقتلوا أفضل الناس من غير اليهود”.
إن الأدبيات الصهيونية تزخر بمبررات لا نهاية لها للعنف وللقتل اللذين يستندان إلى الدين اليهودي ذاته، وذلك بالرغم من أن غالبية المستوطنين اليهود لم يكونوا يمارسون اليهودية، وكان كثير منهم ملحدين علناً، ولعله لهذا السبب مَثَّلَت مجزرةٌ مثل مجزرة “دير ياسين” أحد أسباب النصر كما يرى “مناحيم بيجن” الذي قال: “لولا النصر في دير ياسين، لما كانت هناك دولة إسرائيل”.
وهذه حقيقة، لأن هوية هذه الدولة هي القتل، واستهداف الإنسان بصفته إنساناً، ولذلك فقد كان لزاماً عليها أن تكون ولادة هويتها قد تشكلت عبر أعمال من شأنها أن تُثَبِّتَ هذا البعد فيها، ولقد كانت مجزرة “ديرياسين” وغيرها من المجازر التي سبقتها وتلك التي تلتها، هي بمثابة الأعمال المنشئة لتلك الهوية والمبقية على مبررات استمرارها.
ولعل الوصف الذي أورده “جاك رينيه” كبير مندوبي هيئة الصليب الأحمر الدولية لتلك المجزرة في حينها، أبلغ دليل على ما نقوله. فقد صرح بحرقة حقيقية: “لقد ذُبح ثلاث مائة شخص بدون أي مبرر عسكري أو استفزاز من أي نوع، وكانوا رجالاً متقدمين في السن ونساءً وأطفالاً وصغار، اغتيلوا بوحشية بالقنابل اليدوية والمُدي وبأيدي قوات “أرجون” اليهودية، تحت الإشراف والتوجيه الكاملين لرؤسائها”.
كما أن “رينيه” وصف القوات اليهودية التي لقيها في مكان الحادث قائلاً: “أنها تألفت من رجال ونساء مسلحين بالمسدسات والمدافع نصف الرشاشة والقنابل اليدوية، ومُدْيٍ كثيرة كان معظمها لا يزال ملطخاً بالدماء. بل أن شابة أرته مُدْيَتَها وهي لا تزال تقطر دماً، وكأنها علامة على النصر”.. شابَّةُ ودم ونصر وفخار بقتل العزل.. إنها المعادلة العار التي لا تجتمع أطرافها إلا في هذا النوع الغريب من البشر.
في مقال له بعنوان “حقيقة عن فلسطين” نشر عام (1891)، أي قبل أن يكون الإرهاب الصهيوني في فلسطين قد أخذ شكله المبرمج، قال “آحادها عام”، المفكر الصهيوني، منتقداً الممارسات اليهودية الأولى في فلسطين: “ماذا يفعل إخواننا المهاجرون اليهود في فلسطين؟! لقد كانوا عبيداً في بلاد الدياسبورا، وفجأة وجدوا أنفسهم وسط حرية بلا رادع لها، ولقد وَلَّدَ هذا التحول المفاجئ في نفوسهم ميلاً إلى الاستبداد، كما تكون الحال عندما يصبح العبد سيداً، إنهم يعاملون العرب بروح العداء والشراسة، ويهينون حقوقهم بصورة مُعْوَجة وغير معقولة، ثم يوجهون لهم الإهانات دون أي مبرر كافٍ ويتفاخرون بتلك الأفعال فوق كل ذلك، وليس هناك بيننا من يقف في وجه هذا الاتجاه الخسيس والخطير في آن واحد”.
لكن “آحادها عام” يزداد قلقاً واشمئزازاً كلما تمادى اليهود في فلسطين في جرائمهم وممارساتهم العدوانية تجاه العرب، إلى أن يغدو صوته نشازاً، مع أنه أحد الآباء الروحيين لمعتقد العودة إلى أورشليم، ففي الثامن من أيلول/سبتمبر عام (1922) وعندما كان الإجرام الصهيوني في فلسطين في بداياته ولم يبلغ ذروته بعد، صرخ “آحادها عام” صرخته الشهيرة في خطاب مفتوح بعث به إلى جريدة “هاآرتس”، قائلا فيه بألم وحرقة دلت على أنه يهودي أكثر منه صهيونياً: “.. يا إلهي.. أهذه هي النهاية؟! هل هذا هو حلم العودة إلى صهيون؟! أن ندنس ترابها بدم الأبرياء؟! إن الله يكون قد أنزل بي العذاب، إذا مد في حياتي حتى أرى بعيني رأسي أنني قد حدت عن جادة الصواب.. إذا كان هذا هو المسيح، فإنني لا أريد رؤية عودته”.
لا تستعجل استحضار آلامك يا هذا المفزوع من رؤية بعض الأشلاء التي لونت طريقك إلى صهيون. فهذه لم تكن هي النهاية كما صور لك خيالك القاصر، بل كانت البداية، والأبرياء الذين هزَّك سقوطهم في ذلك التاريخ لم يكونوا كل ما في جعبة تلامذتك من جرائم القتل. لم يكونوا سوى قطرة من بحور دماء الأبرياء التي ستراق بعد ذلك، وأطمئن في قبرك وأحرق كل أوراق عودتك فالمسألة كلها لا علاقة لها لا بالمسيح ولا بعودته، إن كانت له من عودة.
ولكن علينا أن نعترف بأن الجذور والدوافع التي تستند إليها الشخصية الصهيونية في ممارساتها العدوانية ضد العرب والفلسطينيين، تُسْتَلْهَمُ غالباً من التراث الديني اليهودي بالدرجة الأولى. إن التوراة تطبع العقيدة العدوانية لدى اليهود الصهاينة بطابع خاص يقوم على مبدأ الربط الوثيق بين “حرب إسرائيل” و”رب إسرائيل”، ليُصبح هذا الرب هو “رب الجنود”، الذي يُمَّهد لبني إسرائيل السبيل لتحقيق مآربهم في الغزو والاحتلال وطرد الشعوب. فقد جاء في التوراة.. “الرب إلهك يطرد هؤلاء الشعوب من أمامك ويدفع ملوكهم إلى يدك فتمحو اسمهم من تحت السماء”.
وهو الرب القاسي المتوحش الذي لا يعرف الرحمة بالإنسان أو الحيوان.. “إلهك في وسطك، إنه عظيم ومُخَوِّف”.. “فحدث في نصف الليل أن الرب ضرب كل بكر في أرض مصر، من بكر فرعون الجالس على كرسيه، إلى بكر الأسير الذي في السجن، وكل بكر بهيمة”.. “الرب إلهك هو العابر أمامك ناراً آكلة. هو يبيدهم ويذلهم أمامك، فتطردهم وتهلكهم سريعاً كما كلمك الرب”.. “ثم كلم الرب موسى قائلاً: أرسل رجالك ليتجسسوا على أرض كنعان التي أنا معطيها لبني إسرائيل”.. ورد موسى قائلاً: “فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال وكل امرأة عرفت رجلاً بمضاجعة ذكر اقتلوها”.. ويوصي الرب موسى قائلاً: “تطردون كل سكان الأرض من أماكنهم وتمحون جميع تصاويرهم، وتبيدون كل أصنامهم المسبوكة وتخربون جميع مرتفعاتهم”.
وهناك علاوة على كل القسوة والدموية التي سبقت، صورة بشعة أخرى لأخلاقيات الحرب تتضمنها هذه الوصية من رب الجنود.. “وحين تقترب من مدينة لكي تحاربها، استدعها للصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون للتسخير ويُسْتَعْبَد لك. وإن لم تسالمك، بل عملت معك حرباً فحاصرها، وإذا دفعها الرب إليك، إلى يدك، فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة وكل غنيمتها فتضمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك. هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جداً التي ليست من مدن هذه الأمم هنا. أما مدن هذه الشعوب التي يعطيك الرب إلهك فلا تستبق منها نسمة ما”.
بهذا يوصي الرب جنوده وأنبياءه وشعبه المختار في سفر التثنية، في مخالفة لأوصاف كل الأرباب الذين عرفناهم حتى في حضارات الوثنيين وعباد الأجرام والأرواح، ناهيك عن أتباع ديانات السماء التي يفترض أن التوراة تحتل مكان الصدارة التاريخية في الكتب التي أوحت بها، وتمثل الرب الذي بعث بها، متحدثاً عن نفسه في غيرها كالإنجيل والقرآن بأنه الرحيم الودود الذي وسعت رحمته كل شيء، وبأنه يحب الإنسان الذي خلقه ولا يرغب في رؤية دمه مهدوراً ومراقاً، وبأنه يعتبر قتل نفس واحدة بغير حق كقتل الناس جميعاً، لا بل أنه في تعاليم المسيحية قد قدم نفسه قرباناً لفدية أبنائه المخطئين من بني البشر ليكفر عنهم خطاياهم بالتضحية بنفسه، بينما هو ينتشي في التوراة برؤية دماء الأطفال والأبرياء بل وحتى البهائم وهي تسفك بهذه البربرية التي عز نظيرها في التاريخ، لا بل إنه انعدم!!

 

 

الفصل التاسع
مؤسسات التنشئة الاجتماعية ودورها في تكوين السيكولوجية اليهودية

 إن الأسرة الإسرائيلية تقوم بدورها، وليس في مقدور المنظمة الصهيونية ولا الدولة الإسرائيلية أن تَحول بينها وبين ذلك الدور الذي تفرضه طبيعة الإنسان البيولوجية. ولكن ما هي الأسرة الإسرائيلية؟! فمصطلح الأسرة كوحدة تنظيم إجتماعي في مجتمع ماَّ إنما يعني حالةً مُجتمعية تقضي بتوفر حد أدنى من التشابه بين وحدات ذلك التنظيم المختلفة التي هي الأسر. وهذا أمر لا يمكن تصوره في المجتمع الإسرائيلي بالصورة الموجودة في مجتمعات أخرى.
 فالأسر النازحة إلى إسرائيل تحمل معها مفردات حضارية لحضارات شتى، ولكل حضارة تراثها بما فيه من عادات وتقاليد وقِيم وأنماط سلوكية وفكرية، ما ينعكس على خريطة البُنْيَة الأسرية للمجتمع  الإسرائيلي، جاعلاً إياه لوحة فسيفسائية بلا معالم حقيقية أو وحدة موضوع. وإذن فإن الدور الذي تلعبه الأسرة الإسرائيلية في عملية التنشئة الاجتماعية لم يحقق في حقيقة الأمر ما يرجوه مؤسسو التجمع الإسرائيلي من الإسهام الفاعل في خلق تكوين سيكولوجي إسرائيلي مُوَحَّد للشخصية اليهودية الإسرائيلية.
 وبإزاء هذا الواقع المرير الذي لا مجال لتجاوزه أو القفز عليه أو اللعب به أو التحكم فيه، لم يكن من حلٍ أمام القائمين على أمر صناعة المجتمع الإسرائيلي، إلا الاعتماد على مؤسسات التنشئة الاجتماعية الأخرى من أجل تحقيق ما لم تنجح الأسرة الإسرائيلية في تحقيقه، بحكم تباين المصادر الحضارية والثقافية لوحدات الخريطة الأسرية، وما يترتب على ذلك من تباين في التكوينات السيكولوجية التي تُوَرِّثُها تلك الوحدات إلى الأجيال القادمة.
 وهكذا فقد اعتمدت التنشئة الاجتماعية في إسرائيل بالفعل على عدد من المؤسسات، تعمل جميعها وفي وقت واحد، مُسْتَهْدِفَة إلى جانب مهماتها ذات الطابع المتخصص، الإسهام قدر ما تستطيع في خلق التكوين السيكولوجي الإسرائيلي الواحد والموحد، وهذه المؤسسات تنقسم إلى أربعة تجمعات رئيسية هي:
1 – مؤسسات التنشئة الاجتماعية التعليمية.
2 – مؤسسات التنشئة الاجتماعية العسكرية.
3 – مؤسسات التنشئة الاجتماعية الدينية.
4 – مؤسسات التنشئة الاجتماعية الأيديولوجية.
تعتبر اللغة العبرية الأداة الأساسية والفاعلة التي تستخدمها السلطات القائمة على إدارة مؤسسات التنشئة الاجتماعية المختلفة في إسرائيل، لتحقيق هدفين، الأول يتمثل في محاولة تدعيم فكرة الامتداد التاريخي لليهود من خلال تمثلهم للأدب اليهودي القديم المكتوب بالعبرية. فيما يتمثل الهدف الثاني في خلق الأرضية المناسبة لمؤسسات التنشئة الاجتماعية لكي تمارس عملها ومحاولاتها في توحيد التكوين السيكولوجي للشخصية اليهودية في التجمع الإسرائيلي.
ومع ذلك فإنه لم يتسن للحركة الصهيونية أو لصانعي المجتمع الإسرائيلي تحقيق هذين الهدفين، وعلى وجه الخصوص الثاني منهما، بفعالية ومردود عبر استخدام هذه الأداة.. يقول “ميلفورد سبيرو” في كتابه “أطفال الكيبوتز”: “ينظر السابرا إلى كافة أشكال الأدب اليهودي تقريباً باعتبارها مثيرة للتقزز بدرجة تجعلهم لا يقدمون على محاولة قراءته، ويمتد ذلك إلى الأدب الصهيوني الحديث أيضاً”.
 وإذن فما الذي حققته المؤسسات التعليمية في سياق محاولة خلق التكوين السيكولوجي الموحد لدى الشخصية اليهودية الإسرائيلية؟
 في الدراسة التي أجراها العالم الأمريكي “جورج تامارين”، ونشرتها له الصحف الإسرائيلية في أواخر عقد السبعينيات، توصل إلى نتائج هامة وذات دلالة بهذا الخصوص.. فلقد تلخصت دراسة “تامارين” في توزيع (1066) بطاقة استطلاع رأي على (503) فتاة و(563) فتىً من تلاميذ مختلف فصول عدة مدارس إسرائيلية.
 تتضمن البطاقة عرضاً لإحدى قصص التوراة الداخلة في البرنامج الدراسي لهؤلاء الطلاب من الصف الرابع وحتى الصف الثامن، وتدور القصة حول دخول “عيسوي نافين” بجيشه مدينة “أريحون”، وقضائه على ما فيها من كائن يتنفس، وكانت البطاقة تطلب من التلميذ الإجابة على سؤالين..
1- يدور الأول حول مدى خطأ أو صواب تصرف “عيسوي نافين”.
2- ويدور الثاني حول مدى جواز أن يفعل الإسرائيليون بسكان قرية عربية ما فعله “عيسوي نافين” نفسه.
 وردت في إجابات التلاميذ عبارتان بالغتا الدلالة، بنسبة تشابه في الأجوبة تراوحت من (66%) إلى (95%) مع تغيير المدرسة أو المدينة أو المستعمرة.
 الإجابة الأولى تقول: “ليس من المرغوب فيه أن توجد عناصر أجنبية في إسرائيل، فقد يكون لوجود سكان يدينون بأديان أخرى أثر ضار على الإسرائيليين”.
 أما الإجابة الثانية فتقول: “في رأيي أنه يتحتم على جيشنا أن يفعل بأهالي القرية العربية نفس ما فعله عيسوي نافين بأهالي أريحون. فالعرب أعداؤنا، وحتى في الأسر لابد أنهم سيحاولون انتهاز الفرصة للفتك بحراسهم”.
 من الواضح أن هناك بُعدين رئيسيين تجلياً بما لا يحتمل اللبس في إجابات التلاميذ الإسرائيليين، أما البعد الأول فهو الإحساس المتأصل بتعرض اليهود للخطر، بحيث يمكن أن يعد مجرد وجود مجموعة من العرب الأسرى خطراً على آسريهم من اليهود. وأما البعد الثاني فهو ذلك الإحساس المتجذر والغلاب بتمايز اليهود عن غيرهم، حتى أن من يعتنقون أدياناً أخرى يكونون بمثابة العناصر الأجنبية الضارة في إسرائيل.
 ماذا يمكننا أن نستنتج من ذلك؟!
 ببساطة شديدة فإن المؤسسات التعليمية الإسرائيلية مُسْتَغِلَّة نصوص التوراة، إنما تسعى إلى تحقيق هدفين. الأول، تدعيم الانتماء التاريخي ليهود إسرائيل إلى التاريخ اليهودي القديم، والثاني، تدعيم عنصرين رئيسيين في التكوين السيكولوجي الإسرائيلي المعاصر، وهما عنصر التمايز وعنصر الشعور بالاضطهاد. إلاَّ أن هناك عقبة هامة تعوق قيام المؤسسات التعليمية بدورها في مجال التنشئة الاجتماعية.
 تتمثل هذه العقبة في حقيقة أن التلاميذ وهم داخل مجال التأثير الحقيقي للمؤسسات التعليمية، يبدأون علاقتهم بتلك المؤسسات وهم مازالوا أقرب إلى دائرة التأثير الفعال للأسرة، ما قد يسبب شيئاً من الصعوبة في بلوغ تأثير المؤسسات التعليمية عليهم غايته المرجوة.
 أي أن التلميذ الذي يُتَوَقع منه أن يتأثر بمُدْخلات المؤسسة التعليمية إلى الحد الكفيل بدفعه إلى إمكانية التَّكَيُّف النفسي مع تلك المُدْخلات، هو في واقع الأمر ابن المرحلة العمرية التي يكون صاحبها واقعاً وقوعاً خضوعياً تحت تأثير المُدْخَلات التكوينية الأسرية، الأكثر قدرة من المُدْخلات التكوينية التعليمية على التحكم في تكوينه النفسي.
 إن هذا على وجه التحديد هو ما تمت الإشارة إليه بالعقبة التي تعوق المؤسسة التعليمية عن أداء دورها في التنشئة الاجتماعية المُستهدفة الغايات بنجاح، مادامت هناك مؤسسةُ تنشئةٍ اجتماعيةٍ أخرى، هي الأسرة، تزاحمها بقوة على أداء هذا الدور، بما يعنيه في إسرائيل من عودة إلى نقطة الصفر التي هي العجز عن توحيد البناء السيكولوجي لليهود الإسرائيليين المنحدرين من أكثر من مائة ثقافة عالمية، أو بقاء فيها من غير حراك في الاتجاه المطلوب من حيث المبدأ.
وبإزاء ذلك وما يعنيه من عدم قدرة المؤسسات التعليمية التي ستقتطع فترة زمنية طويلة نسبياً من عمر الطفل اليهودي في مرحلة التكوين النفسي، على استغلال تلك الفترة في رَدْمِ الهوة النفسية الموجودة بين مختلف الإسرائيليين بسبب الأسرة، لم يكن هناك بد من أن تقوم مؤسسات أخرى بتَلَقُّف ذلك اليهودي بعد أن تَقذفه المؤسسات التعليمية خارجها، لتقوم باستكمال الدور الذي لم تتمكن تلك المؤسسات من استكماله، ربما تستطيع تحقيق ما عجزت عن تحقيقه، وهذه المؤسسات هي المؤسسات العسكرية.
من هنا جاءت أهمية الدور الذي تلعبه تلك المؤسسات في استكمال عملية التنشئة الاجتماعية وتوجيهها نحو ما يُمَكِّنُها من تحقيق الوحدة السيكولوجية للإنسان اليهودي الإسرائيلي، بعد أن قَصَّرت الأسرة وقصرت المؤسسة التعليمية عن تحقيق الغاية في صورتها الطموح، حتى عبر أبرز وأهم مدخلاتها، ألا وهو عنصر “اللغة العبرية”.
لكن المؤسسة العسكرية لم تجد أمامها سوى أن تَجتَرَ ما كانت تجتره قبلها المؤسسات التعليمية، ولكن بأسلوب عسكري يتناسب مع طبيعة المؤسسة ومع طبيعة المرحلة العمرية للمنتسبين إليها. لذلك فقد رأينا أن جوهر ما تقوم المؤسسات العسكرية الإسرائيلية بتلقينه للجنود فيما يتصل بعملية التنشئة الاجتماعية بهدف خلق تكوين سيكولوجي موحد بينهم، هو تنمية الشعور بأن ثمة تاريخ قديم يربط بين يهود التوراة ويهود إسرائيل.
إن كتاب التاريخ العبري الذي يُدَرَّس للجنود الإسرائيليين، يتضمن سردا ًكاملاً ومكثفاً لآلاف السنين الماضية، وبخاصة حكاية الأعوام الأربعين التي تاه خلالها العبرانيون في الصحراء، وحكاية خراب الهيكل، علاوة على ما يعتقدون أنه القمم التي ارتفعت إليها رسالة العبرانيين عبر التاريخ إلى ما فوق مستوى جميع الحضارات الماضية والحاضرة.
أما فيما يتصل بالتوراة، فإن انتقاء فصول معينة منها، يكشف لنا عن طابع عام يجمع بين تلك الفصول المنتقاة جميعاً، وهو عُنْف الإسرائيليين البالغ في مواجهتهم لأعدائهم الذين لم يكفوا عن العدوان عليهم طوال ذلك التاريخ القديم، ودمويتهم غير المسبوقة ولا الملحوقة في التعامل معهم. أي أننا مرة أخرى في مواجهة نفس العنصرين اللذين وجدناهما في صميم التكوين السيكولوجي لسكان “الجيتو” والمتمردين عليه “الحالوتس”، واللذين وجدناهما أيضاً في صميم الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها المؤسسات التعليمية في إسرائيل أيضاً، إنهما عنصرا الشعور بالتمايز والشعور بالاضطهاد.
ولعل الأهمية التي بدت للصهاينة الأوائل في الدور الذي يمكن للمؤسسات العسكرية أن تلعبه في تحديد التكوين السيكولوجي لليهودي الإسرائيلي في كل الأوقات التي يمر بها التجمع الإسرائيلي خلال صيرورته، هو الذي جعل تلك المؤسسات تنشأ في سياق تاريخي مقلوب يختلف عن كل ما حصل وسيحصل في كل أنحاء العالم.
فما يحدث عادة هو أن تنشأ الأمة في ظروف صيرورة تاريخية معينة، ثم تقوم الدولة وتتحدد أبعادها السياسية والأيديولوجية والطبيعية، بل والنفسية أيضاً، لتتحدد بالتالي التنظيمات السياسية والمجتمعية المناسبة لها وفق الظروف الثقافية التي أنشأتها، لتتشكل أخيراً المؤسسات العسكرية وفقاً لكل تلك المقتضيات، ونتيجةً لها. لكن الأمر بالنسبة للتَّجَمُّع الإسرائيلي سار على عكس ذلك المسار تماماً.
إن المؤسسات العسكرية كانت هي أول ما شهدته أرض فلسطين من بُنَى تنظيمية وَلَّدَتها الحركة الصهيونة المتكونة خارج الأرض الفلسطينية، ثم تلتها التنظيمات السياسية الإسرائيلية، وبعد ذلك نشأت الدولة الإسرائيلية التي راحت بعد ذلك تُعِدُّ العدة لتكوين الشعب والمجتمع الإسرائيلي وفق أسس فكرية ونفسية حُدِّدَت من خارج صيرورته الطبيعية، مادامت هذه الصيرورة غير موجودة من حيث المبدأ على أرض فلسطين ولا خارج أرض فلسطين.
أي أن المؤسسات العسكرية الإسرائيلية كانت هي بداية النشاط الصهيوني على أرض فلسطين وهي منتهاه أيضاً. ولكن ما يجب أن يلفت انتباهنا حقاً في هذا السياق، هو أنه بنفس القدر الذي نجحت فيه المؤسسات العسكرية – وإن يكن نسبياً – في خلق بذور لمقومات الوحدة السيكولوجية لدى شريحة من يهود إسرائيل، فشلت الصهيونية وتعثرت في استخدام الديانة اليهودية كمحور يتجمع حوله الإسرائيليون، وتتشكل من خلاله وحدة تكوينهم السيكولوجي.
فلقد نشأت حركة “الحالوتس” في البداية احتجاجاً على الحياة اليهودية في الدياسبورا، وبالتحديد على الحياة دينية الطابع في الجيتو، ولما كان التمسك بالدين اليهودي في أشد صوره تشدداً وانعزالية وبتقاليده المنفرة، يُعد سمة رئيسية من سمات تلك الحياة، فإن تمرد جيل الحالوتس – وهو الجيل الذي ترك بصماتٍ واضحةً على الحياة في إسرائيل حتى اليوم – كان لا بد وأن يمتد إلى طقوس ذلك الدين الذي تمسك به آباؤهم الذين هاهم يتمردون عليهم كأشد ما يكون التمرد.
من جهة أخرى فقد كان التمسك الشديد بطقوس الدين اليهودي في الدياسبورا تعبيراً عن الشعور بالتمايز، والاختلاف عن الآخرين. أمَّا بعد أن أصبح الدين اليهودي هو الدين الرسمي للدولة الجديدة، فإن التمسك الشديد بتلك الطقوس، فقد دوره الوظيفي فانتفت الحاجة إليه.
أما التعارض الحقيقي والصارخ وغير القابل للحل بين تعاليم وطقوس الدين اليهودي بالغة الفجاجة والبدائية والقِدَم، وبين ظروف الحياة الفعلية غربية الطابع التي يعيشها التجمع الإسرائيلي حالياُ، فيعد ربما أحد أهم الأسباب التي أفقدت الدين اليهودي دوره في توحيد اليهود في المجتمع الإسرائيلي.
إذ كيف يمكن لهذا الدين أن يكون عاملاً مُوَحِّداً ومُمَحْوِراً حوله لمجتمع حكمته امرأة هي “جولدا مائير” في الوقت الذي تصرخ فيه نصوصه المقدسة المنتشرة في توراته وتلموده، بضرورة أن يحمد الرجل اليهودي الرب ألف مرة لأنه لم يخلقه امرأة!! تُرى هل يمكن للدين اليهودي أن يكون هو جوهر المجتمع الإسرائيلي، فيما نجد من بين أبنائه الخُلَّص من يرددون في فخر واعتزاز أن أطفالهم لا يبدو على مظهرهم أنهم يهود؟!
إن اليهودي الفرنسي “جورج فريدمان” في كتابه “أهي نهاية الشعب اليهودي”، لم يستطع إلاَ أن يقرر أن وحدة الشعب اليهودي ليست سوى مفهوم برامجاني لا حقيقة له ولا وجود. فهو يعتقد أن هناك استحالة واضحة في تعريف الشعب اليهودي من خلال الدين. ألا يعني ذلك مرة أخرى أن الدين اليهودي لا يمكنه أن يكون مُحَدِّداً لجوهر التجمع الإسرائيلي الصهيوني رغم أن كل سكانه يهود بوجه عام؟!
وكيف يكون كذلك ونحن نسمع من بين أبناء هذا التجمع من يقول: “إني أكرههم هؤلاء اليهود المتدينون، وحين أراهم أستطيع أن أفهم لماذا يصبح الناس معادين للسامية”. فإذا فشل الدين اليهودي في توحيد السيكولوجيا الإسرائيلية، وإذا كانت المؤسسات التعليمية في ذلك أفشل، وإذا كانت المؤسسات العسكرية عاجزة عن لملمة أشلاء هذه السيكولوجيا التي بعثرتها المؤسسات الدينية وقبلها المؤسسات التعليمية بسبب قصورها عن خلق المُكَوِّن النفسي المُوَحِّد لليهود الإسرائيليين، وإذا كانت الأسرة – ولعل هذا أهم ما في الموضوع – قد مثلت أكبر حجر عثرة حقيقي في وجه كل المحاولات الرامية إلى خلق ذلك المكون النفسي الموحد.. نقول: إذا كان الفشل هو حليف كل هؤلاء في تحقيق الهدف المرجو، فهل ينجح البحث عن أيديولوجية بديلة في تجميع الإسرائيليين؟!.
في واقع الأمر فإن البحث عن هذا البديل الأيديولوجي الهادف إلى لملمة فتات النفسية اليهودية المقطعة الأوصال لم يثبت فشله فحسب بل وزيفه وكذبه أيضاً، لأن طبيعة الصهيونية وبالتالي طبيعة التجمع الذي تسعى إلى خلقه عصيتان على أي انتماء أيديولوجي حقيقي.
فلقد أوضح “برنشتاين” في كتابه “سياسات إسرائيل”، زيف مزاعم وجود أيديولوجية إشتراكية في إسرائيل يلتف حولها قسم من هذا المجتمع.. فهو يرى أنه “بينما تقوم الحركات الإشتراكية عادة بتنظيم طبقة عاملة موجودة بالفعل من أجل الصراع الطبقي ضد استغلال الرأسمالية. فإن الاشتراكية الصهيونية قد خَلَقَت في فلسطين بروليتاريا يهودية – مع قدر من التحفظ على وصفها بالبروليتاريا – تلقى دعماً مالياً وسياسياً من الرأسمالية اليهودية في أمريكا وأوروبا”.. لقد أصبح “الهستدروت” بمثابة أكبر المستثمرين في الإقتصاد الإسرائيلي.
وعلى عكس ما هو مألوف، فإن الأحزاب الاشتراكية في إسرائيل تعارض بوجه عام، التأميم والتخطيط الحكومي الشامل، فيما تقف الأحزاب المدافعة عن الإقتصاد الخاص في صف التخطيط الإقتصادي، كما أنها تضغط من أجل تأميم الصناعات الأساسية المملوكة للهستدروت.
تُرى، ألا تذكرنا هذه الصورة بموقف الأحزاب الإشتراكية والديموقراطية الألمانية من الاحتكارات في عهد هتلر والنازية؟!
وإذن أين المفر؟! وما العمل؟! وهل سيحقق “السابرا” عبر “الكبيوتز” ما عجزت عن تحقيقه بالصورة المَرْجُوَّة كافة المؤسسات التعليمية والعسكرية والدينية والأيديولوجية، وما وقفت في طريقه بالمرصاد مؤسسة الأسرة قبل ذلك؟!

 

 

الفصل العاشر
السابرا أو (الساباريم)، من هم، وكيف يُخطط لهم؟!

“السابرا” أو “الساباريم”، هم أولئك اليهود الذين وُلِدُوا على أرض فلسطين، ولا يعرفون لهم وطناً آخر سوى إسرائيل بعد قيامها. إن ارتباطهم بإسرائيل ليس نتيجة اعتقاد أيديولوجي أو نتيجة إيمان بالصهيونية، ولكنه ببساطة ارتباط ناتج عن كونهم ولدوا هناك، وهم لا يعرفون عن معاداة اليهودية وعن اللاسامية إلا ما يقال لهم عنها. لقد وُلِدوا في مجتمع غالبيته يهودية، ولم يواجهوا هذه المعاداة التي تُدَرَّسُ لهم في كتب التاريخ، وبالتالي فليست لديهم – أو هكذا يُفترض- عقدة اضطهاد كالتي عند آبائهم، ولم يشعروا أبداً بإحساس الأقلية الذي عرفه آباؤهم من قبل هنا أو هناك في هذا العالم.
ويرى بعض الباحثين أن هذه المجموعة من اليهود تضع إسرائيليتها قبل يهوديتها، حيث تعتقد أنها وُجِدت على هذه الأرض ليس لأنها يهودية، بل لأنها ولدت عليها كإسرائيلية.. ولأن هذه الحقيقة الماثلة أمام صناع التجمع الإسرائيلي الصهيوني ترعبهم، لما تتضمنه من آفاق مستقبلية تنحى نحو تفريغ الإنسان الإسرائيلي من صهيونيته المُفْتَرضة والمبالغ في الحرص عليها، ناهيك عن تفريغه من يهوديته، التي هي عماد استمرار هذا التجمع بصفته المرسومة له في الدوائر الصهيونية والإمبريالية العالمية عموماً والأمريكية خصوصاً، فقد كان من الطبيعي أن تُحاك الأساطير حول هذه الفئة وأن يُصَار إلى تمجيدها بشكل غير منطقي من أجل عَزلها عن واقعها التطوري الطبيعي ووضعها في سياق آخر، يجعل منها فئة مُصطنعة ومرسومة بالتحكم عن قرب وعن بعد، لتخدم قضية أساسية لابد من خدمتها، لاستمرار حيوية ومقدرة المشروع الاستعماري “إسرائيل” على أداء دوره المنوط به.. نشأت الأسطورة السبارية إذن من رحم هذا التوجه القاضي بالابقاء على الصَّهْيَنَة الكاملة لهذه الفئة التي ستغدو عما قريب هي كل الشعب الإسرائيلي.
في الأسطورة السابارية، يجب أن ينمو السابرا دون آباء ودون أسرة ودون سلسلة أنساب، إن الآباء الذين انحدروا منهم هم نتاج ذلك المنفى البغيض الذي يجب أن يتحرروا من الانتساب إليه بأي شكل. أي أن الأسرة التي مثلت في التجمع الإسرائيلي أكبر عقبة في طريق وحدة التكوين السيكولوجي لأبناء هذا التجمع، والتي حالت من خلال ما تعبر عنه من امتداد ثقافي لعشرات الحضارات المتناثرة، دون كل المؤسسات العاملة في مجال التنشئة الاجتماعية في الكيان الإسرائيلي ودون قدرتها على تحقيق الحد المقبول من هذه الوحدة، نقول.. إن هذه الأسرة، يجب أن تُلْغَى، يجب أن تَكُفَّ عن كونها عقبة، يجب أن تزول كمؤسسة تنشئة اجتماعية أولى تعرقل الخطط المراد لها أن تخلق هذا التكوين السيكولوجي المُسْتَهدف.
لقد ولد السابرا إذن أو أريد لهم أن يولدوا في فراغ، لا يمثل فيه الأب الشخصية التعليمية الأساسية، لتقوم بهذا الدور نيابة عنه وعن الأسرة ككل “الأنا المجردة”، الأنا الكيبوتزية” التي وُضِعَت للسابرا كنموذج مثالي يُقتدى به، إلا أن الأمر لم يكن بهذه البساطة النظرية، فواقعة التنوع الحضاري لليهود القادمين إلى فلسطين والمولودين فوق أرضها بالتالي، بقيت أكبر مشكلة تَقُضُّ مضاجع الصهاينة، لأنها وقفت وستقف حجر عثرة أمام تعميم فلسفة الساباريم على التجمع اليهودي الإسرائيلي كله لتوحيد البُنْيَة السيكولوجية لأفراده.
لقد عبر “جورج مايكس” في كتابه “عزم النبي، إسرائيل اليوم وغداً”، عن هذه الظاهرة مؤكداً على استحالة أن يكون اليهودي الشرقي سباريا كاليهودي الغربي، فهو يرى أن الأطفال الستة أو السبعة الذين أنجبتهم أسرة مغربية مثلاً، والذين وُلِدوا بالفعل في إسرائيل، ولكنهم تربوا في ظل التقاليد الشرقية البالية، مثل هؤلاء الأطفال، بعيدون عن السابرا بُعد موشى دايان عن القرآن”.
بل أن الأديب الإسرائيلي العراقي الأصل “شمعون بلاس”، ذهب إلى أبعد من ذلك حين قرر أن مصطلح السابرا هو مصطلح أشكنازي فقط، فهو يقول: “السابرا لا يتعلق بأبناء الطوائف الشرقية، وذلك لكونه تسمية أشكنازية. إن هذا السابرا هو تجسيد للإسرائيلي الجميل، بينما ابن الطوائف الشرقية هو تجسيد لليهودي القبيح الذي هو جزء من الشرق، والذي ينبغي التصرف معه بازدراء؟”
إذن فاصطلاح السابرا باستخدامه الشائع هو اصطلاح مشحون، ولا يميز مكان الولادة كما يتم الزعم، إنه اصطلاح يستثنى أبناء الطوائف الشرقية الذين ولدوا في إسرائيل ويضم في ثناياه الأطفال الذين ولدوا في أوروبا وفي أميركا وأن تلقوا تعليمهم وتنشئتهم بعد ذلك في التجمع الإسرائيلي. إن السابرا إذن يمثل نموذجاً متحركاً ولا يمثل مخلوقا إستاتيكياً تحدده عناصر مكانية وزمانية ثابتة، وهذا السابرا يستثني “أبناء البلد”، وهو المصطلح الذي يطلق على أبناء اليهود الشرقيين.
إن الساباريم الذين طُلِب منهم تحديد ملامح الشخصية السابارية، قد وضعوا نموذجاً مثالياً يتناسب مع الأسطورة التي حيكت حوله، فالشخصية السابارية في نظرهم هي شخصية رجل طويل القامة، له خصلة شعر على جبينه، قوي ومتين، ذو عينين لامعتين، شعره أصفر أو رمادي، وملابسه بسيطة ولا مبالية، هي صندل وبنطلون وقُبَّعَة، وهو فَعاَّلٌ يَقِظ، عدواني عنيف ومتمرد، متفاخر ومتكبر ووطني، ذو تأثير، وحسن الطباع، صاحب موقف، طيب القلب، جاد ومتزن، عاقل حر هادئ، ريادي له حاسة السخرية.
أما ملامح اليهودي الجيتوي الذي يمثل اليهودي الشرقي امتداداً له أو تذكيراً بغيضاً به، فهو في نظر هؤلاء أحدب ونحيف وذو نظرة غريبة، ضعيف ومتمارض، عيناه عصبيتان، لديه ضفائر سوداء وذقن، شاحب اللون، تظهر عليه علامات شيخوخة مبكرة كالرعشة والتجاعيد، يرتدي ملابس أوروبية تقليدية، باهتة وبالية، وعلى رأسه طاقية، غريب في كل مكان، يستولي عليه الخوف والشك، يبتعد عن الناس، ديني تقليدي، ثقيل ويفتقد إلى اليقظة والنشاط، ليست لديه ثقة في نفسه، منحط، صامت، مرتبك ومنصاع، ملتزم ولا يستمتع بالمباهج، تظهر عليه آثار مشكلة، تلميذ مجتهد، جاد وبالغ روحياً.
وعلى الرغم من أن الكتابات السكانية الإسرائيلية تعترف بالفروق بين يهود فلسطين والمهاجرين إليها، وبين المهاجرين إليها من الشرق والمهاجرين إليها من الغرب، فإنها تحاول إنكار وجود مثل تلك الفروق بين الأبناء المولودين في فلسطين، وذلك بوضعهم جميعاً تحت عنوان واحد عريض هو “الساباريم” أو “السابرا”. إلا أن هذا الموقف غير العلمي يتجاهل حقيقة أن أساليب التنشئة الاجتماعية التي يمارسها المهاجرون تتباين تبايناً واسعاً تبعاً للأصول الحضارية للوافدين إلى التجمع الإسرائيلي.
دعونا الآن نتابع البنية السكانية للتجمع الإسرائيلي فيما يتعلق بشريحة السابرا التي ستمثل قريبا وخلال عقود قليلة كل هذا التجمع، لنكشف عن أبعاد المعضلة الخطيرة التي تثير الرعب في أوصال راعي المشروع الصهيوني الاستعماري “إسرائيل”.. إن نسبة السابرا الذين هم من أصل شرقي (عربي على وجه الخصوص) كانت (3) إلى (7) في عام (1962)، أي من بين كل (10) مواليد يهود ولدوا على أرض فلسطين، هناك (3) منهم شرقيون (سافارديم) فقط، بينما الـ (7) الباقون يهود غربيون (أشكنازيم). لكننا إذا أخذنا في الاعتبار معدل المواليد المرتفع، والارتفاع في نسبة الخصوبة عند المرأة اليهودية الشرقية، مع بدء نضوب تيار الهجرة الأوربية في السنوات الأخيرة، فإن التوازن لا شك سيتحرك لمصلحة السافارديم بمعدل واضح داخل إطار مجموعة السابرا. وهو بالفعل قد تحرك في هذا الاتجاه. فآخر الإحصائيات تشير إلى انقلاب طرفي المعادلة بحيث أن النسبة الأكبر من السباريم غدت الآن من أبناء الأسر اليهودية الشرقية من مجموع الساباريم.
ومن هنا جاءت محاولات “الأشكنازيم” للحيلولة دون جعل هذه المعادلة الجديدة، معادلة تقود واقع التجمع الإسرائيلي، وذلك عبر إحداث إنفصال يكاد يكون تاماً، بين من تربوا في ظل التقاليد الشرقية البالية ومن تربوا في ظل معتقدات الحضارة الغربية من أبناء الأشكنازيم.
إن هذه الظاهرة – ظاهرة الفصل المدروس بين فئتي السابرا – تكشف لنا عن حقيقة لا لبس فيها، وهي أن حالة من التناقض الممجوج تعاني منها المؤسسة الصهيونية في التعامل مع شريحة السابرا. فهي في الوقت الذي تحاول التأكيد على أن هذه الشريحة تمثل كل من وُلِدَ في فلسطين من اليهود من حيث المبدأ في سعيها الحثيث لخلق التكوين السيكولوجي الواحد لدى أبناء هذا التجمع، نراها تنزع إلى الفصل بين الفئتين من المواليد على أرض فلسطين، وهما فئة أبناء السافارديم وفئة أبناء الأشكنازيم، نظراً لعدم اتضاح القواسم النفسية المشتركة بين هاتين الفئتين، ما يهدد النموذج السابري الأشكنازي الذي يسعى راعي المشروع الصهيوني الاستعماري “إسرائيل” إلى جعله يهيمن على التجمع اليهودي الإسرائيلي.
رغم كل الإدعاءات الظاهرة، فإن الإستقراء الدقيق للكتابات الإسرائيلية في هذا الصدد يكشف عن أن الحديث عن الساباريم، إنما ينصب عملياً ورغم كل شيء على أولئك المنحدرين من أصول أشكنازية فحسب، فيما يطلق على أبناء السفارديم المولودين في فلسطين إسم “بليدي هاآرتس”، أي “أبناء البلد” تمييزاً لهم عن الساباريم بالمفهوم الثقافي والحضاري الغربي.
خلاصة القول إذن أن السابرا ليسوا هم مواليد إسرائيل من اليهود عامة، وإن تم ادعاء ذلك، بل هم في الواقع، فئة من يهود إسرائيل المنحدرين من أصحاب الحضارة الأرقى والمكانة الأرفع والبشرة البيضاء، إنهم بمعنى من المعاني أبناء الصفوة في التجمع اليهودي الإسرائيلي. من هنا نرى أن مصطلح السابرا الذي كان في بداية الأمر تعبيراً استنكارياً على ألسنة رجال الهجرتين الثانية والثالثة تجاه الفلاحين اليهود من أبناء فلسطين، قد أصبح بحكم عدة عوامل رمزاً لجيل ذي ثقافة هي في أساسها ثقافة ذات أصول غربية، وامتداداً حضارياً وسياسياً ونفسياً لجيل الأشكنازيم.
إن السابرا يمثلون بالنسبة للمفكرين الصهاينة في حقيقة الأمر جزءاً هاماً من آلية التعامل مع مشكلة تعدد الأصول الحضارية في التجمع الإسرائيلي، في سياق السعي الحثيث نحو خَلق تكتل يهودي إسرائيلي تتاح له الفرصة الفعلية كي ينمو في ظروف نفسية واجتماعية وثقافية موحدة، تخلق في نهاية المطاف كتلة بشرية منسجمة لها مواقفها وآراؤها وخصائصها واتجاهاتها، كتلة موحدة من المستوطنين الصهاينة لا يستعصي تنافر أصولها على التوحد. كتلة يمكن من خلال تأكيد وجودها وتجانسها تدعيم مفهوم جديد عن الهوية الإسرائيلية، بعد أن قضت حجج العلوم الإنسانية وحقائق واقع التجمع الإسرائيلي نفسه على مقولة التاريخ القومي اليهودي، ووحدة التكوين السيكولوجي لليهود عامة.
ومن هنا فإن تعبير السابرا إنما يخدم في نهاية الأمر هدفاً سياسياً صهيونياً إستعمارياُ، وهو الإيهام بأن الصهر الإجتماعي لمختلف الأصول الحضارية لليهود قد تحقق في إسرائيل، وتمثل في جيل جديد هو جيل الساباريم الذي تتلاشى فيه الفروق الحضارية والنفسية، وهو جيل يضم قطاعاً من الشباب الإسرائيلي المتميز بخصائص نفسية محددة ومتجانسة، وقد أصبح ظهور هذه الشخصية العبرية الجديدة (السابرا) مقروناً بتحقير ونبذ نقيضتها وهي شخصية اليهودي الجيتوي.
فلقد تُرجِم رفض الجيتو في الواقع الإسرائيلي إلى رفض لليهودي الجيتوي، الأمر الذي أصبحت معه شخصية رجل الجيتو مرفوضة ومنبوذة، وتعدى الأمر إلى الوقوف موقف الرفض والنبذ لكل مظهر يهودي يذكر السابرا بالجيتو وبيهود الجيتو، إن “السابري” (مفرد سابرا) أبعد ما يكون شكلاً ومضموناً عن اليهودي الجيتوي. إنه يحتقر فيه عجزه ويكره فيه جبنه، ويخجل منه، كونه يمثل في نظره وصمة عار ليهود أوروبا الذين ساروا كالشياه إلى المذبحة. إن ارتباطات السابري العاطفية باليهود خارج إسرائيل أقل بكثير من ارتباطات المهاجر بهم.
ولعل هذا ما أيدته نتائج بحوث قام بها قسم الاجتماع بالجامعة العبرية في نهاية السبعينيات من القرن الماضي بعد دراسة ميدانية شملت عينة واسعة من الساباريم، مستفسرة منهم عما إذا كانوا يعتبرون أنفسهم يهوداً أم إسرائيليين. فقد كانت النتيجة أن (58%) منهم اعتبروا أنفسهم إسرائيليين و(19%) فقط اعتبروا أنفسهم يهوداً، فيما أبدى (23%) منهم عدم تأكدهم من ذلك. الملفت وذو الدلالة في الأمر، أن غالبية الـ (58%) الذين اعتبروا أنفسهم إسرائيليين كانوا من أصول أشكنازية، وغالبية الـ (19%) الذين اعتبروا أنفسهم يهوداً كانوا من أصول سافاردية، علماً بأن العينة شملت من ذوي الأصول السفاردية أقل بكثير مما شملت من ذوي الأصول الأشكنازية، وهو ما يفسر بعض الأرقام. ولو أجري هذا البحث في الوقت الحاضر، أي بعد حوالي ستين عاماً من قيام الكيان الإسرائيلي، لكانت نتائجه بالقطع أبعد مدى في الإنحياز نحو الانتماء الإسرائيلي الوطني في هذا القطاع من المجتمع، وخاصة لدى شرائح السابرا المنحدرين من أصول أشكنازية.
ولقد تجلت مظاهر شعور السباريم بإسرائيليتهم أكثر من شعورهم بيهوديتهم (خاصة الأشكناز منهم) في موقفهم من الدين اليهودي ذاته، فهم بوجه عام غير متقيدين بالسلوك الديني المنصوص عليه في التعاليم اليهودية، كما أنهم غير معادين له في الوقت نفسه، وهم عندما يبحثون عن جذورهم أو يتحدثون عنها فإنهم يتخطون عتبة الألفي عام الأخيرة من التاريخ اليهودي في الدياسبورا، متجهين رأساً إلى عصور التوراة وفترة الهيكل، ويختارون من بينها فترة “المكابيين” لأنها فترة مليئة بالتمرد والعنف، وتبدو متجانسة مع أفكار التمرد والعنف التي تميزهم.
إن الشخصية السابارية النمطية تضيق ذرعاً بتدخل الحاخامات في حياتها، وتأكل لحم الخنزير علانية، ورغم ذلك فإن أفرادها يحبون العهد القديم حباً كبيراً ويستشهدون بفقراته في محادثاتهم دائماً. خلاصة القول أن السابرا هم الأقرب إلى التصور الصهيوني لما ينبغي أن يكون عليه الشباب في التجمع الإسرائيلي، وليس ذلك بالأمر المستغرب، فهم ليسوا في النهاية إلا الأبناء الشرعيين لأصحاب السلطة من الصهاينة في إسرائيل، أي الأشكنازيم، وهم بهذا المعنى – أي السابرا – يمثلون ولسنوات طويلة قادمة إحتياطي الحركة الصهيونية في التجمع اليهودي الإسرائيلي.
هذا يعني أنه إذا كان للأشكنازيم التأثير الأكبر على صنع القرار السياسي في إسرائيل فإنهم حريصون على أن يستمر لهم ذلك التأثير في المستقبل من خلال امتدادهم الحضاري والسياسي والسيكولوجي بالشكل الذي يتمثل في أبنائهم، أي السابرا. ولعل أهم ما في فئة السابرا من مصدر إثارة تقتضي الانتباه، هو أنهم يمثلون الجانب الغالب عددياً وتأثيراً من بين العسكريين الإسرائيليين الذين يواجهون العرب والفلسطينيين كل يوم.. إن الجيش الإسرائيلي هو في حقيقة الأمر مملكة سابارية، يتم تشغيل كل أجهزتها بواسطة الساباريم، ومن هنا فإن الجيش الإسرائيلي يعكس إلى حد كبير عيوب ومميزات ومكونات الشخصية اليهودية الإسرائيلية السابارية على وجه الخصوص.
في قصتها “ولدان الموت” تقدم الروائية “يائيل دايان”، التي تنتمي هي وأبوها “موشي دايان” إلى السابرا، دليلاً واضحاً على أن المقاتل الإسرائيلي المتقمص للسيكولوجية السابارية، هو في الواقع يهودي إسرائيلي بوظيفة “قاتل”. فهي تقول في معرض حديثها عن بطلها المقاتل الإسرائيلي “دانيال”: “أنه لم يكن يحس بالبهجة ولا بالكراهية حينما كان يقتل، ولم يكن حتى يشغل باله بالمبررات الخلقية التي تجعله يضغط بإصبعه على الزناد، لقد أصبح القتل وظيفة بالنسبة له”.

 

 

الفصل الحادي عشر
الكيبوتز مَفْرَخَة إسرائيليي المستقبل

إن جيل السابرا من أبناء الكيبوتزات، أولئك الذين ولدوا فيها ثم تربوا ونضجوا في ظل نظامها التربوي، هذا الجيل بالتحديد هو الذي تبذل الصهيونية الإسرائيلية كل جهدها لكي تجعل منه النموذج الذي تغرف منه الشخصية الإسرائيلية الجديدة مكوناتها النفسية ومقومات أدائها وتعلمها وصيرورتها، ولما كان “الكيبوتز” يؤسس في الواقع – كما سيتبين – لنوعٍ من الفاشية، ويحاول أن يقوم على نزعة إِسْبَرْطِيَّة، فقد كان من الطبيعي أن يُشار إلى الفيلسوف الألماني نيتشه باعتباره الأب الروحي والمُلهم لفكرة الكيبوتز مع أنه ليس يهودياً.
فقد كان نيتشه يطمح إلى خلق الإنسان الأعلى “السوبرمان”، وهو قد طرح – عبر فلسفته – العديد من المقترحات، ونصح بالعديد من الأساليب التي رآها كفيلة بخلق ذلك الإنسان، ومن بين تلك المقترحات والأساليب، وجهة نظر نيتشوية صرف، تقضي بإنشاء مدرسة خاصة تقوم على أسس محددة أرساها نيتشه لتعبيد الطريق أمام صياغة مثل هذا الإنسان. إن تلك المدرسة النيتشوية هي صورة شديدة الشبه بالكيبوتز الإسرائيلي، وإن كان الأصوب أن نقول أن الكيبوتز الإسرائيلي هو صورة شديدة الشبه بها.
يقول نيتشه واصفاً مدرسته هذه.. “إنها مدرسة عنيفة قاسية، تقصد بتلاميذها إلى الكمال وتُلقي عليهم أعباءً تربوية باهظة مرهقة، دون أن ينعموا بكثير من أسباب الترف، ويؤخذ الجسم فيها بالتعذيب والقسوة، ليتحمل البلاء في صمت. في هذه المدرسة تتعلم الإرادة كيف تطيع عندما تُأْمَر، وكيف تَأْمُر عندما تريد أن تطاع”.
قبل مدرسة الكيبوتز الصهيونية، وجد الفكر الفاشي المتمثل في النازية بغيته في هذه الأفكار، وسرعان ما اعتبرها ضالته التي طالما بحث عنها، فتلقفها وتبناها ووضعها موضع التطبيق الفعلي تعبيراً منه عن سعيه الدؤوب والجاد نحو خلق إنسان جديد متفوق يجمع بين (عبقري) شوبنهاور و(سوبرمان) نيتشه، تحت اسمٍ جديد هو الإنسان الآري.
وبعد حين، جاء الكيبوتز الصهيوني الإسرائيلي، ليمثل صورة جديدة من صور ذلك السعي المحموم لإيجاد شكل جديد من البشر، يجمع بين العبقري والسوبرمان في عِرْقٍ معين ومحدد، بل وليتجسد فيه أيضاً إنسانٌ محاكٍ للإنسان الآري الذي سعت إليه النازية بكل ما يميزه من تعصب عنصري مقيت، ليتخذ هذه المرة إسماً جديداً هو “السابرا”، ذلك الإنسان الإسرائيلي الجديد الذي وضعه آباؤه الأشكنازيون في أتون مدرسة نيتشويه جديدة هي الكيبوتز، أملاً في تخريجه صهيونياً دموياً يتخطى المعضلة التي فرضتها الأسرة الإسرائيلية.
إن الأشكنازيين الإسرائيليين كالنازيين الألمان ولا فرق، يسعون ما وسعهم السعي لتحقيق النيتشوية عبر الكيبوتز. ولكن كيف نشأت ثم تبلورت فلسفة الكيبوتز؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! وعلى أي أساس ولتحقيق أي نوع من الغايات الدقيقة والتفصيلية قامت؟!
يشير المحلل النفسي اليهودي الأميركي الألماني “برونو تبلهايم” في كتابه “أطفال الحُلُم”، إلى أن ثَمة حركة شبابية يهودية نشأت أساساً في ألمانيا واتخذت لنفسها اسم “الطير المهاجر”، كانت تسعى بالدرجة الأولى إلى الفرار من عالم الآباء. لقد كانت تلك الحركة تمرداً على الأسرة شديدة التسلط التي نشأ فيها هؤلاء الشباب. إن تحطيم الأسرة والتمرد عليها في الكيبوتز، يعد مظهراً من مظاهر الاحتجاج على الحياة في الجيتو وفي مدن وسط وشرق أوروبا بالتحديد.
ويؤكد “برونو” على علاقة التشابه القائمة بين فلسفة الكيبوتز وفلسفة جماعة الطير المهاجر، بإشارته إلى موقع المرأة اليهودية في الفكر الكيبوتزي النيتشوي قائلاً: “إذا ما كان الشخص اليهودي امرأة، فإنها ستشعر بمزيد من الحقد نحو ذلك الدين الذي يطالب الرجال بالصلاة شكراً لله كل يوم لأنه لم يخلقهم نساءً. إن حركة الكيبوتز ومن منطلق تَمَرُّدِها على هذا الفكر، اتخذت ضمن أهدافها الأساسية تحرير المرأة اليهودية”.
وإذن فما هي الخصائص العامة لهذه المدرسة النيتشوية المشبعة بالروح الصهيونية المعاصرة، والتي ستمكنها من تحقيق أهدافها المرجوة؟!
إن تأسيس الكيبوتزات – وهي شكل من أشكال التعاونيات الزراعية – قد قام على أكتاف عدد من المهاجرين اليهود النازحين من أواسط أوروبا، ويعتبر العمل الزراعي هو العمل الرئيسي السائد فيها. وفي الكيبوتزات تسود فكرة المساواة التامة بين الجنسين إلى درجة قد تصل إلى حد التطرف.
ولأن الفكر النيتشوي الذي قامت عليه فلسفة الكيبوتزات، يهدف بالدرجة الأولى إلى تهيئة البيئة التربوية التي تساعد على خَلق ذلك الجيل من السوبرمانات الإسبرطيين، فقد انصبت أقسى مظاهر التنشئة الاجتماعية في الكيبوتز نحو الأطفال الذين يولدون فيه باعتبارهم المادة الخام للجيل المرتقب والمستهدف بفلسفة الكيبوتز أولاً وآخراً.
الكيبوتز بفلسفته الهمجية لم يرحم الطفولة ولم يبال بتشويهها، بل ربما كان هذا التشويه هو الهدف الذي قد يساعد على تحقيق الغرض البعيد، والمتمثل في خلق جيل منطوٍ وشديد العدوانية والقسوة. إذ ومنذ ساعات الولادة الأولى تتناوب القيام على تربية الأطفال مربيات متخصصات من عضوات الكيبوتز، عبر توليهن رعاية أطفال الكيبوتز جميعاً وبشكل مستمر سواء كان الآباء والأمهات في العمل أو داخل الكيبوتز.
تترك الأم طفلها بعد الولادة بأربعة أيام تحت إشراف المربية، وتقوم الأم بإرضاع طفلها في أوقات محددة بمعدل (6) مرات يومياً إلى أن يحين وقت فطامه عند سن (8) شهور. وعندما يبلغ الطفل من العمر (6) شهور يصبح من حق الوالدين أخذه إلى غرفتهما لمدة ساعة يومياً بعد الظهر ثم إعادته إلى مكان تَجَمُّعِ الأطفال. هذا وتختلف تجمعات الأطفال في الكيبوتز، من حيث مكان التجمع وحجم التجمع وبرنامج النشاط اليومي، وأيضاً من حيث أشخاص المربيات حسب السن.
أين تكمن الخطورة في هذا المنهج التربوي الصارم والمخالف لأبسط قواعد التربية الصحيحة المتعارف عليها في العالم؟!
إن الطفل الذي يتناوب التعلق بسلسلة طويلة من الأفراد الذين يسلمه كل منهم إلى الآخر، سوف تعلمه الخبرة المريرة أن من الحماقة ارتباطه عاطفياً بأية مربية بالذات، لأن المربيات ينتقلن من مكان إلى أخر ويتركنه. وبعد سلسلة من التعليمات وفقدان العديد من المربيات، فإنه سوف يقلل تدريجياً من توريط نفسه مع المربيات المتتاليات والمتعاقبات على رعايته في أية خبرة لتبادل العواطف، إلى أن يأتي الوقت الذي يكف فيه تماماً عن الإقدام على مغامرة بذل حبه لأي شخص أو اعتماده عليه. إن ما ذكرناه هو تنبؤ حرفي يؤكده علماء النفس لإحدى النتائج شديدة الأهمية والخطورة لنمط تربية الأطفال في الكيبوتزات.
في دراسة لكل من “سيرجون انجلش” و”جيرالد بيرسون”، وردت في كتاب لهما بعنوان “مشكلات الحياة الانفعالية”، تبين أن هناك آثاراً سلبية خطيرة المردود على الالتزام بتقديم الغذاء للأطفال وفق جداول زمنية محددة وصارمة للغاية.. إذ يجب أن يُقَدم الغذاء للأطفال بانتظام حسب إيقاعهم الطبيعي أكثر منه حسب نظام مواعيد محددة وثابتة. وحين يلتزم الطبيب أو حين تلتزم الأم أو الحاضنة إلتزاماً دقيقاً بنظام مواعيدٍ للطفل متجاهلين إيقاعه الخاص، فسينتابه القلق، ويزداد اهتمامه بما إذا كانت حاجاته الأساسية ستشبع أم لا.
ومثل هؤلاء الأطفال سيكونون في كبرهم أَمْيَل إلى الشك والارتياب فيما إذا كان القدر سوف يكون رحيماً بهم، أو فيما إذا كانوا سيحظون بعطفِ أَيٍّ كان عليهم عندما يحتاجون إلى هذا العطف. وهم سيصلون إلى افتراض إخفاق خططهم ومطامحهم، وسيشكون في قدرتهم على التأثير الإيجابي والطبيعي على البيئة من حولهم مهما تكن الوسائل المبذولة لأجل ذلك، وأيا كانت مشروعيتها وكفاءتها في تحقيق الطموح والتأثير في الحالات الطبيعية. كل هذا يؤدي في النهاية إلى تولد رغبة عارمة في نسف سلطة الأب، وهي الظاهرة التي تكاد تكون سمة مميزة في أسلوب التربية المُتَّبَع في الكيبوتزات.
ففي سؤال للأبناء: “هل ثرت أو ستثور على والديك؟!” يجيب (60%) بنعم بالتأكيد، و(20%) بهذا محتمل. وفي سؤال للأباء عن القيم التي يأملون في توافرها لدى أبنائهم، نجدهم يختارون (13) قيمة تحتل قيمة (إحترام الوالدين)، المركز الأخير فيها. وفي سؤال للآباء والأمهات حول : “هل لديك التأثير الأكبر على طفلك؟!” فإن (68%) يجيبون بلا بالتأكيد، ولا يجيب أحد على الإطلاق بنعم.
إن السلوك العدواني يُعَدُّ سمةً واضحة وضوحاً جلياً لدى أطفال الكيبوتز في سنوات طفولتهم الأولى، ويُعَدُّ الضرب هو أكثر أنواع العدوان البدني انتشاراً بينهم، حيث بلغ أكثر من (66%) من الحالات المدروسة. ولكن ما هي مثيرات العدوان لدى هؤلاء الأطفال؟!
يعلق عالم النفس “سبيرو” على هذه الظاهرة بقوله: “يسترعي الانتباه أن النسبة الكبرى من أنواع العدوان البدني لا سبب لها، أو هي تبدو غير معلومة السبب. وانطلاقاً من النظرية العامة للسلوك والتي تؤكد على أن كافة أنواع السلوك لابد وأن تكون مدفوعة، أي مُسَببة بدافع، فإن تلك الأفعال العدوانية التي تبدو وكأن لا سبب لها، إنما هي عبارة عن عدوان “منقول”. بل إننا نستطيع أن نفترض أن ذلك العدوان إنما كان موجهاً أساساً وقبل أن يُنقل، إلى المربية، والسبب في عدم توجيه العدوان إلى المربية مباشرة، أنها لم تكن تتواجد مع الأطفال عادة أثناء تعبيرهم عن عدوانهم”.
عدوان أطفال الكيبوتز إذن هو في الحقيقة أمر يرجع ببساطة إلى أسلوب التربية السائد هناك، ذلك الأسلوب الذي يلقي أكبر قدر من الإهتمام والتركيز والرعاية من جانب الصهيونية الإسرائيلية، أي أن هذه الأخيرة وجدت في هذا الأسلوب التربوي الهمجي، الطريق الأضمن لخلق شخصية تتصف بعدوانية دائمة، وهي العدوانية التي تتطلبها استمرارية الوظيفة الاستعمارية للمشروع “إسرائيل”.
إن القراءة التي قامت بها الدوائر الاستعمارية والصهيونية في دقائق وتفاصيل وآفاق المشروع “إسرائيل”، كشفت النقاب عن حقيقة خطيرة تتمثل في أن الحجج التي ساقت إلى أرض فلسطين هذا الكم من القاذورات البشرية، لن تلبث أن تسقط وتخور قواها المقاومة أمام منطق التاريخ، الذي سيعيد خلط الأوراق لإعادة إنتاج التَّجَمُّع اليهودي الإسرائيلي بشكل مختلف، مُتَكَيِّف مع التغيرات الطبيعية في داخله وفي محيطه العربي، بحيث لن يتمكن في صورته المُنْتَجَة على ضوء ذلك التكيف، من الاستمرار في أداء دوره الوظيفي الاستعماري الإمبريالي على أكمل وجه.
أي أن هذه القراءة المتأنية كشفت عن أن هذا الخليط العجيب من البشر الذين جمعتهم في هذه الأرض أسطورة صهيونية يهودية لتحقيق غاية إستعمارية، هو خليط من الغرابة بحيث يُعد أسهل خليط بشري قابل لأن يدير ظهره لمبرر وجوده، وذلك بمجرد العودة إلى يهوديته الحقيقية، خاصة إذا فشلت الدعاية الصهيونية في إقناعه بأن يهوديته هي المستهدفة عربياً عبر نجاح الدوائر العربية ابتداءً في صياغة علاقة المواجهة معه – أي مع هذا الخليط – بشكل يعري الصهيونية أمامه تعرية حقيقية خالقاً حالة من التناقض بين الصهيوني واليهودي في العقل الإسرائيلي.
إن فلسفة وتجربة الكيبوتز هما في الواقع ضربة إستباقية، كان الهدف منها وما يزال هو تجنب مخاطر مستقبلٍ بدا مكشوفاً بسوداويته أمام الدوائر الصهيونية. إن الأسرة اليهودية هي العقبة الكأداء التي تقف في سبيل تكوين شخصية إسرائيلية ذات تكوين نفسي مُوَحَّد، وإذن فَلْتُعْدَمْ هذه الأسرة، ولا يهم في هذا السياق ما سوف ينتج عن إعدامها من مضاعفات أخلاقية وإنسانية، المهم هو أن تتحقق الغاية، والغاية هي بلورة شخصية يهودية إسرائيلية عدوانية شرسة لا ترحم، لا تؤثر فيها البيئة والمحيط العاملين في اتجاه التطور الطبيعي للأمور. وغياب الأسرة لا يضمن للمؤسسة الصهيونية تحقيق الهدف الأول، ألا وهو وحدة التكوين النفسي الذي تسعى إليه المؤسسة الصهيونية فحسب، بل هو – أي غياب الأسرة – يتكرم عليها بميزة أخرى مهمة، إنها مضمون التكوين النفسي ذاته، بأن يجعله مضموناً عدوانياً شرساً عنيفاً منذ البداية، فكأن غياب الأسرة حقق الهدف كله دفعة واحدة، فلماذا الإبقاء عليها إذن؟!
وعندما ندقق النظر في شخصية أبناء الكيبوتز، أبناء التمرد على الأسرة، فماذا نلاحظ؟!
أن شخصية السابرا الكيبوتزي تتسم بالخصائص التالية..
العدوانية وكراهية الغرباء عامة والمهاجرين الشرق أوسطيين خاصة، والنظر إليهم باعتبارهم أدنى مرتبة، مع صَبّ كافة أنواع العدوان اللفظي والبدني عليهم، فما بالنا بغير اليهود من العرب؟! شخصية سابرا الكيبوتز هي أيضاً شخصية إنطوائية، تظهر إنطوائيتها من خلال الخجل والاضطراب عند التعامل مع الغرباء عن الكيبوتز، بل وأحياناً عند التعامل مع أبناء الكيبوتز الواحد من غير الأقران، من خلال ما نلمسه من ندرة إقامة علاقات إنفعالية وثيقة معهم. يحرص كل واحد من أبناء سابرا الكيبوتز على الاحتفاظ ببعد سيكولوجي معين بينه وبين الآخرين.
إن الإنطواء يعني إما الابتعاد عن الآخرين، وإما تجنب إقامة علاقة معهم أصلاً. وإذا كان الابتعاد عموماً يمثل إستجابة للألم، والتجنب يعني استجابة لتوقع الألم، فإن إنطوائية أبناء الكيبوتز دافعها الألم الناتج عن خبراتهم المتكررة مع الآخرين، أو عن الألم المتوقع من مزيد من التفاعل مع الآخرين. أي أن السابرا ينظرون إلى الآخرين باعتبارهم مصدراً للألم وللخطر، وبالتالي فإن إنطوائيتهم هي دليل على افتقارهم للأمن.
من السمات التي تميز أبناء الكيبوتزات أيضاً، البرود الانفعالي والحقد ومشاعر الدونية. إلا أن العجرفة تعتبر من أكبر سمات الشخصية السابرية وضوحاً وجلاء عند التعامل مع الآخرين، حتى لو كانوا من أبناء الكيبوتز الواحد، فيما يتخذ هذا الحقد الاستعلائي المتعجرف في التعامل مع الغرباء صورة يسميها علم النفس “الانسحاب العدواني”. وأدق تفسير علمي نفسي لكل من الحقد والانسحاب العدواني هو افتقاد الشعور بالأمن.
وما دمنا قد استخلصنا أن ما يتميز به سابرا الكيبوتز من حقد وانطوائية وانسحاب عدواني، إنما هي أعراض لافتقاده الشعور بالأمن بسبب تنشئته اللاأسرية، فإن لنا أن نفترض أن ثقافة الكيبوتز تتضمن من الخبرات ما يثير تلك الأعراض ويهدف إلى إبرازها وتعميق الإحساس بها.
بالإضافة إلى ذلك، فإن حقيقة أن سابرا الكيبوتز يدركون ذواتهم بطريقة مؤلمة، تضفي طابعاً مختلفاً على إحساسهم بالحقد يصب في دائرة إحساسهم بالدونية. فهم يتشككون في قدراتهم الذاتية ويعتقدون أنهم أقل ثقافة من غيرهم ويحقدون على هويتهم اليهودية كحيلة نفسية دفاعية تحميهم من مشاعر الدونية، أي أن هذا الحقد في الواقع يؤكد شعورهم بالدونية.
ولكن وفي ضوء غرابة الشخصية الكيبوتزية إلى الحد الذي تفتقر فيه إلى البريق والكاريزمية والجاذبية أياً كان مستواها، فإننا نتساءل باندهاش عن السر وراء الاهتمام الصهيوني الإسرائيلي بتجربة الكيبوتز؟! ما الذي يدفع الصهاينة إلى تركيز أسطع وأقوى أضوائهم وتسليط أبرع دعايتهم وأشدها تأثيراً على تلك التجربة الفاشلة اقتصادياً والمتخلفة حضارياً والساقطة أخلاقياً والذابلة عددياً؟! تُرى هل هناك دور عسكري خطير تقوم به الكيبوتزات؟!
إن التركيز لا ينصب في واقع الأمر على كفاءة الكيبوتزات العسكرية، بل على أسلوب الحياة الإسبرطية النيتشوية المتبع فيها. إنها معقلٌ لتخريج قادة جدد لإسرائيل ولكن بشكل فريد تماماً. إنها تحقق ذلك بضرب المَثَل أكثر مما تحققه بتقديم إنجازات حقيقية للتجمع الإسرائيلي. إنها تحقق ذلك من خلال رهبانية حديثة، أكثر مما تحققه من خلال الإنجازات العقلية والعملية والاجتماعية. من هنا وجب علينا أن نُمْعَن النظر فيها، مدركين خطورتها البالغة بالنسبة للأجيال القادمة من الإسرائيليين. إنها تجربة فريدة تحمل الخطوط الرئيسية للصورة التي تسعى الصهيونية إلى مواجهتنا بها على المدى الاستراتيجي البعيد.
قد يبدو للبعض أن سمات “العدوان” و”الإنطوائية” و”البرود الانفعالي” و”الحقد” و”مشاعر الدونية” التي يتصف بها أبناء الكيبوتز، تؤثر على فشل أو تَعَثُّر هذه التجربة. ولكن الحقيقة غير ذلك تماماً، لأن هذا هو المطلوب فعلاً.
نموذج يهودي فريد يتجسد فيه عنصرا التمايز والاضطهاد في أعنف صورهما وأشدهما فجاجة. عدواني لا يعرف الرحمة، منغلق على نفسه لا يعرف حرارة الانفعالات الإنسانية الطبيعية، حاقد على كل من حوله، وشاعر بأنه مختلف عنهم، نموذج يهودي يرفض الدين اليهودي ويتخطاه متخطياً بالتالي ما قد يثيره النموذج الديني من عقبات، نموذج يبدأ من إسرائيل ليتوحد به أبناء إسرائيل.
في ثنايا هذا الجو المُشْبَع بروح العدوانية والإرهاب، أصبح المثل الأعلى لدى الشباب الإسرائيلي، هو ذلك النمط الذي تتجسد فيه ملامح القسوة الإسبرطية المتوحشة المتعطشة دوماً للدماء والعنف، وملامح التفوق النيتشوي المُعَبِّر عن نفسه في عنصريةٍ سلاحها القمع والترويع. إنه النموذج الذي جاء ليحل محل النازي بكل ما لهذه الكلمة من معنى.
وهكذا غدا البحث عن الخوارق الشخصية بمثابة مرض نفسي يعاني منه الإسرائيليون إلى درجة كبيرة تصل إلى حد يمكن أن نطلق عليه “الإحساس بالتضاؤل”. لذلك فإن الكثيرين من مُدربي الشباب في الكيبوتزات لا يزالون يرون رسالتهم الكبرى في تدريب وتقوية الفتية والفتيات من سن (12) و(13)، ليكونوا أفراداً مقتدرين في قوات الكوماندوز والمظليين. فيُرْسَل الغلمان إلى العراء في ليالي الشتاء الباردة ويُجْبَرون على السير حُفاة على الشاطئ المبلل، وتُجبر الفتيات في سن الرابعة عشرة على دخول مقابر المسلمين في الليالي المظلمة واستجماع الشجاعة للرقاد على المقابر.

الفصل الثاني عشر
فكرة الحرب والسلام وأثرها في السيكولوجية اليهودية

 من القواعد التي تتحكم في النفس البشرية وفي إرادة الإنسان سنبدأ..
إن شدة الاستجابة العدوانية تتناسب طرداً مع شدة الإحباط أو التهديد، ولكن مع تجنب الإطلاق والتعميم. فعند بلوغ التهديد أو الإحباط حداً معيناً من الشدة تنغلق عنده السُّبل أمام التعبير المباشر عن الاستجابة العدوانية، فإن تلك الاستجابة تتغير كيفياً. بعبارة أخرى حين يواجِه الكائن الحي تهديداً لأمنه وعائقاً يحول بينه وبين بُغْيِته، فإنه يسعى لاستجماع طاقته وتوجيهها للقضاء على مصدر هذا التهديد ولإزاحة العائق من طريقه. وكلما تزايد حجم هذا التهديد، كلما كان الكائن أكثر حرصاً على توفير القدر الأكبر من طاقته لمواجهته. أما إذا بلغ هذا التهديد حداً بدا معه للكائن ألاَّ طاقة له بمواجهته، فإنه لا بد له في هذه الحالة من التماس مُنْصَرَف غير المواجهة لطاقته.. هذا قانون عام يسري على الكائنات الحية جميعها، تدعمه الملاحظات العامة لسلوك البشر، فضلاً عن تجارب علم النفس على الإنسان والحيوان على حد سواء.
لو تصورنا أننا نريد تفجير أقصى قدر من الطاقة العدوانية في كائن ما، فما هي مكونات الموقف الذي ينبغي أن نضعه فيه؟!
1- ينبغي أولاً أن يتضمن هذا الموقف مصدراً حقيقياً لتهديد الكائن أو إحباطه.
2- وينبغي ثانياً أن يكون هذا الكائن مُدْركاً لما يواجهه من تهديداً أو إحباط حقيقيين.
3- وينبغي ثالثاً أن يكون مصدر هذا التهديد أو الإحباط مستمراً، وإلاَّ تمكن الكائن من القضاء عليه، وخفت بالتالي طاقته العدوانية بفقدانها مصدر وجودها.
4- وينبغي رابعاً ألا يتضمن مصدر التهديد أو الإحباط ما يمكنه أن يقضي بالفعل على حياة الكائن، أي علينا إذا انخفض مستوى التهديد أو الإحباط عن مستوى معين أن نرفع منه، وعلينا أيضاً إذا تجاوز التهديد مستوى معيناً أن نُخَفِّض منه، ضماناً لاستمرار الموقف وعدم إنهائه بإنهاء أحد طرفيه. أما تحديد المستوى المناسب الذي ينبغي لحجم التهديد ألا يتجاوزه أو ينخفض عنه، فرهن بطبيعة الموقف وبطبيعة الكائن.
لوحظ أن الخوف من وقوع مصيبة من المصائب يولد انعكاسات عدوانية أخطر بكثير من المصيبة ذاتها، فالتهديد بالمجاعة مثلاً عندما يستغله المحرضون بذكاء، يثير اضطرابات أكثر بكثير من المجاعة الحقيقية نفسها، لأن هذه الأخيرة تولد الوهن أكثر مما تولد الاضطرابات. وأنه بوسعنا أن نحصل على كل شيء من أمة أو جماعة بإقناعهما بأنهما مهددتان.
لقد دافع المفكرون من أمثال “ميكافيللي” و”مونتيسكيو” عن الحرب الوقائية وصوابيتها، فهي أحد مظاهر الخوف. قال المفكر السياسي “بول فاليري”: “إن إثارة سخط البعض ضد البعض الآخر، هو الخطوة الرئيسية للسياسيين، وأن أفضل حل لإيصال هذا السخط إلى ذروته هو اتهام الخصم بأنه يضمر نوايا سيئة”.. إن هذا الحل يستقطب خوف كل المجموعة مجتمعة حول عرض مُوَحَّد، فيتزايد الحقد، وتصبح الأرض جاهزة، ويتأثر السلم، وتتفاقم المشاعر العدوانية.
ماذا عن إسقاط هذه المفاهيم على التجمع الصهيوني الإسرائيلي؟!
إن الشعور بخطر نكبةٍ يهودية جديدة كنكبة المحرقة النازية، مايزال شعوراً حاداً يراود العقل الباطن اليهودي. فوفقاً لاستطلاع قام به عام (1987) قسم علم الاجتماع في جامعة تل أبيب، ذكر 70% من الإسرائيليين أن مثل هذا الخطر موجود ومحتمل ومتوقع في أية لحظة.
إن ذكرى النكبة النازية، تدفع اليهود إلى ادخار قوةٍ داخلية لا تقتصر على منع وقوع الهزيمة، بل تحتم ضرورة الانتصار. ولكن الفكر الصهيوني المعاصر يحرص على الاحتفاظ بعنصر رئيسي من عناصر التكوين السيكولوجي الإسرائيلي، وهو ألاَّ مكان في ذلك  التكوين ليهودي منتصر، بل هناك فقط مكان ليهودي يرد اعتداءً، أو يستعد لحماية نفسه من اعتداء، ليغدو الانتصار في القاموس الصهيوني هو مجرد التمكن من تحقيق ذلك، أما تحقيقه بالفعل بإنهاء الخصم فهو كارثة حقيقية بالنسبة له. وإذا لم يكن هناك ثمة في الواقع اعتداء أو تهديد باعتداء، عندئذ يكون من المحتم الإيهام بكل ذلك كي تذوي سريعاً صورة “الانتصار” وتحل محلها من جديد صورة “مخافة الاعتداء”.
وإذا شئنا التبسيط، فإن فكرة “اليهودي المنتصر” إنما تعني في إطار الفكر الصهيوني أن اليهودي لم يعد يهودياً، أو بتعبير أدق لم يعد صهيونياً. بعبارة أخرى يكون التكوين السيكولوجي القديم لليهودي قد انهار بتحقق فكرة “اليهودي المنتصر”. وحينئذِ يصبح من المحتم على الفكر الصهيوني الإقدام على عملية بالغة الصعوبة والتعقيد، وهي تشكيل تكوين سيكولوجي جديد لليهودي الإسرائيلي، وهو التكوين المستحيل بناء على ما مر معنا سابقاً.
إن اليهودي الإسرائيلي الذي اصطبغ بالروح العدوانية من واقع عدم إحساسه بالأمان، والذي يصرخ دوماً أنه مُهدد بالإبادة من جيرانه العرب، إنما تتحكم فيه تلك العقدة العدوانية “عقدة ديموقليس”، وهذه العقدة بالذات هي التي تجعل من الصعب جداً أن يستسلم لحالة سلمٍ أبدي أو طويل المدى على الأقل. وذلك لأن حالة الحرب هي التي تخلق بينه وبين سائر أفراد جماعته روح التماسك والتلاحم، وهي التي تذيب التناقضات الداخلية، وهي التي بسببها يتم تجاوز كل الخلافات السياسية والدينية والاجتماعية والثقافية المتأصلة في التجمع الإسرائيلي، والتي يستحيل حلها بطريقة طبيعية، وعندما يكون هذا التجمع في حالة سِلم خارجي مع جيرانه.. فمع استحالة حل مشكلة قائمة تغدو حالات الصدام عملية ترحيل ضرورية لها إلى مرحلة قادمة.
إن ما حدث بالنسبة للشخصية اليهودية الإسرائيلية هو أنها وجدت متنفساً دائماً لتناقضاتها مع الآخر الإسرائيلي وعلى امتداد مراحل الصراع العربي الإسرائيلي، في أشكال الصدام المختلفة التي وقعت بين العصابات الصهيونية والفلسطينيين في مراحل الانتداب، ثم بعد ذلك في سلسلة الحروب المتواصلة منذ عام (1948).
إن العدو يستطيع أحياناً أن يُقَدِّم لمجتمع ماَّ خدمات لا يستطيعها أصدق الأصدقاء. تبرز أهمية هذه الفكرة في كفاءة المؤسسة الصهيونية الإسرائيلية في استثمار مقاومة العرب للوجود الصهيوني في فلسطين والمتجسد في دولة إسرائيل، للقفز على التناقضات الداخلية العصية على أي حل منطقي أو سلمي.. إننا إذا أدركنا صعوبة تشكيل جمهور كبير غير واضح المعالم في إطار شعب واحد متجانس وقابل للاستمرار المستقر في إطار سلمي يخفي كل تناقضاته الداخلية، سندرك قطعاً استحالة تحقيق ذلك لجمهور يتحدث أفراده مائة لغة ولديهم خلفيات حضارية لا تعد ولا تحصى يكتنفها التباين إلى حد التناقض، عندما نراهم وقد تحولوا فجأة وبدون مقدمات تاريخية منطقية إلى جهاز إجتماعي يقوم بأداء دوره الجماعي!!
وبإزاء هذه الاستحالة نستطيع أن نلمس حجم الخدمة التي قدمتها المقاومة العربية المُشَوَّهَة والمهزوزة للوجود الصهيوني في فلسطين، بحيث مَكَّنَتْه من ترحيل كل تناقضاته القاتلة إلى حين انتهاء صراعٍ صِيغَ بشكل عصي على الانتهاء. قال “فرويد”: “من السهل ربط الناس بصلات محبة حتى لو كانوا أعداء، طالما أن هناك أشخاصاً آخرين نستطيع أن نصب عليهم مشاعرنا العدوانية”. لقد بلع العرب الطعم فلا هم خاضوا حرباً حقيقية فوق قدرة هذا الكيان على الاحتمال، ولا هم خاضوا تسوية قادرة على تفجير كل تناقضاته القاتلة التي من شأنها أن تحوله إلى ركام، شأنها شأن الحرب ولا فرق، ونجحوا فقط في أن يمرروا المشروع الصهيوني المتمثل في إبقاء معادلة التهديد والتوازن قائمة، وهي المعادلة التي طالما تم التعبير عنها في أدبيات الصراع بحالة “اللاحرب واللاسلم”. وإذا كانت الأمة العربية لم تمتلك منذ النكبة مشروعاً للقضاء على المشروع الصهيوني الاستعماري “إسرائيل”، فإنها بعد حرب عام (1973) وضعت نفسها في دائرة خيار اعتبرته مشروعها دون أن تضع له البدائل في حالة فشله، الأمر الذي جعلها تقضي حتى الآن أكثر من ثلاثين عاماً وهي تراوح مكانها.
إن الحرب تعمل دائماً على تجميع كلمة الأمة، وليست هناك قوة أكبر من الحرب تعمل على الوحدة وتؤجل الخلافات وتُرَحِّلها إلى المستقبل، هكذا يفعل على الدوام من لا يملكون حلولاً حقيقية لتناقضاتهم المصيرية الحقيقية، الترحيل ثم الترحيل ولا شيء غير الترحيل عبر تسخين الأوضاع، إلى أن يأتي اليوم الذي لا يستطيعون معه الترحيل، فتسود عندئذ معادلات صراع جديدة.
لذلك لم يكن مستغرباً ولا مستهجناً أن يُصَرِّح بن غوريون تصريحاً فكاهياً ساخراً إن دل على شيء فإنما يدل على فلسفة الحركة الصهيونية القائمة على ضرورة عدم حدوث تهدئة حقيقية في الصراع العربي الإسرائيلي، فهو يقول: “إن أسوأ مقلب يمكن أن يفاجئنا به العرب هو أن يوافقوا على عقد صلح معنا”.
ولقد أتقنت الصهيونية بوجه عام فن استثمار عنصر العداء والكراهية التي تُكِنُّها الشعوب لليهود كي تُنْجِح مشروعها. واعترف أساطين الحركة الصهيونية بأن المعادين للسامية مثلوا لها قوة إيجابية خدمت نضالها من أجل تحرير يهود الشتات من عبوديتهم في الجيتو. لقد كانت وجهة نظر الكثير من الصهاينة ومازالت تؤكد على أن معاداة السامية كانت قوة دافعة إلى درجة أن بعضهم سيطر عليه الاعتقاد بأنها مُسْتوحاة من عقيدة إلهية إلى حد ما، وربما أنها كانت تحتوي على إرادة الرب لأنها أجبرت اليهود على توحيد صفوفهم كما أعلن “تيودور هرتزل”.
إن من يتتبع المفاصل الأساسية في الأيديولوجية الصهيونية، وتاريخ الاستيطان الصهيوني في فلسطين، ومراحل الصراع العربي الإسرائيلي منذ نشأته حتى الآن، بإمكانه أن يدرك أن الحروب التي خاضتها إسرائيل هي بمثابة أسطورة ضرورية تدخل في إطار البُنْيَة العامة للعقيدة الصهيونية، شأنها في ذلك شأن سائر الأساطير التي يتعامل معها الفكر الصهيوني ويروج لها، مثل أسطورة أرض الميعاد، وأسطورة الحق التاريخي في فلسطين، وأسطورة الشعب المختار، وأسطورة شعب بلا أرضٍ لأرضٍ بلا شعب. أسطورة يجب أن تتعايش معها إسرائيل كي تتمكن من الاستمرار، ومثلما أنها تفقد مشروعيتها وإمكان استمرارها بسقوط أيٍّ من أساطيرها السابقة، فإنها بدون أسطورة الحرب التي لا تنتهي هذه تفقد هوية البقاء المتناسبة مع طبيعتها والمتناغمة مع أهداف وجودها.
تقول عالمة النفس الإسرائيلية “عاميا ليبليخ”: “إن التعايش مع الحرب كان ومايزال جزءاً رئيسياً من حياتنا منذ إقامة الدولة، بل وفي الفترة السابقة عليها، ويبدو أن “موشي دايان” كان أكثر وضوحاً في إعلانه لحتمية الحرب كي تستمر حياة اليهود في هذا التجمع، فقد قال في جنازة صديقه “روي روتبرج”: “إنه قَدَر جيلنا، إنه خيار جيلنا، أن نكون مستعدين ومسلحين، أن نكون أقوياء وقساة، حتى لا يقع السيف من قبضتنا وتنتهي الحياة”.
ولكن ما هي آفاق فكرة الحرب والسلام في التجمع الإسرائيلي؟!
إن ثمة وجهة نظر إسرائيلية – وهي وجهة النظر المهيمنة ذات شرائح الأَتْباَع الأوسع في هذا التجمع – ترى أن الحرب تمثل لهذا التجمع المناخ الأمثل لوجوده وازدهاره، وهي تستند إلى العديد من المؤشرات الدالة على ذلك والمُسْتَمَدَّة من واقع التجمع الإسرائيلي خلال فترات القتال وخلال فترات الهدوء. فهي وجهة نظر تقوم على فكرة أن انغماس التجمع في الحرب يجذب إليه المزيد من المهاجرين الجدد وخاصة الشباب القادرين على القتال، كما أن مناخ الحرب يُكْسِب هذا التجمع مزيداً من التعاطف اليهودي وتدفق المعونات والهبات اليهودية من شتى أنحاء العالم، ويتيح هذا المناخ للقوى العالمية المساندة للتجمع الإسرائيلي أفضل الظروف لضرب القوى الوطنية العربية من خلال العسكرية الإسرائيلية لاستنزاف إمكانية التنمية العربية من خلال مفاقمة أعباء النفقات العسكرية. ولعل أهم ما يحققه مناخ الحرب من وجهة نظر هذا التيار، أنه يجعل المستوطنين الإسرائيليين على اختلاف أصولهم وتباينها أكثر اتحاداً وتماسكاً وأشد عدوانية وعداءً للعرب.
وكمحصلة لذلك ترى وجهة النظر هذه، أن السلام حتى لو كان مفروضاً على التجمع الإسرائيلي إنما يعني دفع تناقضاته الداخلية إلى التفاقم، ويعتبر بمثابة المناخ الأنسب لازدهار القوى الوطنية العربية وتوجيه جهودها إلى نشاطات التنمية الحقيقية.
ومع ذلك فإن هناك وجهة نظر أخرى في التجمع الإسرائيلي، ترى عكس ما تراه وجهة النظر العسكرية سالفة الذكر، وهي تقيم فكرتها على المعاني المقابلة تماماً لتلك التي قامت عليها فكرة حتمية الحرب لبقاء واستمرار التجمع الإسرائيلي، وإن كان أنصارها قلة قليلة بالقياس لأنصار الفكرة السابقة، مع أنهم يتزايدون يوماً بعد يوم.
إلا أن حسم الخلاف بين هاتين المدرستين الإسرائيليتين ليس بالأمر الميسور، لأن كلاً منهما ترتبط بموقف معين من طبيعة ومستقبل التجمع الإسرائيلي. كما أن هذا الموقف ذاته إنما هو نتاج لشبكة معقدة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأيديولوجية التي تضرب بجذورها بعيداً في أعماق إسرائيل والمنطقة والعالم، إن كلاً من وجهتي النظر السابقتين، يستند في الحقيقة إلى مشاهدات صحيحة في جزئياتها لواقع التجمع الإسرائيلي، رغم تناقض تلك المشاهدات منطقاً ونتيجة.
ولكن أي حرب تعنيها وجهات النظر تلك؟! وأي سلام هو الذي تستهدفه وتتحدث عنه؟!
في أي حرب، فإن فترة القتال الفعلي، طالت أو قصرت، هي فترة مؤقتة، قد يستمر الاشتباك المسلح عدة سنوات متصلة، وقد لا يستغرق أياماً أو ساعات معدودة، وقد تتمثل النهاية في انتصار أحد الفريقين المتصارعين وتَمَكُّنِه من فرض إرادته وبلوغ أهدافه، أو في تدخل قوى أخرى تجبر أطراف الصراع على إيقاف القتال عند مرحلة ومستوى معينين. بل قد تتمثل النهاية في فشل كلا الطرفين في بلوغ أهدافه وبسط إرادته على الطرف الآخر. ومن ثَم يتم الإضطرار إلى تأجيل القتال أو إلى الإقلاع عنه كلياً كأسلوب لحسم الصراع. إن تساؤلنا السابق عن أي حرب هي المقصودة، إنما ينصب على نوعية نهايتها، وليس بحال على تفاصيلها الفنية.
ليست ثمة حرب مطلقة، ومن ثَم فإن تأثيرات الحرب إنما تتوقف في المقام الأول على نهايتها. بعبارة أخرى، فإن تلك التأثيرات تختلف لدى الطرف المنتصر عنها لدى الطرف المهزوم، وإن هذا الاختلاف نوعي وأساسي. وكذلك الحال بالنسبة للسلام، فقد يبدو للوهلة الأولى أن السلام إنما يعني بالتحديد انتهاء أو إنهاء حالة الحرب، وهذا صحيح، ولكنه ليس كل شيء، أو على الأقل ليس هو ما نعنيه بتساؤلنا عن السلام المستهدف.
أن قتالاً قد ينشب بين فريقين وينتهي بنجاحِ أحدهما في هزيمة الآخر، فيسود سلام، وقد ينتهي هذا القتال بنهاية معاكسة، فينهزم المنتصر وينتصر المهزوم، فيسود سلام أيضاً، وقد ينتهي بتدخل طرف ثالث يفرض على الفريقين المتقاتلين إيقاف القتال، فيسود سلام كذلك، ولكن السؤال المُلِح الذي يفرض نفسه هو: “هل أن السلام يعني شيئاً واحداً في تلك الحالات جميعاً؟! وهل تأثيره على الطرف المنتصر يشبه تأثيره على الطرف المهزوم؟! وهل أي من ذلك يشبه سلاماً مفروضاً على الطرفين؟!”
استمرت حالة الحرب العربية الإسرائيلية ومازالت، إلى ما يزيد عن نصف قرن، تشتعل جذوتها أحياناً وتخفت أحياناً أخرى. وتراوحت أشكال الاشتعال بين العمل الفدائي والتظاهرات والغارات العسكرية والحروب النظامية. كما تراوحت أشكال الخفوت بين الهدنة الضمنية والهدنة الفعلية والتفاوض بل وتوقيع الاتفاقات الثنائية أحياناً.. إن السبيل الموضوعي لتمحيص وجهتي النظر المشار إليهما سابقاً حول الحرب والسلام في التجمع الإسرائيلي، إنما يكمن في تقصَّي مدى تأثر الكيان الإسرائيلي بكل شكل من هذه الأشكال المذكورة لحالتي الاشتعال والخفوت.
ترى، ما هو المناخ الأمثل لازدهار التكوين السيكولوجي السائد والمستهدف في التجمع الإسرائيلي بخصائصه التي عرفناها وأسهبنا في شرحها وتحليلها فيما مضى؟! ثم ما هي الظروف التي يسعى إلى توفيرها قادة التجمع الإسرائيلي، بحيث تدفع بأصحاب هذا التكوين السيكولوجي إلى استثمار خصائص تكوينهم على الوجه الأفضل خدمةً للمشروع الصهيوني الاستعماري “إسرائيل”؟!
في ضوء كل ما سبق، فإن الموقف الأمثل لازدهار التكوين السيكولوجي الأشكنازي الإسرائيلي المهمين والهدف، هو موقفٌ يكفل توفر الأمن المهزوز ويتضمن في الوقت نفسه ظهور التهديد المحدود. وبعبارة أخرى، هو ذلك الموقف الذي يحمل قدراً محدوداً من التهديد العربي يسمح بتفجير أقصى طاقات العدوان لدى اليهود الإسرائيليين، ويحمل في الوقت نفسه ضماناً كافياً للقدرة على إلزام هذا التهديد حداً لا يتجاوزه. إن هذه الثنائية السائلة القوام، هي المعادلة الدقيقة التي تُجَسِّد الاستراتيجية السيكولوجية للتجمع الإسرائيلي، الاستراتيجية التي تكفل بقاء ذلك التجمع صهيونياً استعمارياً جوهراً، ويهودياً إسرائيلياً مظهراً، والتي تكفل أيضاً ترحيل كافة التناقضات التي عجزت مؤسسات التنشئة الاجتماعية المختلفة عن حلها في الإطار السلمي إلى المستقبل، مع ضمان استمرار البعد الصهيوني الاستعماري في التجمع الإسرائيلي. ولأن كل مستقبل سيتحول إلى حاضر، وكل حاضر إسرائيلي يعاني من التناقضات نفسها العصية على الحل الآمن والضامن لاستمرارية الهوية المستهدفة (الصهيونية الاستعمارية)، فلابد لكل حاضر إسرائيلي من أن تسوده معادلة الحرب السابقة، والتي قلنا أنها تجسد الاستراتيجية السيكولوجية للتجمع الإسرائيلي.
ولكي تتمكن القيادة الإسرائيلية من المحافظة على التوازن الدقيق بين طرفي المعادلة، فقد عمدت إلى تأكيد أمرين أساسيين يخدمان هذا التوازن، منذ نشأتها وحتى الآن، وستعمد إلى الأمر نفسه ما بقيت بصفتها الاستعمارية. فهي قد أكدت على الدوام وجود تهديد عربي حقيقي للتجمع الإسرائيلي، وسعت إلى إبرازه بكافة الوسائل وعلى رأسها الوسائل الإعلامية التي نجحت في ابتداع مصطلح الإرهاب الذي غدا مصطلحاً عالمياً دخل كل الثقافات الإنسانية بمفهومة الصهيوني الإستعماري. ثم هي أكدت في الوقت ذاته على التفوق العسكري الإسرائيلي، وسعت إلى إبرازه وتحقيقه بكافة الوسائل أيضاً، ولم تقف في ذلك عند حد الإعلام، بل وصلت إلى حد العدوان المتكرر والاستفزاز المستمر.
ولعله لا يبدو لنا غريباً في ضوء فهمنا لجوهرية طرفي المعادلة المذكورة بالنسبة للمحافظة على التكوين السيكولوجي لليهودي الإسرائيلي، أن يحرص الماسكون بزمام السلطة في التجمع الإسرائيلي وبشكل دائم على إبراز صورتين تبدوان على طرفي نقيض للوهلة الأولى. صورة هذا التجمع بوصفه جزيرة صغيرة يحيط بها طوفان من الكراهية والتربص العربيين، وصورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر، والذي يستطيع دق عظام العرب في أي وقت يشاء.
وإذا كان العرب قد أثبتوا عجزاً ملفتاً حتى عن مجرد زعزعة ثقة الإسرائيليين في صحة الصورة الأخيرة، لخلخلة التكوين السيكولوجي المهم لديهم، فإن عجزهم في خلخلة العامل الأخر من عوامل هذا التكوين السيكولوجي، ألا وهو عامل تصوير التجمع الإسرائيلي بأنه ضحية غارقة في محيط الكراهية العربي، كان أنكى وأخطر، فدول الجوار التي تحد إسرائيل، من كل الجهات لم يعجبها أن تطلق على نفسها اسم “دول الجوار” بكل الدفء الذي تشحن به كلمة جوار قلوب ونفوس السامعين، بما قد يسهم في شرخ الصورة الصهيونية لهذا الجوار، وبالتالي في خلخلة عنصر التكوين السيكولوجي القائم على وصفه بمحيط الكراهية، بل هي قد بلعت الطعم وأعجبها التفاخر والتظاهر الأجوفين، وقبلت بأن تطلق على نفسها “دول الطوق”، بكل معاني الحصار والضغط والاعتصار والإذلال التي تشحن بها هذه الكلمة قلوب ونفوس السامعين، بحيث تكون الصورة الصهيونية المُسْتَهْدَفة لهذا المحيط العربي قد كسبت نصيراً هاماً ساعدها على تحقيق هدفها المتمثل في حفظ التوازن في مكونات السيكولوجيا الإسرائيلية. وهذا النصير هو الغباء العربي بلا منازع. ومن شاء أن يتأكد مما نقوله، فليرجع إلى الخطاب السياسي العربي العاجز، سواء كان خطاباً معادياً لإسرائيل أو مهادنا لها، ليعرف أن مصطلح دول الطوق هو المصطلح الرائج في هذا الخطاب عندما يتم الحديث عن كل من لبنان وسوريا والأردن ومصر، علماً بأن الشحنة النفسية التي يتضمنها هذا المصطلح هو قذيفة موجهة إلى خطة المواجهة العربية، في حين كان يمكن لمصطلح “دول الجوار” اللطيف الدافئ أن يتضمن شحنة نفسية أكثر تأثيراً من الأسلحة التي لم يمتلكها العرب وأن امتلكوها لم يستخدموها وأن استخدموها فلم يحسنوا استخدامها.
لكن تاريخ التجمع الإسرائيلي شهد مع كل ذلك، حادثتين مثيرتين، اختل فيهما التوازن الدقيق بين طرفي المعادلة السابقة، وبصورتين متناقضتين. فقد اختل التوازن مرة بخفوت التهديد العربي إلى أدنى حد مقدور على تحمله في المعايير الصهيونية للتكوين السيكولوجي الإسرائيلي، وذلك في حرب حزيران عام (1967)، ليعود هذا التوازن ويختل مرة أخرى، باهتزاز التفوق الإسرائيلي إلى أدنى حد مقدور على تحمله في المعايير ذاتها بطبيعة الحال، وقد كان ذلك في حرب أكتوبر عام (1973).
ولقد بذلت إسرائيل جهوداً مكثفة في الحالتين لاستعادة التوازن المفقود.. إن اختلال المعادلة بسبب اهتزاز التفوق الإسرائيلي كما حدث في حرب أكتوبر (1973)، هو اختلال يتجه إلى دفع عنصر “التهديد العربي” ليكون قريباً من دائرة القدرة على تفريغ التجمع الإسرائيلي من صهيونيته، بالحرب، فيما يتجه اختلال المعادلة بسبب خفوت التهديد العربي كما حدث في حرب حزيران (1967)، إلى دفع عنصر التفوق الإسرائيلي ليكون قريباً من دائرة القدرة على تفريغ التجمع الإسرائيلي من صهيونيته، بغير الحرب، ربما بالتسوية السلمية.
وهذان الأمران يهددان في المحصلة الوجود الصهيوني لإسرائيل، لجهة تهديد البناء السيكولوجي لليهودي الإسرائيلي والذي عليه تقوم أساساً عناصر التوازن في حفظ هذا الوجود من الزوال. إن المناخ الأمثل لازدهار الممارسات العدوانية الإسرائيلية ولسيادة أجواء العدوان داخل التجمع الإسرائيلي بما يضمن استمرار هذا الكيان بالشكل المرسوم له، واستمرار نجاحه في أداء الدور المنوط به، هو في حقيقة الأمر ما تتيحه وتكفله بامتياز سياسة اللاحرب واللاسلم. السياسة التي تهدد ولا تقاتل، وإن قاتلت فلا تحسم، وإن سكتت عن التهديد، تستنفر كل قواها كي تدافع ولكن دون أن تَهْزِم (بكسر الراء) أو أن تُهْزم (بضم التاء) بالمعنى الواسع والحقيقي لكلمة هزيمة.
لقد أحدثت حرب عام (1973) ونتائجها ردة فعل هائلة لدى التجمع الإسرائيلي على كل الصعد. لكن ضخامة الأثر الذي خلَّفَتْه هذه الحرب على ذلك التجمع، ترجع بالإضافة إلى فعالية الإنجاز العربي فيها، إلى ما تعنيه نتائج هذه الحرب بالنسبة لخصائص البناء السيكولوجي للتجمع الإسرائيلي، وبالتحديد في سياق الدور الذي تلعبه المؤسسة العسكرية في تكريس وتثبيت هذا البنيان.
إن ما حدث في ظهيرة ذلك اليوم يكتسي دلالتين متكاملتين، فهو يعني تهديداً حقيقياً لمشاعر الامتياز والتفوق الحاسم، كما أنه يعني تأكيداً حقيقياً أخر لمشاعر الاضطهاد والتعرض للمخاطر. وبعبارة أخرى، فإنه يعني خفوتاً عن الحد المقبول لصورة إسرائيل الكبرى القوية والقادرة، وبروزاً عن الحد المقبول أيضاً لصورة إسرائيل الصغيرة المهددة والعزلاء.
وفي حرب عام (1967) كان قد حدث العكس تماماً، فقد زادت عن الحد المقبول صورة إسرائيل القوية، وخفتت عن الحد المقبول صورتها ككيان صغير ومهدد وأعزل. ولا فرق لجهة التأثير السيكولوجي بين الحالتين، سواء تلك التي حدثت في عام (1973) أو تلك التي حدثت في عام (1967)، ولقد دلت بعض الوقائع الهامة في داخل التجمع الإسرائيلي على ذلك.
إذ لم يطلق الضباط والجنود الإسرائيليون العنان لفرحتهم عقب حرب (1967)، وهذا الأمر يمثل ظاهرة نفسية فريدة في مجال سلوك الجماعات. ظاهرة تعكس جوهر التكوين السيكولوجي السائد في التجمع الإسرائيلي. لقد اختلت المعادلة التي تحكم ذلك التكوين اختلالاً واضحا، وخَفَتَ التهديد العربي كثيراً عن حده المطلوب صهيونياً. فكانت الاستجابة التلقائية المباشرة وغير المخطط لها هي القلق والعجز عن إبداء الفرحة بالانتصار، لأن الانتصار يعني انتفاء التهديد وبالتالي انتفاء الشعور بالاضطهاد، وإذا ما انتفى شعور الإسرائيلي الأشكنازي بالإضطهاد، اختلت تركيبته السيكولوجية التي أَلِفَها وكاد مَعِينُ عدوانيته أن ينضب.
ولذلك فسرعان ما بذلت القيادة الإسرائيلية جهدها لإعادة التوازن إلى المعادلة التي اختلت، من جديد. فبدأ التركيز على أن التهديد العربي مازال قائماً ومستمراً.. المقاطعة العربية مازالت قائمة.. مازال العرب يرفضون التفاوض.. الدعم العربي لنشاطات المخربين الفلسطينيين يتزايد.. الإصرار على عدم الاعتراف بإسرائيل مازال قائماً.. والأسلحة مازالت تتدفق.. والاستعداد للحرب يجري على قدم وساق..
في هذا الشأن نشر الباحث الإسرائيلي “بنجامين شاليت” وهو من السيكولوجيين العاملين في قيادة القوات البحرية الإسرائيلية، مقالاً مُعمقاً، ومزوداً بنتائج الاستطلاعات حول الموقف المحيط بمعارك (1967) وانعكاساته على المجندين في الجيش الإسرائيلي.
كانت النتائج التي توصل إليها تشير بوضوح إلى أن القلق تضاءل خلال الممارسة العدوانية، لكنه لم يلبث بعد انتهاء تلك الممارسة أن عاد إلى الارتفاع إلى ما يجاوز مستواه السابق كثيراً. إن عودة مشاعر القلق بعدما يُفترض أنه انتصار ساحق وغير مسبوق في تاريخ الحروب، إلى ما يفوق مستواها الأول، تُعد ظاهرة مُلفتة حقاً. إن الأمر المنطقي المتوقع هو أن يخفت القلق بخفوت مصادر التهديد، أما أن يؤدي افتقاد التهديد إلى تجاوز القلق مستواه الذي كان عليه خلال وجود مصادر التهديد، فهو ما يؤكد بشكل قاطع مدى أهمية توازن معادلة “الاستراتيجية السيكولوجية للتجمع الإسرائيلي”.
لقد قامت التنشئة الاجتماعية لهؤلاء الأفراد على التسليم بوجود خطر داهم يهدد وجودهم وحياتهم بشكل مستمر، ومن ثَم فقد تشكل تكوينهم السيكولوجي على أساس حشدِ أكبر قدر من العدوانية لمواجهة هذا الخطر وأكبر قدر من التوجس حياله في ذات الوقت. ولذلك فإن ما أسفرت عنه خبرتهم المباشرة في حرب عام (1967) من تأكيد زوال هذا الخطر وما يعنيه ذلك من اختلال في تكوينهم السيكولوجي الذي أَلِفُوه، كان لابد أن يثير لديهم من القلق قدراً يجاوز ما كان يثيره لديهم تسليمهم بوجود هذا الخطر الداهم الذي يتهددهم.
الأمر نفسه حصل خلال حرب أكتوبر (1973) ولكن عبر المساس بالشق أو بالطرف الآخر من معادلة التوازن السيكولوجي. فبعد أن عاد التوازن إلى النفسية اليهودية المشروخة عقب حرب (1967) من خلال البوق الدعائي الصهيوني ومن خلال بروز عنصر المقاومة الفلسطينية وحرب الاستنزاف في مصر، جاءت تلك الحرب لتُفَاقم الإحساس بالقلق والخوف على قاعدة عدم الركون لعنصر التفوق الإسرائيلي هذه المرة، بعد أن زاد تأثير التهديد العربي عن حده المقبول.
ولأن العرب – مع الأسف الشديد – لا يحاربون إذا حاربوا ولا يسالمون إذا سالموا في إطار خطة تأخذ في الاعتبار حقيقة عدوهم وطبيعته على كافة الصُعد، فإنهم سرعان ما فشلوا في جعل الشرخ النفسي الحاصل عشية حرب أكتوبر يُؤْتي أكله باعتباره أمضى سلاح إذا تم استخدامه الاستخدام الصحيح. وانخرطوا في عملية سياسية مضنية بدأت منذ ثلاثين عاماً، كان أبرز ما حققته هو إسهامها الفعال في إعادة التوازن إلى النفس الإسرائيلية المشروخة بفعل نتائج الحرب.
فإذا كانت حرب أكتوبر قد أخلت بطرفي معادلة التوازن النفسي الإسرائيلي عبر إسقاطها مقولة التفوق بوصفها أحد هذين الطرفين، فإن الجندي الإسرائيلي، بل وحتى المواطن الإسرائيلي، لم يكن يتوقع من العرب المنتصرين والزاحفين في صحراء سيناء وفي مرتفعات الجولان نحو إسرائيل أقل من فرض الشروط والوصول إلى الحدود الإقليمية السياسية الإسرائيلية مع كل من سوريا ومصر، ورفض التسوية السلمية إلا وفق معادلات جديدة غير تلك التي كان يروج لها قادة إسرائيل قبل الحرب.
أما أن تنجح القيادة الإسرائيلية في جَعل هذه الحرب التي حطمت كبرياء وعنجهية هذه الدولة، فرصةً لإعادة التوازن إلى النفسية الإسرائيلية، فهو ما لم يتعود العرب على الانتباه إليه وأخذه في الاعتبار، وكأن الشعوب ليست هي المستهدفة بالحرب بشكل أو بآخر في نهاية المطاف!!
نعم، لقد عرف قادة التجمع الإسرائيلي في الفترة التي أعقبت الحرب كيف يجعلون اليهودي الإسرائيلي يلاحظ بأم عينه أن هؤلاء الغوغاء؟!! الذين ظهروا وقد كسروا تفوق دولته، يتكالبون ويتهافتون على تسوية ضئيلة، تفرض فيها إسرائيل معظم الشروط التي تمس بعض جوانب السيادة الوطنية لبعض الدول العربية. وجعلته تلك القيادة يرى بأم عينه أن هذه الوحدة المخيفة والمفاجئة التي لمسها بين سوريا ومصر آلت إلى زوال، وأن العرب الذين هزوه من الأعماق، عادوا كما كانوا قبائل متناحرة لا يخيفون، تخلوا عن بعضهم البعض لتنفرد إسرائيل بهم واحداً واحداً.. أي أن الرسالة التي تم إيصالها لتلك النفسية المشروخة، “أن توازني”، فما رأيته ليس نصراً، إنها غفلة مقاتلٍ فارسٍ عن خُلِقٍ خسيس من غادرٍ عاد ليركع أمام السوبرمان النيتشوي الذي صنعته كيبوتزات أرض الميعاد. وأن ما يدل على أن المسألة برمتها أبعد من أن تكون انتصاراً هو أن من ظهروا منتصرين، هم الذين يستجدون ويطلبون ويتنازلون.. فهل هذه شِيَمٌ سياسيةٌ لمنتصر؟!
إن السلام الحقيقي لا يقل خطورة على الممارسة العدوانية الإسرائيلية عن الحرب، إذا كانت حقيقية بطبيعة الحال، وكلاهما لا يحقق المصالح الاستراتيجية للقوى المساندة لإسرائيل ممثلة الآن في رأس حربة الإمبريالية العالمية الولايات المتحدة الأميركية. إن النغمة التي تتردد كثيراً في إسرائيل على ألسنة أولئك الذين يصنعون سياستها في ضوء الحقيقة السابقة، هي أن العرب قد أحسنوا صنعاً عندما رفضوا قرار التقسيم عام (1947) فارضين على إسرائيل حرب عام (1948)، أي أن رفض ذلك القرار وخوض تلك الحرب هو الذي أدخل القضية والصراع في هذا المنحى فارضاً عليهما ما تراه إسرائيل.
ما معنى هذا الكلام؟! وهل هو مؤشر صهيوني إسرائيلي على أن العرب كلما أمعنوا في رفض التسوية كلما كان ذلك لمصلحة إسرائيل؟! وأن عليهم بالتالي أن يقبلوا بها؟!
إن تبسيط الأمور على هذا النحو، هو في واقع الأمر تسطيح لها، وعزل لها عن سياقاتها التاريخية، وهذه هي عادة اليهود الصهاينة في عرض نظرياتهم ومواقفهم، عزل الحدث عن محيطه لفرض رؤية خاصة عليه تخدم الأجندة والبرنامج الصهيونيين.
إن أي موقف سياسي عربي هو في الواقع ابنٌ شرعي لصيرورة الواقع العربي، عندما يكون هذا الموقف نابعاً من قوى الشعوب والجماهير وليس من رموز السلطة والحكم التي نفهم جيداً أنها منفصلة عن تلك الشعوب بهوة كبيرة من التناقضات وتباين المصالح. هذا يعني أن أي موقف سياسي عربي من النوع الذي نتحدث عنه، نابع حتماً من محصلة تفاعل بُنى إجتماعية وفكرية ونفسية وسياسية وعسكرية سائدة. ولا يمكن لهذا الموقف أن يتغير إلا بتغير تلك البُنَى بشكل ينسجم مع طرح جديد وموقف جديد ويتطلبه. إن المراقب المهتم يستطيع أن يتلمس الاتجاهات العامة التي تصب في خندقها المواقف العربية وهي تتغير وتتبدل وتتطور.
بناء على ماسبق، فإن العرب – ونعني هنا جماهير العرب- ما كانوا في عام (1947) ليقبلوا قرار التقسيم، وما كانوا في عام (1967) ليقبلوا الحقائق الجديدة التي فرضتها الحرب، رغم بدء ظهور تيارٍ تراجع عن رفض قرار التقسيم وقبلَ به. ثم مع مرور الوقت وخاصة بعد النكسة المخزية عام         (1967) أصبحت الهوة بين الرأس والقاعدة تتسع، وغدت الجماهير منكمشة على نفسها إلى أن غدا الموقف السياسي هو موقف سلطة ولا علاقة للجماهير بصياغته (وليس هنا مجال مناقشة السبب الذي آل بمكاينزمات بناء الموقف السياسي إلى هذا المستوى من الانحطاط).
وبعد مرور أكثر من جيل على حرب (1967)، ما كانوا – الحكام العرب هذه المرة – ليقبلوا الطرح الإسرائيلي الجديد، وإن كان سقف مطالبهم قد انحصر في معادلة (1967) التي سبق وإن كانت مرفوضة من القيادة تجاوباً اضطرارياً مع رفض القاعدة لها، ونخالهم لن يقبلوا الآن بحقائق الجدار العنصري العازل وبرفض عودة اللاجئين على إطلاقها وبالتعامل مع قضية القدس بالشكل المطروح إسرائيلياً، وإن كانوا يراوحون خجلاً حول استعدادهم لقبول ما هو أعلى من سقف الطروحات الإسرائيلية الحالية وأقل من سقف المطالب العربية عقب أحداث (1967). لتستمر هذه السيمفونية النشاز وفق معادلة إسرائيلية أخرى تمكن تسميتها معادلة “التلاعب بسقوف المطالب والعروض”، لضمان الاستمرار في تحقيق معادلة التوازن بين عنصر التهديد العربي وعنصر التفوق الإسرائيلي، كآلية فاعلة في الإبقاء أطول مدة ممكنة على حالة اللاحرب واللاسلم، وهي الحالة التي يجب أن نوضح أنها الحالة التي حكمت الصراع العربي الإسرائيلي منذ نشأته عام (1947)، بما يعني أن الحروب التي شهدها هذا الصراع إن هي إلا مناوشات لم تخرج عن حدود إبقائها على المعادلة المذكورة في حالة حركة ليس إلاَّ، وليست حروباً بالمعنى الحقيقي لكلمة حرب.
قادة التجمع الإسرائيلي اهتموا كثيراً بهذا الأمر، أي بطبيعة تكون الموقف السياسي العربي في مختلف مراحل الصراع العربي الإسرائيلي، ليوظفوه ما استطاعوا في خدمة المعادلة الأساسية التي تحكم التكوين السيكولوجي اليهودي الإسرائيلي، وكي لا يقعوا في مطب التخوف الذي أشار إليه “بن غوريون” بسخريته اللاذعة ذات الدلالة عندما أبدى خشيته من أن يفاجئه العرب بالموافقة على عقد صُلح معه ومع التجمع الإسرائيلي.
إن الموقف العربي إزاء إسرائيل ووجودها في المنطقة، سيتم التعبير عنه عربياً – إن شعبياً أو سلطوياً- عبر طرحٍ سيأخذ عند طرحه طابع الصفة الاستراتيجية المتضمنة لمعنى الديمومة والتواصل التاريخيين، وذلك إلى أن تتغير في الواقع العربي البُنى الثقافية والمجتمعية والسياسية والنفسية التي أفرزته مؤدية إلى ظهور بُنى جديدة يتم التعبير عنها بموقف جديد.
إن إدراك صانع القرار الصهيوني لهذه الحقيقة التي هي حقيقة إنسانية عامة، تخضع لها لكل مجتمعات وشعوب الأرض، جعله يستثمرها أكفأ استثمار، وقد نجح في ذلك إلى أبعد الحدود، وضَمِنَ بنجاحه هذا الإبقاءَ على معادلة التوازن السيكولوجي الإسرائيلي تحت السيطرة التامة عبر أكثر من خمسين عاماً من الصراع، ولكن كيف ذلك؟!
إن الطرح العربي الذي تفرزه المرحلة بمكوناتها الثقافية والاجتماعية والسياسية والنفسية، سيُعْتَبر سقفاً أعلى مرفوض إسرائيلياً وبالتالي أميركياً، بحيث تطرح إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة الأميركية سقفاً أقل يجب أن تشير الدلائل العربية المقروءة إسرائيلياً وأميركياً، إلى حاجته لقرابة الجيل الكامل كي يتغير واقع البنى الثقافية والمجتمعية العربية باتجاه قبوله أو التعامل معه. وبالتالي، فبين سقف عربي مطروح مرفوض إسرائيلياً، وسقف إسرائيلي معروض مرفوض عربياً، تُقَاد دفة سفينة الصراع من قِبل الطرفين العربي والإسرائيلي لتحقيق هدف واحد، يعمل الإسرائيليون على تحقيقه بوعي تام، فيما يعمل العرب على الإسهام في تحقيقه بغير وعي وبجهل منقطع النظير، ألا وهو الإبقاء على حالة اللاحرب واللاسلم لحفظ التوازن النفسي لليهودي الإسرائيلي القادر على رفد المشروع الصهيوني الاستعماري “إسرائيل” بكل طاقاته.
وعندما تلاحظ مراكز ودوائر الفكر والبحث واتخاذ القرار في كل من واشنطن وتل أبيب اقتراب العرب بحكم التطورات والضغوطات الحادثة في الواقع العربي، من إمكانية القبول بالطرح الإسرائيلي، عبر بدء دورانهم حول سقوفه، فإن القائمين على تلك المراكز والدوائر إذ يلاحظون ذلك، يبدأون بالدفع باتجاه إعداد الساحة لتَحَمُّل طرحٍ إسرائيلي أميركي جديد ضمن حلقة حقائق جديدة تختلف في الكثير أو في الكثير عن الحقائق التي تضمنها سقف الطروحات السابق.
عندئذ تعود المعادلة السابقة في مستواها السياسي الصدامي لتظهر إلى حيز الوجود، قبول عربي بالطرح الإسرائيلي السابق، ورفض إسرائيلي له عبر طرح جديد لا بديل عنه، باعتباره الطرح المفروض من قِبل الحقائق الجديدة التي سيشاع بطبيعة الحال أنها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من المرحلة. والعرب من جهتهم سوف يجدون أنفسهم مضطرين قطعاً إلى رفض هذا العرض الإسرائيلي لأسباب عديدة تختلف من طرف عربي لأخر ومن وقت لآخر، وتسود مرحلة جديدة من التوتر التي تكفل عبر حنكة الإدارة الصهيونية لها بقاء السيكولوجية الإسرائيلية ضمن دائرة التهديد والتفوق المطلوبة لاستمرار هذا الكيان.
ولا يخفى على عاقل كيف تفعل هذه التوترات المدروسة الشكل والمضمون والتوقيت فعلها في تحقيق ذلك الهدف. فقبول العرب بعرض إسرائيلي سابق، يعني تجسيداً للتفوق الإسرائيلي الذي صمد إلى أن أرضخ العرب لإرادته، وطرح إسرائيلي لعرض جديد مرفوض عربياً جملة وتفصيلاً هو تجسيد للتهديد العربي الذي يبدأ بالتعبير عن نفسه في عملية رفض متعددة الأوجه والوسائل، فتتوازن الأمور ويستقر الوضع السيكولوجي بين طرفي المعادلة التي تكونه وتحكمه. إن استقراء تاريخ الصراع بين العرب والتجمع الإسرائيلي خلال الستين سنة الماضية يثبت لنا هذه الحقيقة بما لا يدع مجالاً للشك.
لكن السؤال الملح الذي يفرض نفسه علينا في هذا السياق هو.. مادامت هذه اللعبة واضحة ومكشوفة لمن يُفْتَرض أنهم قادة فكرٍ وصُنَّاعُ مجتمعٍ، فلماذا يبلع العرب الطعم ويقعون في الفخ دائماً!! ولماذا مازلنا نرى قادتهم كالكرة التي تتقاذفها الأقدام في الملعب، ينتقلون من خندق إلى خندق في التوقيت المطلوب إسرائيلياً وأمريكياً ليحققوا للصهيونية المعادلة التي تعمل على تحقيقها على الدوام؟!
يكفينا أن نبدي دهشتنا البالغة في هذا الشأن عبر توضيح أن كافة الزعماء والخبراء وصناع السياسة العربية، عندما ينتقدون سياسة إسرائيل في فلسطين أو سياسة الولايات المتحدة في المنطقة – وأن يكن بخجل – إنما يحاولون تأسيس انتقادهم لهما على قاعدة أن سياستهما لا تخدمان الاستقرار في المنطقة، وبالتالي فهي سياسات تصب ضد إسرائيل والولايات المتحدة وضد مصالحهما الإستراتيجية، وأن على هاتين الدولتين أن تَعِياَ هذه الحقيقة قبل أن يفوت الأوان. ومع أن تل أبيب وواشنطن لم تعياها أبداً على ما بدا ويبدو من وجهة الصراع، فإن الأوان الأمريكي والإسرائيلي لم يفت حتى الآن.
إن هؤلاء جميعاً – مع الأسف الشديد – يعتقدون أن إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة تريدان أن يسود الاستقرار في المنطقة ولكنهما لا تعرفان كيف يمكن أن يتحقق ذلك!!! وكأن ستين عاماً من الصراعات والدماء والحروب والهدر في الثروة وفي تراجع التنمية والحريات العامة، لم تكن كافية كي نعرف جميعاً أن اللا إستقرار الذي هو نتاج حالة اللاحرب واللاسلم هو المطلوب إسرائيلياً وأميركياً!!
في ضوء ما تقدم نستطيع أن نؤكد على حقيقة غاية في الأهمية مفادها أن حسم الصراع مع إسرائيل وتحقيق السلام الحقيقي العادل والشامل الذي يطمح إليه حتى أولئك الذين يودون الاعتراف بإسرائيل كجزء لا يتجزأ من هذه المنطقة، ليس مرهوناً ولن يتحقق بما يسمى بضرورة تنازل العرب والتعامل مع حقائق المرحلة لإرضاء إسرائيل والولايات المتحدة كي تقبلا بتحقيق هذا النوع من السلام.
فمهما كان حجم التنازل، فإن سقفه سيكون حتماً أعلى من سقف العروض الإسرائيلية، لتستمر المعادلة المسخ المذكورة. ولكن إذا لم يكن التنازل هو الفيصل في حَسم الصراع كما يتم الترويج له، فأين يكمن الحل؟!
إنه في القدرة على فرض سقف المطالب مهما كان متدنياً. إذ لا قيمة موضوعية لمطالب ذات سقف عالٍ، نفتقر إلى القدرة على تحقيقها، ولا خوف من سقف مطالب متدنية إذا تم امتلاك القدرة على تحقيقها. لأن القدرة اللازمة لاستعادة شبر واحد من الأرض العربية بشكل حقيقي، هي ذاتها القدرة اللازمة لاستعادة كامل الأراضي العربية بالشكل نفسه. إن طبيعة الصراع العربي الإسرائيلي هي التي تفرض هذه القاعدة القانون الذي بدون خوض الصراع على أساسها فإن الصراع يكون مُخاضاً بالطريقة الخاطئة، ولا قيمة بالتالي لأية نتيجة من نتائجه.
إن استمرار إسرائيل كدولة صهيونية يعتمد على توازن مهزوز، يستند إلى شروط ثلاثة..
الشرط الأول.. الحفاظ على الوحدة الوطنية الداخلية في المجتمع الإسرائيلي عبر تحقيق عدة أمور أبرزها المناداة الدائمة بوجود تهديد خارجي من الدول العربية المتاخمة، وبشن الحروب الإجهاضية والاستباقية والتصفوية. 
الشرط الثاني.. الحفاظ على رغبة يهود العالم في العودة إلى فلسطين أو على الأقل على رغبتهم في استمرار وجود دولة يهودية تكون عند الضرورة ملجأً لهم، يهربون إليه من اللاسامية التي يُرَوج لها في أماكن إقامتهم لتحفيز هذا الإحساس بالخطر الدائم لديهم.
الشرط الثالث.. المساندة غير المشروطة التي تقدمها الولايات المتحدة وبقية الدول الغربية لإسرائيل.
فإذا فقدت إسرائيل أياً من هذه الشروط فمن المحتمل أن تعجز عن الاستمرار في البقاء كدولة يهودية على النحو الذي رُسم لها بموجب المخطط الصهيوني، لذلك فإن المخاطر الرئيسية الحقيقية التي تتهدد استمرار التجمع الإسرائيلي الصهيوني، تتمثل في اندماج اليهود التام بشعوب الأقطار التي يعيشون فيها خارج إسرائيل، وفي توفر الظروف الإقليمية والداخلية التي تؤجج التناقضات الداخلية في التجمع الإسرائيلي الصهيوني، لجعله يبدأ بالتحول إلى مجرد تجمع يهودي، تمهيداً لتحويله إلى مجرد عدد من اليهود المقيمين على أرض فلسطين.
ولا يمكن لهذين الأمرين أن يحدثا إلا بقيام سلام حقيقي في الشرق الأوسط، أياً كان سببه والدافع إليه والقوة المؤدية نحوه، سواء كانت حرباً مدمرة تهزم إسرائيل ومن يقف وراءها، أو ضغطاً على حلفائها بشكل يدفعهم إلى إجبارها على قبول السلام العادل والشامل، أو تطورات وتغيرات في داخل التجمع الإسرائيلي وفي تكوينه السيكولوجي سالف الذكر، بحيث يُصبح هذا التكوين منسجماً مع منطق السلام العادل، ومُهَيئاً لقبول فكرة تَحَوُّل الإسرائيليين الصهاينة إلى يهود عاديين يعيشون في المنطقة مع جيرانهم العرب. 
وفي المدى المنظور لا يبدو أن أياً من تلك الأسباب قد يتحقق. فلا هناك إرهاصات بحرب قريبة قادمة تهزم إسرائيل ومَنْ وراءَها، ولا يظهر العربُ مستعدين لبذل الجهد اللازم، وإن يكن على صعيد الإعلام على الأقل، لإحداث التغيير المطلوب في التكوين السيكولوجي للتجمع الإسرائيلي. هذا إذا سلمنا بأنهم يأخذونه بعين الإعتبار أساسا، كعنصر من عناصر فهمهم لعدوهم، أو كمُقَوِّمٍ من مقومات رسم خططهم لمواجهته في هذا الصراع الأزلي. ولذلك فإن حالة اللاحرب واللاسلم ستستمر، والسيكولوجية العسكرية القائمة على محورية عنصر الحرب من أجل المحافظة على معادلة التوازن بين التهديد والتفوق وفق الرؤية الصهيونية ستستمر في تحقيق غاياتها وأهدافها.
ولعل العدوان الإسرائيلي على لبنان منذ الثاني عشر من تموز 2006، بعد العملية النوعية التي أقدم عليها حزب الله والتي أسفرت عن اختطاف جنديين إسرائيليين وقتل آخرين، يصب في هذا الاتجاه. فمن منا يستطيع أن يُغْمِضَ عينيه عن حالة الاصطفاف الواسعة التي أحدثها الهجوم الإسرائيلي على لبنان، لدى مختلف شرائح التجمع الإسرائيلي.
نستطيع القول في هذا السياق، أن مشكلة “مقاومة العرب لإسرائيل”، تكمن لا في أن بدايتها سوف تخلق لدى الإسرائيليين حالة من التوحد والإصطفاف التي يكون واقع التجمع الإسرائيلي قد بدأ يبحث عنها، ليجدها في مواجهةٍ محدودة مع العرب هنا أو هناك، في هذا الإقليم أو في ذاك – فهذا أمر طبيعي تتيحه لإسرائيل هذه الأنواع من المواجهات على الدوام – بل في عدم تواصل هذه المقاومة بالشكل الذي يخرجها من عنق الزجاجة، إخراجاً يُمَكِّنُها من إفقادِ معادلة التوازن السيكولوجي المُعْتَمَدة صهيونيا للحفاظ على هذا الكيان، لدورها في حمايته والحفاظ عليه.
فما من انطلاقة مثيرة للمقاومة أو للمواجهة مع إسرائيل إلا وتنتهي – حسب ما تُعَلِّمُنا إياه الخبرة – إلى تسويةٍ من النوع الذي يُحقق للكيان الصهيوني هدفه من رفع وتيرة التهديد، إلى الحدٍّ الذي يوحد الإسرائيليين الذين كانوا قبل حدث المواجهة قد بدأوا يعانون من اختلالٍ في المعادلة السيكولوجية التي تمثل صمام أمان وجودهم، دون أن يشكل خطرا حقيقيا عليهم.
فالخبرة قد علمتنا أن المواجهة التي يخوضها أي طرف عربي ضد إسرائيل، في لحظات بحث الصهيونية عن مخارج لترحيل مآزقها وأزماتها الداخلية إلى المستقبل، لا تحدث من منطلق وعي ذلك الطرف بالطبيعة السيكولوجية لهذا الكيان، ولا من منطلق المعرفة الدقيقة بما تتطلبه هذه الطبيعة من أشكال محددة ومدروسة من المواجهات زمانا ومكانا، بل هي تحدث من منطلقات أخرى، معظمها يدخل ضمن دوائر ردات الفعل، أو خدمةً لأجنداتِ دولٍ أو تجمعاتٍ أو برامج سياسية معينة، خارج إطار خوض الصراع في أبعاده الإستراتيجية القائمة على مبدأ الاستمرار في المواجهة الطويلة التي من شأنها وحدها أن تعيد بناء المنطقة بالشكل القادر على تحقيق الهدف المتمثل في القضاء على المشروع الاستعماري “إسرائيل”. لتكون النتيجة من العمل المقاوم أو من حالة المواجهة المحددة تلك، أن الطرف المُقَاوِم لم يحقق هدفه، ولم يترك إسرائيل غارقة في مأزقها الناجم عن اختلال المعادلة السيكولوجية، مع أن تفجير أفعال المقاومة من هذه المنطلقات، ليس بالضرورة أن يكون غير مفيد أو غير فاعل في سياق الصراع ككل، إذا نفذته وقامت به أطراف تعرف دورها وتحدد أهدافها وتفهم حقيقة المعادلات الحاكمة للصراع في سياقاته الكلية والتفصيلية، وهو ما لا يحدث غالبا، مع الأسف.
تؤكد عالمة النفس الإسرائيلية “عاميا ليبليخ”: “أن الحرب في إسرائيل جزء من الماضي وجزء من الحاضر ومن المستقبل”. هذه النزعة المدروسة إلى ترسيخ حتمية الحرب في السيكولوجية الإسرائيلية جعلت الأسئلة المعتادة في حياة الإنسان الإسرائيلي هي: “ما هو الوقت الباقي حتى الحرب القادمة؟! وهل يمكن تأجيلها قليلاً؟!”
هناك يسأل الرجل نفسه قائلاً: “هل سيسعدني الحظ في الحرب القادمة أيضاً وأنجو كما نجوت في الحروب السابقة”؟! والأباء يسألون قائلين: “هل سيضطر أبناؤنا كذلك للخدمة كجنود مقاتلين في جيش الدفاع الإسرائيلي؟!”.. لقد سكنت الحرب كل تفاصيل حياة الإنسان الإسرائيلي إلى درجة أن قال الشاعر “مانوخ لفنتين”: “حين نتنزه نكون ثلاثة.. أنا وأنت والحرب القادمة.. وحين ننام نكون ثلاثة.. أنا وأنت والحرب القادمة”. أما الشاعر “يعقوب باسار” فيقول في قصيدته “الحرب المقبلة”: “الحرب المقبلة نُنْشِئُها، نربيها، مابين حجرات النوم وحجرات الأولاد”.. إن القول الشائع عن التجمع الإسرائيلي أنه “جنود في إجازة” أو أن إسرائيل عبارة عن “جيش له دولة”، هو قول له دلالته.
يقول الشاعر “حاييم جوري”: “إن الوجدان الإسرائيلي يرى حالة الحرب كما لو كانت حالة نهائية ودائرة مغلقة لا فكاك عنها.. إن هذا التراب، “تراب إسرائيل” لا يرتوي. فهو يطالب دائماً بالمزيد من المدافن وصناديق الموت، كما لو كانت أرض إسرائيل آلهة ثأر بذيئة وليست مجرد قطعة أرض أو إقليم”.
أما الصحفي “يعقوب نفيرمان”، فقد كتب ساخراً عن عمق الإحساس بالحرب لدى الإنسان الإسرائيلي: “كنت أتنزه منذ عشرة أيام في إحدى الحدائق مع حفيدي، حينما قابلني صديق وسألني كم يبلغ عمر حفيدك، فأجبته عامان، فابتسم في مرارة قائلاً: “إن دوره في التجنيد سيأتي في الحرب التي ستنشب عام 1999”.
نعم.. هكذا يفعلون.. وهكذا يستعدون.. وهكذا يفكرون.. يُرضعون أطفالهم أجندات الحروب مع لبن الأمهات. ويفصلون الرضع عن آبائهم ليمهدوا في قلوبهم لكل أنواع الشر والقسوة والجبروت، غير مبالين بحقائق الطبيعة وقيم الفطرة. المراهقة الغيداء يجب أن تنام في بهيم الليل فوق قبر مسلم قالوا لها أنه متوحش، كي يتحول قلبها الغض الذي خلقه الله للعشق والحب، إلى قلب لا يعرف الرحمة والمشاعر. والغلام الغر ينتعل الثلج في عز الشتاء، ليعيدوا إنتاج إنسانيته في إسبرطة الجديدة.
أنشأوا الكيبوتز عندما تذكروا نيتشة ليجعلوا من أنفسهم نازيين جدداً. قتلهم هتلر، فتقمصوا روحه البشعة ليريقوا الدم الحرام في الأرض الحرام. الجيتو، الحالوتس، الساباريم، الكيبوتز، محطات لا تنتهي من العقد الباحثة عن بدائل، لضمان استمرار القتل في قاموس كل كلماته قتل في قتل. وكانت النتيجة، شباب ملء البصر يهتف: “أكره محمد، أكره محمد، أكره محمد”، بعد أن سجل الفلسطيني هدف التعادل في مباراة كرة قدم تافهة.
وحضارة الرجل الأبيض تحضنهم وتدافع عنهم، وتستخدمهم سيفاً بتاراً لصيد الغزلان الوديعة في صحراء العرب، والعرب يستاءلون في قمتهم الألف بعد المليون العاشر، عما إذا كانت مبادرة الأردن التي قادها وزير قميئ، تغييراً لجوهر مبادرة بيروت أم تطويراً لها، رغم أن كل رصاصة تطلق في غزة، وكل قذيفة تقصف بها بيروت، ويحرق بها أهل الجنوب في لبنان، تَحْرِق قبل ذلك كل مبادرات العرب وخُطَبِهم العصماء وتلقي بها في المراحيض.
فهنيئاً لك يا ابن قحطان، أحفادك المغاوير. أسقطوا القدس، ثم أسقطوا بغداد، وقريباً سيسقطون… ونحن مازلنا ننصحهم بأن يكفوا أيديهم عنا كي تستقر المنطقة حرصاً على مصالحهم(!!!!).
انتهى

 

 

 

 

مراجع الدراسة

1 – كتاب “فلسطين عربية” – محمد فرج.
2 – كتاب “العلاقات السياسية والحضارية بين العرب واليهود” – على حسن الخربوطلي.
3 – كتاب “تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم” – محمد دروزة.
4 – كتاب “الإسرائيليات في الغزو الفكري” – عائشة عبد الرحمن.
5 – كتاب “التطور والثبات في حياة البشر ” – محمد قطب.
6 – كتاب “الشخصية اليهودية الإسرائيلية والروح العدوانية” – د.رشاد عبد الله الشامي.
7 – كتاب “الإسرائيليون من هم؟ دراسة سيكولوجية في النفس اليهودية” – د.قدري حنفي.
8 – محاضر جلسات المؤتمر الصهيوني الثاني والعشرين المنعقد في القدس عام 1972.
9 – كتاب ” فلسطين”- بينوفيتش.
10 – كتاب ” الصهيونية حذار” – يوري إيفانوف.
11 – كتاب ” فلسطين إليكم الحقيقة” – أرنولد توينبي.
12 – كتاب ” أطفال الكيبوتز” – ميلفور سبيرو. 
13 – كتاب ” أهي نهاية الشعب اليهودي؟” – جورج فريدمان.
14 – كتاب ” سياسات إسرائيل” – برنشتاين.
15 – كتاب ” عزم النبي، إسرائيل اليوم وغداً” – جورج مايكس.
16 – رواية ” ولدان الموت” – يائيل دايان (إبنة موشي دايان).
17 – كتاب ” أطفال الحلم” – برونو تبلهايم.
18 – كتاب ” مشكلات الحياة الانفعالية” – سيرجون  إنجلش، وجيرالد بيرسون.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

bodrum escort bayan ankara escort bayan mobile porn wso shell