www.omferas.com
شبكة فرسان الثقافة

“اكليل من شوك” والتميز شكلا ومضمونا /جميل السلحوت

0

عرفنا الدكتور محمد شتيه استاذاً جامعياً ورجل اقتصاد وسياسة ـ شغل عدة مناصب رفيعة منها وزير الأشغال العامة في السلطة الوطنية الفلسطينية ، وهو الآن رئيس المجلس الاقتصادي الفلسطيني ( بكدار ) وها هو الآن يفاجئنا بمجموعته القصصية ( اكليل من شوك ) الصادرة عام 2008 عن ” الدار العربية للعلوم ناشرون ” في بيروت ، والمفاجأة في هذه المجموعة القصصية هي المضامين والأسلوب في غالبية هذه القصص

جميل السلحوت :
“اكليل من شوك” والتميز شكلا ومضمونا
عرفنا الدكتور محمد شتيه استاذاً جامعياً ورجل اقتصاد وسياسة ـ شغل عدة مناصب رفيعة منها وزير الأشغال العامة في السلطة الوطنية الفلسطينية ، وهو الآن رئيس المجلس الاقتصادي الفلسطيني ( بكدار ) وها هو الآن يفاجئنا بمجموعته القصصية ( اكليل من شوك ) الصادرة عام 2008 عن ” الدار العربية للعلوم ناشرون ” في بيروت ، والمفاجأة في هذه المجموعة القصصية هي المضامين والأسلوب في غالبية هذه القصص ، والتي يبدو من خلالها أن الكاتب رغم مشاغله الكثيرة إلا أنه واسع الاطلاع على أعمال أدبية لكثير من الأدباء العرب والأجانب،اضافة الى التاريخ والفلسفة والاقتصاد وحتى الفنون ، ويستدل على ذلك من خلال استشهاداته غير المقحمة في مجموعته التي نحن بصددها .
ويبدو واضحاً أن كاتبنا قد استفاد كثيراً من رحلاته الخارجية ، حيث شارك في العديد من المؤتمرات واللقاءات والندوات ، فكان يلتقط بعض الأحداث والموروثات التي يمر بها بعيني صقر ، فيصوغها لوحات جميلة في نصوصه .
ففي قصة ” نزهة على القمر ” عاد الكاتب الى الانجاز العلمي الهائل عندما نزلت عام 1969 سفينة الفضاء الأمريكية ” أبولو11 ” على سطح القمر ، واستغل بعض المشاهد التي رآها أو قرأ عنها على الأرض ، فعجنها على شكل قصة لافتة شكلاً ومضموناً ، فإذا كان مئات الشعراء والقاصين والروائيين قد كتبوا عن تلك الحادثة متعجبين أو ساخرين أو متسائلين عن مواقفهم ومواقف سابقيهم الذين شبهوا وجوه حبيباتهم بالقمر ، على اعتبار أن أحداً لن يدُس بقدميه سطح هذا القمر ، فإن كاتبنا وضع نفسه على سطح القمر مع رواد المركبة الفضائية ووصفه بأنه ” كأنه انفتق عن الأرض ، صحراء من صخر تغرق في السكون ، لا صوت ، لا ضجيج سيارات ، لا هدير دبابات وطائرات ، وبلا زقزقة عصافير ، امتداد واسع ، لا حواجز ، لا حدود ، الاتجاهات متشابهة ، بلا ملامح ” ص 4 . ومن على سطح القمر انشغل السارد الذي جاء بلسان ضمير المتكلم “أنا” بالأرض ، فماذا أشغله ؟
ويجيب على ذلك ” أنا انشغلت بلونا كانت لونا تحب القمر ، وتقول لي : يا قمر ” ص4 .
ولونا حبيبة السارد كلمة روسية معناها القمر أيضاً ، فها هو أعطاها اسم القمر تماماً مثلما كانت تقول له هي الأخرى : يا قمر .
ويتذكر السارد أن القمر يدور ليؤكد معلومة الشهور القمرية المرتبطة بدوران القمر فيقول عن القمر : ” هو شهورنا ، في دورانه عمرنا ” ص4 ومعروف أن الشهور العربية هي شهور قمرية.
واذا كان البشر ينظرون الى القمر ، فإن السارد ينظر الى الأرض من على القمر .
” لبست نظارتي الخارقة ، ومن فوق الفوق ، بعيني نسر ، أخذتُ أنظر الى الأرض ، أفتش عن لونا ” ص 5
فماذا رأى ؟ لقد وقع بصره على ” نيوزلندا ” حيث قبائل ” الماريز ” والسكان البيض الذين أرسلهم التاج البريطاني من سجون بريطانيا لاستئجار نيوزلندا من القبائل لمدة مائتي عام ، فتساءلت هل يُستأجر القمر ” ؟ وهذه معلومة تاريخية صحيحة وليست متخيلة ، فمن المعروف تاريخياً أن الدول الأوروبية كانت تنفي مجرميها الى الأمريكيتين بدلاً من سجنهم في بلدانهم ، وهذه بداية استيطان البيض الأوروبيين لأمريكا ،حيث شنوا حروب الابادة ضد الهنود الحمر مواطني البلاد الأصليين .
وبعد ذلك يقول السارد ” زحت عيني باحثاً عن لونا ، صار ضوء القمر هلالاً ، فكشف عن قرية صغيرة في الهند ” ص5، وهناك رأى بيتاً خشبياً فقيراً تسكنه أسرة بائسة ، وربة البيت تطبخ العدس لأطفالها الذين ملّوه ، ولا يمكنهم أن يستبدلوه بحليب البقر أو أحد مشتقاته ، خوفاً من أن تحل عليهم اللعنة لأنهم يقدسون البقر . وفي الحوار بين المرأة وطفلها ، يقول الطفل : ” وطني يطعم ناساً وينسى ناساً آخرين ” وتقول الوالدة : ” ليس ذنب الهند ، وراء كل ألف جائع ، ثري بلا قلب ” ص6 وفي هذا نقد لاذع لبعض العادات والتقاليد والمعتقدات ، كما فيه نقد واضح للأنظمة الرأسمالية ، ولسوء توزيع الموارد الاقتصادية ، ويبدو في ذلك تأثر واضح بإجابة الفيلسوف البريطاني برنارد شو عندما أجاب عن أسباب المجاعة في العالم إن كانت ناتجة عن قلة في  الموارد الاقتصادية : ” غزارة في الانتاج ، وسوء في التوزيع ” وأشار الى  لحيته الكثة والى رأسه الأصلع .
وبعدها أعاد السارد النظر الى الأرض وهذه المرة الى سنغافورة ، رأى فيها سانغ يو طالبة متفوقة في الصف العاشر تنحدر من أصول ماليزية ، وتقود حملة للنظافة في بلادها وهي تردد ” الذي يحب سنغافورة يحافظ على نظافتها ” ص7 وحملتها هذه قادتها الى رفع شعار ” الوطن لمن يستحقه لا لجنس أو لون أو ملّة ” ص 7 وعندما تساءل السارد ” من يستحق القمر ” ؟ ص7
جاءه الجواب ” علينا أن نكون خليطاً بشرياً مسلمين ومسيحيين وبوذيين وهندوس نستحق سنغافورة ، إنها مثل القمر ” ص7 ويجيء رد والد الطالبة سانغ يو الأستاذ الجامعي ” حياة بلا قمر كحياة بلا حساب ، بلا زمن ، وبلا رياضيات ، هل تكون سنغافورة كما هي الآن دون رياضيات ؟ ” ص 7
وواضح أن الكاتب هنا لم يأت بسنغافورة عبثاً فهذا البلد يعيش حياة اقتصادية متقدمة ولذلك أسبابه منها التعايش بين مواطنيه بغض النظر عن أصولهم العرقية أو معتقداتهم الدينية ، كما أنه يعيش ثورة علمية هي التي ساهمت في بنائه ، فإذا كان تكامل الطبيعة لا يستغني عن القمر ، فإن أساس العلوم هو الرياضيات ، ولا نهوضاً علمياً بدون الرياضيات .
ويعاود السارد النظر الى الأرض مرة أخرى ، من على سطح القمر الذي أصبح بدراً ” فيرى قلب العالم .. يرى النقطة الأقرب الى السماء ” حيث عرج النبي محمد الى السماء ، كان واضحاً لي ” آه رأى مدينة ذهبية تشع حزناً ، قبة مشعة قرب كنيسة لها بريق ، جنود يدوسون الأمكنة ببساطيرهم منذ سنتين ” ص7 وهكذا فإنه يرى القدس التي مر عليها سنتان تحت الاحتلال عندما داس أول انسان سطح القمر ، يرى فيها قبة الصخرة وكنيسة القيامة ، انها تشكل قلب الكرة الأرضية ، وهي تبكي حالها ، وتعد بأنها لن تقبل غير الفلسطينيين في حضانتها لأنها ترى فيهم قمر الدنيا، ولا يمكن أن تستغني الدنيا عن القمر ،أي لي يمكن ان يستقر العالم وخصوصا الشرق الاوسط ما لم يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه، ويستذكر السارد تساؤل جولدا مائير رئيسة وزراء اسرائيل في حينه ،عندما أنكرت وجود الشعب الفلسطيني وتساءلت : أين هم الفلسطينيون ؟ لكن النتيجة كانت غياب جولدا مائير وبقاء الشعب الفلسطيني .
ويتذكر الكاتب “بريطانيا التي لا يعرف أحد سرّ عظمتها ” ص8 ويرى في أحد شوارع لندن عربياً يلبس دشداشة بيضاء ويدخن النارجيلة ” وكلما مرّت شقراء قال ” قمر والله قمر ” وكأني بالكاتب يقول أن الشعوب مشغولة ببناء أوطانها ، وأثرياء العرب مشغولون بشبقهم الجنسي .
ثم يجول السارد بنظره من على سطح القمر فيرى كيب تاون في جنوب أفريقيا ويرى جزيرة روبين حيث كانت قيادة حزب المؤتمر الجنوب أفريقي وعلى رأسهم نيلسون مانديلا معتقلة ، ويرى بأن قتل وسجن هؤلاء هو سجن للقمر .
ويختتم الكاتب قصته بسؤال رائد الفضاء نيل أرمسترونج للسارد :” هل ترغب أن تكون حياة هنا ” ؟ فيجيب:” لا يهمني ان كان هنا حياة أم لا ، ما أرجوه أن لا تموت الحياة حيث هي الآن ” ص10
وهذا موقف انساني من الكاتب الذي يتخوف من التقدم العلمي الذي أوصل الانسان الى سطح القمر ،فربما سيكون هو المسؤول عن تدمير الحياة على الكرة الأرضية .
أما في نص ( النعجة دوللي ) فهذه أقرب ما تكون الى الخاطرة ، فيها تساؤلات عن الاكتشافات والاختراعات العلمية ، وأن الاستنساخ ليس عملية خلق بل هي اختراع علمي ، وتتلخص الخاطرة بالتساؤل الذي ورد في آخرها وهو ” هل تتزاوج الرومانسية مع التكنولوجيا ” .
وسأكتفي بهذين النموذجين مع التأكيد أن بعض النصوص لا تتوافر فيها شروط القص ، وبعضها يطغى عليه أسلوب الحكاية ، وبعضها يطغى عليه السرد العلمي ، وان كانت القصص فيها لغة أدبية خالطتها بعض الأخطاء النحوية، ولكننا في المحصلة أمام نصوص بعضها غير مسبوق لا بالشكل ولا بالمضمون ، ومن هنا تنبع أهمية هذه المجموعة التي تشكل اضافة نوعية للمكتبة العربية .
“ورقة مقدمة لندوة اليوم السابع في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس”.
 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

bodrum escort bayan ankara escort bayan mobile porn wso shell