www.omferas.com
شبكة فرسان الثقافة

المجزرة الكبرى التي ارتكبتها الإمبريالية الأميركية في حق العالم منذ الحرب الثانية.. /أسامة عكنان

0

الإمبريالية الأميركية تتغوَّل على العالم بذراعيها المتطاولين.. “البترودولارية العربية” برأس حربتها “السعودية”.. و”الصهيونية العالمية” برأس حربتها “إسرائيل”.. أهمية “السعودية” في الهيمنة الأميركية على العالم أسبق من أهمية “إسرائيل”.. “حماية المشروع الإمبريالي الإميركي عمل شيطاني” ينفِّذه..

المجزرة الكبرى التي ارتكبتها الإمبريالية الأميركية في حق العالم منذ الحرب الثانية..

المجزرة الكبرى التي ارتكبتها الإمبريالية الأميركية في حق العالم منذ الحرب الثانية..
“تسعير النفط بالدولار الأميركي”..

أسامة عكنان

الإمبريالية الأميركية تتغوَّل على العالم بذراعيها المتطاولين..
“البترودولارية العربية” برأس حربتها “السعودية”..
و”الصهيونية العالمية” برأس حربتها “إسرائيل”..
أهمية “السعودية” في الهيمنة الأميركية على العالم أسبق من أهمية “إسرائيل”..
“حماية المشروع الإمبريالي الإميركي عمل شيطاني” ينفِّذه..
“بترودولار سعودي”، يرعى “الوظيفية العربية”، ويدفِّئ “إسرائيل الصهيونية”، ويمتص “الأزمات الأميركية”..
وبصفقة “روزفلت – بن سعود” التاريخية، بدأت المجزرة..

الحلقة الأولى..

إن تسعير النفط بالعملة الأميركية “الدولار”، يمكن اعتباره أهم وأخطر إنجازٍ اقتصادي للولايات المتحدة الأميركية، دشنت به مرحلة هيمنتها على العالم عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، فزادها قوة إلى قوتها وسيطرة إلى سيطرتها.
لكن الكثيرين لا يعرفون أن العالم كله مُتَّفِقٌ على أن من يريد شراء النفط من سوق النفط العالمية، فإنه بالفعل لا يستطيع شراءَه إلا بالدولار الأميركي، جراء الاتفاق التاريخي الذي تم بين كل من الرئيس الأميركي “روزفلت” ممثل القوة العالمية القاهرة آنذاك، والملك السعودي “عبد العزيز بن سعود” ممثل التبعية غير المشروطة المفرطة في تبعيتها، والبقرة الحلوب الرئيسة في محفل مالكي النفط ومنتجيه ومصدريه في العالم الثالث، وذلك خلال اجتماعهما على ظهر سفينة أميركية في قناة السويس في شهر شباط من عام 1945، أي قبل شهرين فقط من استسلام ألمانيا في الحرب العالمية الثانية ووضع الحرب لأوزارها.
ولكن إذا كان الكثيرون لا يعلمون بما ترتب على هذه الواقعة التاريخية من اعتمادٍ للدولار عملةً يتم تداول النفط في السوق العالمية بواسطتها، فإن الكثيرين ممن يعلمون بها كواقعة، لا يفهمون حقيقتَها وجوهرها ولا يدركون أبعادها وتأثيراتها على السياسة والاقتصاد الدوليين.
وربما أنهم يحسون بخطورتها دون أن تظهر لهم بجلاء ماهية هذه الخطورة.
وهو ما سنحاول كشف النقاب عنه في هذا المقال، ففي قيامنا بذلك، استجلاء لملامح القيد الاقتصادي والتنموي الخطير الذي يعاني منه العالم منذ منتصف القرن الماضي، واللذي كانت “المملكة العربية السعودية” هي من تواطأ مع الأميركيين على تمريره.
أن يكون الدولار الأميركي هو العملة الوحيدة التي يتم تسعير النفط وتداوله بها، يعني بكل بساطة أن من يريد شراء النفط من الدول المُنتِجة له، عليه التَّوَجُّه إلى الولايات المتحدة الأميركية، للحصول على ما يحتاجه من دولارات، ليتمكن من دفعها إلى منتِجِ النفط ثمنا لما يريد شراءه منه من تلك السلعة بالغة الحساسية والأهمية والإستراتيجية.
أو على الأقل عليه أن يتوجه إلى الدول التي تمتلك دولاراتٍ سبق وأن حصلت عليها من خلال عمليات التداول السلعي والخدمي بينها وبين الولايات المتحدة، كي يحصل منها على الدولارات التي يحتاج إليها.
وإنه في سياق عملية الحصول على تلك الدولارات تبدأ عناصر الهيمنة والسيطرة والتَّحَكُّم الأميركية بالسوق العالمية كاملا وليس النفطية فقط.
ولكن كيف ذلك؟
دعونا نفترض بداية ولأجل فهم المسألة في سياقها الاقتصادي البسيط، أن من يريد دولارات سيتوجه إلى الولايات المتحدة وليس إلى الدول التي سبق لها التوجه إلى الولايات المتحدة.
سيتم الحصول على تلك الدولارات بواحدة من طريقتين.
فإما أن المحتاج سوف يقترض حاجته من المؤسسات الأميركية أو من تلك التي تهيمن عليها الإدارة الأميركية كصندوق النقد والبنك الدوليين، وإما أنه سوف يبيع سلعا وخدمات يمتلكها، للسوق الأميركية ليحصل على قيمتها بالدولارات.
في المقابل وفي الحالتين، فإن الولايات المتحدة لن تقدِّمَ له – أي للطرف الذي لجأ إليها باحثا عن دولاراتها – سوى أوراقا نقدية لم تكلِّفَها أكثر من قيمة الورق والحبر والكهرباء وقوة العمل المنفَقَة على طباعتها.
ولن تكون ملزمة لا أمامه ولا أمام العالم بأكثر من قبول بيعه ما يشاء من سلع وخدمات أميركية بتلك الدولارات التي حصل عليها إن هو شاء.
أي أنها في حقيقة الأمر تكون قد حصلت في حالة البيع، على سلع وخدمات – وفق نظام تسعير معين هي غالبا إن لم يكن دائما صاحبة اليد الطولى في إقراره وفرضه بهيمنتها على شبكة البورصات العالمية التي تمر سياسة تسعير كل السلع الإستراتيجية والهامة في العالم عبرها – يطابق ثمنُها ما منحتُه من دولارات لذلك الطرف، أو أنها تكون قد امتلكت في حالة الإقراض، كميات من إنتاج المقترِض المستقبلي والفعلي من السلع والخدمات، تطابقُ قيمتُها نفسَ قيمة القرض أصولا وفوائد مهما تزايدت ونمت وربت، وكل ذلك بلا مقابل سوى قيمة الحبر والورق والكهرباء وقوة العمل المستخدمة في طباعة تلك الكميات من الأوراق النقدية، والتي لا تتجاوز “عُشْرٍ في المليون” من القيمة الشرائية الفعلية للمبالغ التي تُعَبِّر عنها تلك الأوراق النقدية المطبوعة.
أي وبلغة الأرقام، فإنها تكون إذا منحت ترليونا من الدولارات لمن طلبها بهذا الشكل أو بذاك، قد حصلت على سلع وخدمات فورية أو مؤجلة بقيمة هذا الترليون مقابل ما لا يزيد عن “بضعة مئات الآلاف من الدولارات”، هي كل ما أنفقته على تجهيز تلك الكمية من النقد في مطابع بنكها المركزي ومجلس احتياطيِّها الفدرالي.
في الحلقة الأولى من سلسلة تبعات وتداعيات تسعير النفط بالدولار، يظهر في أبسط صورة لما يحدث، أن الولايات المتحدة تحصل على كميات هائلة من السلع التي هي في الغالب موادا أولية تنتجها الصناعات الاستخراجية في الدول الفقيرة، بدون مقابل حقيقي، أي بالمجان، أو بتعبير اقتصادي: بدون أن تكون قد بادلتها مبادلة حقيقية بسلع وخدمات مقابلة أُنْتِجَت في السوق الأميركية، مع أن الدول التي تكون قد باعت تلك السلع حصلت في مقابل ذلك على ما يُمَكِّنها من شراء حاجتها من سلعة أساسية استراتيجية بنظام التسعير الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة غالبا، وهذه السلعة هي “النفط” لتلبية احتياجاتها من الطاقة، كما أنها تكون قد امتلكت بامتلاك تلك الدولارات حق شراء ما تشاء من سلع وخدمات معروضة للبيع من السوق الأميركية.
إن الولايات المتحدة لم تتكبد شيئا في هذه العملية، ولا حتى أيَّ جزء يُعتَدُّ به من القيمة الحقيقية لما امتلكته من سلع، مادامت قد امتلكت تلك السلع في واقع الأمر بالمجان.
كما أن الدول التي باعت سلعا استخراجية وأولية للولايات المتحدة بهدف الحصول على الدولارات، تبدو هي أيضا وكأنها لم تخسر شيئا ملموسا ومحددا وواضحا للعيان، مادامت قد باعت ما باعته بمقابلٍ يخوِّلُها شراء احتياجاتها النفطية من سوق النفط العالمية، وشراء ما تحتاجه مما هو معروض للبيع في السوق الأميركية.
فمن هو الطرف الخاسر إذن، إذا كان طرفا المعادلة السابقة غير خاسرين – على ما يبدو للوهلة الأولى – في ظل ضرورة وجود خاسر تفرض وجودَه طبيعة معادلة التبادل السابقة نفسها؟ وكيف تحدث تلك الخسارة إذا كانت بالفعل موجودة؟
إنه سؤال غاية في الأهمية والخطورة. لكننا نؤجل الإجابة عليه إلى حين استكمال مراقبتنا ومتابعتنا لحلقات سلسلة تداعيات تسعير النفط بالدولار الأميركي، ففي هذه المراقبة والمتابعة يتجلى الجواب.
فلنتابع..
تقوم الدولة التي باعت سلعَها الاستخراجية والأولية إلى الولايات المتحدة، أو التي اقترضت من المؤسسات النقدية الخاضعة للهيمنة الأميركية، وحصلت على الدولارات مقابل ذلك، بشراء احتياجاتها من النفط من منتجي النفط، واحتياجاتها من السلاح والمنتجات العسكرية من الولايات المتحدة نفسها في الغالب، باعتبارها أهم منتج ومُصَدِّر للأسلحة في العالم، أو من وكلائها الإقليميين إذا كانت صفقة ما من صفقات بيع السلاح مريبة وتثير حساسية الإدارة الأميركية أمام شعبها.
ثم يعود منتج النفط الذي باع نفطه لتلك الدولة بالدولارات التي حصلت عليها بالشكل المذكور سابقا، إلى الولايات المتحدة ليشتري بجزء من الدولارات التي حصل عليها من تصدير النفط سلاحا يحمي به أمنه.
والخلاصة أن جزءا من الدولارات التي خرجت من الولايات المتحدة مجرد أوراقٍ لم تُكَلِّفْها شيئا مقابل سلع هامة وضرورية دخلت إليها، عاد ليُضَخَّ إلى السوق الأميركية مقابل سلع إستراتيجية سُحبَت من تلك السوق.
وإذن أفلا يعني ذلك أن مقولة المجانية التي تحدثنا عنها غدت غير ذات قيمة ولا وجود لها، مادامت الدولارات التي خرجت من الولايات المتحدة ورقا لا قيمة له، عادت إليها قوة شرائية لسلع يحتاجها الآخرون، وهي في الغالب سلعة السلاح الإستراتيجية، والسلع الثقافية، فضلا عن السلع الصناعية التركيبية ذات التقنية العالية غير المتوفرة في الدول المعنية بهذه المعادلة؟!
في واقع الأمر، يجب ألا يغيب عن بالنا أن كل دولار عديم التكلفة تطبعه الخزانة الأميركية وتُصَدِّرُه إلى الخارج وإن يكن بمقابلٍ ملموس دخل إليها، من حق مالكه خارج حدود الولايات المتحدة أن يعود به إليها كقوة شرائية لشيء ما موجود في داخل السوق الأميركية ذاتها.
وبالتالي فلو كانت أنظمة تسعير السلع في العالم وموازين القوى السائدة فيه قادرة على التخفيف من حدِّة الفوارق في الدلالات السوقية والقِيَم الشرائية للدولار، لما كانت هناك خطورة فعلية من الناحية الاقتصادية المباشرة من تسعير النفط بالدولار.
لكن الولايات المتحدة وهي تخرجُ من الحرب العالمية الثانية قوة عظمى لا تضاهيها قوة في العالم بنفوذها الواسع وهيمنتها المعروفة، كانت تدرك جيدا أنها تستطيع توظيف فكرة “تسعير النفط بالدولار” لخدمة سياساتها بالشكل الذي تريده، نظرا لقوتها وقدرتها وهيمنتها، ونظرا – وهذا أهم ما في الموضوع – لامتلاكها ناصية وزمام ومداخل الحراك الاقتصادي العالمي كلِّه تقريبا عبر البورصات والأسواق المالية من جهة أولى، وعبر كونها الطرف الأوحد القادر على تصنيع السلاح المطلوب لمعظم دول العالم من جهة ثانية، وعبر كونها صاحبة القرار في السياسة النفطية العالمية، بحكم كونها صاحبة الهيمنة على البلدان النفطية الأساس، ألا وهي دول الخليج العربي من جهة ثالثة.
لهذا فقد كان يكفي الولايات المتحدة أن تتفق مع الملك السعودي عبد العزيز على تسعير النفط بالدولار، ليتمَّ الأمر وتتحدد السياسات وتتقرر الإجراءات بعد ذلك بكل يسر وسهولة.
الولايات المتحدة في حقيقة الأمر كانت تُصْدِر الدولارات التي تصدرها كأثمان للسلع التي تحصل عليها بأسعار زهيدة تفرضها سياسات التسعير المعتمدة في بورصات تلك السلع، والتي هي في الغالب أسعار تخضع في تقلباتها صعودا وهبوطا لإرادة الطرف الأميركي.
وعندما تستعيد تلك الدولارات ثمنا لمنتجاتها من الأسلحة بالدرجة الأولى، أو من المنتجات الصناعية الثقافية والإعلامية بالدرجة الثانية، أو من الصناعات التركيبية عالية التقنية بدرجة ثالثة، فإنها تستعيدها وفق نظام تسعير مُجْحِف وغير عادل ولا يعكس القِيَم الحقيقية لتلك السلع التي تبيعها، إذا ما قيست معايير تسعير السلع التي تستوردها وتشتريها بمعايير تسعير السلع التي تُصَدِّرُها وتبيعها، كما سيتبين معنا في مكانه من هذا المقال، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأسلحة تحديدا، ما يعني أنها تمتص من خلال هذه السياسة التسعيرية أيَّ قيمة تبادلية عادلة ومنصفة لتلك الأموال التي خرجت منها فيما مضى لشراء سلع متدنية القيمة، وذلك بأن تجعلَها تعود إليها عندما تعود، أموالا محدودة القيمة التبادلية، لتكون مكاسبها المهولة قد تحققت عبر الفارق السوقي والقِيَمي والتبادلي لتلك الأموال.
أي وبتعبير أدق، يجب أن تحصلَ الولايات المتحدة بتلك الدولارات المجانية التكلفة على كل احتياجاتها مما ليس في حوزتها، وعندما تُقَّرِّر الدول التي حصلت على تلك الدولارات أن تضخَّها من جديد إلى السوق الأميركية، فيجب أن يكون ذلك في مقابل سلع وخدمات ذات تكلفة فعلية أقل بكثير من ثمن بيعها، أي أن الولايات المتحدة تحصل على أضعاف ما تعطي.
تحصل على كل حاجاتها ولا تعطي أحدا حاجته الفعلية كي يبقى ضمن دوائر الحاجة والتوتر، أو كي يضطرَ إلى اللجوء إلى القروض والديون الخارجية التي يمكنها أن تحاصره مثل فكَّي كماشة.
على الصعيد العملي تُجَلِّي هذه السياسة نفسَها على النحو التالي..
كل الدول التي تريد شراء النفط من السوق العالمية – ومعظم دول العالم باستثناء المنتجين وهم قلة، هي دول تشتري النفط – ستضطر إلى مبادلة منتجاتها التي تحتاجها الولايات المتحدة بالدولارات.
أي أن الولايات المتحدة تحصل من كل دول العالم وبلا مقابل على ما تشاء من سلع غير متوفرة لديها أو لا تريد إنتاجها محليا لسبب أو لآخر.
ثم تبدأ هذه الدول بمبادلة جزء من الدولارات التي حصلت عليها بالنفط الذي تكون أسعاره مدروسة بشكل يمتص معه معظم تلك المداخيل لتصب في خزائن منتجي النفط ومصدريه، وغالبيتهم مرتبطون بعجلة الهيمنة والقرار الأميركيين، ما يجعل الوجهة النهائية لتلك الأموال مُسَيْطَر عليها ومُتَحَكَّم فيها بحكم هذه الهيمنة.
تحرص الولايات المتحدة من حيث المبدأ على تقليص قيمة الدولارات التي حصلت بواسطتها مجانا على ما تريده من سلع من الدول المحتاجة لشراء النفط، بشكل لا يُفْقِد فكرة المجانية والمنفعة المتحققة من طباعة الدولارات بلا رقيب أو حسيب، قيمتَها ومردودَها على الاقتصاد الأميركي وعلى رفاهية المواطن الأميركي وعلى توجيه دفة الاقتصاد العالمي والتحكم فيها من ثم، وذلك كي لا تعود تلك الدولارات لتستحلب من السوق الأميركية منتجات لا تريد الولايات المتحدة إتاحة الفرصة لها كي تُسْتحلَبَ وتؤثر بالتالي على مستوى معيشة الأميركيين ورفاهيتهم، أو على اقتصاد السوق ونظام تقسيم العمل في داخل الولايات المتحدة كمعقل للرأسمالية الاحتكارية والمالية في العالم.
إن اللص الذي يسرق، يفعل ما بوسعه كي لا يتيح الفرصة للمسروق في استعادة ما سرق منه.
لن يتحقق ذلك للولايات المتحدة في ظل هيمنتها على سوق النفط وسوق السلاح وشبكة البورصات وأسواق السندات العالمية، فضلا عن سوق القروض عبر كل من البنك وصندوق النقد الدوليين، إلا إذا تمكنت من تكريس وفرض المعادلات التالية على الاقتصاد العالمي..
1 – أن تتحكم تحكما مطلقا في تسعير النفط في السوق العالمية بشكل يتيح لها توجيه دفة التدفقات النقدية المترتبة على تجارة النفط على النحو الملائم لسياساتها المحلية والعالمية، وخاصة في الأقاليم التي لها فيها إستراتيجيات محددة، وعلى رأسها الإقليم المسمى “الشرق الأوسط”.
2 – أن تتحكم عبر شبكة البورصات العالمية التي يتم فيها تداول أهم السلع الإستراتيجية في العالم، سواء كانت موادا أولية أو غذاء، في تسعير تلك السلع بالشكل الذي يضمن تدفقها إلى السوق الأميركية بأسعار زهيدة تُبْقي الدول المصدرة لها عاجزة عبر مداخيلها المتحققة من خلالها عن تلبية احتياجاتها من الدولارات الكفيلة بتغطية احتياجاتها من النفط ومن السلاح ومن بعض السلع والمنتجات الأخرى عالية التقنية، بل ومن الأموال اللازمة للاستثمار من أجل تحقيق معدلات نمو فعالة تلبي مطالب النمو السكاني ومطالب الرفاهية والتقدم، ما يجبرها على اللجوء إلى مسألتين هامتين سعيا نحو الخروج من هذا المطب الخطير هما..
* الإكثار من الزراعة والصناعة التصديريتين على حساب الزراعة والصناعة الإشباعيتين، كي تكون جاهزة على الدوام لتلبية احتياجات السوق الأميركية النهمة إلى هذا النوع من السلع بالمجان، أو بأقل الكُلَف عبر تلك الدولارات التي تحتاجها من مطابع الخزينة الأميركية..
* بالإضافة إلى الاقتراض من صندوق النقد والبنك الدوليين لتأمين العجوزرات المتحققة لديها، ما يفاقم ربطها بعجلة الهيمنة الأميريكية عبر هاتين الأداتين المدمرتين لاقتصاديات الدول النامية كما ثبت ذلك خلال عقود من التعامل معهما..
3 – أن تضمن هيمنتها الفعلية على أهم مفاصل سوق السلاح العالمية، كي تتمكن من تسعير الأسلحة بنظام تسعير يمتص معظم الفوائض النقدية الدولارية التي قد يشكل رجوعها إلى السوق الأميركية كقوة شرائية نوعا من المساس بالرفاهية المتحققة عبر سياسة ربط النفط بالدولار. أي أن الولايات المتحدة تعمل ما في وسعها كي لا تسمح للدولارات المرتجعة بشراء شيء أكثر مما تريد هي بيعه وهو السلاح بالدرجة الأولى، وبدرجة أقل المنتجات الثقافية والصناعية عالية التقنية، وخاصة الاستهلاكية والترفيهية منها، مع التركيز على الجانب الثقافي قدر المستطاع (فنون، ثقافة، غناء، سينما، إعلام.. إلخ).
4 – أن تضمن تدني نسبة مشاركة تجارتها الخارجية (استيرادا وتصديرا) في الناتج القومي الإجمالي إلى أدنى مستوى مقدور عليه، كي لا تكون مضطرة إلى بيع وشراء ما يؤثر على قوتها ونفوذها، وأن تجعل صناعة السلاح أولا، ثم صناعة الثقافة والفن والإعلام ثانيا، ثم الصناعة الاستهلاكية عالية التقنية ثالثا، هي المكونات الأساسية لتجارتها الخارجية تلك، كي تضمن أن تبقى معظم العملة الدولارية المجانية التي طبعتها لتسرق بها شعوب العالم، فاقدة لقيمتها في السوق الأميركية، بعدم وجود ما تستحلبه من تلك السوق خارج حدود السلاح والثقافة والإعلام وبعض التقنيات الرفيعة التي ستتمكن من تسعيرها بما يجعلها تمتص معظم تلك العملات الدولارية المتاحة خارج الولايات المتحدة، إذا فكر أصحابها في تحويلها إلى سلع ومنتجات أميركية.
وهذا على وجه التحديد هو ما تحقق لها بعد عقود من بدء تنفيذ ما تمت تسميته بعد الحرب العالمية الثانية بـ “برنامج أو خطة السياسة الواسعة” التي تضمنت ثلاثة بنود أساسية هي..
* رفع نسبة استهلاك الشعب الأميركي من مجموع الإنتاج العالمي خلال ثلاثين عاما – منذ الحرب بطبيعة الحال – إلى ما يتراوح بين 46% و50%..
* وخفض نسبة مساهمة التجارة الخارجية الأميركية في ناتجها الإجمالي إلى ما لا يتجاوز الـ 5%..
* وجعل النسبة الأكبر في التجارة الخارجية الأميركية عندما يكون الحديث منصبا حول التصدير، للصناعات العسكرية والثقافية والفنية والإعلامية والمنتجات الاستهلاكية والترفيهية عالية التقنية، وعندما يكون الحديث منصبا حول الاستيراد، للصناعات الاستخراجية والمواد الأولية ومصادر الغذاء الخام والأساسية..
وليس لهذه الأرقام من دلالة خارج إطار أن الولايات المتحدة تريد أن تسرق شعوب العالم بالمجان دون أن تتيح لها فرصة الحصول منها على شيء ذي قيمة.
فأن تستهلك أميركا نصف إنتاج الإنسانية، وألا تتيح لأحد أن يحصل منها على أكثر من تلك النسبة في التجارة الخارجية لها عبر تقوية سوقها المحلي بجعله مشبعا بنفسه مستغنيا عن غيره، هو نظام سرقة ولصوصية دولية عالي الكفاءة وغير مسبوق في تاريخ البشر.
5 – أن تضمن توجيه معظم التدفقات النقدية الفائضة والمتحققة لللدول المصدرة للنفط – مادامت معظم الدولارات التي خرجت من السوق الأميركية ستتجه إليها كثمن للنفط المصدر إلى دول العالم المحتاجة إليه – لتستثمر في تجارة الأسهم والسندات في شبكة البورصات العالمية، لإفقاد تلك الفوائض قيمتَها التنموية الداخلية من جهة أولى، ولتحرمَها من فرصة أن تكون عاملا من عوامل استحلاب السلع والخدمات الأميركية من السوق الأميركية من جهة ثانية، ولإبقائها من جهة ثالثة على مرمى مدفع الأزمات المالية العالمية التي تختلقها في تلك الشبكات من وقت لآخر بهدف استنزافها وتحويلها إلى “بخار مال” بعد أن كانت مالا حقيقيا.
6 – أن تضمن إبقاء مناطق تدفق السلاح الفعلية على مستوى العالم مناطق ساخنة ومشتعلة على الدوام، وأن تعمل على اختلاق الأزمات في المناطق المحتملة التأزم، وعدم العمل على حل أيِّ أزمة دولية حلا يقلص من قدرتها على إبقاء سوق السلاح سوقا حيوية ونشطة. وعلى رأس كل تلك المناطق، المنطقة المسماة “الشرق الأوسط”، وعلى رأس كل تلك الأزمات، تلك الناشئة عن الصراع العربي الإسرائيلي. لذلك ليس غريبا ولا عصيا على الفهم، أن تكون هذه المنطقة هي أكثر مناطق العالم توترا وأكثرها تخزينا للسلاح الأميركي، بل وأبعدها عن الحلول السلمية الحقيقية التي تخلق الاستقرار الدافع إلى تحقيق الأمن والسلام والتنمية لشعوبها.
وإذن فإن سياسة تسعير النفط بالدولار منذ ذلك الاتفاق المشئوم بين طرفي معادلة العلاقات الإمبريالية في العالم، “الولايات المتحد” كقوة قاهرة، و”النظام السعودي” كطرف مفرط في التبعية والولاء لتلك العلاقات، وكقائد يتم إعداده لزعامة محفل مُصَدِّري النفط الحرام ومؤسسي الصهيونية العربية في العالم، إن هذه السياسة قد حققت أهدافها على صعيد المصالح الأميركية الداخلية والخارجية..
* فهاهي معظم دول العالم النامي قد ارتبطت بشبكات أخطبوطية مدمرة من القروض، بعد أن برمجت اقتصاداتها في مجالي الزراعة والصناعة لإنتاج سلع تصديرية ليس لها من هم سوى تلبية احتياجات السوق الأميركية بالدرجة الأولى والأهم، وليس تلبية وإشباع الحاجة الفعلية للسكان المحليين..
* وهاهي تلك الدول قد أعادت للولايات المتحدة معظم ما حصلت عليه من دولارات مقابل نزيف ثرواتها الغذائية والأولية الخام، لتحصل فقط على عتاد عسكري وأسلحة وخدمات لوجستية من أجل تأمين نفسها من أعداء افتراضيين أو غير افتراضيين ولدتهم أزمات هنا وأزمات هناك، وهي أزمات لا تخرج عن واحد من نوعين..
– فإما أنها أزمات مُخلَّقة تخليقا كاملا بعد الحرب الثانية باعتبارها من تداعيات تلك الحرب وما نجم عنها من حرب باردة..
– وإما أنها مُفعَّلة بشكل ذكي بعد أن تمت وراثتها بشكلها المنطوي على مفاعيل التأزيم، من الاستعمار التقليدي بزعامة كل من بريطانيا وفرنسا بالدرجة الأولى..
* وها هي دول التدفقات النقدية الدولارية النفطية الهائلة، “سفهاء العصر من قادة دول ومشيخات الخليج العربي بالدرجة الأولى” وعلى رأسها متزعمة السَّفه العالمي “المملكة العربية السعودية”، تهدر معظم تلك التدفقات النقدية “البترودولارية” في شبكة البورصات بعيدا عن أيِّ تنمية حقيقية وفعلية تحقق النهضة بمعانيها القومية الواسعة والتحررية الفعلية في الإقليم العربي المشرقي على الأقل..
هكذا هي الإستراتيجية الأميركية في السيطرة على المناطق الحساسة من العالم وتوجيهها..
* من يملك الغذاء والمواد الخام يجب أن يقدمها إلى الولايات المتحدة مقابل أسلحة فتاكة وبراميل من النفط لا تحقق له حتى الحد المعقول من التنمية الفعالة..
* إذا كانت التدفقات التي يحصل عليها مالك الغذاء والمواد الخام كبيرة لسبب أو لآخر، فيجب أن يتم امتصاصها عبر التحكم في تسعير النفط وتسعير السلاح، وعبر محاصرته بالأزمات التي تدفعه إلى التسلح لتحقيق الردع ووهم الأمن والأمان..
* إذا كانت التدفقات النقدية المتأتية من تصدير الخامات والمواد الأولية مازالت كبيرة وتحمي صاحبها من اللجوء إلى الاقتراض والاستدانة رغم كلِّ ما سبق، فيجب أن يعاد تدوير الاحتياجات الأميركية منه، بحيث يضطر كي يحصل على تلك الدولارات إلى نسف صناعته وزراعته الإشباعيتين وتحويلهما إلى صناعة وزراعة تصديريتين إحلاليتين، ما يدفعه إلى الاقتراض لتلبية الحاجات التي دَمَّرَ أصولَها وجَفَّفَ منابعَها، فيتحقق ارتباطه بشبكة مؤسسات الإقراض الدولية..
* أما إذا كان التدفق النقدي الدولاري ناتجا عن بيع النفط كما هو الحال في دول الخليج التي لا يمكن ربطها بالقروض في العادة، نظرا لعدم حاجتها إليها بسبب حالة الفائض الدائم التي تنعم بها، فيجب أن يتم امتصاص تلك الفوائض النقدية الدولارية عبر الدفع باتجاه هدرها في كازينوهات الشيطان “البورصات وأسواق السندات”، وعبر توسيع دائرة التسلح والتسليح من خلال تفعيل الأزمات الإقليمية والحيلولة دون التوصل إلى أيِّ حلول تسووية عادلة لها..
وهذا ما حصل ويحصل باستمرار..

المجزرة الكبرى التي ارتكبتها الإمبريالية الأميركية في حق العالم منذ الحرب الثانية..
“تسعير النفط بالدولار الأميركي”..

أسامة عكنان

الإمبريالية الأميركية تتغوَّل على العالم بذراعيها المتطاولين..
“البترودولارية العربية” برأس حربتها “السعودية”..
و”الصهيونية العالمية” برأس حربتها “إسرائيل”..
أهمية “السعودية” في الهيمنة الأميركية على العالم أسبق من أهمية “إسرائيل”..
“حماية المشروع الإمبريالي الإميركي عمل شيطاني” ينفِّذه..
“بترودولار سعودي”، يرعى “الوظيفية العربية”، ويدفِّئ “إسرائيل الصهيونية”، ويمتص “الأزمات الأميركية”..
وبصفقة “روزفلت – بن سعود” التاريخية، بدأت المجزرة..

الحلقة الأولى..

إن تسعير النفط بالعملة الأميركية “الدولار”، يمكن اعتباره أهم وأخطر إنجازٍ اقتصادي للولايات المتحدة الأميركية، دشنت به مرحلة هيمنتها على العالم عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، فزادها قوة إلى قوتها وسيطرة إلى سيطرتها.
لكن الكثيرين لا يعرفون أن العالم كله مُتَّفِقٌ على أن من يريد شراء النفط من سوق النفط العالمية، فإنه بالفعل لا يستطيع شراءَه إلا بالدولار الأميركي، جراء الاتفاق التاريخي الذي تم بين كل من الرئيس الأميركي “روزفلت” ممثل القوة العالمية القاهرة آنذاك، والملك السعودي “عبد العزيز بن سعود” ممثل التبعية غير المشروطة المفرطة في تبعيتها، والبقرة الحلوب الرئيسة في محفل مالكي النفط ومنتجيه ومصدريه في العالم الثالث، وذلك خلال اجتماعهما على ظهر سفينة أميركية في قناة السويس في شهر شباط من عام 1945، أي قبل شهرين فقط من استسلام ألمانيا في الحرب العالمية الثانية ووضع الحرب لأوزارها.
ولكن إذا كان الكثيرون لا يعلمون بما ترتب على هذه الواقعة التاريخية من اعتمادٍ للدولار عملةً يتم تداول النفط في السوق العالمية بواسطتها، فإن الكثيرين ممن يعلمون بها كواقعة، لا يفهمون حقيقتَها وجوهرها ولا يدركون أبعادها وتأثيراتها على السياسة والاقتصاد الدوليين.
وربما أنهم يحسون بخطورتها دون أن تظهر لهم بجلاء ماهية هذه الخطورة.
وهو ما سنحاول كشف النقاب عنه في هذا المقال، ففي قيامنا بذلك، استجلاء لملامح القيد الاقتصادي والتنموي الخطير الذي يعاني منه العالم منذ منتصف القرن الماضي، واللذي كانت “المملكة العربية السعودية” هي من تواطأ مع الأميركيين على تمريره.
أن يكون الدولار الأميركي هو العملة الوحيدة التي يتم تسعير النفط وتداوله بها، يعني بكل بساطة أن من يريد شراء النفط من الدول المُنتِجة له، عليه التَّوَجُّه إلى الولايات المتحدة الأميركية، للحصول على ما يحتاجه من دولارات، ليتمكن من دفعها إلى منتِجِ النفط ثمنا لما يريد شراءه منه من تلك السلعة بالغة الحساسية والأهمية والإستراتيجية.
أو على الأقل عليه أن يتوجه إلى الدول التي تمتلك دولاراتٍ سبق وأن حصلت عليها من خلال عمليات التداول السلعي والخدمي بينها وبين الولايات المتحدة، كي يحصل منها على الدولارات التي يحتاج إليها.
وإنه في سياق عملية الحصول على تلك الدولارات تبدأ عناصر الهيمنة والسيطرة والتَّحَكُّم الأميركية بالسوق العالمية كاملا وليس النفطية فقط.
ولكن كيف ذلك؟
دعونا نفترض بداية ولأجل فهم المسألة في سياقها الاقتصادي البسيط، أن من يريد دولارات سيتوجه إلى الولايات المتحدة وليس إلى الدول التي سبق لها التوجه إلى الولايات المتحدة.
سيتم الحصول على تلك الدولارات بواحدة من طريقتين.
فإما أن المحتاج سوف يقترض حاجته من المؤسسات الأميركية أو من تلك التي تهيمن عليها الإدارة الأميركية كصندوق النقد والبنك الدوليين، وإما أنه سوف يبيع سلعا وخدمات يمتلكها، للسوق الأميركية ليحصل على قيمتها بالدولارات.
في المقابل وفي الحالتين، فإن الولايات المتحدة لن تقدِّمَ له – أي للطرف الذي لجأ إليها باحثا عن دولاراتها – سوى أوراقا نقدية لم تكلِّفَها أكثر من قيمة الورق والحبر والكهرباء وقوة العمل المنفَقَة على طباعتها.
ولن تكون ملزمة لا أمامه ولا أمام العالم بأكثر من قبول بيعه ما يشاء من سلع وخدمات أميركية بتلك الدولارات التي حصل عليها إن هو شاء.
أي أنها في حقيقة الأمر تكون قد حصلت في حالة البيع، على سلع وخدمات – وفق نظام تسعير معين هي غالبا إن لم يكن دائما صاحبة اليد الطولى في إقراره وفرضه بهيمنتها على شبكة البورصات العالمية التي تمر سياسة تسعير كل السلع الإستراتيجية والهامة في العالم عبرها – يطابق ثمنُها ما منحتُه من دولارات لذلك الطرف، أو أنها تكون قد امتلكت في حالة الإقراض، كميات من إنتاج المقترِض المستقبلي والفعلي من السلع والخدمات، تطابقُ قيمتُها نفسَ قيمة القرض أصولا وفوائد مهما تزايدت ونمت وربت، وكل ذلك بلا مقابل سوى قيمة الحبر والورق والكهرباء وقوة العمل المستخدمة في طباعة تلك الكميات من الأوراق النقدية، والتي لا تتجاوز “عُشْرٍ في المليون” من القيمة الشرائية الفعلية للمبالغ التي تُعَبِّر عنها تلك الأوراق النقدية المطبوعة.
أي وبلغة الأرقام، فإنها تكون إذا منحت ترليونا من الدولارات لمن طلبها بهذا الشكل أو بذاك، قد حصلت على سلع وخدمات فورية أو مؤجلة بقيمة هذا الترليون مقابل ما لا يزيد عن “بضعة مئات الآلاف من الدولارات”، هي كل ما أنفقته على تجهيز تلك الكمية من النقد في مطابع بنكها المركزي ومجلس احتياطيِّها الفدرالي.
في الحلقة الأولى من سلسلة تبعات وتداعيات تسعير النفط بالدولار، يظهر في أبسط صورة لما يحدث، أن الولايات المتحدة تحصل على كميات هائلة من السلع التي هي في الغالب موادا أولية تنتجها الصناعات الاستخراجية في الدول الفقيرة، بدون مقابل حقيقي، أي بالمجان، أو بتعبير اقتصادي: بدون أن تكون قد بادلتها مبادلة حقيقية بسلع وخدمات مقابلة أُنْتِجَت في السوق الأميركية، مع أن الدول التي تكون قد باعت تلك السلع حصلت في مقابل ذلك على ما يُمَكِّنها من شراء حاجتها من سلعة أساسية استراتيجية بنظام التسعير الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة غالبا، وهذه السلعة هي “النفط” لتلبية احتياجاتها من الطاقة، كما أنها تكون قد امتلكت بامتلاك تلك الدولارات حق شراء ما تشاء من سلع وخدمات معروضة للبيع من السوق الأميركية.
إن الولايات المتحدة لم تتكبد شيئا في هذه العملية، ولا حتى أيَّ جزء يُعتَدُّ به من القيمة الحقيقية لما امتلكته من سلع، مادامت قد امتلكت تلك السلع في واقع الأمر بالمجان.
كما أن الدول التي باعت سلعا استخراجية وأولية للولايات المتحدة بهدف الحصول على الدولارات، تبدو هي أيضا وكأنها لم تخسر شيئا ملموسا ومحددا وواضحا للعيان، مادامت قد باعت ما باعته بمقابلٍ يخوِّلُها شراء احتياجاتها النفطية من سوق النفط العالمية، وشراء ما تحتاجه مما هو معروض للبيع في السوق الأميركية.
فمن هو الطرف الخاسر إذن، إذا كان طرفا المعادلة السابقة غير خاسرين – على ما يبدو للوهلة الأولى – في ظل ضرورة وجود خاسر تفرض وجودَه طبيعة معادلة التبادل السابقة نفسها؟ وكيف تحدث تلك الخسارة إذا كانت بالفعل موجودة؟
إنه سؤال غاية في الأهمية والخطورة. لكننا نؤجل الإجابة عليه إلى حين استكمال مراقبتنا ومتابعتنا لحلقات سلسلة تداعيات تسعير النفط بالدولار الأميركي، ففي هذه المراقبة والمتابعة يتجلى الجواب.
فلنتابع..
تقوم الدولة التي باعت سلعَها الاستخراجية والأولية إلى الولايات المتحدة، أو التي اقترضت من المؤسسات النقدية الخاضعة للهيمنة الأميركية، وحصلت على الدولارات مقابل ذلك، بشراء احتياجاتها من النفط من منتجي النفط، واحتياجاتها من السلاح والمنتجات العسكرية من الولايات المتحدة نفسها في الغالب، باعتبارها أهم منتج ومُصَدِّر للأسلحة في العالم، أو من وكلائها الإقليميين إذا كانت صفقة ما من صفقات بيع السلاح مريبة وتثير حساسية الإدارة الأميركية أمام شعبها.
ثم يعود منتج النفط الذي باع نفطه لتلك الدولة بالدولارات التي حصلت عليها بالشكل المذكور سابقا، إلى الولايات المتحدة ليشتري بجزء من الدولارات التي حصل عليها من تصدير النفط سلاحا يحمي به أمنه.
والخلاصة أن جزءا من الدولارات التي خرجت من الولايات المتحدة مجرد أوراقٍ لم تُكَلِّفْها شيئا مقابل سلع هامة وضرورية دخلت إليها، عاد ليُضَخَّ إلى السوق الأميركية مقابل سلع إستراتيجية سُحبَت من تلك السوق.
وإذن أفلا يعني ذلك أن مقولة المجانية التي تحدثنا عنها غدت غير ذات قيمة ولا وجود لها، مادامت الدولارات التي خرجت من الولايات المتحدة ورقا لا قيمة له، عادت إليها قوة شرائية لسلع يحتاجها الآخرون، وهي في الغالب سلعة السلاح الإستراتيجية، والسلع الثقافية، فضلا عن السلع الصناعية التركيبية ذات التقنية العالية غير المتوفرة في الدول المعنية بهذه المعادلة؟!
في واقع الأمر، يجب ألا يغيب عن بالنا أن كل دولار عديم التكلفة تطبعه الخزانة الأميركية وتُصَدِّرُه إلى الخارج وإن يكن بمقابلٍ ملموس دخل إليها، من حق مالكه خارج حدود الولايات المتحدة أن يعود به إليها كقوة شرائية لشيء ما موجود في داخل السوق الأميركية ذاتها.
وبالتالي فلو كانت أنظمة تسعير السلع في العالم وموازين القوى السائدة فيه قادرة على التخفيف من حدِّة الفوارق في الدلالات السوقية والقِيَم الشرائية للدولار، لما كانت هناك خطورة فعلية من الناحية الاقتصادية المباشرة من تسعير النفط بالدولار.
لكن الولايات المتحدة وهي تخرجُ من الحرب العالمية الثانية قوة عظمى لا تضاهيها قوة في العالم بنفوذها الواسع وهيمنتها المعروفة، كانت تدرك جيدا أنها تستطيع توظيف فكرة “تسعير النفط بالدولار” لخدمة سياساتها بالشكل الذي تريده، نظرا لقوتها وقدرتها وهيمنتها، ونظرا – وهذا أهم ما في الموضوع – لامتلاكها ناصية وزمام ومداخل الحراك الاقتصادي العالمي كلِّه تقريبا عبر البورصات والأسواق المالية من جهة أولى، وعبر كونها الطرف الأوحد القادر على تصنيع السلاح المطلوب لمعظم دول العالم من جهة ثانية، وعبر كونها صاحبة القرار في السياسة النفطية العالمية، بحكم كونها صاحبة الهيمنة على البلدان النفطية الأساس، ألا وهي دول الخليج العربي من جهة ثالثة.
لهذا فقد كان يكفي الولايات المتحدة أن تتفق مع الملك السعودي عبد العزيز على تسعير النفط بالدولار، ليتمَّ الأمر وتتحدد السياسات وتتقرر الإجراءات بعد ذلك بكل يسر وسهولة.
الولايات المتحدة في حقيقة الأمر كانت تُصْدِر الدولارات التي تصدرها كأثمان للسلع التي تحصل عليها بأسعار زهيدة تفرضها سياسات التسعير المعتمدة في بورصات تلك السلع، والتي هي في الغالب أسعار تخضع في تقلباتها صعودا وهبوطا لإرادة الطرف الأميركي.
وعندما تستعيد تلك الدولارات ثمنا لمنتجاتها من الأسلحة بالدرجة الأولى، أو من المنتجات الصناعية الثقافية والإعلامية بالدرجة الثانية، أو من الصناعات التركيبية عالية التقنية بدرجة ثالثة، فإنها تستعيدها وفق نظام تسعير مُجْحِف وغير عادل ولا يعكس القِيَم الحقيقية لتلك السلع التي تبيعها، إذا ما قيست معايير تسعير السلع التي تستوردها وتشتريها بمعايير تسعير السلع التي تُصَدِّرُها وتبيعها، كما سيتبين معنا في مكانه من هذا المقال، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأسلحة تحديدا، ما يعني أنها تمتص من خلال هذه السياسة التسعيرية أيَّ قيمة تبادلية عادلة ومنصفة لتلك الأموال التي خرجت منها فيما مضى لشراء سلع متدنية القيمة، وذلك بأن تجعلَها تعود إليها عندما تعود، أموالا محدودة القيمة التبادلية، لتكون مكاسبها المهولة قد تحققت عبر الفارق السوقي والقِيَمي والتبادلي لتلك الأموال.
أي وبتعبير أدق، يجب أن تحصلَ الولايات المتحدة بتلك الدولارات المجانية التكلفة على كل احتياجاتها مما ليس في حوزتها، وعندما تُقَّرِّر الدول التي حصلت على تلك الدولارات أن تضخَّها من جديد إلى السوق الأميركية، فيجب أن يكون ذلك في مقابل سلع وخدمات ذات تكلفة فعلية أقل بكثير من ثمن بيعها، أي أن الولايات المتحدة تحصل على أضعاف ما تعطي.
تحصل على كل حاجاتها ولا تعطي أحدا حاجته الفعلية كي يبقى ضمن دوائر الحاجة والتوتر، أو كي يضطرَ إلى اللجوء إلى القروض والديون الخارجية التي يمكنها أن تحاصره مثل فكَّي كماشة.
على الصعيد العملي تُجَلِّي هذه السياسة نفسَها على النحو التالي..
كل الدول التي تريد شراء النفط من السوق العالمية – ومعظم دول العالم باستثناء المنتجين وهم قلة، هي دول تشتري النفط – ستضطر إلى مبادلة منتجاتها التي تحتاجها الولايات المتحدة بالدولارات.
أي أن الولايات المتحدة تحصل من كل دول العالم وبلا مقابل على ما تشاء من سلع غير متوفرة لديها أو لا تريد إنتاجها محليا لسبب أو لآخر.
ثم تبدأ هذه الدول بمبادلة جزء من الدولارات التي حصلت عليها بالنفط الذي تكون أسعاره مدروسة بشكل يمتص معه معظم تلك المداخيل لتصب في خزائن منتجي النفط ومصدريه، وغالبيتهم مرتبطون بعجلة الهيمنة والقرار الأميركيين، ما يجعل الوجهة النهائية لتلك الأموال مُسَيْطَر عليها ومُتَحَكَّم فيها بحكم هذه الهيمنة.
تحرص الولايات المتحدة من حيث المبدأ على تقليص قيمة الدولارات التي حصلت بواسطتها مجانا على ما تريده من سلع من الدول المحتاجة لشراء النفط، بشكل لا يُفْقِد فكرة المجانية والمنفعة المتحققة من طباعة الدولارات بلا رقيب أو حسيب، قيمتَها ومردودَها على الاقتصاد الأميركي وعلى رفاهية المواطن الأميركي وعلى توجيه دفة الاقتصاد العالمي والتحكم فيها من ثم، وذلك كي لا تعود تلك الدولارات لتستحلب من السوق الأميركية منتجات لا تريد الولايات المتحدة إتاحة الفرصة لها كي تُسْتحلَبَ وتؤثر بالتالي على مستوى معيشة الأميركيين ورفاهيتهم، أو على اقتصاد السوق ونظام تقسيم العمل في داخل الولايات المتحدة كمعقل للرأسمالية الاحتكارية والمالية في العالم.
إن اللص الذي يسرق، يفعل ما بوسعه كي لا يتيح الفرصة للمسروق في استعادة ما سرق منه.
لن يتحقق ذلك للولايات المتحدة في ظل هيمنتها على سوق النفط وسوق السلاح وشبكة البورصات وأسواق السندات العالمية، فضلا عن سوق القروض عبر كل من البنك وصندوق النقد الدوليين، إلا إذا تمكنت من تكريس وفرض المعادلات التالية على الاقتصاد العالمي..
1 – أن تتحكم تحكما مطلقا في تسعير النفط في السوق العالمية بشكل يتيح لها توجيه دفة التدفقات النقدية المترتبة على تجارة النفط على النحو الملائم لسياساتها المحلية والعالمية، وخاصة في الأقاليم التي لها فيها إستراتيجيات محددة، وعلى رأسها الإقليم المسمى “الشرق الأوسط”.
2 – أن تتحكم عبر شبكة البورصات العالمية التي يتم فيها تداول أهم السلع الإستراتيجية في العالم، سواء كانت موادا أولية أو غذاء، في تسعير تلك السلع بالشكل الذي يضمن تدفقها إلى السوق الأميركية بأسعار زهيدة تُبْقي الدول المصدرة لها عاجزة عبر مداخيلها المتحققة من خلالها عن تلبية احتياجاتها من الدولارات الكفيلة بتغطية احتياجاتها من النفط ومن السلاح ومن بعض السلع والمنتجات الأخرى عالية التقنية، بل ومن الأموال اللازمة للاستثمار من أجل تحقيق معدلات نمو فعالة تلبي مطالب النمو السكاني ومطالب الرفاهية والتقدم، ما يجبرها على اللجوء إلى مسألتين هامتين سعيا نحو الخروج من هذا المطب الخطير هما..
* الإكثار من الزراعة والصناعة التصديريتين على حساب الزراعة والصناعة الإشباعيتين، كي تكون جاهزة على الدوام لتلبية احتياجات السوق الأميركية النهمة إلى هذا النوع من السلع بالمجان، أو بأقل الكُلَف عبر تلك الدولارات التي تحتاجها من مطابع الخزينة الأميركية..
* بالإضافة إلى الاقتراض من صندوق النقد والبنك الدوليين لتأمين العجوزرات المتحققة لديها، ما يفاقم ربطها بعجلة الهيمنة الأميريكية عبر هاتين الأداتين المدمرتين لاقتصاديات الدول النامية كما ثبت ذلك خلال عقود من التعامل معهما..
3 – أن تضمن هيمنتها الفعلية على أهم مفاصل سوق السلاح العالمية، كي تتمكن من تسعير الأسلحة بنظام تسعير يمتص معظم الفوائض النقدية الدولارية التي قد يشكل رجوعها إلى السوق الأميركية كقوة شرائية نوعا من المساس بالرفاهية المتحققة عبر سياسة ربط النفط بالدولار. أي أن الولايات المتحدة تعمل ما في وسعها كي لا تسمح للدولارات المرتجعة بشراء شيء أكثر مما تريد هي بيعه وهو السلاح بالدرجة الأولى، وبدرجة أقل المنتجات الثقافية والصناعية عالية التقنية، وخاصة الاستهلاكية والترفيهية منها، مع التركيز على الجانب الثقافي قدر المستطاع (فنون، ثقافة، غناء، سينما، إعلام.. إلخ).
4 – أن تضمن تدني نسبة مشاركة تجارتها الخارجية (استيرادا وتصديرا) في الناتج القومي الإجمالي إلى أدنى مستوى مقدور عليه، كي لا تكون مضطرة إلى بيع وشراء ما يؤثر على قوتها ونفوذها، وأن تجعل صناعة السلاح أولا، ثم صناعة الثقافة والفن والإعلام ثانيا، ثم الصناعة الاستهلاكية عالية التقنية ثالثا، هي المكونات الأساسية لتجارتها الخارجية تلك، كي تضمن أن تبقى معظم العملة الدولارية المجانية التي طبعتها لتسرق بها شعوب العالم، فاقدة لقيمتها في السوق الأميركية، بعدم وجود ما تستحلبه من تلك السوق خارج حدود السلاح والثقافة والإعلام وبعض التقنيات الرفيعة التي ستتمكن من تسعيرها بما يجعلها تمتص معظم تلك العملات الدولارية المتاحة خارج الولايات المتحدة، إذا فكر أصحابها في تحويلها إلى سلع ومنتجات أميركية.
وهذا على وجه التحديد هو ما تحقق لها بعد عقود من بدء تنفيذ ما تمت تسميته بعد الحرب العالمية الثانية بـ “برنامج أو خطة السياسة الواسعة” التي تضمنت ثلاثة بنود أساسية هي..
* رفع نسبة استهلاك الشعب الأميركي من مجموع الإنتاج العالمي خلال ثلاثين عاما – منذ الحرب بطبيعة الحال – إلى ما يتراوح بين 46% و50%..
* وخفض نسبة مساهمة التجارة الخارجية الأميركية في ناتجها الإجمالي إلى ما لا يتجاوز الـ 5%..
* وجعل النسبة الأكبر في التجارة الخارجية الأميركية عندما يكون الحديث منصبا حول التصدير، للصناعات العسكرية والثقافية والفنية والإعلامية والمنتجات الاستهلاكية والترفيهية عالية التقنية، وعندما يكون الحديث منصبا حول الاستيراد، للصناعات الاستخراجية والمواد الأولية ومصادر الغذاء الخام والأساسية..
وليس لهذه الأرقام من دلالة خارج إطار أن الولايات المتحدة تريد أن تسرق شعوب العالم بالمجان دون أن تتيح لها فرصة الحصول منها على شيء ذي قيمة.
فأن تستهلك أميركا نصف إنتاج الإنسانية، وألا تتيح لأحد أن يحصل منها على أكثر من تلك النسبة في التجارة الخارجية لها عبر تقوية سوقها المحلي بجعله مشبعا بنفسه مستغنيا عن غيره، هو نظام سرقة ولصوصية دولية عالي الكفاءة وغير مسبوق في تاريخ البشر.
5 – أن تضمن توجيه معظم التدفقات النقدية الفائضة والمتحققة لللدول المصدرة للنفط – مادامت معظم الدولارات التي خرجت من السوق الأميركية ستتجه إليها كثمن للنفط المصدر إلى دول العالم المحتاجة إليه – لتستثمر في تجارة الأسهم والسندات في شبكة البورصات العالمية، لإفقاد تلك الفوائض قيمتَها التنموية الداخلية من جهة أولى، ولتحرمَها من فرصة أن تكون عاملا من عوامل استحلاب السلع والخدمات الأميركية من السوق الأميركية من جهة ثانية، ولإبقائها من جهة ثالثة على مرمى مدفع الأزمات المالية العالمية التي تختلقها في تلك الشبكات من وقت لآخر بهدف استنزافها وتحويلها إلى “بخار مال” بعد أن كانت مالا حقيقيا.
6 – أن تضمن إبقاء مناطق تدفق السلاح الفعلية على مستوى العالم مناطق ساخنة ومشتعلة على الدوام، وأن تعمل على اختلاق الأزمات في المناطق المحتملة التأزم، وعدم العمل على حل أيِّ أزمة دولية حلا يقلص من قدرتها على إبقاء سوق السلاح سوقا حيوية ونشطة. وعلى رأس كل تلك المناطق، المنطقة المسماة “الشرق الأوسط”، وعلى رأس كل تلك الأزمات، تلك الناشئة عن الصراع العربي الإسرائيلي. لذلك ليس غريبا ولا عصيا على الفهم، أن تكون هذه المنطقة هي أكثر مناطق العالم توترا وأكثرها تخزينا للسلاح الأميركي، بل وأبعدها عن الحلول السلمية الحقيقية التي تخلق الاستقرار الدافع إلى تحقيق الأمن والسلام والتنمية لشعوبها.
وإذن فإن سياسة تسعير النفط بالدولار منذ ذلك الاتفاق المشئوم بين طرفي معادلة العلاقات الإمبريالية في العالم، “الولايات المتحد” كقوة قاهرة، و”النظام السعودي” كطرف مفرط في التبعية والولاء لتلك العلاقات، وكقائد يتم إعداده لزعامة محفل مُصَدِّري النفط الحرام ومؤسسي الصهيونية العربية في العالم، إن هذه السياسة قد حققت أهدافها على صعيد المصالح الأميركية الداخلية والخارجية..
* فهاهي معظم دول العالم النامي قد ارتبطت بشبكات أخطبوطية مدمرة من القروض، بعد أن برمجت اقتصاداتها في مجالي الزراعة والصناعة لإنتاج سلع تصديرية ليس لها من هم سوى تلبية احتياجات السوق الأميركية بالدرجة الأولى والأهم، وليس تلبية وإشباع الحاجة الفعلية للسكان المحليين..
* وهاهي تلك الدول قد أعادت للولايات المتحدة معظم ما حصلت عليه من دولارات مقابل نزيف ثرواتها الغذائية والأولية الخام، لتحصل فقط على عتاد عسكري وأسلحة وخدمات لوجستية من أجل تأمين نفسها من أعداء افتراضيين أو غير افتراضيين ولدتهم أزمات هنا وأزمات هناك، وهي أزمات لا تخرج عن واحد من نوعين..
– فإما أنها أزمات مُخلَّقة تخليقا كاملا بعد الحرب الثانية باعتبارها من تداعيات تلك الحرب وما نجم عنها من حرب باردة..
– وإما أنها مُفعَّلة بشكل ذكي بعد أن تمت وراثتها بشكلها المنطوي على مفاعيل التأزيم، من الاستعمار التقليدي بزعامة كل من بريطانيا وفرنسا بالدرجة الأولى..
* وها هي دول التدفقات النقدية الدولارية النفطية الهائلة، “سفهاء العصر من قادة دول ومشيخات الخليج العربي بالدرجة الأولى” وعلى رأسها متزعمة السَّفه العالمي “المملكة العربية السعودية”، تهدر معظم تلك التدفقات النقدية “البترودولارية” في شبكة البورصات بعيدا عن أيِّ تنمية حقيقية وفعلية تحقق النهضة بمعانيها القومية الواسعة والتحررية الفعلية في الإقليم العربي المشرقي على الأقل..
هكذا هي الإستراتيجية الأميركية في السيطرة على المناطق الحساسة من العالم وتوجيهها..
* من يملك الغذاء والمواد الخام يجب أن يقدمها إلى الولايات المتحدة مقابل أسلحة فتاكة وبراميل من النفط لا تحقق له حتى الحد المعقول من التنمية الفعالة..
* إذا كانت التدفقات التي يحصل عليها مالك الغذاء والمواد الخام كبيرة لسبب أو لآخر، فيجب أن يتم امتصاصها عبر التحكم في تسعير النفط وتسعير السلاح، وعبر محاصرته بالأزمات التي تدفعه إلى التسلح لتحقيق الردع ووهم الأمن والأمان..
* إذا كانت التدفقات النقدية المتأتية من تصدير الخامات والمواد الأولية مازالت كبيرة وتحمي صاحبها من اللجوء إلى الاقتراض والاستدانة رغم كلِّ ما سبق، فيجب أن يعاد تدوير الاحتياجات الأميركية منه، بحيث يضطر كي يحصل على تلك الدولارات إلى نسف صناعته وزراعته الإشباعيتين وتحويلهما إلى صناعة وزراعة تصديريتين إحلاليتين، ما يدفعه إلى الاقتراض لتلبية الحاجات التي دَمَّرَ أصولَها وجَفَّفَ منابعَها، فيتحقق ارتباطه بشبكة مؤسسات الإقراض الدولية..
* أما إذا كان التدفق النقدي الدولاري ناتجا عن بيع النفط كما هو الحال في دول الخليج التي لا يمكن ربطها بالقروض في العادة، نظرا لعدم حاجتها إليها بسبب حالة الفائض الدائم التي تنعم بها، فيجب أن يتم امتصاص تلك الفوائض النقدية الدولارية عبر الدفع باتجاه هدرها في كازينوهات الشيطان “البورصات وأسواق السندات”، وعبر توسيع دائرة التسلح والتسليح من خلال تفعيل الأزمات الإقليمية والحيلولة دون التوصل إلى أيِّ حلول تسووية عادلة لها..
وهذا ما حصل ويحصل باستمرار..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

coroas gostosas x videos imhoporn.com sister sexo porno melancia hdporn.tech transando no chuveiro elas fodem porneff.com bundas gostosas de quatro videos surubas videolucah.fun gravida se masturbando mamando travesti iwank.website xvideo mulher maravilha branquinha gostosa dando redwap.website valeska popozuda transando porno doido ruivas redwap.site xoxota rosada fodas de famosas pornhdvideos.online porno novinha caseiro estreando ou estreiando kompoz.website porno famílias she male vipwank.fun video maniaco mia khalifa wiki anysex.website porno passione pornos travestis ixxx.tech selfie peladas baixa vidio pormo hdpornfree.online gp 1 sexo mulheres de peito de fora madthumbs.online ensinando a se masturbar baixar filme adulto cliphunter.space trepa comigo