www.omferas.com
شبكة فرسان الثقافة

ما الفرق بين العربي بالدم، والعربي بالتاريخ، والعربي بالعروبة؟!/أسامة عكنان

0

العربي بالدم، هو الشخص الذي ينتسب للعرب برابطة “الولادة”.. والعربي بالتاريخ، هو الشخص الذي ينتسب للعرب برابطة “الثقافة”.. أما العربي بالعروبة، فهو الشخص الذي ينتسب للعرب برابطة “القيمة”..

ما الفرق بين العربي بالدم، والعربي بالتاريخ، والعربي بالعروبة؟!
وما الفرق بين المسلم بالدم، والمسلم بالتاريخ، والمسلم بالعروبة؟!

أسامة عكنان

العربي بالدم، هو الشخص الذي ينتسب للعرب برابطة “الولادة”..
والعربي بالتاريخ، هو الشخص الذي ينتسب للعرب برابطة “الثقافة”..
أما العربي بالعروبة، فهو الشخص الذي ينتسب للعرب برابطة “القيمة”..

المسلم بالدم، هو الشخص الذي تربطه بالإسلام “شهادة ميلاده”، وانتسابه إلى “أب مسلم”، قد يكون اكتسب إسلامَه بالطريقة نفسِها..
والمسلم بالتاريخ، هو الشخص الذي تربطه بالإسلام، مُكَوِّنات المسلمين وموروثاتهم “الثقافية”..
أما المسلم بالعروبة، فهو الشخص الذي تربطه بالإسلام رابطة “القيمة”..

ولكن..
ما هي “القيمة” التي تجعل العربي عربيا بـ “عربيةٍ” أكبر من مجرد “الدم” و”الثقافة”؟!
وما هي “القيمة” التي تجعل المسلم مسلما بـ “إسلام” أكبر من مجرد “الدم” و”الثقافة”؟!

إنها في الحالتين قيمة واحدة، هي قيمة “العروبة” التي تكونت من خلال تفاعل تاريخي مع “النبوة”، دام أكثر من ألفي سنة..
بدءا بـالنبي “إبراهيم” وانتهاء بالنبي “محمد” عليهما السلام..

وإذن، فما هي مواصفات “القومي العربي” الذي نقرَّ له بقوميته في سياقها المتكامل والموضوعي والمُنْتِج، في ضوء تلك الرؤية التفاعلية بين قيمة “العروبة” وظاهرة “النبوة”؟!

إنه بتعبير واضح “الإنسان العروبي”..

وبالتالي فالقومي العربي ليس هو ذلك الشخص الذي يعمل فقط على نهضة ووحدة وحرية “العرب بالدم”، والعرب بالتاريخ”..

بل هو ذلك الشخص الذي يعمل على إعادة إنتاج “العرب بالدم”، و”العرب بالتاريخ”، في حاضنة “العروبة”..

وهو لكي ينجز هذه المهمة، أو لكي يسير على طريق إنجازها، فإن عليه أن يعيََ دلالات وآفاق وفضاءات ومكونات “قيمة العروبة” أولا..

وإنه إذا لم يعِ ذلك، فإنه سيتخبَّط، ولن يكون “قوميا عربيا”، من حيث يظن أنه كذلك، لأنه لم يتمكن من أن يكون “إنسانا عروبيا” في الأساس..

وهو سيعمل عندئذٍ على نهضة ووحدة وحرية أمة يُطْلِقُ عليها هو اسم “الأمة العربية”..
فيما هي بعيدة كل البعد عن “العروبة” التي تعتبر الركيزة الثالثة والأهم لـ “القومية العربية”..
وهو عندئذٍ لن يكون إلا قوميا داعيا لأمة، لا يجمعها جامع سوى “الدم” و”التاريخ” المنسوبين إلى عربٍ انتزعت منهم “عروبتهم”..

ولأن “العروبة” هي مُنتج قِيَمي، تشكَّلَ عبر تفاعل طويل مع ظاهرة “النبوة”، فلا وجود إذن لقومية عربية بمعزل عن عن هذه الظاهرة..

وإن كل من اعتبروا أنفسهم قوميين عربا، ومع ذلك عملوا على إنتاج وتجسيد “القومية العربية”، عبر عزلها عزلا كاملا عن قيمة “العروبة”، المجبولة بظاهرة “النبوة”، لم يكونوا في واقعِ الحال سوى قوميين عرب، بمعنى “الدم” و”التاريخ” فقط، ولذلك فهم قد فشلوا في تجسيد مشروعهم، وسيستمرون في الفشل كلما أصروا على التعامي عن علاقة التفاعل التي لا تنفصم بين “العروبة” و”النبوة”..

وفي هذا إساءة بالغة للقومية العربية..
وتغييب كامل لإطار تكوُّنِها القِيَمي..
وحرف خطير للفعل القومي العربي عن سكته الصحيحة..
عبر جعله فعلا يجسِّد “الدم” و”الثقافة”، ولا يجسِّد “القيمة”..

ونكرر هنا للأهمية، أن هذا هو ما جعل كافة دعاة “القومية العربية” الذين من هذا الصنف يعجزون “عن”، ويفشلون “في”، تجسيد هذه القومية على أرض الواقع..
لأنهم في حقيقة الأمر حاولوا ذلك، من خلال عزلها عن روحها ومبرر كينونتها القيمي، ألا وهو “النبوة”..

إن ما قاموا به يشبه تماما ما يقوم به من يريد نقلَ إنسان من مكان إلى مكان، بالإبقاء على جلده في مكانه الأول، دون نقله مع باقي جسده إلى المكان الثاني..

إن من يحاول فِعْلَ ذلك، إن نجح فيه بكل الألم الفاجع المترتب عليه، لن ينقل إنسانا، بل هو ينقل كائنا مسخا عديمَ المقاومة..
وهو الأمر الذي يعني موتَه حتما..

هذا هو على وجه التحديد ما حدث لكل محاولات تجسيد الأمة العربية في حاضنة “قومية عربية”، تمَّ فيها عزل “العرق العربي”، و”التاريخ العربي”، عن “قيمة العروبة”، كمنتج تفاعلي مع “ظاهرة النبوة”..

وهو ما يدعونا إلى التأكيد على أن “الأمة العربية” لن تتجسَّد كظاهرة قومية عربية “عروبية الطابع”..
إلا بإعادة إنتاج “النبوة”، وتنقيتها من كل شوائب التاريخ وعبث البشر التي علقت بها..
ليعاد بذلك إنتاج “قيمة العروبة”..
عبر تنقيتها هي أيضا من الشوائب والعوالق، التي جعلت دعاة القومية “قوميين عربا، وبعثيين، وناصريين”، يعجزون عن إخراج رؤاهم لتجسيد “الأمة القومية”، من إطار الدعوة إلى قومية “الدم والتاريخ”، إلى إطار الدعوة إلى قومية “العروبة” بمكونها “النُبُوِّي”..

لن نكون عربا كاملي “العربية” إلا إذا كنا “عروبيين”..
ولن نكون “عروبيين” إلا إذا أدركنا أن “عروبيتنا” هذه، هي منتج تفاعلي مع ظاهرة “النبوة”..
وهذا هو جوهر رسالتنا إلى العالم..
بل هذا هو جوهر ما يجعلنا أمةً تحمل رسالة كلِّفت بنشرها في العالم..
وذا لم يكن هذا هو جوهر “الرسالة الخالدة” التي دعا ويدعو إليها “البعثيون”، فماذا يمكنها أن تكون؟!
وإذا لم يكن هذا هو جوهر “الدعوة الناصرية”، فماذا يمكن لهذه الدعوة أن تقدم للعرب بدون عروبة جبلتها النبوة غير علاقة الدم والثقافة؟!

وبالتالي فما الفرق بين قوميتنا العربية “اللاعروبية” هذه إن أمكن تجسيدها على هذا النحو، وبين أيِّ قومية أخرى في العالم، لا تملك غير تجسيد نفسها كإطار للحياة وللتعايش مع الآخرين بعيدا عن أيِّ رسالية في مضمون التجسُّد القومي؟!

إن جوهر “رساليتنا” إذن ليس هو أن ننقل إلى العالم هذه “النبوة الموروثة” التي عزلتنا عن “العروبة” مئات السنين، عندما اعتمدناها إطارا لتجسيد ذاتنا “العربية”، بشكلها الذي نزعنا عنه “تاريخيتَه”..

بل هو – أي جوهر رساليتنا – أن نُثْبِتَ للعالم أننا على الدوام أمة “النبوة التاريخية/أي المتطورة دائما وباستمرار”، التي تمكنت من التطور في حاضنة “الوحي” أكثر من ألفي عام، منتقلة بالعروبة من طور إلى طور أصبحت قادرة بموجب حصيلتها على حمل رسالة “الله” إلى العالم، لتستمر في التطور إلى الأبد في حاضنة “العقل”، منتقلة بالإنسانية من طور إلى طور، في مسيرة نماء وتكامل لا تنتهي..

لقد أكرمت “النبوة” عربَ “الدم” و”الثقافة” بأن طورتهم، منتجة لهم قيمة “العروبة” على مدى الألفي سنة التي تفاعلت فيها معهم، مخلصة “دمهم” و”ثقافتهم” من فجاجتهما في التعبير عن “الأنا القومية”، وناقلة إياهما إلى مرحلة الاقتدار على التفاعل مع “الآخر” في ضوء مضامين متطورة للرسالية..

لكن “العرب” غير “العروبيين”، لم يردوا لها الجميل لـ “النبوة”..
فبدل أن يطوروها، أي بدل أن يطوروا “النبوة”، بعد اختفاء حاضنتها الأولى ألا وهي “الوحي”، الذي تطورت “العروبة” به ومعه وفي قلبه، مطوِّرَةً “العرب” بتطورها ذاك “عرقا” و”ثقافة”..
فإنهم ثبتوها وجمدوها وحجموها وقزموها وخنقوها ومنعوها من التطور..
فكانوا أكبر المسيئين لها، ليكونوا من ثمَّ أكبر المسيئين للعروبة بصفتها مُنْتِجَها التفاعلي..

وهكذا حدثت المؤامرة التاريخية على “العرب العروبيين”، الذين رحل الرسول الكريم محمد عليه السلام، وقد استكمل إعدادَهم ليكونوا حملة رسالة “الإسلام العروبي”، و”العروبة المسلمة” إلى العالم..

وكان جوهر المؤامرة هو أن يتمَّ تغييب هؤلاء “العروبيين” عن ساحة “الفعل الرسالي”، ليتحول خلفاؤهم الذين سيحلون محلهم ويسرقون مهمتهم، من “عرب رساليين” يحافظون على “قيمة العروبة” بصفتها قيمةً جوهرية في رسالتهم، إلى “عرب إمبراطوريين” يضربون بـ “قيمة العروبة” عرض الحائط، ويعودون بالعرب إلى “عربية الدم” بالدرجة الأولى، و”عربية الثقافة” الموغلة في القدم بدرجة ثانية، فتفقد “الرسالية” أهم مكون من مكوناتها، لتفقد “النبوة” بالتالي أهم حاضنة لها قادرة على تطويرها بعد انقطاع “الوحي”، ألا وهي حاضنة “العقل”..

فبدأت “العروبة تتراجع وتضمحل، مع كل ضربة توجه لظاهرة “النبوة”، تمنعها من التطور في حاضنة العقل، وتجمدها في ثلاجات الماضي..

ومنذ ظهر “العرب الإمبراطوريون”، و”العروبة” و”النبوة” في تراجع، إلى أن غدا من الصحيح أن نقول..
إن عرب اليوم هم فقط “عرب الدم”، و”عرب الثقافة”، التي بدأت بالتكون منذ أن تمَّ تغييب “عرب الرسالية”، بانتصار الأمويين على النخبة والصفوة من الصحابة الكرام..

وبعد مرور أكثر من ألف وأربع مائة عام، قضتها “العروبة” وبرفقتها حتما وبالضرورة “النبوة”، في تراجع وانكفاء وتشويه وتغييب..
فقد كان من الطبيعي أن نرى عربا لا علاقة لهم بالعروبة..
ومسلمين لا علاقة لهم بالنبوة..
وجميعهم يعيشون في وهمِ أنهم يجسدون “العروبة النقية” و”النبوة الصحيحة”..

وهنا مكمن الكارثة..

إن بداية الطريق في مسيرة نهضتنا “القومية العربية العروبية”، هي في استعادة “عروبتنا” التي تم تغييبها بالتآمر عليها، مع بدء عصر “العرب الأباطرة” الذين انتصروا على “العرب الرساليين” في “الجمل وصفين/علي بن أبي طالب”، وعلى بقاياهم في “عام الجماعة/الحسن”، و”كربلاء/الحسين”..

ولن تتحقَّق استعادة تلك “العروبة” ابتداءً، إلا عبر استعادة “نبوتنا” التي تمَّ تشويهها بالتآمر عليها مع بدء العصرِ نفسه، بمنعها من التطور في حاضنة “العقل” و”العلم”، ودفنها في مقابر “الفقه” و”العقيدة” و”أصول الفقه” و”أصول الدين” و”علم الحديث ومصطلحه” و”السيرة النبوية” و”علوم القرآن” و”التفسير”.. إلخ، من على قواعد “الفرز الديني” الذي احتاجته “النزعة الإمبراطورية” كي تتجسَّد وتنمو وتهيمن بعربية “الدم” وبعربية “الثقافة”..

وهو الفرز الذي أدت إليه ودفعت باتجاهه تخندقات “التشيُّع” المعارض بمنتهى الرجعية والنكوص والتماهي السياسي والفكري مع كل المعتقدات الغنوصية والسياسات العدائية للأمة، و”التَّسَنُّن” السلطوي بمنتهى الدموية الإمبراطورية، التي استخدمت “الإسلام” وبالتالي “النبوة” أبشعَ استخدام، إلى درجة “التزييف” و”التزوير” و”التحريف” و”التشويه” و”التجيير” و”التوظيف”..
مع تبادل محدود في المواقع من وقت لآخر بين “المتشيعين” و”المتسننين”، اقتضته تقلبات موازين القوى بين خنادق “التَّشَيُّع” و”التَّسَنُّن” ذاتها..

وإذا لم تبدأ مسيرة النهضة “القومية العربية العروبية”، من هذه النقطة المركزية، فلن تحدث هنتك نهضة، ولن تكون هناك “أمة عربية”..
وكل ما سيحدث – إن حدث – هو “فوضى نهضوية”، لأمة “غير عربية”، إلا بالدم والثقافة..

ولعل الستين عاما الماضية من تاريخنا هي أوضح دليل على ذلك..
فلنتأملها جيدا بعقل القارئ الفاحص للتاريخ، وبروح الباحث عن مواطن استنهاضه الحقيقية..
لا بعقل المقلد الأعمى لنماذج تجسيد قوميات، نشأت وتشكَّلَت في بيئاتٍ غير بيئاتنا، وفي سياقاتِ سيرورةٍ تاريخية مختلفة كل الاختلاف عن سيروراتنا التاريخية..
/

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

bodrum escort bayan ankara escort bayan mobile porn wso shell