www.omferas.com
شبكة فرسان الثقافة

معرفة العدو نصف الطريق إلى الانتصار عليه/5/أسامة عكنان

0

نشأت حركة الحالوتس كنتيجة طبيعية لانهزام حركة التنوير اليهودية، وانتصار الحركة الصهيونية الاستعمارية ونجاحها في احتواء واحتضان التمرد اليهودي على الحياة في الجيتو وعلى حكومة الجيتو. لقد كان مناخ هذه النشأة هو مناخ التمرد الناجم عن شعور التهديد بالفناء روحياً وحضارياً واقتصادياً وسياسياً، وعن الإحساس بالعزلة حتى في قلب دعوات الاندماج والذوبان في الآخرين، بعد أن تمكنت الصهيونية من ترسيخ الاعتقاد لدى اليهود، بأن المجتمع الحديث لا يمكنه أن يقبلهم أو يهضمهم، وأنه سيتعامل معهم على الدوام باستعلاء واحتقار، لذلك فقد مثَّل جيل الحالوتس الخلاصة السياسية لهذه البيئة الذهنية الانعزالية مُمَثَّلاً في هؤلاء الرواد الذين تمكنت الحركة الصهيونية من قذفهم إلى فلسطين ضمن مشروعها الاستعماري المُغَلَّف بالدثار اليهودي..

معرفة العدو نصف الطريق إلى الانتصار عليه
سلسلة مقالات “مترابطة” حول
“سايكولوجيا الشخصية الإسرائيلية”
كيف تفكر الصهيونية لتصهينَ اليهود وتُؤَسْرِلَهم؟! وكيف تواجهنا بهم يهودا تصهينوا فتأسرَلوا؟!
5 من 15
جيل الحالوتس

نشأت حركة الحالوتس كنتيجة طبيعية لانهزام حركة التنوير اليهودية، وانتصار الحركة الصهيونية الاستعمارية ونجاحها في احتواء واحتضان التمرد اليهودي على الحياة في الجيتو وعلى حكومة الجيتو. لقد كان مناخ هذه النشأة هو مناخ التمرد الناجم عن شعور التهديد بالفناء روحياً وحضارياً واقتصادياً وسياسياً، وعن الإحساس بالعزلة حتى في قلب دعوات الاندماج والذوبان في الآخرين، بعد أن تمكنت الصهيونية من ترسيخ الاعتقاد لدى اليهود، بأن المجتمع الحديث لا يمكنه أن يقبلهم أو يهضمهم، وأنه سيتعامل معهم على الدوام باستعلاء واحتقار، لذلك فقد مثَّل جيل الحالوتس الخلاصة السياسية لهذه البيئة الذهنية الانعزالية مُمَثَّلاً في هؤلاء الرواد الذين تمكنت الحركة الصهيونية من قذفهم إلى فلسطين ضمن مشروعها الاستعماري المُغَلَّف بالدثار اليهودي..

أي أن الحالوتس من الناحية الفعلية هم اليهود الذين هاجروا إلى فلسطين تحت لواء الحركة الصهيونية.

لكن سؤالاً مهماً يفرض نفسه في هذا السياق، وهو.. هل أن التكوين السيكولوجي الذي ميز الحالوتس، والمتمثل في ذلك التمرد والخوف اللذين وضعاهم في أتون الحركة الصهيونية، هو الذي دفعهم للقفز باتجاه فلسطين؟!

إن هذا يقودنا إلى الحديث عن دور التكوين السيكولوجي لأفراد المجتمع في تحديد المسار التاريخي لذلك المجتمع. وفي هذا الشأن فإن أهل الاختصاص من علماء النفس وعلماء الاجتماع يؤكدون على أنه – أي التكوين السيكولوجي – لا يحدده – أي المسار التاريخي – بأي حال.. نعم، قد يُسهم في تكوينه وقد يدفعه إلى الأمام، أو قد يحاول الوقوف في وجه تقدمه، لكنه ليس هو المُحَدِّد له في المحصلة النهائية.

إن التكوين السيكولوجي هو مجرد إمكانية مُتَوَقَّعة، يتحول توقعها إلى واقع موضوعي بفعل الظروف الاجتماعية المحيطة بذلك التكوين والمرافقة له. كما أن شكل ذلك التكوين وليس مجرد وجوده، يتوقف أيضاً على تلك الظروف. إذن فالتكوين السيكولوجي المُحَدَّد والمُوَحَّد، يتوقف وجوداً وعدماً من جهة، وشكلاً ومضموناً من جهة أخرى، على مجموعة الظروف الاجتماعية التي يَتَخَلَّق ذلك التكوين إنْ تَخَلَّق في محيطها.

وإذن فقد كان من الممكن لحركة التمرد اليهودي على الجيتو في أوربا، ألا تتحول إلى فلسطين، لو كانت تلك الظروف التي نتحدث عنها غير تلك التي دفعت إلى تحويل ذلك التمرد إلى حركة “حالوتس”. فلقد كان من الممكن لحركة التمرد هذه مثلاً، أن تنتهي بمجموعات من الشباب تجوب أوربا معلنة رفضها لحياة آبائها، متمردة على تقاليدهم وأساليبهم في الحياة، وعلى أساليب وتقاليد العالم المحيط بهم أيضاً.. ثم، لا شيء بعد ذلك.

وكان يمكن للعالم أن يشهد على سبيل المثال ظهور حركة أشبه بحركات “الهيبيز” الأوربية عقب الحرب العالمية الثانية، ولكن في زمن متقدم عما شهد فيه مثل تلك الحركات بقرن من الزمان أو يزيد. وكان من الممكن للتاريخ ألا يُسجل آنذاك سوى ملاحظة خافتة عن ارتفاع معدل الأمراض النفسية بين اليهود في وسط أوروبا وشرقها في تلك الفترة. بل كان يمكن لتلك الحركة أن تندمج آنذاك في تلك الثورة العارمة التي شهدتها أوربا مع بداية الثورة الفرنسية التي لم تكف أحداثها عن التفجر حتى مطلع الثورة الاشتراكية في روسيا.

إن عبارة “كان يمكن” التي أوردناها أكثر من مرة فيما مضى، تعنى أن حركة الشباب اليهود المتمردين في أوربا، تجعل لأولئك الشباب التكوين السيكولوجي نفسه لدى تلك الأجيال من الشباب في فترات التحول والأزمة، والذي لا يعدو أن يكون نوعاً من السلوك المختلف بصورة أو بأخرى عن سلوك الآباء، وهو أمر لا يكاد يخلو منه مجتمع، بل لعله يكاد يشكل السمة التي تميز ما يعرف بصراع الأجيال كشرط من شروط التقدم.

ويحدث أحياناً أن يتخطى ذلك التكوين الصراعي حدوده الطبيعية، فيشتد متخذاً صورة الثورة الاجتماعية بكل ما تعنيه من أبعاد، وبكل ما يمكنه أن يترتب عليها من تداعيات نفسية وسلوكية. كما يمكنه أن يتخذ صورة السلوك الجماعي فيما يعرف بحركات الشباب، أو صورة الأمراض النفسية أو حتى العقلية.

إن جيل الحالوتس كان جيلاً من هذا النوع، إنه جيل كان يود أن يمضي بعيداً إلى أي مكان يكفل له ممارسة تمرده على ما هو متمرد عليه، ولقد عَبَّرَ أبناء هذا الجيل عن هذا التمرد بمنتهى الوضوح عندما انتشرت بينهم معادلة تحكم نظام تفكيرهم مفادها..”إن أساس نظامنا بالغ البساطة، أن نفعل عكس ما خبرناه أو تعلمناه ونحن أطفال”.

إن جيل “الحالوتس” الذي أصبح هو العمود الفقري لحركة الاستيطان التي رعتها وغذتها الحركة الصهيونية، لم ينشأ صهيونياً منذ البداية، فالحالوتس وهم الأقلية اليهودية ليس على صعيد العالم فقط، بل حتى على صعيد وسط وشرق أوربا، الموطن الأساسي للأزمة التي ولدتهم وأدت إلى ظهورهم، هم جيل من الرافضين لكل ما يمت بصلة لحياة الجيتو.

ولكن هل معنى هذا أن العناصر الأساسية لتكوينهم السيكولوجي تتناقض تماماً مع عناصر التكوين السيكولوجي للغالبية اليهودية الجيتوية؟!

لقد كان الإحساس بالتميز والإحساس بالاضطهاد، هما عنصري التكوين النفسي الرئيسيين لليهود آنذاك. ولقد وَجَدَ عنصر الإحساس بالتميز لدى الأغلبية اليهودية تعبيراً صادقاً عنه في تمسك هذه الأغلبية بالإقامة في الجيتو، وفي تمسك أفرادها بارتداء الشارات التي فرضت عليهم من قبل الأوربيين المسيحيين، حتى بعد أن أصبح في وسعهم الإقلاع عن كل ذلك بسبب حركات التحرر التي انتشرت في أوربا في تلك الفترة. أما عنصر الإحساس بالاضطهاد فقد تجلى في أصرح صوره فيما عُرِفَ عن يهود الجيتو من استسلام وخضوع حيال الإجراءات الموجهة ضدهم.. لقد كان هذا هو حال الأغلبية، فماذا عن الأقلية؟! أي الحالوتس؟!

هل اختفى هذان العنصران، وحلت محلهما عناصر جديدة لدى هذه الفئة المتمردة على ثقافة الجيتو المذلة؟!

الأمر هو على العكس تماماً، فكل ما حدث أن هذين العنصرين، “الإحساس بالتميز” و”الإحساس بالاضطهاد”، قد أعيدت صياغتهما وأعيد إنتاجهما على الصعيد السيكولوجي في صورة جديدة تتناسب والظروف الجديدة، كما تتناسب واتجاهات التمرد لدى الحالوتس. فبدلاً من التميز المُذِل بالإقامة في الجيتو وبارتداء الشارات المميزة لليهود والمفروضة عليهم من مُذِلِّيهم، فليكن التميز، تميزاً عنصرياً هذه المرة، يقوم على تبني فكرة الامتياز العقلي لليهود، والدعوة إلى تفوق الجنس اليهودي ونبوغه.

وبدلاً من الشعور بالاضطهاد المعبر عن نفسه في الخضوع والاستسلام للأمر الواقع، فلتتح الفرصة لهذا الشعور كي يعبر عن نفسه في صورة جديدة، تتمثل في الفرار من موطن الاضطهاد. أي ليكن هذا الشعور بالاضطهاد فراراً من الجيتو وفرارا من الاندماج في غير اليهود أيضاً. أي فراراً من النقيضين معاً، العزلة الاجبارية والاندماج الاختياري. وليكن التعبير عن ذلك من ثمَّ بإقامة نظام جديد في مكان ما، نظام متناقض مع نظام الانعزال الجيتوي من جهة أولى ومع نظام الاندماج التنويري من جهة ثانية.

التقط الفكر الصهيوني الرجعي، ومن ورائه الحركة الإمبريالية الأوربية متمثلة في الاستعمار البريطاني آنذاك، هذه النزعة الاضطهادية والعنصرية التي غذتها عناصر عديدة معظمها مصطنع ومقصود، وبُحث لها عن جذور تاريخية ودينية سبق أن ثار عليها هذا الفكر نفسه، عندما أراد أن يحارب مؤسسة الجيتو وما قامت عليه من دعاوى دينية وتاريخية، فاحتوى “الحالوتس” وجعل منهم مادة الهجرة إلى فلسطين، بعد أن جعلتهم الدعاية اليهودية الصهيونية أولاً والفعل الاستعماري المُغَذَّى سراً ثانياً، نهبا للحيرة والخوف. الحيرة من شكل التمرد المفترض، والخوف من النقيضين المتاحين، الجيتو والاندماج.

ولكن هل تحقق الحلم الصهيوني بخلق مجتمعٍ يتمتع أبناؤه بتكوين سيكولوجي موحد في إسرائيل التي أريد لها أن تكون البوتقة البديلة لكل من مؤسسة الجيتو وفكر الاندماج؟! وبمعنى آخر هل يكفي توافر عنصري الشعور بالتميز والشعور بالاضطهاد لدى جيل الحالوتس للقول بأن التكوين السيكولوجي الواحد متوافر فعلا في إسرائيل، سواء لحظة التأسيس أو الآن أو مستقبلاً؟!

إن إسرائيل تضم اليوم جيل الحالوتس، وهو الجيل الذي نزح إليها من وسط وشرق أوربا، مُسْهِماً بالفعل في إقامة هذا الكيان المُسَمى “إسرائيل”. والحالوتس الآن أقلية بالقياس لإجمالي عدد يهود ذلك الكيان، كما أن إسرائيل تضم علاوة على هذه الأقلية الحالوتسية التي تناقصت وستستمر في التناقص مع مرور الوقت، أغلبية يهودية ينتمي أبناؤها إلى أكثر من مائة قومية، تسود بينهم علاقات هي أقرب إلى الجفاء والعداوة والصدام منها إلى التفاهم والتوافق.

وإذن فإن وحدة وتكامل التكوين السيكولوجي للحالوتس – إن سلمنا بوجود هذه الوحدة أصلاً – لا تعني وحدة وتكاملاً في ذلك التكوين السيكولوجي للإسرائيليين المعاصرين الذين يضمون من نزحوا إلى إسرائيل في ظل ظروف مختلفة قطعا عن ظروف نزوح الحالوتس. فالتسليم بوجود عناصر مشتركة تلعب دوراً في التكوين السيكولوجي للإسرائيليين المعاصرين، لا يعني بأيِّ حال التسليم بوجود وحدة وتكامل في ذلك التكوين السيكولوجي.

إن جيل الحالوتس رغم أنه كان جيلاً متمرداً على أسلافه من سكان الجيتو، فإن العنصرين الأساسيين في تكوينه السيكولوجي هما نفسهما العنصران الأساسيان للتكوين السيكولوجي لأولئك الأسلاف. وما كان الاختلاف إلا في جوهر التعبير عن هذين العنصرين.

وإذن أفلا تتيح لنا هذه الملاحظة القول بأن القوميات المائة التي ينحدر منها الإسرائيليون، سَتُغَذي المجتمع الإسرائيلي بمائة تكوين سيكولوجي حالي ومستقبلي، هي امتداد سيكولوجي لمائة تكوين سيكولوجي مرجعي، لا يمكنها أن تتغير بين عشية وضحاها، ولا بين جيل وآخر أو حتى كما يقول علماء النفس، ولا بين قرن وآخر في الحالات الطبيعية للتغير في النفس البشرية؟!

فإذا كان التكوين السيكولوجي للحالوتس هو نفسه التكوين السيكولوجي للجيتو الذي تمردوا عليه وكفروا به وخجلوا منه في شرق أوربا بالدرجة الأولى، رغم ذهابهم إلى أرض الميعاد، فهل يُعْقَل أن يتغير التكوين السيكولوجي لليهود القادمين إلى فلسطين من مائة مجتمع، ليس بينهم وبين أي منها تناقض جوهري كذلك الذي حكم العلاقة بين الحالوتس والجيتو، بسبب عدم وجود ظاهرة “الجيتو” فيها على الإطلاق؟!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

bodrum escort bayan ankara escort bayan mobile porn wso shell