www.omferas.com
شبكة فرسان الثقافة

معرفة العدو نصف الطريق إلى الانتصار عليه/3/أسامة عكنان

0

مع استفحال التوتر في صفوف اليهود بسبب الدعوات التنويرية، وبعد فشل الطرح الاندماجي وخصوصاً في صفوف يهود روسيا وشرق أوربا، كان اليهود قد انقسموا إلى أربعة أصناف بحسب ردود فعلهم على هذا الفشل..

معرفة العدو نصف الطريق إلى الانتصار عليه

سلسلة مقالات “مترابطة” حول

“سايكولوجيا الشخصية الإسرائيلية”

كيف تفكر الصهيونية لتصهينَ اليهود وتُؤَسْرِلَهم؟! وكيف تواجهنا بهم يهودا تصهينوا فتأسرَلوا؟!

 

3 من 15

فشل الحل الاندماجي التنويري وظهور الحركة الصهيونية

 

 

مع استفحال التوتر في صفوف اليهود بسبب الدعوات التنويرية، وبعد فشل الطرح الاندماجي وخصوصاً في صفوف يهود روسيا وشرق أوربا، كان اليهود قد انقسموا إلى أربعة أصناف بحسب ردود فعلهم على هذا الفشل..

 

– فقد ظهرت ردود فعل فردية، بأن يعتنق اليهودي ديناً آخر، بل وإذا لم يَكْفِ ذلك بأن يندمج تماماً في المجتمع عبر تغيير كافة معالم شخصيته اليهودية، بما في ذلك اتخاذه لاسم آخر، كي يمحو محواً كاملاً أيَّ أثر لأصله اليهودي.

 

– وظهرت ردود فعل تمثلت في مشاركة اليهودي في الحركات الليبرالية أو الاشتراكية لتغيير الواقع الاجتماعي، على اعتبار أن ذلك التغيير سيحقق له ولليهود الخلاص من معاداة السامية.

 

– أما ردود الفعل القومية الإقليمية فقد تبدت عبر مطالبة بعض اليهود داخل المجتمعات التي يعيشون فيها بالاستقلال الثقافي أو الإداري الذاتي ضمن الدولة نفسها، كما فعل الحزب الاشتراكي الديمقراطي المعروف باسم “البوند” في روسيا، والذي انتهى أمره بظهور الاتحاد السوفياتي.

 

– أما رد الفعل الراديكالي القومي الشامل الذي تمحور حول فكرة جمع كل اليهود بهدف خلق قومية يهودية لها أرضها الخاصة، فقد تم التعبير عنه فيما سُمِّيَ بالحركة الصهيونية، ولقد اتخذ هذا الاتجاه أشكالاً مختلفة ابتداء من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين.

 

يمكننا القول أنه بفشل حركة التنوير اليهودية، فشل الحل الاندماجي لما يسمى بالمسألة اليهودية، لكن فشل هذه الحركة لم يكن وحده هو الذي أفشل الحل الاندماجي ومهَّد للحل الصهيوني، فقد ساهمت عدة عوامل أخرى في ذلك منها..

 

– تكامل القوميات في أوربا.

 

– نمو الرأسمالية في العالم.

 

– ازدياد موجة معاداة السامية.

 

– حادثة اغتيال القيصر ألكسندر الثاني في مارس (1881)، واتهام أحد اليهود بقتله.

 

– نشوء موجة من الاضطهاد في روسيا ضد اليهود.

 

– رغبة الاستعمار الأوربي في توظيف المسألة اليهودية لاختراق المسألة الشرقية.

 

وإذا كان السببان الأول والثاني يمثلان المؤثرات الحتمية الحدوث في بُنْيَة الفكر اليهودي، فإن الأسباب الثلاثة التالية هي في واقع الأمر مُصْطَنعة وتتعارض مع ما بدأ ينتشر في أوربا من تسامح وحريات، وهو ما يؤكد أن السبب السادس الممثل لمحصلة السياسة الأوربية الناجمة عن السببين الأول والثاني، هو ما دفع الأوربيين إلى زج اليهود في دائرة الأسباب الثالث والرابع والخامس، ليتسنى تنفيذ مُعْطى السبب السادس، الذي غدا اتجاهاً استراتيجياً في السياسة الأوربية.

 

لقد عبر “ناحوم جولدمان” الرئيس السابق للحركة الصهيونية عن خطر الاندماج الذي دعت إليه حركة التنوير، بعد أن تحقق لليهود الخروج من الجيتو الأوربي، قائلاً:

 

“إن الاندماج هو الخطر الكبير الذي يهددنا منذ اللحظة التي خرجنا فيها من الجيتو ومن المعتقلات”.

 

ولقد عنى ذلك بوضوح من المنظور الصهيوني، أن خروج اليهودي من قوقعة الجيتو يعرضه لعوامل التطور الطبيعية التي تراها الصهيونية خطراً على يهوديته، لأنها تقضي على ذاتيته اليهودية، إن هو نجح في التكيُّف مع البيئة الاندماجية الجديدة، وهو ما خشي منه الصهاينة.

 

لقد نجحت حركة الاستعمار الأوربي التي فرضها تكامل القوميات الأوربية ونمو الرأسمالية في العالم، وعبر ذراعها اليهودية الشكل فقط، “الحركة الصهيونية”، في ملء الفراغ الفكري والمعتقدي والتاريخي الحاصل في بُنية الشخصية اليهودية وفي بنية الوجود اليهودي، بعد معركة التنوير وخلالها، وذلك عبر تبني واحتضان واحتواء ما سُمِّيَ بحركة التمرد اليهودي على الحياة اليهودية في أوربا، بعد أن نجحت في توجيهها – أي في توجيه حركة التمرد هذه – نحو غاياتها هي.

 

فعندما هاجم دعاة الاستنارة فكرة انتظار المسيح الذي سيأتي ليقود رحلة الخلاص اليهودي إلى أرض الميعاد، منادين عبر هجومهم على تلك الفكرة، بأن على اليهود أن يحصلوا على الخلاص بأنفسهم، فإن الحركة الصهيونية نجحت بامتياز في استخدام هذه الدعوة ذاتها، وفي تجييرها لصالح فكرة الخلاص بالتوجه مباشرة وفوراً إلى أرض الميعاد، وليس بالذوبان في المجتمعات والخلاص من العزلة والحصار والنبذ، لتكون الحركة الصهيونية بذلك وعبر هذا التجيير الذكي، الذي قفزت من خلاله باليهود من الحيرة في تحديد معنى الخلاص الحقيقي، إلى اعتبار أنه هو السعي والتخطيط والتحرك للعودة إلى فلسطين، قد نجحت في إزالة الحواجز الوجدانية التي كانت تقف بين اليهود وبين الصهيونية.

 

وهكذا فقد أصبح من الممكن، بل من الضروري، أن يكون الخلاص الذي مثل جوهر فكرة التنويريين أنفسهم، متحققا بالتحرك اليهودي عبر المنظمة الصهيونية، وبالعمل على العودة إلى فلسطين وانتظار المسيح هناك، لا انتظاره في أوربا ليعود بهم إلى فلسطين..

 

لم يعد المسيح المنتظر بسلبية هو الذي سيخلص اليهود من شتاتهم، بل غدا اليهود هم الذين سيخلصون المسيح من انتظاره الطويل في السماء.

 

لقد أدت آراء “موسى مَندلسون” التنويرية إلى انقسام اليهود على أنفسهم، فقد أراد جانب منهم أن يصبح مواطناً عادياً في مجتمعات أوربا، فيما خشي الجانب الآخر من الاندماج اليهودي في الحضارات الأخرى، ومن تعرض اليهود للامتصاص الثقافي، الذي سيؤدي حتماً – في نظر هذه الفئة – إلى ضياع الصفات اليهودية المميزة..

 

ولقد شكلت الصهيونية فكراً وحركة، الوجه المعبر عن هذا الخوف من الامتصاص، في البعد اليهودي لها، وإن كان هذا البعد لا يمثل في مبررات وجوهر مكوناتها، البعد الأهم والأخطر، بل إن الجوهر الاستعماري الأوربي هو الذي يمثل ذلك البعد!!

 

وإذن فما هي الأسباب الحقيقية التي تقف وراء نشأة الصهيونية اليهودية؟!

 

لم تظهر الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر بسبب أشواق جغرافية وتاريخية جديدة إلى فلسطين، ولا بسبب كراهية مفاجئة سيطرت على اليهود تجاه أماكن إقامتهم خارجها، فرغم أن اليهود كانوا يكرهون الشتات دائماً، إلا أنهم كانوا يفضلون الإقامة فيه، مع أن أبواب فلسطين كانت على الدوام مُشْرَعة ومفتوحة أمامهم. كما أن الأشواق الدينية إلى فلسطين لم تكن هي السبب الذي يقف وراء ظهور هذه الحركة، لأن مثل هذه الأشواق لم تحرك اليهود عبر التاريخ من أماكن إقامتهم للذهاب إلى فلسطين رغم عدم وجود معوقات أو صعوبات في هذا السبيل على مدة القرون التي كانت فيها فلسطين “التوراتية” تحت سيادة المسلمين من عرب وغير عرب.

 

فلقد حرص الكثير من الكتاب الصهاينة وغير الصهاينة، على القول بأن فلسطين بالذات كانت قبلة اليهود على مر العصور، وأنها كانت أملاً يراودهم منذ تشردهم في الزمن القديم. وانطلاقاً من كون يهود التوراة هم أنفسهم يهود الجيتو بمستسلميه “الهاكسلاه” ومتمرديه “الحالوتس”، فإن من الطبيعي أن تكون فلسطين هي الاختيار المنطقي والأوحد بالنسبة لهم وهم يبحثون عن مستقر لهم بعد تمردهم على واقعهم في أوربا. إلا أن هذا الادعاء أبعد ما يكون عن الحقيقة وعن وقائع التاريخ.

 

فلقد شهد التاريخ العديد من الهجرات اليهودية في مختلف العصور، ولم تكن فلسطين هي قبلة تلك الهجرات، رغم أنها كانت متاحة لها أكثر بكثير من الأماكن التي شدوا إليها الرحال في هجراتهم تلك. ولا وجود لأي تفسير منطقي يوفق بين التسليم بأن فلسطين كانت أملاً وقبلةً لليهود في شتى العصور، وبين حقيقة أن وقائع التاريخ الفعلية لا تحمل ما يدل على حقيقة وجود ذلك الأمل في صورة تعبير فعلي وواقعي عنه منذ ذلك التاريخ الغابر.

 

فقد شهد القرنان السادس عشر والسابع عشر هجرةً لليهود من إسبانيا والبرتغال إلى القارة الأميركية، وقد شهدت أواسط القرن التاسع عشر خروجاً يهودياً واسعاً ونشطاً، حمل إلى الولايات المتحدة نحو ربع مليون يهودي. وفي بدايات القرن العشرين ظلت الولايات المتحدة هي القبلة الحقيقية التي توجه إليها في الفترة من (1885) إلى (1914) عدد هائل من يهود روسيا والنمسا والمجر ورومانيا، بلغ قرابة المليون ونصف المليون شخص. أما هجرة اليهود بسبب الاضطهاد النازي، فقد اتجه الجزء الأكبر منها إلى العالم الجديد، وخاصة إلى الولايات المتحدة على الرغم من أوج نشاط الحركة الصهيونية آنذاك، وهو النشاط الذي كان يعمل على توجيه اليهود إلى فلسطين.

 

لا بل إن صراعاً داخلياً شهدته الحركة الصهيونية حول تحديد أصلح الأماكن لاستيطان اليهود، وكانت تلك الصراعات تعكس مصالح الدول الإمبريالية المتباينة. بل إنه وبعد استصدار المجموعة الموالية للإمبريالية البريطانية بزعامة “وايزمان”، قراراً بأن تكون فلسطين التوراتية هي جهة الاستيطان اليهودي، قام الزعيم الصهيوني البريطاني “زانجويل” بإحداث انشقاق في صفوف المؤتمر الصهيوني، وكَوَّنَ منظمة صهيونية مستقلة تهدف إلى استعمار أوغندا أو أيِّ مكان كالأرجنتين مثلاً.

 

ورغم انتهاء ذلك الانقسام في صفوف الصهاينة لصالح مجموعة “وايزمان”، فإن مجرد حدوثه واكتسابه الأنصارَ، إنما يدل في جوهره على أن فلسطين لم تكن بحال الأمل الذي استقر في أذهان اليهود جميعاً منذ التاريخ الغابر، فضلاً عن أنها لم تكن بالمستقر الذي أجمع عليه الصهاينة للوهلة الأولى ودون خلاف. فلقد تم هذا الاختيار من خلال الحركة الصهيونية ونتيجة لقيامها وليس العكس. أي أن تلك الحركة لم تقم وتنشأ ابتداء تلبية وتجسيدا لذلك الاختيار التاريخي القديم، بل إن هذا الاختيار نتج عن وجود الحركة الصهيونية، وكان لاحقاً لها، بعد المفاضلة بينه وبين بدائل أخرى، كانت كلها مطروحة على مائدة الحوار وبساط البحث، نشأت الحركة عندما نشأت قبل أن تكون قد حسمتها أيديولوجياً.

 

وهذا يعني أن الدلالة السيكولوجية لهذا الاختيار إنما خلقتها الحركة الصهيونية وسعت إلى تدعيمها وإرسائها في نفوس اليهود كوسيلة لخدمة الأهداف السياسية والاقتصادية لتلك الحركة بعد أن وقع الاختيار على “فلسطين التوراتية” التي تم اختيارها بالتالي لأسباب استعمارية صرف وحسب ما أملته الأجندة الإمبريالية البريطانية آنذاك.

 

وبناء على ما سبق، فإن الحقيقة هي أن الحركة الصهيونية في بعدها اليهودي قد ظهرت لا بسبب تلك الأشواق المفاجئة إلى فلسطين، بل بسبب الإحساس بالخوف من الشتات، وذلك بتأثير عاملين وقعا على مصير اليهود في هذا الشتات وقع الصاعقة، وهما..

 

1 – ازدياد موجات الاندماج اليهودي في المجتمعات الأوربية، بما تمثله هذه الموجات من تهديد بزوال مقومات الذاتية اليهودية.

 

2 – موجة الاضطهاد التي بدا أنها مُصْطَنعة ومُخَطط لها لإنجاح الدعوات الصهيونية وإعطاء المشروعية الدينية والتاريخية لمبرراتها المرسومة في دوائر الاستعمار الأوربي.

 

وبسبب هذه الحملة المحمومة التي مارستها الحركة الصهيونية لإذكاء مشاعر الخوف لدى اليهود في أوربا من الشتات، بعد أن نجحت في تصوير التأثير المروع والخطير للعاملين السابقين، تصويرا فعل فعله في الذهن اليهودي، فقد كانت النتيجة أن الخوف من الشتات لدى البعض تفوق على الخوف التاريخي من فلسطين، وهو الخوف الذي يحول في بُنْيَة الشخصية اليهودية بين اليهودي وبين مغامرة اتخاذ القرار بالذهاب إليها، وهذا القول يفرض علينا السؤال المهم التالي..

 

هل يخاف اليهود حقاً من فلسطين كجغرافيا؟!

 

وهو ما سنجيب عليه في الحلقة التالية..

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

bodrum escort bayan ankara escort bayan mobile porn wso shell