www.omferas.com
شبكة فرسان الثقافة

من النص إلى الواقع – التجربة الأصولية بين العقل والواقع والتاريخ./بوبكر جيلالي

0

“مِن النصِّ إلى الواقع” في جُزئه الثاني “بنية النصّ” يتضمَّن متنًا يَتشكَّل مِن مقدِّمة وثلاثة أبواب، ومضمون المتن الأُصولي في “بنية النص” يدور حولَ “بنية النص” ونشأتها وتطورها لا مِن الناحية النظريَّة، بل كون النصِّ الأصولي تجرِبةً شُعوريَّة حاضرة في التاريخ، وتأسيس في الشُّعور، ويوضِّح المفكِّر طبيعةَ النص الأصولي في الجزء الثاني بقوله: “فإذا كان الجزء الأوَّل هو وصْف لنشأة النصوص الأصوليَّة وتطورها لمحاولة التعرُّف على بِنيتها كبديلٍ عن الفصول التمهيديَّة التاريخيَّة التقليديَّة خارجَ النص، فإنَّ عنوان هذا الجزء يكون “تكوين النص”،

  العنوان : من النص إلى الواقع – التجربة الأصولية بين العقل والواقع والتاريخ 
بوبكر جيلالي

 

 

من النص إلى الواقع – التجربة الأصولية بين العقل والواقع والتاريخ
د. جيلالي بوبكر

“مِن النصِّ إلى الواقع” في جُزئه الثاني “بنية النصّ” يتضمَّن متنًا يَتشكَّل مِن مقدِّمة وثلاثة أبواب، ومضمون المتن الأُصولي في “بنية النص” يدور حولَ “بنية النص” ونشأتها وتطورها لا مِن الناحية النظريَّة، بل كون النصِّ الأصولي تجرِبةً شُعوريَّة حاضرة في التاريخ، وتأسيس في الشُّعور، ويوضِّح المفكِّر طبيعةَ النص الأصولي في الجزء الثاني بقوله: “فإذا كان الجزء الأوَّل هو وصْف لنشأة النصوص الأصوليَّة وتطورها لمحاولة التعرُّف على بِنيتها كبديلٍ عن الفصول التمهيديَّة التاريخيَّة التقليديَّة خارجَ النص، فإنَّ عنوان هذا الجزء يكون “تكوين النص”، وإن كان الجزء الثاني يحاول إرجاعَ بنية النصِّ الثلاثية إلى تجارِبها المعيشة وأبعاد الشُّعور التاريخي والنَّظري والعَملي، فإنَّ عنوانه يكون “بنية النص”، والتقابُل بين التكوين والبنية قائمٌ، وهو الاختيار الذي تَمَّ بعد احتمال كان واردًا.
وبالرغم أنَّ لفظ النصِّ يتكرَّر في الجزأين، إلاَّ أنَّ الجزء الثاني دراسة لواقِع النص في التجرِبة المعيشة كما يدلُّ على ذلك العنوان”[1]، فالنص الأصولي الذي يتضمَّن تأسيسَ العلم وبنيته وقِسمة البنية، هو موضوع دراسة مِن خلال منهج تحليل المضمون ومناهج أخرى لمصنّف أصولي معاصر هو الفريد في نوعِه، يَسعَى إلى قراءة عِلم أصول الفِقه وإعادة بنائِه وفقَ ما تقتضيه رُوح العصْر وحاجاته وتحدياته، والجزء الثاني “بنية النص” يأتي بعدَ الجزء الأوَّل “تكوين النص”، “جاء الجزء الأوَّل “تكوين النص” أقرب إلى الشكل منه إلى المضمونِ؛ لمعرفة كيفية “تكوين النص” باعتبارها شكلاً.
أمَّا هذا الجزء الثاني “بنية النص”، فهو أقربُ إلى المضمون منه إلى الشكل؛ لمعرفة بنية النصِّ خارج الشكل وخارج اللُّغة إلى بنية الشُّعور في علاقته بالعالَم، فالشعور شعورٌ بشيء، والوجود وجود في العالَم… والنص الأصولي ليس نصًّا صوريًّا خالصًا، بل إنَّه يعبِّر عن تجرِبة شعوريَّة حيَّة عندَ صاحبه، ينشغل به في مقتبَل العمر أو في آخِره كنوعٍ من المران، ويتمُّ التصنيف فيه وفي غيرِه من العلوم مِثل علوم التصوف في مرحلة أخرى من العمر”[2]، ولعلَّ “حسن حنفي” يقصِد فيما قاله تجرِبتَه مع التأليف الأصولي بصفة خاصَّة، وإعادة بناء العلوم التراثيَّة في مشروع “التراث والتجديد” بصفة عامة؛ لأنَّه يعتبر “من النص إلى الواقع” هو النصّ الأصولي في الأهميَّة والأولويَّة، فيقول: “وتأتي أولوية “المستصفَى”؛ لأنَّه يمثل التراكُم الأصولي حتى القرن الخامس، ومِن أجل بيان تطابق النصِّ مع العقل، وهو آخِر ما دوَّن الغزالي، والنصُّ الأصولي الوحيد الذي لَخَّصه ابن رشد في “الضروري في أصول الفقه”، وميزته الهدوء العقلي والاعتدال؛ إذ يقوم على تحليل العقل والنقل الخالِص دون إحالةٍ إلى مصادره، وربما تمَّ الاعتماد فيه على الذاكرة الخالِصةِ التي قوَّتها علومُ الذوق عن طريقِ الاستبطان، ثم تأتي أولوية “الموافقات” الذي يدلُّ على التراكُم الأصولي حتى القرن الثامن، ويقوم على اتفاق النصِّ مع المصلحة، وبالتالي يتمُّ التوحيد بين النصِّ والعقل والمصلحة؛ أي: بين الوحي والعقل والطبيعة، وهو الحدس الرئيسي للحضارة الإسلاميَّة “المستصفى” و”الموافقات” هما النصَّان الرئيسيان التكوينيَّان قبلَ هذا النصِّ الأصولي الثالث “من النص إلى الواقع”.”[3]
المقدمة في “بنية النصّ” تتشكَّل مِن جملة مقدِّمات نظرية تحتوي على كيفية العمَل والتدوين في الجُزء الثاني أكثر منها مقدِّمات نظرية عامَّة عن المنهج والموضوع؛ لأنَّ المقدمة النظرية الكبرى وردتْ في الجزء الأوَّل “تكوين النص”، فبالإضافة إلى الطابع المادي الشُّعوري التجريبي “لبنية النص” كنصٍّ أصولي يبحَث في بنية النصِّ الأصولي كتجرِبة شعوريَّة تتحدَّد من خلالِ التحليلات الشعوريَّة، وهي ظاهرة لدَى القدماء تظهر في أسلوبهم وفي التعبير الشخصي بضميرِ المتكلم المفرد.
ويؤكِّد المفكِّر أنَّ “الزمن الأصولي تجرِبة معيشة عندَ الأصولي الحديث عندما يعيش النصَّ ويعرف مدى دلالته للعصر، فالنص تجرِبةٌ مشتركة بين الأصولي الأوَّل والقديم والأصولي الثاني الحديث الذي يقوم بالقراءة، وهو المؤلف لصالِح قارئ ثانٍ يئنُّ مِن الفقه القديم الذي تضيع فيه مصالحه وتتعقد فيه أزماته، وإذا كان القدماءُ قد اتَّبعوا طريقتين في تدوين عِلم الأصول؛ طريقة المتكلِّمين وطريقة الفُقهاء، فإنَّ “بنية النص” تتبع طريقةَ المُحْدَثين تحليل النصِّ باعتباره تجرِبةً شعوريَّة”[4].
واعتبار النص الأصولي تجرِبةً شعوريَّة تتأسَّس في الشعور؛ لأنَّ الشعور هو شعورٌ بموضوع ما، وهذا لا يَعني أنَّ التحليل الشعوري للموضوعات مِن قبيل التأثُّر بالوافد، بل هو تواصلٌ واستمرار للموروث المحلِّي في تحليلِ الكلام الذي يجري داخلَ النفس، فالتأمُّل كلام نفْسي والتفكير كلام نفْسي، “وزمان الفِعل وشعور الراوي لضبطِ خبر الآحاد ومراحل نقْل الرِّواية، السمع والحفظ والأداء والتجرِبة المشتركة، وهي تجرِبة شعوريَّة عامَّة.
والشِّعر تجربةٌ شعوريَّة مثل الفِعل موضوع أصول الفِقه، ويبدو هذا التحليلُ النفسي صراحةً في بعض المتون القديمة؛ مِن أجل تأسيس عِلم أصول الفِقه على تحليل النفس الإنسانيَّة وقواها النظريَّة والعمليَّة”[5]، فتحليل الخِطاب تحليلاً شعوريًّا لا يعني تطبيق منهج خارجي وافد، هو المنهج الظواهري، “بل هو ما يعرفه القدماءُ باسمِ الكلام النَّفْسي، ليس فقط في قضية خلْق القرآن كحلٍّ لقضية القِدم والحدوث والتوسُّط بينهما المعنى قديم واللفظ حادث، بل في كلِّ تحليلات الخِطاب في كلِّ العلوم النقليَّة والعقليَّة، والنقليَّة الخالصة، والعقلية الخالصة، المنهج الظاهراتي الوافِد من الخارج جزءٌ مِن علم الاستغراب؛ أي: تحليل التراث الغربي داخل إطاره التاريخي، وتتقارَب الحضارات في المناهِج والموضوعات، والحضارة الأقوى على الانتشار تُصبح الحضارة المبدِعة وغيرها مِن الحضارات السابقة عليها خاوية مِن أيِّ إبداع، وغيرها مِن الحضارات التالية متأثِّرة بها، وامتدادات حضاريَّة لها خارجها عندَ غيرها”[6].
ففي بِنية النص تَمَّ التعامل مع النصوص الأصوليَّة وحدها وليس مع الشروح والملخَّصات، فالنصوص أوْلى من تفاصيل نصوص ثانية، ومِن دون التعرُّض إلى الخِلافات والفروع التي لا حدَّ ولا نهاية لها، ومِن دون أسماء الأعلام، لكلِّ متن وشرْح وحاشية وتقرير بعدَ أن تَمَّ عرضُها بإسهاب في “تكوين النص”؛ بهدف الإبقاءِ على النصِّ الأصل مستقلاًّ، ثم كشف بنيته في الشُّعور، ما عدا فرقةَ المعتزلة وفرقة الأشاعرة والمذاهب الفقهيَّة؛ لتعدُّد أرائها في الأصول، ومِن أجل إعادة الاختيار بيْن البدائل طبقًا لحاجات وتحديات العصر بغير التزام بأحد منها.
حبس القُدماء أنفسَهم في النصوص، والمطلوب الانتقال مِن النصِّ إلى الواقِع وإلى المصالح العامَّة، والنص الأصولي نوعانِ: دال يبعث على الحوارِ ويبعث في النفْس المعاني والدَّلالات، ويتطلَّب تغييرَ المنظور وفقَ ما تقتضيه ظروف العصر، ونص آخَر استدلالي صوري لا تجرِبة فيه ولا موقفَ ولا حدس، والنصُّ الدالُّ نوعان: مثير لموقِف سلْبي، وآخَر مثير لموقفٍ إيجابي، وهو ما يُمكن ذكره لدعمِ التحليلات الجديدة.
والنصوص المقتبسة في الهوامش ثلاثةُ أنواع: نصوصٌ في حاجة إلى تأويل تمنَع العلم مِن التطور، ونصوص مؤيِّدة للتحليل الجديد، وهي تدلُّ على أنَّ الجديد له جذورٌ في القديم، ونصوص محايدة تهتمُّ بقسمةِ العِلم وموضوعاته ومناهجه
أمَّا المصطلح الأُصولي والمادة الفقهيَّة، فمِن الشريعة، وأمثلة الفِقه ما زالت مِن العبادات، والأولويَّة للمعاملات، “وبدلاً مِن الفِقه القديم، يُذكر الفِقه الجديد؛ مِن احتلال الأرض، وقهْر للمواطن، وفقْر وحرمان؛ نظرًا للتفاوت الشديد بيْن الأغنياء والفقراء، ووحدة الأمَّة ضدَّ مخاطر التجزئة والتنمية المستقلة مِن التبعية والانخراط في النِّظام الدولي، واقتصاديات السوق التي عُرِفت أخيرًا باسمِ العولمة، والتأكيد على الهُوية مِن الاغتراب وإنكار الذات والتبعيَّة للآخر، وحشْد الجماهير ضدَّ تغييبها باللامبالاة والفتور أو العجْز واليأس والقنوط”[7]، وفي حالات عديدةٍ تطغَى أصولُ الدين والفلسفة والتصوُّف على أصولِ الفقه والمادَّة الفقهيَّة والأصوليَّة في عصرنا الحالي تَقتضيها ظروف العصْر وتحدياته، فهي مِن العلوم الاجتماعيَّة أصول المجتمع الاجتماعيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة والثقافيَّة.
لكلِّ مصنِّف أصولي مدخلٌ نظري يشمل الإيمانياتِ وظروف التصنيف والدافِع إليه، وتحديد العِلم مِن حيث الموضوعُ والغاية والمفاهيم، والمرتبة والفضل، وحال العلم في منظومة العلوم الإسلاميَّة، وتُذكر مضادات العِلم مِن جهل واعتقاد ووهم وغيره، ونظرية العِلم والدَّلالة وأنواعها، وتحليل اللُّغة والتحوُّل مِن اللُّغة إلى المنطق، واعتماد المادَّة الأصوليَّة على العلوم الأخرى، مِثل عِلم أُصول الدين والفلسفة وعلوم التصوُّف، كما تؤكِّد انتقال العِلم إلى الاتجاه العَمَلي والنزعة الواقعيَّة، والبداية بالمصلحة العامَّة وبمناهج ونتائج العلوم الإنسانيَّة، وبالواقع المعاصر في الدورة الثانية للحضارة الإسلاميَّة في منظور “مِن النص إلى الواقع”، وفي “بنية النص” بالذات، وفي إطار مشروع التراث والتجديد عامَّة.
وقد يكتفي المدخل بالبسملاتِ والحمدلاتِ والدخول مباشرةً في الموضوع دون مقدِّمات نظريَّة تفصيليَّة، وقد تدور المقدِّمات النظريَّة حولَ العلم – تعريفه وأهميته وشرفه وحُكمه وأنواعه – أو حولَ العلم والعمل والرَّبْط بينهما مِن خلال النظر والعمل، وقد تبدأ مِن الدعوة إلى توحيدِ الأمَّة ونبْذ الفتنة والتفرُّق والتمزُّق، أو مِن تعظيم المذاهب والدعاء إلى السلاطين.
أمَّا ظروف التأليف بالنِّسبة للنصِّ الأمثل، فتكون المقدِّمة فيه تتضمّن الدافعَ إلى التأليف؛ لتفادي التَّكْرار والاجترار، أمَّا في النصِّ الأصولي الجديد، فالدافِع إلى التأليف هو تجاوزُ تأليف القُدماء والمحدَثين بالجديد والإبداع، وقد يكون الدافع إلى التأليف هو أحكامَ الاستدلال أو المذهب، وتكون بنية العِلم مِن دوافع التأليف وجزءًا مِن المقدِّمة، و”بنية النص” ثلاثة أبواب تضمُّ اثني عشر فصلاً، وهو نفسه تقسيم الموضوع “الوعي التاريخي لاستقبال الوحي في قنواته الأرْبع: الكتاب (التجرِبة الإنسانية العامَّة)، والسُّنة (التجرِبة النموذجيَّة)، والإجماع (التجرِبة المشتركة)، والاجتهاد (التجرِبة الفرديَّة)، ثم يتلوه الوعيُ النظري؛ مِن أجل فَهْم الوحي بعدَ استقباله، ابتداءً من مباحثِ الألفاظ التي تضمُّ الصيغة؛ أي: اللفظ، ثم المفهوم؛ أي: المعنى، ثم المضمون؛ أي: الفحوى والإحالة إلى العِلم الخارجي، ثم المنظور وتعدُّد الصواب، ثم يتلوه الوعيُ العَمَلي الذي يتضمَّن أحكامَ الوضع؛ أي: بناء الشريعة في العالَم، وأحكام التكليف؛ أي: تحقيقها كأنماطٍ للسلوك البشري”[8].
قد تتضمَّن المقدِّمة حدَّ العِلم وحد الأصول وحد الفِقه واستمداده ومصادره ومصطلحاته، وقد تتداخَل المصطلحاتُ والحدودُ بين عِلم أصول الفِقه وأصول الدِّين وعلوم الحِكمة، وتتضمَّن آداب العلم وقِسمة العلوم ونظريَّة العِلم مِن خلال مضادات العِلم وحَد العِلم ومراتبه، كما تتضمَّن الأدلةَ وأنواعها والفرق بيْن الدَّلالة والدليل، والدال والمستدل والاستدلال، والفرق بيْن الدليل العقلي والدليل السَّمْعي وأنواع الحُجج، والدَّلالة على الأحكام، كما تتضمَّن اللُّغة مِن حيث نشأتها والمعاني الثلاثة للفظ: المعنى الاشتقاقي، والمعنَى العُرفي، والمعنى الاصطلاحي، ومعاني الحروف كما تنتقل مِن اللُّغة والبيان إلى الشِّعر والعالَم؛ لأنَّ “الشِّعر تجربة إنسانيَّة واحدة عندَ القدماء والمحدَثين بالرغم مِن تغيُّر الواقع، وكما تحيل اللغة إلى البيان وإلى الصورة الفنيَّة في الشِّعر، فإنها تحيل أيضًا إلى الوجود، فاللغة منزلُ الوجود بتعبيرِ أحد المعاصرين”[9].
كما تتضمن الانتقالَ مِن اللغة إلى المنطق، والتحوُّل مِن المنطق إلى الاستدلال؛ فالمنطق لغةٌ، واللغة منطق، والمنطق القديم ليس سوى نحو؛ لذا تُدرس العلاقة بيْن اللفظ والمعنى، وبيْن اللفظ والشيء؛ أي: بين المفهوم والماصدق، وهي مِثل البَدن والرُّوح عند القدماء.
فالتأكيد على اللغة ومنطِق اللُّغة في المقدِّمة يؤكِّد دور مباحِث اللُّغة في عِلم أصول الفِقه كقواعدَ لُغوية بها تُستنبط الأحكام الشرعيَّة، وإلى جانبِ مباحث اللغة التي تتضمَّنها المقدِّمة في مباحثها النظريَّة تتضمَّن مباحِث عقليَّة فكريَّة ومنطقيَّة، هي الحدُّ والتصوُّر والتصديق والبرهان، فالحد بالتصور، والتصديق بالبرهان.
والعِلم تصوُّر وتصديق، والقِياس جزءٌ مِن الحجج العقليَّة والاستقراء والتمثيل مِن العقل، ومنطق الظنِّ جدلي أو خطابي أو سفسطة أو شعر، أمَّا القياس اليقيني الصحيح، فهو القياس البرهاني، ونظرية العِلم لدَى الأصوليِّين مُستفادة مِن الكلام والفلسفة، ولم يعُدِ المنطق صوريًّا خالصًا، ولم يعدِ المنطق التجرِيبي انتقالاً مِن الجزء إلى الكلِّ، ولم يعد تمثيلاً قياس جزءٍ على جزء، “هناك المنطق الشعوري الذي يحلِّل التجارِبَ الشعوريَّة ويحوِّل العالم الخارجي إلى قصدٍ منسي، وإحالة الذات إلى الموضوع إلى الذات في قصد متبادل، بل إنَّ المنطق الآن أصبح جزءًا من مناهج البحْث في العلوم الاجتماعيَّة، فالظواهر الإنسانيَّة بها منطقها الخاص؛ نظرًا لطبيعتها وارتباطها بالحريَّة الإنسانيَّة بحدود التنبؤ بها، وبالقِيَم الإنسانيَّة؛ أي: حدود تحويلِ الواقع إلى فِكر، والشيء المادي إلى قِيمة”[10].

ارتباط عِلم أصول الفِقه “في بنية النص” بالشعور وبالتاريخ – عُدَّ تجربةً من تجارِب الشعور، عاشها الأصوليُّون عبرَ التاريخ، ودوَّنوها في مؤلَّفاتهم الأصوليَّة؛ مِن خلال التواصُل بين السابق واللاحق، وبيْن القديم والجديد، وبيْن الماضي والحاضر، فالزمن الذي نشأ فيه عِلم الأصول ونما وتطوَّر والزمن الذي عاش فيه الأصولي ومارَس فيه التصنيف الأصولي، والمؤلف الأصولي – كل هذا تجارِب شعوريَّة معيشة لدَى الأصولي، خاصَّة ذلك الذي يدرك مدى دَلالته للعصر، ويَعي حاجات العصر وتحدياته، ويُصبح النصُّ الأصولي في هذه الحالة تجربةً شعوريَّة بيْن الأصولي السابق والأصولي اللاحق، بيْن القديم والحديث.
و”بنية النص” إلى جانبِ “تكوين النص” تجرِبة شعوريَّة تربط بيْن النصِّ الأصولي الكلاسيكي كتجرِبة شعوريَّة في الماضي بظروفه وأوضاعه، وبيْن الواقع المعاصر وظروفه ومتطلَّباته، خاصَّة وأنَّ “بنية النص” و”تكوين النص” وُضِعَا في عصرنا الحالي لواقِع معاصر، ما زال فيه القارئ يعيش على الفِقه القديم وأصوله القديمة مرهقًا متعبًا؛ لعدمِ تطابُق الفِقه القديم وأصوله القديمة مع متطلَّبات العصر، فلا المادَّة الفقهيَّة، ولا اللُّغة ولا المفاهيم ولا الأمثلة، ولا الطابَع العام الذي طبَع الفقه القديم وأصوله صار يُلبِّي حاجات العصر ومتطلباته، فلم يعُدِ العصر يهتمُّ بالعبودية والغنائم وموضوعات أخرى في الأنكِحة والزواج والقتْل والدية وغيرها، وأصبحتِ الأولوية للمعاملات في إطار فِقه جديد مبني على أصولٍ تتطابق مع ظروفِ العصر وحاجاته والأولويات فيه، مِثل الاستعمار واحتلال الأرض، والظلم الاجتماعي والفقر، ووحدة الأمَّة، والغزو الثقافي ومخلَّفاته، والتنمية وغيرها، في حين أنَّ أصول الفِقه القديم ارتبطتْ في نشأتها وتشكيلها وفي دورها بظروفٍ وأوضاعٍ قديمة مختلفة تمامًا عن ظروف الواقِع المعاصر وأوضاعه ومقتضياته؛ لذا جاءت المحاولة لإعادةِ بِناء أصول الفقه في “من النص إلى الواقع” في “تكوين النص” وفي “بنية النص”، ترتكِز على القديم ما دامت أمَّتنا تراثيَّةً تاريخيَّة، وتُوحي بالجديد وتدْعو إليه ما دام عصرُنا له خصوصياته وظروفه، لم يعُدِ الفِقه وأصوله قادرًا على الانسجام معها.
فالمحاولة تُمثِّل تجربةً مِن تجارِب الشعور عاشَها صاحبها تعكس قراءةَ القديم بمنظور معاصِر؛ من أجل جعْل التراث حاضرًا في العصر، والعصر حاضرًا في التراث؛ ليُسهمَ التُّراث مِن خلالِ هذا الجزء عِلم أصول الفِقه بفعَالية وإيجابيَّة في تحقيقِ الإصلاح والنهضة والتقدُّم الحضاري؛ لأنَّ تعاطي العصْر الحاضر مع التراث بالكيفية القائِمة يجعله لا يخرُج عنِ الماضي ولا يَعيش الحاضر ومتغيراته ومستجدَّاته وما أكثرها وفي كلِّ الميادين لدَى العالم المتقدِّم، وسبب تخلُّف العالَم العربي والإسلامي هو تمسُّكه بالتراث والماضي، وإعراضه عمَّا يَجري في واقعه المعاصِر مِن تطوُّر وازدهار، والتراث لم يعُدْ يناسب ما يَجري في هذا الواقع.
فالمنطق مثلاً لم يبقَ مجرد آلة صُوريَّة في أشكال وقضايا وأقيسة وأضرُب فقط، وكذلك المنطِق التجريبي الاستقرائي لم يعُدْ مجرد أسلوب ينتقل مِن الجزء إلى الكلِّ، وحتى التمثيل أو التشبيه إلاَّ كأسلوب في ضرْب الأمثلة وفي التعبير، فالشُّعور منطق يقوم بتحليل التجارِب الشعوريَّة، ويحيل العالم الخارجي إلى موضوعاتٍ شعوريةٍَّ قصديَّة نزوعيَّة، ويحيل الذات إلى الموضوع إلى الذات مِن جديد في قصدية متبادَلة، والعملية جارية باستمرار.
وبالتالي أصبح المنطقُ – وهو قواعد صوريَّة تُمكِّن الأصولي مِن ضبط وتقنين العمليَّة الاستنباطيَّة – لا يقِف عند ما هو صوري، بل يمثِّل جزءًا من مناهج البحث في العلوم الاجتماعيَّة والإنسانيَّة؛ لأنَّ الظواهر الإنسانيَّة والاجتماعيَّة لها منطقها بحسبِ خُصوصياتها وارتباطها بالإرادة والحريَّة والمسؤوليَّة لدَى الإنسان وبسائر القِيَم الإنسانيَّة؛ أي: بقُدرة الإنسان على تحويل الواقِع إلى أفكار، والمادَّة إلى قِيم، ولما كان القديم لا يستمرُّ في العصر بمِثل ما كان عليه، فالضرورةُ ملحَّة للتغيير والتجديد، و”من النص إلى الواقع” جاء في هذا الاتجاه يربط بيْن الماضي والحاضر، ويقرأ الماضي مِن منظور الحاضر، ويوظِّف الموروث القديم في تحقيقِ النهضة والتقدُّم في الحاضِر، في إطار مشروعٍ حضاري قومي إنساني يُريد منه صاحبُه سبيلاً إلى التخلُّص مِن التخلُّف وتجاوز أزمة الواقِع المعاصر، وهي أزمةُ التراث والتجديد.
ولما كان “من النص إلى الواقع” تجرِبة شعوريَّة لدَى صاحبه، جاءتْ لتؤدي رسالةً في العصر، هي رسالة التجديد والنهضة والتقدُّم بدلَ ما في الواقع المعاصر مِن العيش على الماضي والتخلُّف والأزمة، ففي “بنية النص” وفي مضمونِها نجِد قراءةَ النصِّ الأصولي القديم والبِناء الذي ظهَر به، والإيحاءات التجديديَّة التي يتضمنها – كلُّ هذا جاء مِن منظور جديدٍ على القديم، وهو منظور العصر، ينطلِق هذا المنظور في القراءة وإعادة البِناء وإعادة الصياغة وفي التجديد مِن طرق جديدة لم يعرفْها الأصولي القديم بطابعها المعاصِر كطرق ومناهج قائمة بذاتها، وإنْ كان الأصولي قد مارسَها بالبداهة وعرَفها بالفِطرة، وهي طريقة التحليل النفسي الشعوري؛ أي: اكتشاف مستويات حديثة للتحليل، وأهمها تحليلُ الشعور وتحليل التجارِب الشعوريَّة، وعِلم أصول الفِقه بجميع نصوصِه الأصوليَّة تجارِب شعوريَّة تقبل التحليل، و”بنية النص” و”تكوين النص” تجارِب شعوريَّة تُدرس وتُحلل على مستوى الشعور.
وكذلك منطق التجديد اللُّغوي؛ لأنَّ العلوم التراثيَّة – خاصَّة في الميدان الإنساني والاجتماعي – لم تعُدْ قادرةً بألفاظها ومصطلحاتها على مسايرةِ ظروف العصْر ومتطلَّباته، فَهِي ذاتُ دَلالات مستقلَّة لا تَسمح بإعادة فَهمها وتطويرها، والمستوى الثالث الذي يَعيش كلَّ المستويات الأخرى هو الشعورُ، فهو مطلَبٌ مِن مطالب العصر، وجزءٌ مِن البنية الثقافيَّة يعيش العصر وبيئته مِن خلال ارتباط الذات بالموضوع وتبادُل القصدية معه.
أ- التجربة في التاريخ:
إنَّ مضمونَ الباب الأوَّل في “بنية النص” وحسب تحليل المستوى الشُّعوري وتحليل الوعي الأُصولي – هو الوعي التاريخي، الذي يعني “استقبال الوعي في قنواته الإنسانيَّة ومساره في التاريخ في التجرِبة الإنسانيَّة العامَّة المطابقة لدَى كلِّ الشعوب (الكتاب) إلى التجرِبة النموذجيَّة، التطبيق الأوَّل لها في الزمان والمكان (السنة)، إلى التجرِبة الجماعيَّة في كلِّ عصر (الإجماع)، إلى التجرِبة الفرديَّة عبرَ العصور (الاجتهاد أو القياس)، والوحي هو البيان؛ أي: الإعلان والتجلِّي والظهور والحضور، الكتاب البيان الأوَّل، والسنة البيان الثاني، والإجماع البيان الثالث، والاجتهاد البيان الرابع”[11].
إنَّ مكوِّنات الوعي التاريخي لا تتعدَّد، فهي ذات بنية رباعية يحدِّدها اتجاهُ الوحي في التاريخ، “والعقل يدلُّ عليها جميعًا، تأسيس الأصْل الثاني في الأوَّل، والثالث في الثاني، والرابع في الثالث، ثم دَلالة الثاني على الأوَّل، والثالث على الثاني، والرابِع على الثالث، ومِن ثم يتأسَّس الأصل الأوَّل على نفسه ويدلُّ على نفسه؛ لأنَّه لا أصلَ قبله يتأسَّس عليه، ولا أصل سابق عليه يدلُّ هو عليه”[12].
وقد تُستنبَط الأدلَّة مِن بنية ثلاثية “أصل، معقول أصْل، استصحاب حال”، وقد تُستنبط الأدلَّة من بنية ثنائيَّة: أصل ومستنبط مِن الأصل، الأصل هو الكتاب والسُّنَّة والإجماع، ومستنبَط مِن الأصل هو القِياس وكل أنواع الاستدلال، “كما تُستنبط الأدلَّة مِن طريقين: خبر ونظَر، أو قلب خِطاب ومعنى، والخطاب يتدرَّج الكتاب والسنة والإجماع، وفي المعنى أنواع القياس والمفهوم مِن أنواع الخِطاب، وقد يقتصر الخبرُ على الكتاب والسنة”[13].

كما تُستنبط المصادِر الأربعة مِن بينية أُحادية، وهو الطريق العَقلي الذي يؤكِّد أنَّ العقل مصدرٌ مِن مصادر التشريع، ويتداخل الوعي التاريخي متمثلاً في المصادر أو الأدلَّة الشرعيَّة الأربعة مع الوعي النَّظري متمثلاً في طُرق الاستنباط ومناهِجه وقواعده، “وقد تُجمل الأدلَّة في تِسعة عشر دليلاً، لا فرق بيْن الأدلَّة الشرعيَّة الأربعة في الوعي التاريخي، ولا مباحث الألفاظ في الوعي النَّظري، ولا المقاصِد والأحكام في الوعي العَمَلي وهي: الكتاب، السُّنة، الإجماع، إجماع أهل المدينة، القياس، قولُ الصَّحابي، المصالِح المرسَلة، الاستصحاب، البَراءة الأصليَّة، العادات، الاستقراء، سدّ الذرائع، الاستدلال، الاستحسان، الأخْذ بالأحق، المصلَحة، إجماع أهلِ الكوفة، إجماع العترة عندَ الشيعة، وإجماع الخلفاء الأربعة…
ويشمل القياس عشرةَ أنواع: المصالح المرسَلة، والاستصحاب والبَراءة الأصليَّة، والعادات والاستقراء، وسدّ الذرائع والاستدلال والاستحسان، والأخْذ بالأحق، والعِصمة وقول الصحابي أقرب إلى التقليد، ثم يتمُّ التركيزُ على المصلحة باعتبارِها المصدرَ الأوَّل للتشريع”[14]، هذه المصادر بعضها محلُّ اتِّفاق، وبعضها موطِن اختلاف عندَ الأصوليِّين.

الوعي التاريخي المصدر الأوَّل فيه هو “الكتاب” “وهي تجرِبة إنسانيَّة عامَّة؛ لأنَّها تُلخص حِكمة الشعوب وخِبرات التاريخ المتتالية وقوانينها العامَّة، لم يدَّع أحدٌ تأليفها، تطابق تجارِب الأفراد والجماعات من مختلف الثقافات والعُصور، ويشمل العُرْف، وهي العادات والتقاليد والممارَسات الاجتماعيَّة في الحياة اليوميَّة”[15]، والتعاطي مع الكتاب يتطلَّب معرفة حقيقته وتعريفه وألفاظه، ثم الأحكام التي ينطوي عليها.
وكلامُ الله لا يدخُل في تعريفِ الكتاب كصِفة للذات ووحدته، فهو خارج أصولِ الفِقه، ومِن صميم أصول الدِّين، وكذلك مع قضية الخَلق والحدوث للقرآن، وقضية الإعجاز، وقضية إفهام الله معاني كلامه للرُّسل بلا حرْف أو صوت أو رمز كما وقع لموسى، كل هذا موضوع لعِلم أصول الدِّين، فالحروف مثلاً تخضع “لتحليل معاني الحروف في المقدِّمات النظريَّة اللُّغوية للعِلم، وفي حالة إثباته – الإعجاز – لا يثبت أيضًا وجود اللاَّمعنى في النص، فالحروف ليستْ فقط للمعاني، بل للتأثير النفْسي والإيحاء وفتْح عوالم جديدة للشعور”[16].
وفي الاتِّجاه المعاكِس للحدِّ الغيبي يُعرِّف الكتاب تعريفًا كميًّا إحصائيًّا، ويكون كالآتي: “وهو ما نُقل بيْن دفَّتي المصحف نقلاً متواترًا ومقروءًا على الأحرف السبْعة المشهورة، وهو النَّظْم والمعنى، ولا يختلط بغيره مِن الآيات غير المتواترة، أو السُّنة المتواترة؛ لأنَّ التواتر شرطُ العلم التاريخي، ولا خِلاف بين الحقيقي والوضعي، والمنقول آحاد منه أصبح مِثل المتواتِر بعد أن تواضَع الناس عليه، وأصبح إرثًا تاريخيًّا ويخرج عن عِلم أصول الفِقه ويكون أدخل في عِلم القرآن”[17]، والأسئلة التي تُطرح حولَ بعض الآيات هل هي مِن القرآن؟ السؤال عنها الآن لا دَلالةَ له بعدَ أن استقرَّتْ أجزاؤه، فالكلُّ وحي منزَّل منقول شفاهةً، ثم تدوينًا ولا زائدَ في القرآن.
والتعريف الرابع للقُرآن بعدَ التعريف اللفظي والتعريف الغَيبي والتعريف الكمِّي هو التعريف الشعوري، “فالكتاب هو كلام الله النَّفْسي؛ أي: التجرِبة الشعوريَّة التي تعبِّر عنها الألفاظ والعبارات، ويستطيع الإنسان أن يعرف حديثَ النفْس عن طريقِ الاستبطان، وحديث الآخرين عن طريقِ اللُّغة؛ أي: الرموز والعلامات والإشارات، وهو اسم للنَّظْم أو المعنى تُعرَف وجوه الشرع منهما، مِثل الخاص والعام، والمشترك والمؤَّول، ووجوه البيان منها: الظاهر والنص، والمفسَّر والمحكَم، يقابلها الخفي والمشكل، والمجمل والمتشابه، ووجوه استعمال النَّظْم: الحقيقة والمجاز، والصريح والكناية.
ويُستدلُّ عليها بعبارة النص وبإشارتِه وبدلالته واقتضائه، ويضم أيضًا معرفة مواضعها وترتيبها ومعانيها وأحكامها”[18]، كلام الله صِيغ: خبْر واستخبار، وأمر ونهي وتنبيه، كلُّ صيغة لها معنًى ومقصدٌ، وإرادة وعلم، وتتعلق بموضوع ما تدلُّ عليه هي قصديَّة متبادلة بيْن الشعور والعالَم بيْن الذات والموضوع، بيْن الداخل والخارج، وتشمل هذه القصديةُ كلَّ مباحث الألفاظ الداخليَّة في الكتاب باعتباره كلامًا نفسيًّا، كما تشمل المبادئ اللُّغويةَ التمهيديَّة بالإضافة إلى النسخ.
والقرآن ظاهِرٌ وباطن: فالظاهر النظم العربي، أمَّا الباطن فهو القصد منه، “ويُفسر النص بالرأي والاجتهاد، فالقرآن كتاب مسطور لا يَنطِقُ إنَّما يَنطِق به الرِّجال، ويمكن الاعتمادُ على تفسيرِ السابقين قُدماء ومحدَثين على اختلافِ العصور، فالتجارِب الإنسانيَّة عبرَ العصور واحدة، والقرآن له تصديقُه في التجرِبة الإنسانيَّة العامَّة”[19]، وإذا كانتِ العلوم اللُّغوية والإنسانيَّة والاجتماعيَّة والنفسيَّة تدرس التجارِب الإنسانيَّة والخبرات المشتركة، فإنَّ الكلام يتعدَّد بتعدُّد هذه العلوم، لقد قسَّم العلماء العلومَ المرتبطة بالقرآن إلى أنواعٍ، بعضها أداتي لفهمه واستنباط ما فيه مِن منافع، مِثل علوم اللُّغة العربية، والتي تقوم عليها علومُ القراءات والناسِخ والمنسوخ، وقواعِد أصولِ الفقه وبعضها مأخوذٌ مِن جملته ككلام، وليس كخِطاب أمرٍ ونهي، مِن حيث الإعجاز والصياغة والمعاني، وبعضها مأخوذٌ من عادة نزوله وخِطابه للخَلْق ودخوله تحت أفهامهم، وبعضها يَتعلَّق بمنطقِ الكتاب ومفهومه طبقًا للسان العربي، والكتاب في صِلته مع استقراءِ الواقع؛ لأنَّ تعريف القرآن للأحكام الشرعيَّة في أكثره كُلي لا جزئي، “ويدلُّ على ذلك الاستقراء وتفصيلات السنَّة للأحكام الشرعيَّة الكُلية، وظيفة السنَّة البيان والتفصيل، وبيان أوجه التطبيق العملي، والكليات هي الضروريَّات والحاجيَّات والتحسينات؛ لذلك يكون الاستنباطُ مِن القرآن بالاعتمادِ على السنَّة أو بمطلق الفَهْم للِّسان العربي… والقرآن فيه بيانُ كلِّ شيء على الترتيب والعالِم به على التحقيق عالِم بجملة الشريعة لا يعوزه شيء، والأدلَّة على ذلك كثيرةٌ مِن القرآن والحديث، كما تدلُّ التجرِبة على ذلك للُّجوء إلى القرآن لإيجادِ حلول للمشاكل، وما هو غير موجودٍ يمكن استنباطُه والاستدلال عليه، فكل المسائل لها أصولٌ في القرآن”[20].
على الرغم مِن أنَّ التنزيل سابقٌ على النَّسْخ في مباحِث الكتاب، إلاَّ أنَّ النسخ صار الموضوع المستحوذ على الكتاب، “والنسخ اشتقاقًا هو الرَّفْع والإزالة، وفي الاصطلاح ارتفاع الحُكم السابِق بالحُكم اللاحِق؛ أي: بيان انتهاء زمَن الحُكم الأوَّل الذي تجاوزه الزمن وتَعدَّاه التطور؛ ونظرًا لأهمية النَّسْخ فإنَّه يتمُّ تفنيد حُجج منكريه عقلاً أو سمعًا، ولا يجوز امتناعُه عقلاً؛ لأنَّه ممكن في ذاته ولا يتولَّد عليه مِن مفسدة أو استحالة، وقد وقَع بالفعل نسخُ الشريعة الإسلاميَّة للشرائع السابِقة، فالنسخ جائزٌ عقلاً وواقع سمعًا، فالنَّسْخ تشريع، عَلاقة الخِطاب بالواقع، وليس صِفة قديمة للذات كما هو الحالُ في عِلم أصول الدِّين، كانت الغاية مِن النسخ التأنيسَ لقريبي العهدِ بالإسلام والاستئلاف، فالنَّسْخ غايتُه إدخال الناس تدريجيًّا في الإسلام والبداية مِن الأخـفِّ إلى الأثقل، ولا تفاضُل في آيات القرآن، فكلها تواكب تطورَ الواقع وتحقيق مصالح الناس، وكلها خيرٌ في زمانها؛ نظرًا للمصالح المتغيرة، وعبْرَ الأزمنة؛ نظرًا للمصالح العامة الثابتة التي عبرت عنها مقاصدُ الشريعة الخمسة”[21].
أمَّا موضوع النَّسْخ فهو الأحكامُ لا العقائد، فهو “يقَع في الحُكم الشرعي، وارتفاع الحُكم ينطبق على جميع صِيغ الأمر والنهي وأحكام التكليف الخمسة، يتعلَّق النسخ بأفعالِ التكليف وأنماطها مِن وجوب وحظْر، وندب وكراهة وإباحة، ومناقل النَّسخ مِن أحكام التكليف الخمسة، طرفان ضروريَّان: الواجب والمحظور، وطرفان اختياريان: المندوب والمكروه، ووسط طبيعي تلقائي: وهو المباح، ولا يكون النسخ ضرورةً بين حُكمين متقابلين مِن الواجب والمحظور، أو اختيارًا مِثل المندوب والمكروه، وقد يكون مِن النقيض إلى النقيض”[22].
وللنسخ زمانٌ وتمكُّن، “ومِن الضروري التمكُّن مِن الامتثال للحُكم الأوَّل حتى يظهرَ تجاوز الزَّمن له، ولا يُنسخ حُكم قبلَ التمثُّل والإمكان عبثًا، وبدءًا وتغيرًا في الحُكم دون تطور الزمن، وورود النسخ بعدَ دخول وقتِ المنسوخ يعارض التمكينَ والتحقيق والتطور، بل وظيفة النَّسخ كلية”[23].
وأرْكان النَّسخ أربعةٌ، هي: النسخ، والناسخ، والمنسوخ، والمنسوخ عنه، وشروط النسخ أربعة، هي: أن يكون المنسوخ حُكمًا شرعيًّا، وأن يكون النسخ بخطاب، وأن يكونَ حُكم الخطاب المرفوع مفيدًا بوقت يزول مِن تلقاء نفْسه ويحد زمانه منذُ البداية، والرابع أن يكونَ الناسخ متراخيًا عن المنسوخ، وقد لا يحدُث النسخ دفعةً واحدة، بل يجري وفقَ تدرُّج ويحدُث عدَّةَ مرات في الحُكم الواحد، ويحصُل النسخ حسبَ تقدير القُدرة والأهليَّة واعتراض المكلَّف جمعًا أو بعضًا على الحُكم الصَّعْب أو اليسير كما يجوز نَسْخ الحُكم وحْدَه، أو التلاوة وحدَها، أو الحُكم بالتلاوة معًا.
أمَّا بالنِّسبة للناسخ والمنسوخ، فيكون النسخ للقرآن بالقرآن، وللسنَّة بالسنَّة، وإذا صدَر النَّسخ من القرآن وعلومه فإنَّ ظاهرة التنزيل وأسباب النزول هي الأخرى صدرَتْ من القرآن وعلومه، وموضوع التنزيل سبَق موضوع النسخ، “فالتنزيل يتعلَّق بالمكان في حينِ أنَّ النسخ يتعلَّق بالزمـان… وقد أتَى الوحيُ ليس لفرْض حلٍّ معيَّن أو إجابة معيَّنة، بل لترجيح أحدِ الحلول على الأخرى ولتأكيدِ ما استطاع العقلُ ببديهته والواقِع بمصلحته أن يصلَ إليه.
والسؤال مِن الواقع والإجابة مِن الوحي، ومِن ثَم تتجدَّد الأسئلة وتتجدَّد الإجابات طبقًا لرُوح العصر وهو منهجُ الاجتهاد اعتمادًا على الكتاب، وقد يأخذ الجواب السؤال في صياغة الجواب، لا فرق بيْن سؤال البشَر وجواب الوحي، ولأوَّل مرَّة يتمُّ التعرُّض لأسباب التنزيل كشرْط لفَهم القرآن ومعرفة علمه”[24].
وإنَّ إحكامَ عِلم البيان يَشترط معرفةَ أسبابِ النزول على مُقتضَى الأحوال: حال المخاطَب والخِطاب؛ لأنَّ معنى الخطاب قد يختلِف باختلاف الأحوال والأشخاص كما تختلِف صيغ الاستفهام في معناها حسبَ الأمور الخارجيَّة ومقتضيات الأحوال، وجهل أسباب التنزيل يُحدِث شبهات وإشكالات، “ومِن أسباب التنزيل معرفةُ عادات العرَب في أقوالها وأفعالها ومجارِي أحوالها حال التنزيل، وقد يرتبط الزمانُ بالمكان في تنزيل فَهم المدَني على المكيِّ لاستناد المتأخِّر على المتقدِّم، والعمَلي على النظري، وينزل المكي بعضه على بعض، والمدني بعضه على بعض، حسبَ ترتيب النزول، فالوحي مرتبِط بالزَّمان والمكان والتطوُّر والسِّياق، والدليل على ذلك أنَّ الشريعةَ أتتْ لتتممَ مكارمَ الأخلاق وإصلاح ما حدَث مِن فساد في الملَّة منذُ إبراهيم”[25].
المصدر الثاني في الوعي التاريخي: السُّنة، “وهي التجرِبة النموذجيَّة الأولى لتحقيقِ التجرِبة الإنسانيَّة العامَّة في الزَّمان والمكان، وصدقها في ذاتها في مطابقتِها للتجرِبة الإنسانيَّة وليستْ بمعجزة تدلُّ على صِدق الرَّسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – فالمعجزات بيْن قوسين؛ لأنَّها أدخل في عِلم أصول الدِّين منها في عِلم أصول الفِقه، هي البيان الثاني الذي يكشِف عن مضمونِ البيان الأوَّل، ويخصُّه في وقائع جزئية.
وتعني لغةً: الطريقة والعادات، وشرعًا: العبادات النافلة فيما صدَر عن الرسولِ – صلَّى الله عليه وسلَّم – من قولٍ وفعل وإقرار.
والسُّنة ليست فقط في ذاتها السَّند والمتن، والتواتُر والآحاد، وشروط الراوي والتعارُض والترجيح، إنَّما في علاقتها بالمصدر الأوَّل الكتاب، السُّنة ما جاء منقولاً عن الرسولِ – صلَّى الله عليه وسلَّم – وما لم ينصَّ عليه في الكتاب، بل كان بيانًا وتفصيلاً له، هي المصدرُ الثاني ومتأخِّرة عن الكتاب؛ لأنَّ الكتاب قطْعٌ والسنة ظن”[26]، وتُسمَّى السنة “الأخبار”، ويشترك في الخبر الكتاب والسُّنة والإجماع، فالخبر “هو المعنى القائِم بالنفس، نفْس المتكلِّم ونفْس السامع، لا يصدُر مِن وعي نائم أو مغلوب، بل عن وعي يقِظ هو قصد في النَّفْس، ونيَّة تتخارج ليتلقاها السامع، وهو عِلمٌ ضروري أوَّلي تضطرُّ النفس إلى الإذعان له، مِثل العلوم الرياضيَّة والتجريبيَّة التي تقوم على اطِّراد العادات، وبما أنَّ الخبر نظريَّة عامَّة في المعرِفة التاريخيَّة، فهو يتعرَّض للصِّدق المطلَق كما يتعرَّض للكذِب المطلق.
والخبر ينقسم إلى ما يجِب تكذيبه فيه، وإلى ما يجب تصديقه فيه، وإلى ما يجِب التوقُّف فيه، والصدق في الخبر وصفُ الخبر للمخبَر عنه كما هو، وبالتالي فهناك الخبرُ الذي يُحيط العِلم بصِدقه، والخبر الذي يحيط العلم بكذبه، والخبر الذي يحتمل الكذب والصدق على السواء، والخبر الذي يحتمل الصِّدق أو الكذب مع الترجيح.
والرواية خمس درجات حسبَ ألفاظها: ما يدلُّ على السماع، وما يدلُّ على السماع المباشِر أو المتوسِّط، وما يدلُّ على الأمْر، وما يدلُّ على الفعل، وما يدلُّ على الأمر دون تحديدِ الفرد أو الجماعة (سمعت – قال رسول الله – أمَر رسول الله – أمرَنا – كانوا يفعلون)”[27].
والسُّنة نوعان: سُنة التواتر وسنة الآحاد، أمَّا التواتر هو العقلُ المتَّصل بالرسول؛ أي: كل خبَر وقَع العلم بمخبره ضرورةً مِن جهة الخبر، وشروط التواتر أربعة هي: الإخبار عن عِلم لا عن ظن، استناد العِلم إلى محسوسٍ والبداية منه، استواء الطرَفين والوسط، العدَد الكافي الذي يورِث اليقين.
أمَّا شروط خبر الآحاد، فهو: المتواتر الذي ينقصُه أحد الشروط الأربَعة، ويحتاج إلى دليلٍ آخرَ ليفيدَ العلم، فهو المشكوك في سَنده رغمَ اتفاق متنه مع العقل والنقل.
والعمل بخبرِ الآحاد يشترط الاتفاقَ مع الكتاب والسُّنة أو الإجماع والقياس، ويتحقَّق الصِّدق في خبر الواحدِ عن طريق شروط الرَّاوي، مثل: التكليف والعقل، والضبط والعدل والإسلام، ومعرفة حضور شروط الراوي أو غيابها بواسطة الجرْح والتعديل، وليس المهم هو عددَ الجارحين أو المزكِّين، بل المهم هو الرِّضا بالحُكم والاطمئنان له.
والتعارُض في اللغة مِن “العرض”، ويعني: الناحية أو الجهة، أمَّا في الاصطلاح فيعني: تقابلَ دَليلين على سبيلِ الممانعة، والغاية منه إثباتُ ما هو صحيحٌ وإلْقاء ما هو باطِل، والتعارض حالاته كثيرةٌ وهو عشرةُ أنواع؛ لأنَّ الأدلَّة أربعة: “الكتاب، السنة، والإجماع، والقياس”، ومِن ثم يقَع التعارض بين الكتاب والكتاب، والسُّنة والسُّنة، والإجماع والإجماع، والقياس والقياس، والكتاب والسُّنة، والكتاب والإجماع، والكتاب والقياس، والسُّنة والإجماع، والسُّنة والقياس، والإجماع والقياس”[28]، وفي حالة تعارُض دليلين أو أكثر يُمكن رفْع التعارض بعدَّة طرق: الجمع بينهما، أو الترجيح بينهما، أو نَسْخ أحدهما بالآخَر، وإن استحالتْ إزاحة التعارض سقَط الدليلان، وأصبح التوقُّف ضروريًّا.
أمَّا الترجيح فيَقتضيه ترتيب الأدلَّة وترتيب الأدلَّة جزء مِن الاجتهاد والأولوية مِن ترتيب الأدلَّة للواقِع على النص، والترجيح لغةً هو زيادة أحدِ المثلين وصفًا لا أصلاً، هو بيان مزية أحدِ الدليلَين على الآخَر ولا تتكافأ الأدلَّة؛ إذ إنَّ أحدهما مرجَّح على الآخَر، والترجيح بيْن النقليِّين في الإخبار، كما يتمُّ الترجيح في الرواية وليس في الشهادةِ، ولا يستوي الاعتقاد في الخبَرين، ومع ذلك لا يوجد تعارُض مطلَق لا يحتمل الترجيح.
والترجيح بيْن الأدلَّة يكون بتقديم المحسوسات والمشاهدات على الأبعدِ منها، والأقربُ إلى الضرورات على الأقصى منها وتقديم الأَوْلى… وللترجيح شروطٌ، منها أن يكونَ بيْن الأدلَّة وليس بيْن الدعاوى، وأن تتعارَض في الظاهر، وأن يقومَ دليل على الترجيح، والترجيح بمزية لا تستقلُّ ويُرجح الخبر باتِّفاق أحد الخبرين مع ظاهِر الكتاب والسُّنة، ويكون الترجيحُ في المظنونات لا في القطعيَّات التي تتفاوت أيضًا في الوضوح والجلاء.
وتتداخَل المرجِّحات النظريَّة والعمليَّة على حدٍّ سواء، وإذا تَمَّ الترجيحُ يعمل بالراجِح، ولا يعمل بالترجيح المظنون، والمرجوح ليس عدمًا، بل يظلُّ قائمًا لعلَّه يكون راجحًا إذا ما تغيَّرتِ الظروف وتبدَّلت الأحوال”[29]، والترجيح يكون مِن حيث السَّند أو من حيث المتن، فمن حيثُ السند فهو خاصٌّ بالآحاد؛ لأن لا ترجيح في التواتر، “ويتمُّ الترجيح في السَّند بترجيحِ الأكبر والأعلم والأقرَب إلى الرسولِ، والأوعى بإشاراته وبمخارِج ألفاظه ومقاصده، والمباشر للرواية والأكثر روايةً، والأكثر صحبةً والأحسن سياقًا، والمتأخِّر في الزمان والأسلم لفظًا، والأورع والأكثر اتِّفاقًا مع الرِّوايات والراوي في الحرمين”[30].
أمَّا الترجيح عن طريقِ الراوي فيتمُّ بالاتِّفاق في الرِّواية، مع قوَّة الحِفظ وزيادة الضبط وشدَّة الاعتناء، أمَّا الترجيح مِن حيث المتْن فيكون بالنَّسْخ أو ما يُسمَّى “دلائل النسخ” أو باللفظ، أو بحسبِ المعنى أو بحسب الحُكم أو بحسبِ الموضوع؛ لأنَّ الترجيح لا يَقَع في أمورِ الدِّين بمعنى العقيدة، فالنص الأوَّل احتوى قواعدَ العقائد، وهو الأمر مع كليَّات الأحكام في النصِّ الأوَّل والنص الثاني.
فالخبر الواحِد قَبوله بكونِه يَقيني أو ظنِّي كطريقٍ للرِّواية وليس كموضوعٍ لها، “ويكون خبَر الواحِد حجَّة في الأحكام الشرعيَّة التي تحتمل النَّسخ والتبديل، وهي مِن فروع الدِّين، وحقوق العِباد، ما لهم وما عليهم وما تقوم به مصالحُهم العاجِلة، والمعاملات المباحَة المختارة ممَّا يتعلَّق باكتسابِ العباد وحق الغير، ومحل الخبر ما يخصُّ حقَّ الشارع بعقوبةٍ أو بدون عقوبة، وما يخصُّ حقَّ الناس ضرورةً أو اختيارًا أو ندبًا، ويُرجح ما اتَّفق مع الموضوع على ما اختلف معه، فالمهمُّ هو الموضوع؛ أي: الفِعل في العالَم، والتحوُّل مِن النص إلى الواقع”[31].
ويُمثِّل الإجماع التجرِبة المشترَكة في الوعي التاريخي باعتبارِ الإجماع المصدرَ الثالث مِن رباعية التشريع في أصوله، والإجماع في اللُّغة: العزم، وهو: “عمل إرادي وجهْد جَماعي على القَرار والفِعل؛ يعني: الاتفاق والإزماع والفِعل المشترَك، وهو التجرِبة غير النصيَّة للجماعة؛ خوفًا مِن التفرُّد بالرأي، وهو ضدّ الخِلاف والتفرُّق وإيجاد تجرِبة مشترَكة يعيشها الجميع، هو اتِّفاق علماء العصر على حُكم حادثة، واتفاق جميع المجتهدين في البِقاع.
وفي الاصطلاح: إجماع الأمَّة على شيءٍ وليس رأيًا واحدًا قامتْ عليه الحُجَّة، هو اتِّفاق الأمَّة على بداهات الشرع، مِثل أركان الإسلام الخمْس، وهي نصوصٌ متواترة أو أمورٌ معلومة في الدِّين بالضرورة وبقرائن الأحوال، ولا يُعقَد الإجماع إلا باتِّفاق العلماء”[32]، ويقوم إنكارُ الإجماع على ثلاثِ شُبهات للردِّ والتأويل والمعارضة.
ويدلُّ على صحَّة الإجماع أدلَّة مِن النص الأوَّل والنص الثاني، ويجري الإجماعُ في الشرعيَّات؛ أي: الأمور العلميَّة، فهو يكون فيما هو دِيني ودُنيوي وعقلي؛ أي: يكون في الشرعيَّات لا في السمعيَّات ولا في العقليَّات، وللإجماع طرقٌ أولها النصُّ وعن توقيفٍ في فهم معنى بالرأي أو بالاجتهادِ، والدليل على ذلك الكتاب والسنة والعقل، كما يجوز الإجماعُ على أساسِ العقل؛ أي: باجتهاد وقياس؛ لأنَّ التجرِبةَ الجماعيَّة في أساسها تجارِب فردية، “ويقرُّ العقل أيضًا بحجيَّة الإجماع، وهو الطريقُ المعنوي، فالعادة تمنَع مِن كذب الكثرة، والعقلُ قادرٌ على الإثبات دون نصٍّ للتأويل أو كأصلٍ للاجتهاد.
ولَمَّا كانتِ الأدلَّة سمعية وعقلية، فهناك أيضًا أدلةٌ عقليَّة على صحَّة الإجماع، ولا تَقدح الرِّوايات المحكية في الإجماع إذا ما عارضتِ العقل، فالعقل أساسُ النقل”[33]، وأهل الإجماع هم المجمِعون وهم الأمَّة الإسلاميَّة؛ أي جميع المجتهدين أهل العَقْد والحَل؛ “الأئمَّة والفقهاء العالِمين بالأصولِ والقادرين على استنباط الفروعِ وهو إجماع عزيمة”[34]، أمَّا شروط الإجماع وأهلية الجمْع، فهي العقل والبلوغ والعدالة والاجتهاد.
والإجماع نوعان: إجماع الأجيال، وإجماع أهل المدينة، إجماع الأجيال هو إجماعُ أهل الاجتهاد والفَتوى في عصرٍ ما، وليس للصحابة والتابعين وحدَهم في العصر السابِق وإلاَّ صار تقليدًا، والتقليد ليس مِن العلم في شيء، أمَّا إجماع أهل المدينة فيعني: أنَّ الإجماع ليس محددًا بمكانٍ مِثل إجماع أهل المدينة، والإجماع تام وناقِص، وليس مِن الضروريِّ زوالُ العصر وزوال المجمِعين حتى يتغيَّر الإجماع، فالتغيُّر للإجماع تابِع للواقِع والمصالِح وليس للمجمِعين، “وهو حلٌّ للخِلاف خارج تقدُّم الزمن بإرْجاع الواقِعِ إلى النصِّ مع أنَّ النص نفسه ردُّ فِعل على الواقِع، واستجابة له في “أسباب النزول”، و”الناسخ والمنسوخ”.
وإذا ذَكَر أهلُ الإجماع دليلاً وتبنَّوا تأويلاً فيجوز لمن أتَى بعدهم أن يفعلَ نفس الشيء، فكما أنَّ المصالح متغيِّرة فإنَّ طرق الاستدلال أيضًا متغيرة، ولا ترتدُّ الأمَّة؛ إذ لا تجتمع الأمَّة على خطأ ولم يشهدِ السمع أو البصر على ارتداد أمَّة بكاملها؛ نظرًا لتميز الوعي الفردي عنِ الوعي الجماعي، والجواز العقَلي غير الاستماتة الواقعيَّة”[35]، ومِن ثَم لا يكون الإجماع إلاَّ للعصر الحاضِر لا للماضي الغائِب أو المستقبل الآتي، “فالزَّمان ليس قيدًا بل تحررًا، والماضي نفْسه يتغيَّر إلى الحاضِر، والحاضِر نفْسه يكون ماضيًا، والمستقبل يُصبِح حاضرًا، لا يكون الإجماع باعتبار مَن سيوجد مِثل الإمام الغائِب، فالحاضر هو اللحظة مناط الإجماع”[36].
أمَّا الاجتهاد الأصولي يمثِّل التجرِبة الفرديَّة الخاصَّة في الوعي التاريخي داخلَ الوعي الأصولي باعتبار الاجتهاد أحدَ مصادر التشريع الإسلامي، ومصدره نظرية الأدلَّة العامَّة، فالأدلَّة ثلاثة: أصل، وهو الكتاب والسنة، والإجماع، ومعقول الأصل، وهو دليلُ الخطاب والقياس واستصحاب الحال، وعقلي وشرعي، وهو مستنبَط مِن بداهة العقل ومِن النص، وهو: “التجرِبة الفرديَّة لو عزَت التجرِبة الجماعيَّة غير النصيَّة تعتمد على الجُهد الفردي للوصولِ إلى الحُكم الشرعي”[37].
وتتعدَّد أسماؤه فهو بذلُ الوسع وإفراغه للوصولِ إلى الحُكم الشرعي، ويُعرَف بدليل العقل، ويعرَف بالقياس؛ لأنَّ “القياس كدليل رابع يدخُل في الوعي التاريخي كقناة أولى لدخولِ الوحي في التاريخ، وحمله له وإيصاله للناس، أمَّا القياس كمنطقٍ لاستنباطِ الأحكام، فإنَّه يدخُل في الوعي النَّظري في تحويلِ الوحي مِن معطًى تاريخي إلى تأصيل معرفي، وهو ليس قضية تعبُّد، بل قضية فَهم واستدلال، وتأسيس نظري للسلوك الإنساني حتى يُصبح سلوكًا عاقلاً”[38].
والقِياس في اللُّغة: التقدير أو المشابهة، وفي الاصطلاح: هو “حمل معلومٍ على معلومٍ في إثبات حُكم أو نفيه لأمرٍ جامع بينهما”[39]، وهو نوعانِ: عقلي منطِقي في الفلسفة وعلومها، وشرْعي للأحكام الشرعيَّة، وهو جليٌّ وخفيٌّ، وقد يُضاف نوعٌ آخر هو الواقِع، وللقياس وظيفتان، وظيفة إيجابيَّة هي جريانُه على أيِّ حكم شرعي ثابِت وصحيح، فهو أصلٌ مِن أصولِ التشريع الأربعة، ووظيفة سلبية؛ لأنَّ القياس لا يَجري على نفْس الحُكم، بل في إثباته فقط فهو يستنبَط الكامِن في النصِّ ولا يضيف جديدًا، ويُدرك العِلل في الواقِع ولا يَفترضها؛ لأنَّ إمكانياتِ النصِّ مطابقةٌ لإمكانيات الواقِع، “وإذا كانتْ مكوِّنات الشرعيَّة ثلاثة: الشرع والعقل والواقِع؛ أي: الوحي والعقل والطبيعة، وكانتِ المواقف الممكِنة اثنتين: الإثبات والنفي… لا يُمكن نفيُ القياس شرعًا؛ لأنَّه مصدرٌ مِن مصادر التشريع عندَ القدماء، المصدر الرابع؛ نظرًا لأولوية النص على الواقِع، وربَّما عندَ المحدثين نظرًا لأولوية الواقِع على النص.
فالقياسُ والاستدلالُ طريقٌ لإثبات الأحكام في العقليَّات، ويجوز ورود التعبُّد في القياس في الشرعيَّات، وهو طريقُ الأحكام الشرعيَّة، بل إنَّه أمر ودين”[40]، أما المصادر المتنازَع عليها فهي: الاستحسان والاستصحاب وشرْع ما قبلنا، أمَّا الاستحسان فهو دليلٌ غير مستقلٍّ عن مصادر الشرع، بل أحد أشكال الاستدلال الحرِّ يعارض القياس الجلي، ويقوم على الإحساسِ الطبيعي والفِطرة السليمة، فهو ليس منطقًا نظريًّا، بل ذوقًا فطريًّا يؤكِّد الحديثَ النبوي “ما رآه المسلِمون حسنًا فهو حسن”.
والاستِصحاب يعني: البقاء على الحُكم حتى يتغيَّر بدليل هذا في حُكم الأصل وبراءة الذمَّة، ويعني: استصحاب الأصْل بدون دليلٍ، وهو استصحابٌ بحال العقْل واستصحاب حالَ الإجماع، أمَّا شرع ما قبلنا فهو نتيجةٌ طبيعيَّة كدليل العقل، أو استصحاب الحال إبقاء على براءة الذمَّة، “وأهميَّة شرْع ما قبلنا هو الكشفُ عن منطقِ التواصل والانقطاع في الشرائِعِ بين مراحلِ الوحي السابقة ما يبقَى منها وما تغيَّر، وما يمكن أن يُصبِح موضوعًا للشرائع المقارنة بوجهٍ خاص والدِّيانات المقارنة بوجهٍ عام.
وقدْ أخذتِ الشريعةُ الإسلاميَّة تجارِب الشرائع السابقة وبنَتْ عليها الشرائع متعدِّدة وواحدة، متعدِّدة في الزَّمان والمكان، وواحدة في الهدَف والقصد، متعدِّدة في التاريخ وتطوُّره وواحِدة بعدَ اكتمال التطور واستقلال الوعي كمال العقل وحريَّة الإرادة؛ الماضي يصبُّ في الحاضِر، والحاضِر يرجِع إلى الماضي، يتقدَّم الزمان ولا يتأخَّر، ويكتمل الوعيُ ولا يتناقَص، والحاضِر يَجُبُّ الماضي، والناسخ يتضمَّن المنسوخ ويُكمِّله”[41].
وتوجَدُ مصادرُ أخرى محلّ خلافٍ بين الأصوليِّين تتمثَّل في: قول الصحابي، والاستدلال الحر، ودَلالة الاقتران أو قانون السببيَّة، والإلهام والرؤية والعصمة، فتُعفى هذه المصادر مِن الأدلَّة ومِن العلم مِن الاستدلال، وقانون السببية وبعضها ليس مِن الأدلَّة، ولا مِن العلم مِثل العصمة والرُّؤية.
ب- التجرِبة في العقل:
إنَّ مضمونَ الباب الثاني في “بنية النص”، وحسب تحليل المستوَى الشعوري للوعي الأُصولي هو الوعي النَّظَري الذي يَعني “مَلَكة فَهم الوحي بعد تلقِّيه مِن خلال القنوات الأربع: الكتاب والسنة، والإجماع والقياس، التي تكوِّن مضمونَ الوعي التاريخي، ويُعتبَر عمدةَ عِلم الأصول؛ لأنَّه هو الانتقال مِن الوعي التاريخي إلى الوعي العمَلي، والذي يمثِّل قطب الاجتهاد فيه، وهو قائِم على جهْد الإنسان وإعمال العقْل.
لذلك تضخَّم على حسابِ الوعي التاريخي والوعي العمَلي على حدٍّ سواء، ممَّا يدلُّ على أولوية الفَهم على التاريخ والفعل عندَ القدماء”[42].
ولَمَّا كانتْ أبعاد الفِكر هي اللفظ والمعنَى والشيء، فإنَّ الوعي النظري يشمَل المنظوم؛ أي: اللفظ أو مباحِث الألفاظ، والمفهوم؛ أي المعنى أو فحْوَى الخِطاب والمعقول؛ أي: الشيء أو مباحِث العِلَّة والمنظور وهو الاجتهاد، والمنظوم هو اللفْظ أو البيان والبيان معاني قائِمة في النَّفْس يُعبِّر عنه بالأصوات المقطعة والحروف المنظومة، والكلام مفيدٌ أو غير مفيد، دالٌّ وغير دال، مهمَل ومستعمل، وهو إخبارٌ واستخبار وأمر ونهي.
والمبادئ اللُّغوية هي السبيلُ إلى فَهم الخِطاب وإدراكه، وتُسمَّى المباحث اللغوية “عوارض الأدلة “، وهي: المحكَم والمتشابه، والإحكام والنسخ، والأوامر والنواهي، والعموم والخُصوص، والبيان والإجمال، وقد تدخُل جميع مباحِث الألفاظ في “كتاب اللغات”، وكما تستنبط مباحِث الألفاظ مِن اللفظ وما يُفيدُه مِن معنى تستنبط مِن قسمة عقليَّة للأدلَّة، أو مِن طريقِ تحديد صِفة المكلَّف؛ كونه عالمًا يعرِف القبح ويعرِف الحسن.
والمنظوم هو منطقُ اللفظ لمعرِفة طُرق الاستدلال بالصيغة مِن حيثُ اللغة والوضع، وقِسمة مباحث الألفاظ كانتْ في أوَّل الأمر رباعيَّة النص والظاهِر والمجمَل والعموم، وتحوَّلتْ بعدَ ذلك إلى ثنائيات: الحقيقة والمجاز، الظاهِر والمؤَّول، العموم والخصوص، والمجمل والمبيَّن، “وقد تضخَّمتْ مباحِث الألفاظ بحيث أصبحتْ أحيانًا كلَّ العِلم، وقد سُمِّي ذلك “البيان” الذي يشمل كلَّ مباحِث الألفاظ، مِثل التفسير والتخصيص والاستثناء، وقد يدخُل النسخ أيضًا كما تدخُل السنة قولاً وفعلاً وإقرارًا، وقد تدخًل كلها في موضوعٍ واحد هي الألفاظ الواردة في الشَّرْع”[43].
والقِسمة لمباحِث الألفاظ في “بنية النصّ” سباعية، وهي: الحقيقة والمجاز، المجمَل والمبيَّن، الظاهِر والمؤوَّل، المحكَم والمتشابه، الأمر والنهي، العموم والخصوص، والمطلق والمقيَّد، أمَّا الحقيقة والمجاز فهي ثنائيَّة مِن طبيعة اللُّغة ذاتها، “الحقيقة هي مطابقة اللفظ لمعناه في حينِ أنَّ المجاز هو إخراجُ اللفظ مِن معناه الحقيقي إلى معنًى مجازي بسببٍ أو قرينة، وتُستعمل الحقيقةُ بمعنيين: الأوَّل وصف الشيء، والثاني حقيقة الكلام، وهو مفصَّل ومجمَل، أما المجاز فكلُّ لفظ خرَج معناه مجازًا إلى معنًى آخَر، والمجاز ثلاثة أنواع: استعارة في الكلام، أو زيادة في الكلام، أو نقصان في الكلام، “وحُكم الحقيقة وجودُ ما وُضِع له أمرًا أو نهيًا، عامًّا كان أو خاصًّا، والعَمل بهما، وحُكم المجاز وجودُ ما استعير لأجله، ولا تجتمع الحقيقة والمجاز في لفظٍ واحد في حالة واحدة، وتُعرف الحقيقةُ بالسماع، ويعرف المجاز على مذهبِ العرب بالاستعارة، وللمجاز علاماتٌ هي قرائنُ تقوم عليها أحكامُ المجاز، “فالمجاز رخصة، والحقيقة عزيمة، ويحمل اللفظ على حقيقتِه إذا تجرَّد ولا يحمل على المجاز إلا لدَلالة، ويُمكن التجوُّز بالمجاز عنِ المجاز، فللمجاز مراتبُ وأبعادٌ في الشعور”[44].
وإذا كانتْ ثنائية الحقيقة والمجاز في المدخَل اللُّغوي العام، فإنَّ “المجمل والمبيَّن” هو أوَّل ثنائية في مباحث الألفاظ الأصوليَّة، أمَّا المجمل فهو الذي يحتمل أكثرَ مِن معنًى بدون ترجيح، أمَّا المبيَّن فهو اللفظ الدالُّ على معنًى واحد وهو النص، المجمل هو الذي يتأرجَح بيْن معنيين دون إمكانية تفضيل أحدهما على الآخَر.
وتنقسِم الحقيقةُ إلى مجمَل ومبيَّن مفصَّل، ويُعرف المبيَّن لغةً: مِن البيان، وهو الإعلام والظُّهور، أما المبيَّن فقد يكون فحوَى الخطاب وكل ما لا يُقيَّد العلم أو الظن يظل مجملاً، “ليس البيانُ واحدًا عندَ كلِّ الناس، فالقصدُ مِن الذات إلى الموضوعِ قدْ يختلِفُ مِن إنسانٍ إلى آخَر، وهو مُتعدِّد القراءات، فالمعنى في النَّفْس وليس في الموضوعِ إلا مجرَّد المشير له أو المنبِّه الخارِجيّ عليه، وقدْ يبيِّن الخطابُ المرادَ منه وقدْ لا يُبيِّن طبقًا للفرد، فقد يُريد الخطابُ الجميعَ أو البعضَ، على مستوى الأفراد أو الأفعال، فالبيان مرتبطٌ بقُدرة العقل على الفَهْم واستيضاح الأشياء”[45].
والبيانُ أنواعٌ أربعة هي: بيانُ تقريرٍ، وبيان تفسيرٍ، وبيان تبديلٍ، وبيان تفسير، مِثل الاستثناء، وللبيان أدِلَّةٌ، فهو يقَع “بالقول والكتاب والإشارة، والفِعل، والإقرار… بيان القُرآن بالقُرآن، والسُّنة بالسُّنة، والقرآن بالسنة، والسنة بالقرآن”[46].
ولا يَجوزُ تأخيرُ التبليغِ؛ لأنَّ الخطابَ للفِعل وليس للمعرفةِ، والفعلُ في حاجةٍ إلى تدقيق وتوضيح، “ولا حِكمةَ في تأخيرِ البيان لمدَّةٍ معلومةٍ فهو حجْبٌ للعِلم والعمل أو لمدَّةٍ غيرِ معلومة، فالخِطاب ليس مصدرَ علمٍ، بل اقتضاء فِعل، ويَنطبق تأخيرُ البيان على الأوامرِ والنواهي في الفِعلِ والإخبار في المعرفةِ النظريَّة الخالِصة”[47].

أمَّا ثنائية الظاهر والمؤول في مباحثِ اللغة فتقَع على النص، والنصُّ لا يَقبل التأويلَ، أمَّا الظاهِر فهو الذي يحتمل التأويلَ وتحوُّلَ الظاهِر إلى مجموعةٍ مِن القواعِد الأصوليَّة مِثل “إنَّ الظاهِر يَدفع الاستحقاق ولا يُوجِب الاستحقاق”، والظاهِر على ثلاثةِ أنواع: الظاهِر بالوضع، والظاهر بالعُرف، والظاهر بالدَّلالة، “والمؤوَّل متَّضح الدَّلالةِ في المعنَى المؤول، راجحٌ فيه بدليلٍ منفصل، وذلك عن طريقِ حمْل اللفظ من المجاز على الحقيقة، والاشتراك الذي هو أقربُ إلى الإجمال، والإضمار والترادُف والتأكيد والتقديم والتأخير والتخصيص” [48].
والتأويلُ هو صَرْفُ الكلام عن ظاهِرِه إلى وجهٍ يحتمله، وشرطُ التأويل موافقته للُّغةِ وللعُرْفِ وعوائدِ الشرع، فالتأويلُ في العقليَّات والشرعيَّات وفي الواقع، وارتباط الظاهِر بالمؤوَّل كارتباطِ العامِّ بالخاصِّ، كلاهما يقوم على الأصل نَفْسه، وهو الإمكانية في توجيهِ النص وفقًا لمسارِ الواقع.
ومِن الثُّنائيات اللُّغويَّة في المباحِثِ الأصوليَّة اللُّغويَّة: المُحكَم والمتشابِه: “المُحكَم ما لا يَحْتَمِل إلاَّ معنًى واحدًا، والمتشابِه ما يَحتمِل معنيَينِ أو أكثرَ، وهي تفرقةٌ قرآنيَّة، المُحكَم في النَّظمِ والترتيب على وجهٍ يمتنع مِن التناقُضِ والاختلافِ، والمتشابه احتمالُ معانٍ مختلفة ويَصدُق عليها جميعًا أو يكون في بعضِها حقيقةً وفي البعضِ الآخَر مجازًا”[49].
ويَختلِف المتشابِه في القرآنِ عنِ المتشابِه في الأحْكام، ففي القُرآن معرفةٌ نظريَّة، أمَّا في الأحكام فهو سُلوكٌ عملي، ويَقَع التشابهُ في الفروعِ لا في القواعِد الكليَّة، وهو في الشريعةِ حقيقيٌّ وإضافي وواقعي.
أما ثُنائية الأمْر والنهي فجاءتْ تبعًا لانقسامِ الكلام إلى أمْر ونهي، وخبر واستخبار، والكلام ثلاثة أنواع: صُوري مادِّي وشعوري، ألفاظ وأصوات، وقصد ونيَّة، والأمرُ يدلُّ على الحُسن، أمَّا النهي فيدلُّ على القُبح، ويَستحيل اجتماعُ الحُسن والقُبح في أمرٍ واحد، وللأمْر صِيغٌ وشروط، فهو صيغة افعل واقتضاء طلَب، ويُشترط الإرادة والتكليف.
وتَتعدَّد أوجهُ الأمْر والنهي في صِيغ الكلام على مستوى اللُّغة وعَلى مستوى أحكامِ التكليفِ الخَمْسة.
وصِيغ الأمر والنهي مِن حيثُ أوجه تطبيقهما كثيرةٌ، وليس على سبيلِ أحكام التكليف فقط، وأوجه الأمر في مستوى أحكامِ التكليف تنقِسم إلى: وجهٍ إلزامي يمثِّلُه الواجبُ والمحظور، ووجْهٍ اختياري يمثِّله النَّدْب والكراهة، ووجه طبيعي تمثِّله الإباحة.
والأمْر يَقتضي القدرةَ والزمان والتجدُّد والتَّكرار، أمَّا ثُنائية العموم والخُصوص فتشمل مباحثَ الألفاظ وقدْ تتداخَل المباحِث اللفظيَّة فيما بينها في نظريةِ الأدلَّة والعموم يكون في اللفظ من جِهة اللفظ والمعنَى وللعموم صِيغ الاستغراق، وأقل الجمْع والعموم قاعدة، والخُصوص استثناء، وللعموم مناطٌ كما للخصوص مناط، وقد يُخصص العمومُ بوسائلِ المعرفة السمعيَّة والعقليَّة، وبإرادة المتكلِّم، وبالأدلَّة الأربعة.
أمَّا الاستثناء فهو دليلٌ على الخصوصِ وضرْبٌ منه، وهو القول الذي يدلُّ على أنَّ المذكورَ فيه لم يرد بالقول الأوَّل، وله الحقُّ أنْ يكونَ في اتِّصال بالمستثنى منه، والاستثناء صِيغة بحروف، وشروطه ثلاثة:
الاتِّصال والاقتران، المستثنَى مِن نفس جِنس المستثنَى منه، عدَم الاستغراق؛ أي: تساوي المستثنى والمستثنى منه، ويكون الشرطُ واحدًا مِن أوجه البيان، والفَرْق بينه وبيْن الاستثناء هو أنَّ الشرطَ يُثبَت أو يُنفَى في حين أنَّ الاستثناءَ يجمع بيْن الإثبات والنفي، ويدخل في العمومِ والخصوص موضوعُ التعارُض والترجيح ومحلُّ التعارض هو النصُّ وليس العقل، فإذا حصَل تعارضٌ بيْن النصِّ والعقل أُوِّل النصُّ لصالِح العقل، والتعارُض نوعانِ: تعارض في اللفظ والنص، وتعارض لا يُقْبَل حملُه على زيادةٍ أو نُقصان.
أمَّا الثنائية السابِعة في مباحِث اللُّغة، فهي المطلَق والمقيَّد، فالمطلق هو الحُكم الذي ليس فيه تقييدٌ على الإطلاق، أما المقيَّد فعكسه تمامًا، وقد يأتي الخطابُ مطلقًا في موضوعٍ ما ومقيدًا في موضوعٍ آخَر، وهذا مرتبطٌ بالخصوصِ والعمومِ وبالأمْر والنهي، ولا يجوز أن نحملَ المطلَقَ على المقيَّد إذا كانَا مِن جنسين مختلفين، ويمكن ذلك إذا كانَا مِن جنس واحد، ويجوز ذلك مِن ناحية القياس. “وإنْ كانَ المطلَق والمقيَّد في حُكمين مختلفين وليسَا في حُكم واحدٍ فهُما أمرٌ ونهي، وإن كانَا في أمرين أو نهيينِ فأحدهما عامٌّ والآخَر خاص، أو أحدهما مُجمَل والآخر مُبيَّن، وإن كانْ الحُكم واحدًا والسببُ مختلفًا فقدْ لا يَنبني المطلَق على المقيَّد قياسًا، وإنْ كان المقيّدانِ متنافيَينِ فأحدهما أَوْلَى بالقياس”[50].
وحسبَ هذه التحليلاتِ الأصوليَّة للمباحثِ اللُّغوية الموغِلة في التفاصيلِ والتفريعاتِ والتقسيماتِ والاحتمالات، فإنَّ أجزاءَها وتفريعاتِها متداخلةٌ وكأنَّ الفِعل لم يبقَ تلقائيًّا يدلُّ على الطبيعةِ والحريَّةِ الذاتيَّة، وكأنَّه خارجَ اللُّغةِ واللُّغةُ لا تَدْعو إليه، ومِن جهةٍ ثانية تبدو هذه التحليلاتُ الأصوليةُ اللُّغويةُ ذاتَ بداهةٍ ليستْ في حاجةٍ إلى بُرهان؛ لأنَّها تتعاطَى مباشرةً مع العقل والواقع.
إلى جانبِ المنظومِ يشمل الوعي النَّظريُّ جزءًا مِن أبعاد الفِكر، وهو المعنَى أو المفهومُ كمبحثٍ أساسيٍّ مِن مباحثِ أُصولِ الفِقه، وإذا كان الكلامُ أصلاً ومعقولَ أصلٍ واستصحابَ حالٍ فإنَّ معقولَ الأصلِ يشمل المفهومَ، وهو أنواعُ الأدلَّة، في الخطاب والمعقول في القياس، “ويَشملُ معقولُ الأصلِ لحنَ الخطابِ، وهو المعنى الذي لا يتمُّ الكلامُ إلاَّ به وفحْوَى الخِطاب، وهو ما نبَّه عليه اللفظُ ودليلُ الخطاب، وهو انتقاءُ حُكمِ المنطوقِ كما عَدَاه، ومعنى الخطاب وهو القياس… ويَعني المفهومُ ما يُقتبَسُ مِن اللفظ مِن حيثُ الصيغةُ لا مِن حيثُ الفَحْوَى والإشارة؛ أي: المعنى القصدي الإشاري، وليس المفهومَ المجرَّدَ في الذِّهن، هو الانتقالُ مِن العلاقة إلى الدليل… ويُستنبَط المفهومُ مِن الأحكام الثابتة بالنصِّ الظاهر دون القياس والرأي، وهي أربعة: الثابت بعينِ النصِّ، وبإشارةِ النصِّ، وبدَلالةِ النصِّ وبمقتضَى النص”[51].
والمفهوم أضربٌ: اقتضاءٌ، وفحْوَى الكلام أو لَحْنه والإشارة، وفَهْم غيرِ المنطوقِ مِن المنطوق بدَلالةِ السِّياقِ والقصد. والمفهوم هو الاسمُ الكُليُّ الشامِل الجامِع لدرجاتِ دليلِ الخطاب، كما يكون المفهومُ بالموافقةِ أو بالمخالفة، والمخالفة أنْ يكونَ غيرُ المنطوق موافقًا لحُكم المنطوقِ به، ومفهوم الموافقة العكس، ويرتبط المفهومُ بدَلالةِ القولِ والفِعل والإقرار، وهي دَلالة السنَّة. فأقوالُ النبيِّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – مِن مباحثِ اللُّغة، أمَّا الأفعال فهي في دَلالاتُ المعاني. ودَلالة القولِ سبيلُ البيان وتَثبيت الفِعل بعِدَّة طُرُق، منها التواتُر والآحاد، أو الإجماع، أو الاقتداء. والسَّمْعُ وحدَه ليس كافيًا لمعرفة وجوبِ أفعال النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – مِن غير العقل، ودَلالة العقلِ مِثلُ القول، وقد تتعدَّدُ دَلالتُه، “ويَبحَثُ المجتهدُ دَلالةَ الأفعال لمعرفةِ وجهِ وجوبِها بيْن العموم والخصوص أو المُجْمَل والمبيَّن، وهل هناك قولٌ يؤيِّدها حتى تدخُلَ في منطقِ الخطاب؟ وتُعرَف بصريحِ القول، وهو الظاهرُ، أو بالقرائن.
“والفِعلُ نوعان: مباشِر وغير مباشر. وغير المباشِر هو الإقرارُ، ترْك فِعل دون النهيِ عنه أو إتيانُ فِعل دون الأمْر به، والفِعلُ قد يأتي مِن الشرعِ أو مِن الطبيعة، مِن النصِّ أو مِن الواقِع، ويأتي الإقرارُ لأنَّ النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – لا يقرُّ على خطأٍ أو معصية”[52]، وتُمثِّل السنة الفِعلية بدَلالاتِها، وما يشمله معقولُ الأصلِ مِن أنواع أدلَّةِ الخطاب وضُروبِ المفهوم مِن اقتضاء ولَحْن ودَليل، واللامنطوق والموافقة والمخالفة – المفهومَ في الوعي النظريِّ الذي يَتعاطَى مع الفعلِ في الواقِع ويدلُّ على حاجةِ الانتقال مِن النصِّ إلى الواقِع مِن خلالِ الأقوالِ والأفعالِ والإقرارات.
إلى جانبِ المفهومِ يشمل الوعيُّ النظريُّ المعقولَ أو (الشيء) باعتبارِه أحدَ أبعاد الفِكر؛ “وإذا كان اللفظُ هو صيغةَ الخطاب والمفهوم هو معناه أو ظِلاله، فإنَّ المعقولَ هو الشيءُ الذي يُحيل إليه اللفظُ بالرغمِ مِن أنَّ الحقلَ الدَّلاليَّ للمفهوم والمعقول واحدٌ، وبين العقل والشيء مختلفان، فالمعقول في عالَم الأذهانِ، والشيءُ في عالَم الأعيان، ويبدو أنَّه في عِلم أصولِ الفِقه المعقولُ واقعٌ والواقِع معقولٌ. وأنَّنا نعيش في عالَمٍ يَحكُمه العقل، وأنَّ الذِّهنَ هو مناطُ المعرفة في أنَّ العقلَ هو مناطُ الوجودِ في العالَم”[53].
ومعقولُ الأصلِ يَشمل القياسَ، والقياسُ أنواعٌ: قياس عِلَّة، وقياس دَلالة، وقياس شَبَهٍ، وهو أطياف وأركانُه أربعة: أصل وفرع، وعِلَّة وحُكم، فالأصل ما يُبنَى عليه غيرُه، والفَرْعُ ما تَعدَّى حُكمَ غيرِه إليه، والحُكم هو قضاءُ الشرع المستنبَط، والعِلَّة هي التي يُثبَت الحُكم لأجلِها، والمعلول هو الحُكم والمعلَّل هو حُكمُ الأصْل، والعِلَّة تكون شرعيَّة أو عقليَّة، وشَرْط العِلة التأثير في الحُكم، وعِلَّة الحُكم وصفٌ في الأصْل المعلول، والعِلَّة تمثِّل شرطًا كما تمثِّل غايةً، والعِلَّة الغائِبة تتَّفق مع مقاصِد الشارِع ومقاصِد المكلَّف، وللعلَّة طُرُقٌ ومسالكُ تُثبَت بها تُعرَف بمسالكِ العِلَّة.
“وطُرُق إثباتِ العِلَّةِ عديدةٌ: النصُّ والإجماع، والإيحاء والتنبيه، وفِعل النبيِّ – صلَّى الله عليه وسلَّم، وكلُّ ما يَتعلَّق بالاجتهادِ، ومِثل الطرد والدوران والانعكاس، ويُستدَلُّ على صِحَّةِ العِلَّة بنفسِ الطُّرُق: النصّ وهو أصلُ الكتاب والسُّنة، والاستنباطُ منها ودَلالة أفعالِ الرَّسول، ودَلالة الإجماعِ وأَشْكال الاستدلال، مِثل التلازُمِ والتقسيم، أو شهادةِ الأُصول، وللعِلل مجارٍ يُمكن أن تَحصُر الاجتهادَ في ثلاثةِ طُرُق: تحقيق المناط، تَنقيح المناط، وتخريج المناط، وتتناسب العِلَّةُ مع الحُكم وَفقًا لترتيبِ المؤثر الثلاثي الملائِم والمتوسِّط والغريب، وللقياس مواضعُ احتمالٍ تحتاج إلى الدليل؛ لأنَّ القياس هو ردُّ فِعل إلى أصلٍ بعِلَّة جامِعة بينهما وإثباتها في الأصلِ بتحليلِ صُنع الخِطاب، وإثباتها في الفَرْع بالحسِّ والعقلِ والشَّرْع والعُرْف، وكل أنواعِ الأدلَّة.
والقياسُ نوعان: صحيحٌ وفاسد، فالقياسُ الصحيح ما وردتْ به الشريعة، وشَرْط صحَّةِ القياس وجودُ علَّة الأصْل في الفَرْع مِن دون معارِضٍ يَمنع حُكمها، وهو ما يتَّفق مع الشريعة، وأوجهُ الخطأ في القياسِ عديدةٌ: عدَمُ تحليل الحُكم، والتقصيرُ في بعضِ أوصاف العِلَّة، وعدَم إصابةِ العِلَّة عندَ التعليل، وجَمَع إلى العِلة وصفًا ليس منها، والخَطأ في وجودِ العِلَّة في الفَرْع.
وللعلة قوادحُ تَعنِي كلَّ الافتراضات على مسالكِ العِلَّة، وهي أنواعٌ ثلاثةٌ: ممانعة ومعارضة ومناقضة، ويَخضَع القياسُ لمنطقِ الاحتمال لوجودِ التقابُلِ بيْن التعادُلِ والترجيحِ، واحتمالُ تعارضِ الدليلِ في ذاتِه أربعة: الآية مع الآية، أو السُّنة مع السُّنة، أو الإجماع مع الإجماع، أو القياس مع القياس، والتعارض ليس في الشريعةِ، بل في ذاتِ المجتهد، ويتم الترجيحُ في الأقيسةِ في القوَّة الضَّعْف، والجلاء والخفاء، فالأَوْلَى للأقْوَى على الأضعفِ، وللجلِيِّ على الخفيِّ، وللأَجْلَى على الأقلِّ جلاءً، كما يُرجح قياسُ العِلَّة على قياسِ الدَّلالة.
أما الترجيحُ في العِلل فيكون لقوَّة الأصل، أو لقوَّة طرُق إثبات العِلة، أو إلى قوَّة حُكم العِلة، وذلك وَفقَ أركانِ القياس، بالإضافةِ إلى ما تَقَوَّى بشهادة الأصولِ وموافقتها. ومِن جهةٍ أخرى نجِد أصولَ الفقهِ لم يتخلَّص مِن مناهجِ الجَدَل والمناظرة في أصولِ الدِّين، فإنَّ منطقَ الاستدلالِ فيه انتقَلَ إلى منطقِ الجدلِ والمناظرةِ وآدابِها وأحكامِ السؤال والإجابة، “بل إنَّ الجدلَ يَظهَر أحيانًا كأحدِ موضوعاتِ عِلم الأصولِ؛ عُقوده وشروطه، وآدابه ولوازمه، بل إنَّه عِلمٌ خاصٌّ مِثل عِلم الفِقه”[54]، ويقوم الجدلُ وتقوم المعارضةُ على الحُجَّة وأنواع الحُجَّة ومراتبها وعلى صناعتها، كما يقوم على الاعتراضِ على الأصولِ بعدَ التسليم بها، أو سوء استخدامها، أو إجمال الآية أو غيرها، ويكون الاعتراضُ على المنظومِ والمفهوم والمعقول، وتقوم المناظرةُ على معارضةِ الخَصمِ مِن خلالِ تواصلِ الجدَلِ أو توقُّفه بواسطةِ السؤالِ والجوابِ، ولها آدابُ يُتحلَّى بها، والجدَلُ والمناظرةُ إنْ كانا مِن صميمِ أصولِ الدِّين، فهُما سبيلانِ أثَّرَا أصولِ الفقه في سبيلِ التثبت والتحقُّقِ مِن الأصولِ وطُرُق الاستدلال والأحكام، ممَّا يُؤكِّد تأثيرَ الواقع الخارجي والأُصولي في تغييرِ النصِّ وحاجته إلى التحرُّكِ في مسارِه ووفق مطالبِه وتحدياتِه بإيجابيَّة وفعاليَّة.
إلى جانبِ المنظومِ – وهو مباحثُ الألفاظ – وإلى جانبِ المفهومِ – وهو معنَى ودَلالاتُ النصوص والأفعال – وإلى جانبِ المعقول – وهو القياسُ – يشمل الوعيُّ النظريُّ المنظورَ – وهو الاجتهادُ والتقليد والاستفتاء – وهو الفصلُ الرابع في الباب الثاني “في بِنية النص”، المبحَث الأول في هذا الفصلِ فصلُ المنظورِ الاجتهاد، ويُبرِّر صاحِب “مِن النصِّ إلى الواقِع” اعتبارَ المنظورِ مِن الوعي النظري وتَسميته لدَلالتِه على “تعدديَّة الآراءِ وتصويبها جميعًا، وهو ما يُعادِل تعدُّدَ الفِرَقِ في عِلم أصولِ الدِّين دون تكفيرِ أحدٍ منها”[55].
والاجتهادُ لُغة بَذْل الوُسع واستفراغه في فِعلٍ ما، وفي الاصطلاح استفراغُ الوُسع؛ لتحصيلِ الظنِّ بحُكْم شرعي، والاجتهاد نوعان: غير منقطع متعلِّق بتحقيقِ المناط، ومُنقطع متعلِّق بطرُق مجارِي العِلل في الاجتهاد، والاجتهاد سُنَّة؛ لأنَّ النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – اجتهَد، وشرْطُه لدَى المجتهد الإحاطةُ بمداركِ الشَّرْع، والعدل، وجَودَة الحفظ، أما موضوعُ الاجتهاد: فأصلي أو فَرْعي، والخلاف بيْن الفُروع والأصول، وهذا في أصولِ الفِقه لا في أصولِ الدِّين، ويتعدَّد الصوابُ وتتعدَّد الأحكامُ في الاجتهاد، “وتعدُّد الصوابِ ليس محالاً في نفْسِه ولا يُؤدِّي إلى محالٍ؛ نظرًا لتعدُّد أوجهِ الموضوع، ورُؤَى الذات واختلاف الزَّمان والمكان، والظروف والمناسبات، وإذا تَعارَض دليلانِ فَهُناك منطقُ التعارض والترجيح للاختيار بينهما بعيدًا عن التحكُّم والأهواء… وما يُوجِبه الاجتهادُ ليس دِينًا، بل هو اجتهادٌ بشريٌّ خالِص يتغيَّر بتغيُّر الظروفِ والأحوالِ والمراحـِل التاريخيَّة… ويجوز أن يشترطَ حالات افتراضيَّة للمِران دون جعْل الفرضِ مادةً للفقه الافتراضي، وليس للمذهبِ الحقِّ في التشريع بالتحليلِ أو التحريم، وإنَّما يقومُ على رِعايةِ المصالِح العامَّة”[56].
أمَّا التقليدُ لغةً: فالقلادة والطوق والقَيد، وفي الاصطلاح: هو قَبولُ قولٍ أو رأيٍ أو حُكم بغيرِ حُجَّة، وهذا محظورٌ، والنظرُ واجبٌ بالعقل والشرع، والتقليد ليس مَصدرًا للعِلم، “والاجتهاد واجبٌ على المجتهدِ ومُمتنِع عليه التقليدُ، أمَّا العاميُّ فليس له إلا التقليدُ، وليس عليه السؤالُ عنِ الدليل ولا يَجوز للمجتهدِ تقليدُ غيرِه بالاتِّفاق”[57].
أمَّا الاستفتاءُ فهو “إخبارٌ واستعلامُ، وينقسم إلى المُفتِي صِفة وكيفيَّة، وإلى المستفتي شَخْصه وشَرْطه وفِعله، والمُستفتَى فيه فُروعه وأُصوله، والفَرْق بين الفَتوى والحُكم أنَّ الفتوى ليستْ إخبارًا عنِ الله، بل تعبيرٌ عن مصالِحِ الناس”[58]، وشَرْط المُفتي أن يكونَ مجتهدًا، وأوصافه هي البلوغُ والعِلم بالأحكام، ومعرفةُ الأدلَّة وإتْقان اللُّغة وقوَّة الاستنباط، ومواصفات أُخرى معنويَّة وحسيَّة وعقليَّة، وواجب المفتي القيامُ برِسالة الإفتاء، وإذا كان مذهبُ المجتهد هو أساسَ اجتهادِه، والمفتي مذهبُه هو أساسُ فتواه، والإفتاءُ يكون حسبَ الاجتهاد الحالي أو المستقبَليّ، ولا يُقبَل الإفتاءُ بما في الكتُب الفقهيَّة، والاجتهادُ مِن مجتهدٍ ممكنٌ وفي كلِّ عصر، لكنَّ الاجتهادَ مِن عامي فهو بناءُ العِلم على الجهلِ، واليقينِ على الظنِّ والمصلحةِ العامَّة على المصلحةِ الخاصَّة.
ج- التجربة في الواقع:
إنَّ مضمونَ البابِ الثالث في “بنية النص”، وحسب تحليل مستوَى الشعورِ واعتبار النصِّ الأُصولي – تجربةٌ شعوريَّة هو “الوعي العمَلي”، الذي يدور حولَ المقاصدِ والأحكام، المقاصد: مقاصِد الشارِع، ومقاصِد المكلَّف، والأحكام أحكام الوضْع وأحكام التَّكليف، “وبعد أن ينتقل الوعيُ عبرَ التاريخ، المصادِر الأربعة للشَّرْع: الكتاب والسنَّة، والإجماع والقياس، في الوعي التاريخي، وبعدَ أن يتمَّ فَهمُه بالعقل، عن طريقِ مبادئِ اللُّغة، وبالمصلحةِ عن طريقِ إحصاءِ الواقِع في الوعي النظريِّ، يكون الوحي جاهزًا للعملِ والتطبيق والدُّخولِ في العالَم والتأثير فيه عن طريقِ الوعي العَمَلي، والوعي العمليُّ هو آخِرُ ما تُكوِّن في بِنية عِلمِ الأصولِ، وبمسميات عديدة قبلَ أن يُكمِّله الشاطبي في “الموافقات”، في بِنيتِه الثُّنائية: المقاصِد والأحكام، ثم رُباعيَّة في مقاصِد الشارِع ومقاصِد المكلَّف، وأحكام الوضْع وأحكام التَّكليف”[59]، والشريعةُ الإسلاميَّة في جوهرِها مقاصدُ ووسائلُ وأدواتٌ، وتتكوَّن المقاصدُ مِن مقاصدِ الشارِع ومقاصِد المكلَّف، ومقاصد الشارع أربعة أقسام هي: وضْع الشريعةِ ابتداءً، وضْع الشريعةِ للأفهام، وضْع الشريعةِ للتَّكليف، ووضْع الشريعةِ للامتثال.
أمَّا وضعُ الشريعة ابتداءً فهو قسمٌ يقوم على أنَّ المصلحةَ أساسُ التشريع وأنَّ الشريعة وضَعَها الشارع لتحقيقِ مصالِح العباد، وهو أصلٌ في الشريعة مِثل أصول العقيدة، كما “تقوم مصادرُ الشرع كلُّها المتَّفق عليها أو المختَلَف عليها على مصدرٍ واحد هو المصلحةُ باعتبارِها المصدرَ الأوَّل للتشريع… وتقديم المصلحةِ على الدليلِ الشرعي لا يَعني أنَّ الدليلَ الشرعي لا يُقدَّم على المصلحة، بل يَعني طلب المجتهد في إيجادِ التوافُق بيْن مصلحةِ العقل والواقِع ومصلحة الشرع”[60]، وتظهر المصلحةُ في القِياس في مقاصِد الشرع، ويُمكن معرفةُ أصولِ الشريعةِ بالاستدلالِ عَن طريقِ المقاصد.
والمصلحة ثلاثة أقسام: ما شَهِد له الشرعُ وهي حُجَّة، وما لم يَشهدْ له الشرعُ؛ أي: شَهِد ضدَّه، فيكون بسوء تأويل، وتحقيق مصالِح الخاصَّةِ مِنَ الملوكِ وأصحاب المصالِح، وما لم يشهدْ له الشرعُ ولا ضدَّه فهو الضروريات والحاجيات والتحسينات، وهو ما يُعرَفُ بمراتبِ المصلحة، والضرورية تقومُ عليها الحياةُ ومصالِحُ الدنيا، والضروريَّة أصلُ الحاجيَّة، والحاجية أصلُ التحسينيَّة، والشريعة وُضِعَتِ ابتداءً مِن أجلِ الضروريات، وهي مقاصدُ الشرع، “ويَخضَع الترتيبُ لنسقٍ عقلي تأتي الحياة أو النفس أولاً، فالعقلُ والقِيمة والعِرْض والثروة مُقوِّمات الحياة، والنَّسْل يدخُل ضمنَ الحياة واستمرارها، ثم يأتي العقلُ ثانيًا، فالحياةُ هي الحياةُ العاقِلة، والإنسان حيوانٌ عاقلٌ – كما قال الحكماء قديمًا – ثم تأتي القيمةُ أو المبدأ الكُلِّي الذي يُدرِكه العقلُ، ثم العِرض أو الكرامة، وأخيرًا تأتي الثروة الوطنيَّة؛ أي المقوّم المادي للحياة.
وتَجمَع هذه الضرورياتِ الخمسةَ حقوقُ الإنسانِ الفردية وحقوقُ الشعوب الجماعيَّة”، أما الحاجيات فهي المطالبُ الزائدةُ على المصالِح الرئيسيَّة، والتحسينات هي كمالياتٌ زائدةٌ على الحاجياتِ وتتوزَّع مراتبُ المصلحةِ على مراتبِ المجتمع، فالضرورياتُ للفقراءِ، والحاجيات للطبقةِ المتوسِّطة، أمَّا التحسينات فللطَّبقات العُليا.
أمَّا وضْع الشريعةِ للأفهامِ، فهي موجَّهة للمكلَّف، وشَرْط المكلَّف الفَهمُ، وهي عربيَّة اللِّسانِ، واللُّغة العربية لها معانٍ مطلَقة ومعانٍ مُقيَّدة، المعاني المطلَقة تُعبِّرُ عن مقاصدِ المتكلِّمِ، وتختلف الألسنة في المعاني المفيَّدة، وتُفهَم الشريعة على طريقةِ الأُميِّين الذين نَزَل القرآنُ بلِسانِهم، ووردتِ الشريعةُ طبقًا لما امتلَكه العربُ مِن علومٍ ومكارمِ الأخلاقِ، وأبطلتْ علومًا أخرى ضارَّة، وهذا لا يمنع مِن إضافةِ العلوم الإنسانيَّة إلى الشريعةِ؛ لِمَا تمدُّه للأصوليِّ مِن حقائقَ ونتائجَ ومناهجَ يعتمد عليها لمعرفةِ الواقِع، “وأهمها العلومُ الاجتماعيَّة لمعرفةِ عَلاقة الفَرْد بالمجتمعِ وبالبِنية الاجتماعيَّة والأوضاع الطبقيَّة، والعلومُ السياسيَّة لمعرفةِ النُّظُمِ السياسيَّة، طبيعتها وأثَرَها على سلوكِ الأفرادِ والجَماعات، والعلومُ الاقتصاديَّة لمعرفةِ درجةِ الفقرِ والبَطالة والمرَض، ومستوى الإسكانِ والتعليم في المجتمعِ قَبلَ تطبيقِ الحدود، ويُضمُّ إليها علومُ الأنثروبولوجيا بكلِّ أنواعِها الاجتماعيَّة والسياسيَّة واللِّسانيَّة والثقافيَّة لمعرفةِ وضْعِ الإنسان ككيانٍ اجتماعيٍّ ومستوى ثقافتِه، وأثَر الموروث الشَّعْبي على السلوك، فعِلم الأخلاق في النهاية عِلمٌ سُلوكي”[61].
ووَضْع الشريعةِ للتكليفِ يَتطلَّب القدرةَ على إتيانِ الفِعل بعدَ الفَهم يأتي التكليفُ والالتزام بالفَهم والتقيُّد به، وشَرْط التكليف والفِعل القُدرة؛ لذلك لا يجوز تكليفُ ما لا يُطاق، أما العناء والمصاعِب المترتِّبة عنِ التكليف فتدخُل تحتَ العادة، مِثل طلب العيش وممارسة الحِرَف والصناعات، فالغاية ليستِ المشقَّةَ، بل المصلحة، وإلى جانبِ القدرة يأتي العقلُ شَرْط التكليف.
و”الأعذارُ المسقِطة للوجوبِ بعدَ البلوغ هي: الجنون والعَتَه؛ أي: عدم العقل ونُقصانه، والنوم والإغماء؛ أي: العَجْز عن استعمالِ نورِ العقل، والنِّسيان والخطأ والكُرْه والجهل بأسبابِ الوجوبِ لانعدامِ العقل معها والحَيْف والرِّقّ؛ فالجنونُ مسقِطٌ للعبادات؛ لأنَّه يُنافي القدرةَ فينعدم الأداءُ والوجوب، فإذا زالَ يُلحَق بالعفو، ويُلحَق بالنومِ والإغماء، ويخرُج مِن المحكومِ عليه الناسي والمكروهُ والصبيُّ، والكافِرُ والسكرانُ الخارجُ عن حدِّ التمييز، والبهيمة، فلا يجوز تكليفُ الناسي والساهي والغافِلِ، والسكرانِ والمجنون والكافِر، والمُكْرَه المغلوبِ على عقلِه والمُخطِئ، وهو رَفْعٌ مؤقَّت عنِ التكليف إلى أن يزولَ العائقُ عنه والمانعُ منه، وكلُّها أفعالُ الجوارح وليس أفعالَ القلوب”[62].
ومِن مقاصدِ الشارع وضْعُ الشريعة للامتثال، ويكون الامتثالُ ضدَّ الهوى، وقصْدُ الشرع إخراجُ المكلَّفِ مِن تبعيته للهوَى إلى حريةِ الاختيار، فالهوى لا يُحقِّق المصلحةَ؛ فهو ظرفيٌّ متغيِّر متقلِّب، والامتثال نموذجٌ ومثالٌ وديمومةٌ ومعيارٌ بثوابت الشَّرْع ليس في مراتبِ المصلحة أو في الضرورياتِ الخمسِ؛ أي: في وضْع الشريعة ابتداءً، بل في وضْع الشريعةِ للامتثال في الوجودِ الإنساني، وليس في الأهواء، والمقاصد الشرعيَّة نوعان: الأوَّل مطلَق رُوعِي فيه الصالِحُ العام، والثاني خاص رُوعِي فيه الخطُّ الخاص.
والشريعةُ حسبَ المكلِّفِ كُليَّة عامَّة وليستْ خاصَّةً بخطاب واحدٍ مِن الناس، أو البعضِ دون البعض الآخَر، مصالِحُ الناسِ واحِدةٌ، وهي مُلزِمة لكلِّ الناس مِثل قواعد الإيمان، وتَجري الشريعةُ بحسبِ مجرَى العادات التي تُعرَف بالشريعةِ مِن خلالِ اطِّرادها، وتختلف أحكامُ الشريعةِ باختلافِ العاداتِ، وهو اختلافٌ في أنماطِ التكليف لا في أصلِ الخِطاب، “والعوائدُ بالنسبة لنوعِها في الوجودِ هي العوائدُ العامَّة التي لا تَختلِف باختلافِ الأعْصار والأمصار كالأفعالِ الجبليَّة الطبيعيَّة، والأحوالُ أو العوائدُ التي تَختلِفُ باختلافِ الأمصار والأحوال كالعاداتِ الاجتماعيَّة، عوائدُ الوجودِ هي قوانين التاريخِ التي تُنظِّم البشرية كلها في حين أنَّ العاداتِ الاجتماعيَّةَ هي أنماطُ السلوك في مجتمعٍ بعينه، وكلاهما يَتحكَّمانِ في سلوكِ البشَر العامِّ مِن حيثُ هُم بشرٌ، ومِن حيثُ سلوكُهم الخاصُّ مِن حيثُ هم شعوبٌ وأقوام”[63].
وفي مقابلِ مقاصدِ الشارعِ تُوجَد مقاصدُ المكلَّف “مقاصِد الشارع مُسهَبة ومُقسَّمة إلى أربعةِ مقاصدَ، في حين أنَّ مقاصدَ المكلَّفِ هي أصغرُ موضوعاتِ أُصولِ الفِقه كمًّا، وربَّما أهمها كيفًا؛ لأنَّها تتعلَّق بالقصدِ باعتبارِه نيةً؛ أي: القصد الفَرْدي، القَصد الإنساني، وليس بالوحي باعتبارِه قصدًا كليًّا، يقوم كلُّه على حديثٍ واحدٍ ((إنَّما الأعمالُ بالنيَّاتِ)) مع أنَّه موضوعٌ جوهريٌّ في النقلِ والعقلِ على حدٍّ سواء”[64].
وتعود قِلَّة حضورِ مَقاصدِ المكلَّف إلى أسبابٍ، منها: الحضورُ الزائد للنصِّ وللغة في المنظومِ وأَولوية النصِّ على الواقِعِ وعلى الفِعل وأولوية الكلامِ على الفِعل، ومقاصِد المكلَّف مرتبطةٌ بالقصدِ والنيَّة، والقصدُ في النصِّ القرآني هو الاتجاهُ والمسارُ، وهو المعنى نفْسه في السنَّة، وهو وارد في السنَّة في العباداتِ والمعاملاتِ، وهو واردٌ كشرطٍ للأفعال على الإطلاق؛ أفعال الشُّعور وأفعال الجوارح.
وقصدُ الشارعِ مِن المكلَّفِ أن يكونَ قصدُه في الفِعل موافقًا لقصدِه في التشريع، ولا يوجد تعارضٌ بين قَصدِ الشريعةِ والحُسْن والقُبح العقليين، وذلك لاتفاقِ النصِّ مع المصلحةِ ومع العقل، “ولما كانت الأحكامُ قد شُرعتْ لمصالح العبادِ تَحقَّقتِ الأفعالُ لتحقيقِ المقاصد نفسها؛ مقاصدُ الشريعة كليَّة ومقاصدُ الأفعال جُزئيَّة، فالحياةُ الفاضلةُ تُطابِق القصدين: القصد العام للشريعةِ، وهي مقاصدُ الوحي، والقصدُ الخاص للمُكلَّفِ وهي النيَّة، وهذا هو معنى الاستخلاف، وأنَّ آدم خليفةٌ في الأرض، إنَّ عظمةَ القصدِ الكُلِّي هي في اتِّجاهه نحوَ القصْد الجُزئي، وعظمة القصْد الجُزئي هي في قُدرته على الدُّخولِ إلى القصدِ الكُلِّي وجَعْل نفْسه امتدادًا له”[65].
وتَرتبط مقاصدُ المكلَّف بالنيَّة والعمل، فالنيَّة لفظٌ ورَد في النصِّ الأوَّل لا الثاني، أمَّا العمل فورَد في النَّصين، وعندَ تحليلِ مضمونِ لفظٍ عَمِل في نصٍّ توجد عِدَّة معانٍ تقترن بالنيَّات الصالحات، والمسؤولية والجزاء، والدعوة إلى العملِ ودوام الأعمالِ وغيرها، وتَطابُق النيَّة مع العملِ شرطُ صِحَّة العمل، ويرتبط القصدُ مع المصلحةِ على أساسِ أنَّ القصدَ يَتعلَّق بجلْبِ المصلحة ودَفْع المفسدة، والمكلَّف بمصالِحه تَسقُط على الغيرِ القيامُ بها مع الاختيار، والعمل هو عملٌ جماعي، تَكديسُ أعمالِ الأفراد وتراكمُها في المجتمع، هو كذلك عملُ الأقوام والشعوبِ والأُممِ الذي يُصبِح فيما بعدُ حضارةً وتاريخًا، فالعمل يتحوَّل إلى إرثٍ للقُدماء والسابقين، ومخزون نَفْسي للاَّحقين.
والحِيلُ في الشريعة غيرُ مقبولة؛ لأنَّها تقومُ على سوءِ النيَّة وتعارُض الباطن مع الظاهر، والتحايل يَنتجُ عن عدَمِ تناسُب النصِّ مع الواقِع وعدَم قُدرة احتواءِ الشرعيِّ القديم للواقِع المتغيِّر، وقدْ يظهر الفعلُ صحيحًا في صورتِه، لكنَّه فاسدٌ في محتواه لعدمِ توفُّر القصد أو حُسن النيَّة، فوُضعتِ القاعدة “إنَّه قدْ يثبت الشيءُ تبعًا وحُكمًا وإنْ كان قد يَبطُل قصدًا”[66]، وسوء النيَّة أو التحايلُ يُوقِع في ازدواجيةِ الشخصية بيْن ظاهرِها وباطنِها بيْن القصدِ والفِعل.
ولما كانتْ مقاصدُ المكلَّفِ مرتبطةً بصِلة النيَّة بالعملِ نشأتِ العقلياتُ المانعةُ مِنَ العمل وهو نوعانِ: وهميَّة وفِعليَّة، الوهمية نوعان: إرادة إلهيَّة، وإرادة طبيعيَّة.
أمَّا العقلياتُ الفعليَّة فهي السياسيَّة والاقتصاديَّة، والاجتماعيَّة والثقافيَّة، وكلُّها مِن إنتاج الإنسان، ولم يَتعرَّض الأصوليُّون القُدماء إلى أساليبِ المقاومةِ التي تتعدَّد بيْن سلبية وإيجابيَّة، سِريَّة وعلنيَّة، سِلميَّة ومُسلَّحة، “لم تبقَ إلا المقاومةُ العلنيَّة، الرأي بالرأي والحُجَّة بالحُجَّة والبُرهان بالبرهان، في إطارِ الشرعيَّة، أمَّا على الأمدِ الطويل فإعادةُ بناء الثقافة الوطنيَّة بعُنصريها الموروثِ والوافدِ كثقافةٍ للمقاومة”[67].
إلى جانبِ مقاصدِ الشارعِ ومقاصدِ المكلَّف يَشمل الوعيُ العمليُّ أحكامَ الوضع وأحكامَ التكليف؛ “يعني الحُكم لغويًّا المنْع، والصَّرْف؛ أي: الإحجام والإقدام، النهي والأمْر، التَّرْك والفِعل، بدايةً بالترك مع أنَّ الطبيعة أقربُ إلى الفِعل منها إلى عدَم الفعل، وشرعيًّا يَعني الحُكم: وضْعَ الشريعةِ طبقًا لمصالِح العباد وبِناءَها على المعاني المستحسَنة؛ لذلك فهي مُحكَمة متقْنَة، وتَتعدَّد التعريفات طبقًا للمذاهبِ، وتتأرجح بيْن علم أصولِ الدين (صِفات الذات)، والفِقه (أفعال البشَر ومستويات الفِعل الخمسة، وإرادة الحِكَم الخارجيَّة، وصِفة الحِكَم الداخلية)[68].
والأحكام أنواعٌ، منها ما هو حقُّ الله، ومنها ما هو حقُّ العِباد، ويوجد تداخُلٌ بيْن الحقَّين، “وأحكام الوَضْع هي ما يَظهَر الحُكم به، مِثل: السبب وكيفية نِسبة الحُكم إليه، وهي في الحقيقة خمسة: السبب والشَّرْط، والمانع، والعزيمة والرخصة، والصحة والبطلان”[69]، أما السبب: فهو ما صَدَر الحُكم مِن أجله، فهو العِلَّة الغائية وليس العِلَّةَ الفاعلة، والسبب يدلُّ على أنَّ للشرائع أسبابًا، فالنهي له سببٌ والأمْر له سببٌ، ولا يَتعلَّق السببُ بالشارع، وهو معقولٌ لأنَّ التكليفَ لا يُوجَد إلاَّ حيث يوجد العقل، ولا يَنظُر المكلَّف إلى المسببات ولا إلى القصدِ منها، فهي خارجَ مجال فِعل الإنسان، ولا تَدخُل في مجالِ حرية الإرادة.
والشرط له دَلالتان: صريحة، وهي إثباتُ المشروط، والثانية: ضِمنية، وهي الانتقاء، وقد يدخُل الشرطُ في مباحثِ العِلَّة باعتباره علامةً على الحُكم، والعلامة تدلُّ على غيرِها دون وجودٍ أو وجوب، فهي لا تدلُّ على شيءٍ في ذاته، بل تدلُّ على غيرِها اصطلاحًا أو إخبارًا عن صِدق، والشرط أنواعٌ عقلي وشَرْعي ولُغوي.
أما المانِع: فزوالُه شرطُ تحقُّق الأمْر، وهو أحدُ أحكام الوضْع، فيستحيل الأمر لغيرِ المكلَّفين، فيظهر المانعُ في المنظوم وفي أحكام الوضع، فالمانع يؤدِّي إلى انتقاءِ العِلة، ومِن ثَم ارتفاع الحُكم، والموانع تتفاوت قوةً وضَعفًا، وهي ضربان وثلاثة أقسام: الضربان ما لا يَأتي فيه اجتماع المانِع مع الطلب، وما يُمكن فيه ذلك، أما الأقسام فهي: ما يَمنع ابتداءً الحُكم لاستمرارِه، وما يمنعه ابتداءً لا دومًا، وما يمنعه دومًا لا ابتداءً.
والأهلية نوعان: أهلية وجوب، وأهلية أداء، وعوارضها نوعان: فِطري ومكتَسب، ويظهر كلُّ عارض بقسمةٍ في أنواعه.
أما العزيمة والرخصة فيُشيرانِ إلى قُدرةِ المكلَّف واستطاعتِه، فالعزيمةُ مرتبطة بتوفُّر القُدرة الكليَّة التامَّة، أما الرُّخصة إذا لم تتوافرْ إلا القدرةُ الجزئية المحدودة، والحُكم الأخير الوضعي متعلِّق بالصحة والبطلان، “وتَعني الصحةُ موافقةَ العقل ليس لخطابِ الشَّرع، بل لصِدق نيتِه، فالمـطابقة ليستْ صوريةً فـقط بل أيضـًا تجريبيَّة… وتكشف الصحةُ والبطلان عن أنَّ تَطبيق الأحكام الشرعيَّة ليس تطبيقًا صوريًّا خالصًا، بل تحقيق المقاصِد العامَّة للشريعة ومقاصِد المكلَّف في آنٍ واحد”[70]، ويتدرَّج موضوعُ الذرائع والاحتياط إمَّا في الصحَّة والبطلان، أو في أحكامِ الوضع، أو في مقاصد المكلَّف.
وسبيلُ سدِّ الذرائع هو حسمُ مادة الفساد بإبعادِ وسائله، أما الاحتياط فهو تحريمُ العقل والشيءِ خشيةً من التدرُّجِ بها إلى المحظور، فهو احترازٌ عن التحايل وسوءِ النيَّة، والعقود والوكالات نماذجُ الصحَّة والفساد، فالعقد يخضَع لعِدَّة شروطٍ أُصولية، كما تخضع الوكالةُ لعدة قواعدَ أصوليَّةٍ، وعليه نجِد أنَّ الحُكمَ الشرعيَّ نوعان: وضعي وتكليفي، فالوضعي خِطابُه متعلِّق بغير فِعل المكلَّف، وهو ضروريٌّ ويَتعلَّق بعِلل الأحكام، وهو الكلام الوضعي لا النَّفْسي، وإلى جانبِه يقوم الحُكمُ التكليفيُّ المتعلِّق بتحقيقِ الأحكام.
أما التكليف لُغةً: فهو مِن الكُلفة، وتعني المشقَّة، وشرط الفِعل التكليفيِّ أن يكونَ مُمكِنًا، والتكليف قد يكون إلزامًا طبيعيًّا وفطريًّا، ومِن شروط التكليف الأصليَّة الحياةُ والبلوغ والعقل؛ لقدِ استقرَ التكليف في المتونِ على أنَّه أحكامٌ عملية، “وينقسِم قسمةً رُباعيَّة: حقيقة الحُكم، أقسامه، وما يُظهره وتُصبح أركانُه الأربعة خماسيَّة، وهي: الحُكم نفسُه؛ أي: خطاب الشرع، وأقسامه، وتعلُّقه بالحَكَم، وهو الشارع، والمحكوم عليه وهو المُكلَّف، والمحكوم فيه وهو الفِعل”[71]، والفعل قبل مجيء الشَّرْع فِعل بديهي طبيعي تلقائي، والشَّرع يُؤكِّده، فلا يوجد فرقٌ بين ما يُمليه الشرع وما يُقرُّه العقل، ولا تكون كلُّ الأشياء قبلَ الشرع على الحظْر ولا على الإباحةِ، بل على البَراءة الأصليَّة.
والحُسن والقُبح صِفتان ذاتيتانِ في الأفعال، وإلاَّ زال الفعل وارتفع الاختيارُ، وفِعل المكلَّف نوعانِ: حَسَن وقبيح، وقِسمة حُكم التكليف إلى خمسةٍ على بنية عقليَّة مُحكَمة بيْن “افعل” و”لا تفعلْ”؛ أي بين قُطبي الفِعل الإنساني الموجَب والسالِب ضرورةً، وهما الواجب والمحرَّم، وبينْ الموجَب والسالب اختيارًا وهما المندوب – أي: ترجيح الفِعل على عدمِ الفِعل – والمكروه – أي: ترجيح عدَم الفِعل على الفعل.
ثم الفعل الذي تَكمُن شرعيتُه في داخلِه دون ما حاجةٍ إلى خِطاب شرعي يَحكُم عليه هو فِعل الفِطرة والبراءة الأصلية، وهو المباح”[72].

والواجبُ هو ما لا يجوز تَرْكُه وتاركُه يستحقُّ العقابَ، فهو الفرْض نحو النَّفْس ونحو الغير، أما المحظور فهو المحرَّم أو المنهي عنه وهو ما لا يجوز فِعله وفاعلُه يستحقُّ العقابَ، ولا يجتمع المحظورُ مع الواجب أمَّا المندوبُ فهو ما يكون فِعله أَوْلى شرعًا مِن تركِه، وتاركه لا يُعاقَب، أما المكروه فهو شرعًا تَركُه أَوْلى مِن فعله، وفاعله لا يُعاقَب، ففي هذين الوجهين تظهَر حريةُ الإرادة والإيجابيَّة في اختيارِ السُّلوك.
أما المباح فهو الفِعل الطبيعي الذي يستوي فيه الفعلُ والتركُ، وهو ليس فعلاً طبيعيًّا فقط، بل هو فِعل شرعي؛ لأنَّ الشرع يؤكِّد الطبيعة، والمباح أقسام أرْبعَة: أن يخدُم الفعل أو الترك أو لتخييرٍ أو دون خِدمة لشيءٍ، ويُعرَف المباح بحظِّ المكلَّف، كما نجد مرتبةَ العفوِ تتوسَّط الحلال والحرام، وتقَع في نفس مستوى المباح، فمرتبة العفوِ ورفْع الحرَج وغيرها تؤكِّد أنَّ شعاراتِ الشريعة السمحاء تجِد لها ما يؤكِّد في المباح على أنَّ الشريعة لم تأتِ لتسدَّ المنافذَ وتُضيِّق “على الطبيعةِ، بل لإكمالها، وتحويل نسَق الضرورةِ إلى نسَق الحرية”[73].
إذا كانت المقدِّمة في “بِنية النص” تعرَّضتْ لكيفية العمل والتدوين في الجزء الثاني “مِن النص إلى الواقع”، وهو “بنية النص”، والفرق بيْنه وبين “تكوين النص” فإنَّ الخاتمةَ في بنية النصِّ جاء للكتاب الأصولي “من النص إلى الواقع” ككلٍّ بجزأيه؛ لأنَّ “تكوين النص” جاء خاليًا من الخاتمة، وتضمَّنتِ الخاتمة موضوعين أساسيين، هما أصولُ الفقه بيْن القديم والجديد، وعِلم الأصول والحضارات المقارنة.
بالنسبة لعلم أصول الفقه بين القديم والجديد توجد الملاحظات التالية: الأولى التأكيد على انبعاج علم أصول الفِقه وبنيته بانفتاحِ وامتدادِ الوعي النظريِّ على حسابِ الوعي العمَلي، وأولوية النصِّ على الواقِع، واللفظ على المعنى، والمنظوم على المفهوم، أمَّا المعقولُ فقد تَقنَّن وتمكَّن مِن رؤية الواقِع مباشرةً، ومِنَ الاتحاد بالأشياء، والاقتراب مِن المصالِح العامَّة للناس، وفي الوعي العمَلي كانتِ الأولوية لمقاصِد الشارِع على مقاصدِ المُكلَّف، أولوية النصِّ على الواقِع والأعْلى على الأدْنَى، وأضْعَف أجزاء عِلم أصول الفقه المفهوم في الوعي النظريِّ والنيَّة في الوعي العمَلي.
والملاحظة الثانية: محاولة إعادة بِناء أصولِ الفِقه جاءتْ قريبةً مِن المحاولات التي سبقتْها على منوال “مِن العقيدة إلى الثورة”، و”مِن النقل إلى الإبداع”؛ لأنَّ الهدفَ هو تحريكُ القديم “التراث” وتجديده، وليس إبداعَ الجديد.
الثالثة: حَرَص “من النص إلى الواقع” على تحويلِ عِلم أصولِ الفقه مِن علمٍ فِقهيٍّ استدلاليٍّ استنباطي مَنطقي إلى عِلم فلسفيٍّ إنساني سُلوكي عام، يَظهر ذلك في البنية الثلاثية، وفي إيجاد بعضِ المصطلحات تتعلَّق بالمضمونِ، وفي إيجاد بعضِ الدَّلالات الجُزئية المتناثِرة في المتن، سواء تلك المرتبطة بالمكانِ في “أسباب النزول”، أو تلك المرتبطة بالزَّمان في “الناسخ والمنسوخ”، ونَقْد المتن ونقْد السَّند في السُّنة، وإعطاء الأولوية للاستدلالِ الحرِّ وأشكاله في المصدرِ الرابع.
وفي الوعيِ العمليِّ تَمَّ تطويرُ مقاصد المكلَّف وبلورةُ أهمية المباح، وتوجَد دَلالات أخرى بيْن السطور تقارن بيْن التحليلات القديمة ودَلالات المُحْدَثين يَكفي ما ظهَر فيها لتطويرِ العِلم مِن “الموافقات” إلى مرحلةٍ أبعدَ.
الملاحظة الرابعة: تُؤكِّد أنَّ وجود متون أصولية لم تُدرس وتُحلَّل، وهي مخطوطات أو مطبوعات، لكن المتون التي تَمَّ تحليلها وعددُها أكثر مِن مائة متْن مقارنةً بما في رِسالة “مناهج التفسير في عِلم أصول الفقه”، وكان العددُ فيها حوالي أربعين متنًا، فالعدد في الصِّيغة الجديدة لا يُقلِّل مِن صورة العلم في التكوين أو في البِنية، فالمتون تَتكرَّر في بعضِها البعض، وتوجد متونٌ رئيسية تتضمَّن بنية العِلم تكوينًا وبنيةً في مسارِه التاريخي كما توجَد تحليلاتٌ وتفريعات تتعلَّق بالمذاهب والفِرَق، ليس القصد منها تاريخ المذهب، بل دَلالات وموضوعات العِلم.
أما الملاحظة الخامسة: فتدعو إلى مراجعةِ “من النص إلى الواقع” باعتبارِه نصًّا أصوليًّا جديدًا لإبراز مدَى الارتباط بيْن المتنِ الجديد والمتونِ القديمة، هل هناك قطيعةٌ أم استمرار بينهما، ومراجعته من طرَف المُحدَثين والحداثيِّين – علماء اللِّسانيات والمتخصِّصين في علومِ النصِّ لإبراز درجةِ إسهامِه في علوم النص الحديثة، ومراجعته مِن قِبل المجدِّدين المعاصرين، فهو خُطوة نحوَ التجديد مسبوقة بخُطوات جادَّة، ولعلَّ أن تأتي بعدَها خُطوات أكثرُ جِدَّيةً وجدةً وجُرأة.
ومِن جهة أخرى عِلم أصول الفقه ليس خاصًّا بالحضارة الإسلامية، بل هو قائمٌ في كلِّ حضارة نصيَّة، أو في تلك غير النصيَّة، فنجده في الحضارة اليهوديَّة والحضارة المسيحيَّة، وكذلك في الحضارات الشرقيَّة القديمة في الهند والصين وفارس،في الحضارة اليهودية ظهر أصول الفقه متأثِّرًا بأصولِ الفقه الإسلاميِّ، ومثلما نشأ الصراعُ بين التأويل والتنزيل في أصولِ الفقه الإسلامي نشَأ في أصولِ الفقه اليهودي بيْن الربانيِّين والإصلاحيِّين حولَ الأولوية للنصِّ أم للواقِع، وحدث الأمْرُ نفسُه في الحضارة المسيحيَّة، واستمرَّ منذُ بداية النهضة الأوربيَّة حتى القرن التاسعَ عشرَ، والانتقال مِن نقد السند إلى نقد المتْن، ومِن نقْد المصادر إلى نقْد النص، وعَرَف الشرق القديم في حضاراتِه عِلمَ أصول الفقه، “وفي الهند نَشَأ علمُ أصولِ الفقه لحلِّ التعارض بيْن النصوصِ الهنديَّة وتراكمها عبرَ الأجيال.
وتأسيسُ أصول الفقه الفيدانتي، لا يَكفي وضْعُ الفِقهِ الإسلامي فقط في إطارٍ مقارن، كما يفعل الحقوقيُّون والأزهريُّون، بل أيضًا ضرورة وضْع عِلم أصولِ الفِقه في إطارٍ مقارن”[74].
أمَّا بالنسبة للغرْب الحديثِ فتُراثه اكتشف أصول الفقه عفويًّا بواسطةِ علومِ التأويل الحديثة، وأدخلتِ اللسانياتُ وعلومُ النصِّ ومناهجُ تحليل الخطاب عناصرَ جديدةً في مجال اللُّغة في عِلم أصول الفقه، وأضاف المنطِق “منطق الواجبات”، “وكان المُحْدَثون قد توصَّلوا إلى مناهج الاستنباط والاستقراء والسَّبْر والتقسيم وحَصْر العلل مِثل المنطِق الاستنباطي – الاستقرائي عندَ “جون ستيوارت مل”، كما أسهم القانونيُّون في وضْع أُسس “منطق القانون” للتعرُّف على مناهجِ الاستدلال وطُرق الحِجاح، وإثبات التُّهَم ونفيها؛ اعتمادًا على القرائنِ وَوضَعوا لذلك الأنساقَ القانونية”[75].
والهدفُ مِن أصول الفقه المقارَن التعرُّفُ على الخاصِّ بكلِّ حضارةٍ، وعلى ما هو مشترَك في الحضاراتِ المختلفة، وكلُّ حضارة لها ميزاتها بحملِها عِلمَ أصول الفقه فيها، يوجد توازنٌ بين مكوِّنات الوعي الإنساني في عِلم أصولِ الفقه الإسلامي رغمَ ميلِه نحوَ الوعي النظري على حسابِ الوعي العملي.
ويَتَّجه علمُ أصول الفقه اليهوديُّ نحوَ الوعي النظريِّ على حسابِ الوعي العمَلي والوعي التاريخي، كما يتَّجه أصولُ الفقه المسيحي الحديث نحوَ سيطرةِ الوعي التاريخي، ويَتميَّز علمُ أصولِ الفقه في الهند والصِّين بسيطرةِ الوعي العمَلي على الوعي التاريخيِّ والوعي النظري، فهو يَهدِف إلى تواصلِ العملِ عبْرَ الأجيال والتاريخ، “وبعد ذلك ربَّما يُمكن تأسيس “عِلم أصول الفِقه المطلَق”، الذي يجمع ما هو مشترَك وعام بيْن علومِ أصولِ الفِقه في الحضاراتِ المختلِفة في الشرقِ والغرْب، كما حاول “ابن سينا” مِن قبلُ تأسيسَ “عِلم الشِّعر المطلَق” الذي يتجاوز الشِّعرَ اليوناني والشِّعر العربي، فيُوضَع عِلم جديد يُحدِّد العلاقة بيْن الوحي والعقل، والواقع بيْن اللفظ والمعنى والشيء، ويَضَع علومًا جديدةً للنص خارجَ النص… فتنتهي القطيعةُ باسمِ النصِّ، والحداثة باسمِ اللُّغة، ويتوجَّه الجميع نحوَ الفِعل”[76].
بعدَ هذه القِراءة في مضمونِ “مِن النص إلى الواقِع” في “تكوين النص” وفي “بنية النص”، يَظهر أنَّ العَرْض المدوَّن مِن حيث الحجمُ قليلٌ جدًّا بالمقارنة مع حجم “مِن النص إلى الواقِع” في جزأيه، فهو عرضٌ لخَّص واختصر وركَّز على الدَّلالات الرئيسيَّة والأساسيَّة والمحورية في أبوابِ وفصولِ الكتاب التي تتضمَّن الأقسامَ الرئيسيَّة والعناصر الأساسيَّة في النصِّ الأُصولي، خاصَّة وأنَّ الكتابة عند “حسن حنفي” تتميَّز بالتحليل التَّفصيلي وأحيانًا بالتَّكْرار، وبالعُمق، وبالشرح والتوضيح المطوَّل والمسهب، الأمر الذي حدَّد منهجَ التعامل مع مضمونِ الكتاب، وهو منهجٌ يقوم على التلخيصِ والاختصار، وحتى أسلوب الاختصار أو التلخيص هو ضربٌ مِن التحليل له مواصفاتُه وشروطه لضمانِ دِقَّة وسَلامةِ وصِحَّة القراءة، وللوصول إلى نتائجَ تعكِس ما يُريده الكتاب وصاحبه في وصفِ ما هو كائن أو ما ينبغي أن يكونَ عليه عِلمُ أصول الفقه.
فالكتاب “مِن النص إلى الواقِع” وضَعَه صاحبُه في جزأين هما: “تكوين النص” و”بنية النص”، يشمل محاولةً لإعادة بناء عِلم أصول الفقه، جاءتْ على منوال محاولة إعادة بِناء عِلم الكلام “مِن العقيدة إلى الثورة”، ومحاولة إعادة بِناء علومِ الحِكمة في “من النقل إلى الإبداع”، وقام الكاتبُ بنقد المحاولة الأولى في “مِن النقل إلى الإبداع” كما قام بنَقْد المحاولة الثانية في “من النص إلى الواقع”، وربَّما يأتي نقد محاولة إعادة بِناء أصولِ الفقه في محاولةِ إعادة بناءِ علومِ التصوُّف في كتاب هو قيدُ الوضع عنوانه “مِن الفناء إلى البقاء”، وهذا النقد ككلٍّ يدخُل في سياقِ النقد الذاتي، وهو أمرٌ غير مألوفٍ في الكتابات الكلاسيكيَّة بصفةٍ عامَّة، وغير مألوفٍ في الكتابات الأصوليَّة بصفةٍ خاصَّة.
لقد شمِل الجزء الأول “تكوين النص” في مضمونِه مقدِّمةً اختلفتْ عن المقدِّمات النظريات التي كانتْ تُفتَتح بها المصنَّفاتُ القديمة في عِلم أصول الفقه، فهي قد تضمَّنتْ كيفيةَ الانتقال مِن “من النقل إلى الإبداع” إلى “من النص إلى الواقع”، والنقد الذاتي للمحاولةِ الثانية مِن خلالِ مصنَّف “من النقل إلى الإبداع”، وسمات المنهجِ الأصوليِّ المميزة له عن الفلسفةِ والتصوُّف وعِلم الكلام ومَنهج دراسةِ عِلم أصول الفقه، وأنواع المصنَّفات الأصوليَّة، متون أصليَّة وشروح وحواشٍ، وملخَّصات ودِراسات ثانوية في أصولِ الفقه.
وجاءتِ المقدِّمةُ في الجزءِ الثاني “بنية النص” تتضمَّن علاقةَ الجزء الأول بالجزءِ الثاني في “من النص إلى الواقع”، فالأول مرتبطٌ بالشكل، والثاني بالمضمونِ وبالتجرِبة الشعورية في النصِّ الأصولي، وطبيعة المقدِّماتِ الأصوليَّة مِن حيثُ موضوعاتها، وكذلك التأليفُ ونظرية العِلم وأنواع الأدلَّة واللُّغة والمنطق والتصوُّر والحدُّ والتصديق والبُرهان وغيرها، وكل هذا يُمثِّل مباحثَ عِلم أصولِ الفقه في الوعي الإنساني بأقسامِه الثلاثة: الوعي التاريخي، والوعي النظري، والوعي العمَلي.
أمَّا تكوين النصِّ فيتضمَّن في الفصل الأول فيه كشفَ البنية، ويتضمَّنُ مفهومَ البنية، ويُحلِّل بنية تِسعة وثلاثين مُصنَّفًا من البنية الأُحادية إلى البنية الثمانيَّة، وفي الفصل الثاني حجبَ البنية فيُحلِّل البنيةَ في حالاتِ التواري والغياب والتناثُرِ والتشكُّل والتفرُّع والتشعُّب، مِن خلال سَبعةٍ وعشرين مصنَّفًا، وفي الفصل الثالثِ اجتزاءَ البنية فيُحلِّل البنيةَ المجتزأةَ في حالاتِ المصنَّف الجزئي والمصنَّف الاصطلاحي، وفي مباحثِ الألفاظ والإجماع والقياس مِن خلالِ تِسعةَ عشرَ مصنَّفًا، وفي الفصل الرابع تحريك البنية يُحدِّد السماتِ العامَّةَ لأصولِ الفقه الشيعي مِن خلال البداية المتأخِّرة، والازدهار المتأخِّر، وتحريك البنية إلى الداخل والبنية الرباعيَّة، وتحديد أصول الفقه وتغيُّر البِنية بعدَ الثورة، ونهاية التجديدِ والعودة إلى التقليد، مِن خلال واحدٍ وعشرين مصنَّفًا، أما الفصلُ الخامس (تثبيت البنية) فقد تَضمَّن البنيةَ والتاريخ والشروحَ ودوافِع الشرحِ وآلياته والأدلَّة العقليَّة والنقليَّة والوعي التاريخي والمختصَرات، والحواشي والتقارير مِن خلالِ عِدَّة كُتُب ذُكرتْ عناوينُها في الهوامِش، ويحتوي “تكوين النص” على كمٍّ غزير جدًّا مِن الهوامش تحيل إلى المصنَّفاتِ وتُحيل إلى الشروحِ والتحليلات على المتونِ، والأمْر نفسه في “بنية النص”.
“بنية النص” تَضمَّن قراءةً جديدةً، وصياغةً جديدةً، وبنيةً جديدةً لعِلم أصول الفقه فتضمَّن ثلاثةَ أبواب كُبرى تعكِس المستوى الشُّعوري والتجارِب الشعوريَّة التي نشأ فيها ونَما وتَكوَّن عِلم أصول الفِقه.
فالبابُ الأول تضمَّن الوعيَ التاريخيَّ في مكوناته الأربعة: الكتاب، ويمثل التجرِبة الإنسانية العامَّة، والسُّنَّة، وتمثِّل التجرِبةَ النموذجيَّة، والإجماع، ويُمثِّل التجربةَ المشترَكة، والاجتهاد، ويُمثِّل التجرِبة الفرديَّة.
أمَّا الباب الثاني فهو الوعيُ النظريُّ، وفي مكوناته الأربعة: المنظوم، وتمثِّله اللُّغة، والمفهوم، وتُمثِّله الدَّلالاتُ والمعاني، والمعقول، ويُمثِّله الشيءُ أو القياسُ، والمنظور، ويُمثِّله الاجتهادُ والتقليد والاستفتاء.
أما الباب الثالث والأخير: فهو الوعيُ العمليُّ في مكوِّناته الأربعة: مقاصِد الشرع، ومقاصد المكلَّف، وأحكام الوضْع، وأحكام التكليف.
فالبنية في “بنية النص” ثلاثيَّة ولكلِّ قسم “باب” مِن أقسام الشعور بنيَّة رُباعيَّة، وهذا لم يَرِدْ في المصنَّفاتِ الأصوليَّة القديمة، ولم تَعرِفْ هذه المصنفاتُ الكيفيةَ التي جاء بها “من النص إلى الواقع” في “تكوين النص” أو في “بنية النص”، والذي يقول فيه صاحبُه: ” “تكوين النص” فيه العِلمُ الدقيقُ القادر على تجنُّبِ الأحكامِ العامَّة والشائعة دون تأسيسٍ عِلمي، في حين أنَّ “بنية النص” فيه الفلسفةُ القادرةُ على الإيحاء، فإذا كان “تكوين النص” هو الأساسَ، فإن “بنية النص” هو البِناء”[77].

الهوامش:

[1] – حسن حنفي: من النص إلى الواقع، الجزء الثاني: (ص: 9).
[2] – حسن حنفي: من النص إلى الواقع، الجزء الثاني، (ص: 7).
[3] – المرجع نفسه: (ص: 9- 10).
[4] – المرجع نفسه: (ص: 8).
[5] – المرجع نفسه: (ص: 8).
[6] – المرجع نفسه: (ص: 8-9).
[7] – المرجع نفسه: (ص: 13).
[8] – المرجع نفسه: (ص: 33).
[9] – المرجع نفسه: (ص: 71).
[10] – المرجع نفسه: (ص: 95).
[11] – المرجع نفسه: (ص: 99).

[12] – المرجع نفسه: (ص: 100).
[13] – المرجع نفسه: (ص: 105).
[14] – المرجع نفسه: (ص: 107).
[15] – المرجع نفسه: (ص: 108).
[16] – المرجع نفسه: (ص: 110-111).
[17] – المرجع نفسه: (ص: 111).
[18] – المرجع نفسه: (ص: 112).
[19] – المرجع نفسه: (ص: 116).
[20] – المرجع نفسه: (ص: 118).
[21] المرجع نفسه: (ص: 119 -121-123-124).
[22] المرجع نفسه: (ص: 126).
[23] المرجع نفسه: (ص: 127).
[24] المرجع نفسه: (ص: 136- 137).
[25] المرجع نفسه: (ص: 137- 138).
[26] المرجع نفسه: (ص: 139 -140-141).
[27] صيغ لفظية دالَّة على درجات الرِّواية بحسب ألفاظها.
[28] المرجع نفسه: (ص: 170).
[29] المرجع نفسه: (ص: 175-176).
[30] المرجع نفسه: (ص: 178).
[31] المرجع نفسه: (ص: 190).
[32] المرجع نفسه: (ص: 191-192).
[33] المرجع نفسه: (ص: 198).
[34] المرجع نفسه: (ص: 199).
[35] – المرجع نفسه: (ص: 211-212).
[36] – المرجع نفسه: (ص: 214).
[37] – المرجع نفسه: (ص: 217).
[38] – المرجع نفسه: (ص: 219).
[39] المرجع نفسه: (ص: 223-224).
[40] المرجع نفسه: (ص: 223-224).
[41] المرجع نفسه: (ص: 238).
[42] المرجع نفسه: (ص: 247).
[43] المرجع نفسه: (ص: 261).
[44] – المرجع نفسه: (ص: 269).
[45] – المرجع نفسه: (ص: 273).
[46] – المرجع نفسه: (ص: 277).
[47] – المرجع نفسه: (ص: 280).
[48] – المرجع نفسه: (ص: 282).
[49] – المرجع نفسه: (ص: 285).
[50] – المرجع نفسه: ص 358).
[51] – المرجع نفسه: (ص: 359-362).
[52] – المرجع نفسه: (ص: 374).
[53] – المرجع نفسه: (ص: 375).
[54] – المرجع نفسه: (ص: 422).
[55] – المرجع نفسه: (ص: 444).
[56] – المرجع نفسه: (ص: 462 – 465).
[57] – المرجع نفسه: (ص: 470).
[58] – المرجع نفسه: (ص: 471 – 472).
[59] – المرجع نفسه: (ص: 483).
[60] – المرجع نفسه: (ص: 488-492).
[61] – المرجع نفسه: (ص: 497 – 498 – 499).
[62] – المرجع نفسه: (ص: 508).
[63] – المرجع نفسه: (ص: 515).
[64] – المرجع نفسه: (ص: 517).
[65] – المرجع نفسه: (ص: 519).
[66] – المرجع السابق: (ص: 528، نقلاً عن أصول الكرخي، (ص: 93).
[67] – المرجع نفسه: (ص: 513).
[68] – المرجع نفسه: (ص: 533).
[69] – المرجع نفسه: (ص: 536).
[70] – المرجع نفسه: (ص: 585).
[71] – المرجع نفسه: (ص: 562).
[72] – المرجع نفسه: (ص: 568).
[73] – المرجع نفسه: (ص: 583).
[74] – المرجع نفسه: (ص: 587).
[75] – المرجع نفسه: (ص: 588).
[76] – المرجع نفسه: (ص: 588-589).
[77] – حسن حنفي: من النص إلى الواقع، الجزء الأول، (ص: 496).

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

bodrum escort bayan ankara escort bayan mobile porn wso shell