www.omferas.com
شبكة فرسان الثقافة

الدور الوظيفي للنظام الأردني منذ نشأة الدولة القطرية الأردنية/14/أسامه عكنان

0

تحضرنا في هذا المقام عبارة تهكمية وردت على لسان سياسي أميركي في معرض تقييمه لدولة “روسيا الاتحادية”، من حيث مستوى التقدم والتحضُّر اللذين تنعم بهما، جاء فيها: “إن روسيا دولة من دول العالم الثالث + ترسانة نووية رادعة”. إن حجم الحقيقة في هذه العبارة لا يختلف عن حجم الحقيقة في العبارة التالية: “إن الأردن بعد عام 1971 تحول من مشروعِ دولةٍ حديثة، إلى قبيلةٍ بدائية كبيرة، يركب أفرادها السيارات بدل الجمال والبغال، ويسوسهم “شيخٌ عشيرة” أو “مختار حارة” أُطْلِقَ عليه لقب “ملك”.

الدور الوظيفي للنظام الأردني منذ نشأة الدولة القطرية الأردنية

“دراسة في حلقات”

“جزء من بحث قُدِّمَ لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية”

أسامة عكنان

عمان – الأردن

الأردن وطن وليس مزرعة خراف

والأردنيون شعب وليسوا قطيع ماشية

والأردني مواطن يملك وطنا، وليس عابر سبيل يستجدي كسرة خبز

وحكام الأردن خدم وموظفون عند شعبهم، وليسوا سادة عليه أو مستعبدين له

فمن فهم فليعمل بما فهم، ومن لم يفهم فليذهب إلى الجحيم

الخراف لخلق فضاءٍ آمنٍ لأعداء الأمة

الحلقة الرابعة عشرة

كيف تجسَّدت وظيفية النظام الأردني منذ أيلول 1970 وحتى نيسان 1989

أولا

تغييب التمثيل المجتمعي، ترييف المدن، فشل التنمية، تزييف مكونات الهوية

تحضرنا في هذا المقام عبارة تهكمية وردت على لسان سياسي أميركي في معرض تقييمه لدولة “روسيا الاتحادية”، من حيث مستوى التقدم والتحضُّر اللذين تنعم بهما، جاء فيها: “إن روسيا دولة من دول العالم الثالث + ترسانة نووية رادعة”. إن حجم الحقيقة في هذه العبارة لا يختلف عن حجم الحقيقة في العبارة التالية:

“إن الأردن بعد عام 1971 تحول من مشروعِ دولةٍ حديثة، إلى قبيلةٍ بدائية كبيرة، يركب أفرادها السيارات بدل الجمال والبغال، ويسوسهم “شيخٌ عشيرة” أو “مختار حارة” أُطْلِقَ عليه لقب “ملك”.لسنا مغالين ولا مبالغين عندما نصفُ الأردن بعد استعادة النظام فيه مكانتَه الوظيفية عقب مجزرة أيلول، بأنه انتكس من جديد إلى ثقافة “مصلحة العصبية”، فتحولَّت البلاد إلى قبيلة بدائية، والحكم إلى مَشْيَخَة ثيوقراطية، والعباد إلى رعايا مُغيَّبين. وهي العناصر الثلاثة التي إذا اجتمعت وتزاوجت ليدارَ بها وفي ضوء حيثياتها مجتمعٌ معاصر يتطلع إلى الحداثة، فيما هي تشُدُّ به إلى الوراء، فإنها تفرِّخ فيه أبشع أنواع الفساد والتَّبَعِيَّة، فضلا عن أكثر أنماط التحالفات الطبقية تكريسا للفقر والبطالة والتَّشَوُّهات المجتمعية.إن هناك معضلة مزمنة في بُنية الدولة الأردنية رافقتها منذ نشأتها إمارةً في عام 1921، جعلت من تطورها عبئا على وظيفيتها، ومن وظيفيتها كابحا لتطورها. وهذه المعضلة خلقت في هذه الدولة تناقضا تاريخيا مستحكما بين ضرورات الوظيفية وضرورات التطور. فهي من جهة دولة معنية بالتطور والتنمية كي تستمر، شأنها في ذلك شأن كل الدول، وهي من جهة أخرى معنية بأن تكون وظيفية بموجب مكانتِها القُطْرِية الضيقة في خريطة سايكس بيكو، خلافا لمعظم الدول.

 ولأن الدور الوظيفي للدولة الأردنية قام بالدرجة الأولى على استيعاب كافة تداعيات المشروع الصهيوني “إسرائيل” حمايةً له. ونظرا لأن كافة محطات استيعاب تداعيات ذلك المشروع، وخاصة محطتا “التجنيس” و”الضم”، كانت ذات مردود عكسي على المكانة الوظيفية للدولة كما مر معنا فيما مضى، فإن الوظيفية التي رأت نفسها في مواجهةِ “تداعيات مشروع صهيوني” تعمل في عكس اتجاه خُطَطِها المرسومة، ومن خلال تماهٍ كامل مع خطوط تطور الدولة والمجتمع، لم تجد من سبيل لمواجهة نتائج تلك التداعيات غير المتوقعة، إلا بالاعتماد على الثقافة الضد التي من شأنها أن تعرقل التطور، لتعرقل بعرقلته نتائج تلك التداعيات المتماهية معه. وهنا مكمن التناقض التاريخي الخطير الذي لازم وما يزال يلازم الدولة الأردنية منذ نشأتها حتى الآن.

إن الحتميتين اللتين تحكمان صيرورة الدولة الأردنية، وهما “الوظيفية” بصفتها حتميةً سياسية، و”التطور” بصفته حتميةً تاريخية، تتحركان على مَعْلَمِ إحداثياتِ تشخيص “الحالة الأردنية” باتجاهين متعاكسين. فالتطور يشدُّ الدولةَ والمجتمعَ باتجاه اللاوظيفية، والوظيفية تشدهما باتجاه اللاتطور. أي وبتعبير آخر أكثر دقة ووضوحا، فإن الأردن لا يمكنه أن يتطور وهو يحافظ على وظيفيته، ولا يمكنه أن يحافظ على وظيفيته إذا هو أراد أن يتطور. من هنا فقد ارتبطت الوظيفية بثقافةٍ تنتكس بالمجتمع الأردني وتنكُصُ به إلى دوائرَ تعرقل التطور، فيما ارتبط التطور بثقافةٍ ترتقي به إلى دوائرَ تعرقل الوظيفية. أي أن الوظيفية والتطور لا يمكنهما أن يكونا معا خيارين متزامنين للأردن، وعلى الأردنيين أن يختاروا لدولتهم إما التطور وإما الوظيفية، مادام التطور قد ارتبط تاريخيا وسيبقى يرتبط مستقبلا بأنماطٍ ثقافية تنزع بالدولة إلى اللاوظيفية التي لو كانت هي خيار الأردنيين، فعليهم أن يعوا أنها ستكون على حساب تطورهم.التطور عامة مرتبط بثقافة “مصلحة الفكرة” التي تنزع بالأفراد والمجموعات للترابط والالتقاء على أساس المصالح التي تنتجها الأفكار الصانعة للتطور، والخالقة لأرضياته الخصبة. فيما تقف ثقافة “مصلحة العصبية” حجر عثرة في طريق التطور، لأنها تقلص إلى حدٍّ كبير من دوائر وفرص الالتقاء على أساس المصالح الفكرية. ومن هنا وبالنظر للحقيقة السابقة المتعلقة بتعارض الوظيفية مع التطور في البناء المجتمعي الأردني، فقد كان من الطبيعي أن يرتبط ارتفاع أسهم الوظيفية، بارتفاع أسهم ثقافة “مصلحة العصبية”، فيما ترتفع أسهم التطور المناهض للوظيفية بارتفاع أسهم ثقافة “مصلحة الفكرة”.ولهذا السبب تحديدا ما كان للنظام الأردني أن يتمكن من استعادة وظيفيته إلا عبر استعادة شرعية تمثيله لهوية أردنية وظيفية أعادت إنتاجَها أحداثُ نهاية العقد السابع من القرن الماضي، وهي الأحداث التي أَطَّرَتْها أيديولوجية ثقافة “مصلحة العصبية” التي مارسها النظام بكثافة وكفاءة بعد أن دفع بالمقاومةَ إلى ممارستها قبله. وما كان له بالتالي أن يتمكن من الاستمرار في تمرير الدور الوظيفي له على مدى الفترة 1971 – 1989 إلا عبر استخدامه لتلك الثقافة – ثقافة “مصلحة العصبية” – وعلى أوسع نطاق في إدارة الدولة وإعادة إنتاج المجتمع.على الرغم من أن “الثقافة المركبة” حظيت بمكانةٍ مرموقة في الفترة التي سبقت انتهاء عهد “المقاومة الأردنية”، لجهةِ التوسع في مساحات ثقافة “مصلحة الفكرة” على حساب ثقافة “مصلحة العصبية”، إلا أن هذه الأخيرة استعادت في الفترة “1971 – 1989” مساحات واسعة من تلك التي كانت قد بدأت تفقدها في المرحلة السابقة، بعد أن تمكن النظام من استخدامها لتعزيز شرعية تمثيله للهوية الأردنية الوظيفية في ظروف التجاذب بين الهويتين على مدى الفترة 1968 – 1970، لتغدوَ أداةً تمثيلية بديلة اعتمد عليها النظام لتعويض الأدوات الحزبية التي كانت ما تزال تخضع للحل والملاحقة. “غير أن هذا الذي حصل بدءا من عام 1971، لم يكن نتيجة تطور طبيعي تلقائي، فلو تركت الحالة الثقافية تتطور طبيعيا في المجتمع، في الوقت الذي كانت فيه البلاد – خلال هذه المرحلة خصوصا – تشهد نهضة تنموية وعمرانية وتعليمية هائلة وغير مسبوقة، لكان من المنطقي أن تواصل ثقافة “مصلحة الفكرة” تقدمها وإحرازها حضورا أكبر داخل هذه “الثقافة المركبة”(1). تعززت ثقافة “مصلحة العصبية” في تلك الفترة، بسبب عناصر هامة هيمنت على النشاط المجتمعي، فأسهمت في زيادةِ الفرز على أساس “الانتماء الجغرافي” وترَسُّخِه، إلى درجة الانحدار إلى الفرز على أساس “الانتماء المناطقي” داخل الجغرافيا الواحدة، وزيادة الفرز على أساس “الانتماء القبائلي/نسبة إلى القبيلة” و”الحمائلي/نسبة إلى الحمولة”، إلى درجة الانحدار إلى الفرز على أساس “الانتماء العشائري” داخل القبيلة الواحدة، وإلى “الانتماء العائلي” داخل الحمولة الواحدة.

أدى هذا إلى جعل الفرز على أساس كلٍّ من الهويتين “الأردنية” و”الفلسطينية”، وهو الفرز الذي قضى على ثورة الأردنيين، وأعاد إحياء وظيفية النظام من مرقدها، يبدو وكأنه فرزٌ متقدم بالقياس لما تم الانحدار إليه من مستويات فرز مناطقية وعشائرية وعائلية. لقد أسهم النظام في تفعيل كل أشكال التعبير المناطقي والعشائري والحمائلي في تلك الفترة، كي تصبحَ الهويتان الأكبر والأوسع واللتان حُسِمَ أمر تشكيلهما كإطارٍ للوظيفية الجديدة عقب أيلول عام 1970، وهما الهويتان “الأردنية” و”الفلسطينية”، فوق مستويات النقاش والتساؤل، من حيث حتمية وجودهما وبقائهما واستمرارهما متمايزيتين متباينتين، وربما متناحرتين عند اللزوم. فإذا أصبحت “العائلة” و”العشيرة” و”المنطقة”، مُكَوِّنات مجتمعية، و”هويات فرعية” مشروعة ومقبولة ومدعومة ومؤَسَّساً لها أيديولوجيا ومؤطرة قانونيا، بحيث يمكن التعبير عن التضامن من خلالها وفي ضوء حيثياتها بدون انتقاد أو تحفظ، فهل يغدو الحديث عن “الأردنيين” وعن “الفلسطينيين” كشعبين متمايزين، وعن “الأردنية” و”الفلسطينية” كهويتين متباينتين، حديثا غريبا أو منتقدا أو مثيرا للجدل؟! إن حالة شبيهة بما حدث في أعقاب حرب 1948، تكررت في أعقاب حرب 1967، وعلى مدى سنوات حرب الاستنزاف بين مصر وإسرائيل في الفترة 1968 – 1973. “فقد نزح حوالي “400,000” شخص من الضفة الغربية وقطاع غزة إلى شرقي الأردن، أي ما يعادل نحو ثلث سكان الضفة الشرقية وقتها، وأكثر من نصف هؤلاء النازحين “وهم تحديدا نازحو الضفة الغربية” كانوا يحملون الجنسية الأردنية منذ وحدة الضفتين عام 1950″(2).  ولقد رفدَ هؤلاء الحراكَ المجتمعي في الأردن بعد هجرتهم إليه بزخمٍ من الأنشطة الجماهيرية لم يكن أقلَّ من ذلك الذي رفد به مُهَجَّرو عام 1948 صيرورةَ الحياة المجتمعية فيه سياسيا واقتصاديا وثقافيا. وإن كان هناك فرق بين الوجهتين السياسية والثقافية لتلك النشاطات. فبينما لم تكن مقولة “الهوية الفلسطينية” تحتل مساحات ذات أهمية في ثقافة “مصلحة الفكرة” التي كانت تروج وتنتشر وتتسع في مرحلة ما بعد حرب 1948، بسبب أنها ذابت واختفت في قلب “الهوية الأردنية” من جهة أولى، وبسبب أن التأكيد عليها كان سيتعارض مع طبيعة النشاط الحزبي المتماهي مع المد القومي العربي بسبب القيادة المصرية الناصرية بكارزميتها المعروفة من جهة ثانية، “فإن التشديد على “الهوية الفلسطينية” التي واصلت الفصائل الفلسطينية بعد عام 1970 – خاصة داخل المخيمات التي أقام فيها هؤلاء النازحون، وأيضا في لبنان، وأينما توفر لهم صوت إعلامي – النفخ فيها على اعتبار أنها أداة التحرير”(3)،  كان هو الإطار السياسي لتلك النشاطات، ليكون الدفع باتجاه ثقافة “مصلحة العصبية” هو الإطار الثقافي لها، ما عزَّز سياسات النظام، ورسَّخ أركان سلطته، وأمَّن مشروعيته، ومنح التحالفات التي تعاقبت على حكم الأردن في ظل بيئة مجتمعية ثقافية وسياسية كتلك، كلَّ الفرص لتختبئ وراء هذه الثقافة وتمؤسس أبشع أنواع الفساد والظلم والقهر والإفقار، تحت عنوانِ وظيفيةٍ دثرتها واقعة “الدولة القبيلة” التي قادها “الملك الشيخ” أو “الملك المختار”. وهكذا تحققت كل العناصر التي كان من شأنها أن تُعَزِّز ثقافة “مصلحة العصبية” ومفاهيمها، بجهدٍ بذله الطرفان معا وعلى قدم المساواة، “النظام المستعيد لشرعية تمثيله للأردنيين” و”المقاومة السعيدة بوهم تمثيلها للفلسطينيين”. وقد تجلى ذلك التعزيز في النشاطات الجماهيرية التي كان يشهدها الأردن خلال تلك المرحلة، والتي كانت تدور كلها حول الفعاليات التالية..         “

أ – مساندة كفاح الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة. ب – دعم فصائل العمل الفدائي التي انتقلت إلى الأراضي اللبنانية.

 ج – دعم منظمة التحرير الفلسطينية، خاصة منذ نالت اعتراف الأردن بها ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني في مؤتمر القمة العربية في الرباط عام 1974.

د – حصول الشخصيات السياسية والحزبية التي ظلت داخل الأردن بعد أحداث عام 1970، على نوع من حرية الحركة، خصوصا عبر بوابة النقابات المهنية التي عظم دورها في هذه السنوات لتصير مظلة للعمل السياسي والحزبي المعارض”(4).

ومع تكاثر تلك النشاطات واتساع نطاقها، راحت ثقافة “مصلحة العصبية” وتداعياتها المجتمعية والسياسية تكتسب مساحاتٍ إضافية. “وكان أول نشاط جماهيري واسع من هذا النوع قد أقيم يوم 27 أيلول 1974 على شكل مهرجان شعبي دعت إليه “لجنة الدفاع عن المعتقلين الفلسطينيين في الأرض المحتلة. ثم توالت النشاطات المماثلة في مناسبات مثل: يوم الأرض، ذكرى وعد بلفور، ذكرى حرب حزيران، حيث كانت تعقد على الأغلب في مجمع النقابات المهنية”(5). 

       خلال الفترة 1971 – 1989، تعرضت منظومة “أدوات التمثيل المجتمعي” التي تعكس ثقافة “مصلحة الفكرة”، والتي تعمل في الاتجاه المعاكس لـ “وظيفية الدولة” والمنادد لها، لغيابٍ قسري يكاد يكون كاملا، بسبب السياسة التي اتبعها النظام، وهو يعمل جاهدا على ترسيخ وتثبيت عوامل وظيفيته المرتبطة – قطعا – بالدفع باتجاه هيمنة ثقافة “مصلحة العصبية” في ساحةٍ غدت مستباحةً سياسيا وثقافيا. ولقد استغل النظام في ذلك، خروجَه منتصرا من لعبة “لوغو الهويات” في مرحلتها الأولى، وتوفُّرَ الساحة الأردنية عقبَ أيلول، على بُنىً مجتمعيةٍ ذات قابليات سياسية متراجعة، واستعداداتٍ للاختراق الثقافي والأمني هائلة، أفرزتها الثقافة المنتصرة في حرب السنوات الثلاث 1968 – 1970، ألا وهي ثقافة “مصلحة العصبية” التي غذاها الطرفان، “النظام” بدفعه باتجاه إبراز “الهوية الفلسطينية” للمقاومة الأردنية، لشَرْعَنَة استعادةِ تمثيله للهوية الأردنية الوظيفية، و”المقاومة” ذاتُها، عندما ابتلعت الطعم واستجابت له، دافعة باتجاه ذلك الإبراز بكل ثقلها الأيديولوجي، الذي دفعت ثمنه طردا مُذِلا من الأردن، لتستمر في دفع ثمنه تيها أبديا وترحالا لم يتوقف إلا على حافة مثواها الأخير، منذ رأت في “أوسلو” تجسيدا لوهمها بقداسة “الهوية الفلسطينية”، حتى لو كان ذلك التجسيد أسطورة مُدَوَّنَة على الورق وملقاة في أدراج اللاعبين الكبار، وشَرَكا سياسيا محكما يستدرجها إلى حتفها.ولقد تجلَّى الغياب القسري لأدوات التمثيل المجتمعي العاكسة لثقافة “مصلحة الفكرة”، لحساب تلك التي تخدم وتُفَعِّل وتعكس ثقافة “مصلحة العصبية”، في مجموعة من العوامل التي راحت تسود وتحكم المجتمع الأردني سياسيا وثقافيا على مدى الأعوام الممتدة من 1971 وحتى 1989، أدت جميعها إلى محاصرة ثقافة “مصلحة الفكرة” وتغييبها عن ساحة الفعل المجتمعي سياسيا وثقافيا، يمكننا إيجازها في العناوين التالية.

.1 – تغييب وتشويه الحياة التمثيلية للمجتمع..غاب مجلس النواب غيابا كاملا عن الساحة التمثيلية في المملكة، وعُطِّلَت العملية الانتخابية، وزُوِّرَت الإرادة الشعبية وشُوِّهَت دلالاتها، عبر تحويل التمثيل من صيغته الانتخابية المشروعة، إلى صيغةٍ تعيينية يُخْتار فيها من يُفْترض أنهم ممثلو الشعب من قبل النظام نفسِه، تماما كما يفعل شيوخ العشائر ووجهاء الحمائل لترتيب أمور عشائرهم وحمائلهم، فيما بدا واضحا أنها محاولاتٌ من النظام لاستغلال ظروف الأزمة التي تمر بها البلاد الخارجة لتوها من حربٍ مدمرة، في تجنب أي محاولة من شأنها أن تعطي لفلول المقاومة والمتعاطفين معها فرصَ امتلاك قوة تمثيلية في مؤسسةٍ شرعيةٍ قد تعيد إلى الواجهة صورا مشروعة للتشكيك في نتائج ما آلت إليه الحرب شعبيا وجماهيريا. “فقد جُمِّدَت الانتخابات النيابية منذ انتخابات المجلس النيابي التاسع في عام 1967، حيث مُدِّدَت مدة ولايته مرة في “3 آذار 1971″، وأعيد إحياؤة مرتين، مرة في “4 شباط 1976” ولمدة أربعة أيام فقط، ومرة في “9 كانون الثاني 1984″، حيث اعتبر فيها مجلسا جديدا، أي المجلس النيابي العاشر. كما شُكِّلَت ثلاثة مجالس وطنية استشارية متتالية خلال الفترة “78 – 84” مدة ولاية كل منها سنتان، وبأعضاء معينين لتكون بديلة لمجلس النواب”(6).

وعلى الجانب الآخر من العملية التمثيلية المجسِّدة لثقافة “مصلحة الفكرة”، حيث منظمات المجتمع المدني والمؤسسات النقابية المختلفة، مارس النظام السياسة الإقصائية والتزويرية والتشويهيةَّ نفسِها. ففي الوقت الذي بقيت فيه الأحزاب السياسية تعاني من تبعات الحل القانوني والملاحقة الأمنية، “اختفت الكثير من أدوات التمثيل الطلابية والعمالية والنسائية التي كانت نشأت خلال السنوات السابقة، وذلك تحت وطأة حالة الأحكام العرفية والأجواء السياسية المحتقنة”(7).  لتحلَّ محلَّها مؤسساتٌ من نوع آخر تُجَسِّد الثقافةَ الضد التي حرص النظام على إدخال المجتمع الأردني إلى فضاءاتها عبر استدعائها من منافي الذاكرة الجمعية للأردنيين. “حيث تم انتقال جزء كبير من التمثيل الاجتماعي إلى الجمعيات الخيرية التي كان يتم تأسيسها على أساس تقليدي ذي طابع إقليمي أو عشائري، من أجل أهداف مثل المساعدة الاجتماعية للفقراء والطلاب، وضم الأفراد المنتمين لها وإصلاح الخلافات بينهم، حيث تعتبر امتدادا للعشيرة والمخترة”(8). 

 وأصبحت هذه الجمعيات هي البديل التضامني السائد في المجتمع الأردني بعد محاصرة كل أنواع الترابط التضامني القائم على ثقافة “مصلحة الفكرة”. وإمعانا من النظام في جرِّ كل مكونات الشعب الأردني لتنخرط في هذا البناء التضامني الجديد، فقد قدَّم كل التسهيلات التي تجعل المواطنين لا يجدون مناصا من التفكير والائتلاف مناطقيا وعشائريا وحمائليا. “فقد وصلت نسبة هذه الجمعيات التي تأسست خلال الفترة “71 – 79” إلى نحو 30% من إجمالي الجمعيات الخيرية التي تأسست خلال الفترة نفسها، هذا بينما لم تكن مثل هذه الجمعيات تمثل أكثر من 10% من الجمعيات الخيرية خلال الخمسينيات والستينيات”(9).

وقد أُسِّسَت هذه الجمعيات إما اعتمادا على المنطقة الجغرافية التي تمثل مرجعية أعضائها، سواء في الأردن أو في فلسطين، أو اعتمادا على الرابطة العشائرية التي كانت تختزل القبيلة إلى مُكَوِّناتها الأصغر والأبسط، إمعانا في التفتيت والتَّشْظِيَة المجتمعية المانعة للقوة التي قد تهدد النظام أو تعارضه. وإذا كان التفتيت على أساس الرابطة العشائرية ينصب نحو القبائل الشرق أردنية، فإن التفتيت على أساس الرابطة الحمائلية التي تمثل في الغالب عائلة ضمن قرية أو بلدة، كانت هي السياسة التي انصبت نحو الفلسطينيين الذين تجاوزوا في الغالب البنية القبلية والعشائرية. أسهم كل ذلك في الانحدار بالفرز المجتمعي إلى “الهويات الفرعية” الأكثر مدعاة للانغلاق الثقافي، والنكوص الحضاري، والتراجع النهضوي، والفساد السياسي والمالي والإداري، التي راحت حقبة السبعينيات تمهِّد لصورة بشعة من صورها، بدأت على مدى عقد الثمانينيات، واستمرت على مدى عقدي التسعينيات والعشرين، وما تزال متواصلة حتى الآن، بشكل يُمَكِّننا من القول بدون تحفظات، أن ما مارسه النظام من دفعٍ محمومٍ باتجاه كل ما يَمُتُّ إلى ثقافة “مصلحة العصبية” بصلة، هو ما نعاني من نتائجه اليوم، عنفا متزايدا في المجتمع، وفسادا ماليا وإداريا زكمت روائحَه الأنوف، وفقرا وبطالة غير مسبوقتين، وجدلا عقيما حول مفاهيم غدت بالنسبة للشعوب المتحضرة مفاهيم عفى عليها الزمن.  جاءت الانتخابات النيابية التكميلية التي أجريت في 12 آذار من عام 1984 لانتخاب ثمانية نواب بدلاء عن النواب الذين شغرت مقاعدهم عن دوائر الضفة الشرقية، نتيجة الوفاة أو الفصل أو الاستقالة، لتثبت أن السياسة التي انتهجها النظام على مدى الفترة السابقة قد آتت أُكُلَها.

وكأن النظام أراد بهذه الانتخابات اختبار نتائج سياسته تلك، عبر آلية تمثيلية حقيقية، ليطمئن على أن الإقصاء والتزوير والتزييف والتشويه، قد نجحت فعلا في تغيير المجتمع في الاتجاه المطلوب، وهو اتجاه هيمنة ثقافة “مصلحة العصبية” عليه. “فقد خاض غمار تلك الانتخابات “101” مرشحا من مختلف الانتماءات العقائدية والتنظيمية، كما اعتمد بعضهم على المكانة العشائرية”(10). 

 وإذا علمنا أنه على مدى الـ 14 سنة التي أعقبت مجزرة أيلول وسبقت تاريخ الانتخابات التكميلية إياها، لم يتوقف سعي النظام في تغيير المجتمع الأردني، عند حدود العمل على هيمنة ثقافة “مصلحة العصبية” على بناه ومفاتيحه وحراكه، بل هو عمل على ربط البُنية الثقافية “العصبية” بشرعية دينية تحظى بالقداسىة من جهة، وعلى إحداث شرخٍ عميق بين القوى اليسارية والقومية المساندة للمقاومة في الأساس، وبين القاعدة الجماهيرية الفلسطينية لتلك المقاومة في الساحة الأردنية من جهة أخرى، نستطيع أن ندرك لماذا أرخى الحبل لجماعة “الإخوان المسلمين” كي تتحرك بحرية تامة في البلاد سواء في الأوساط الفلسطينية أو الشرق أردنية على حد سواء. وهو ما دلت عليه بوضوح نتائج تلك الانتخابات التكميلية في إشارة واضحة إلى نجاح لا يستهان به للسياسة التي انتهجها النظام في تلك الفترة. “ففي نتائج ستة من المقاعد المخصصة للمسلمين فاز ثلاثة من ذوى الاتجاهات الإسلامية، أي بنسبة 50%، وفاز الثلاثة الآخرون اعتمادا على مكانتهم العشائرية، فيما فاز أحد الظافرين بالمقعدين المسيحيين بفضل انتمائه العقائدي القومي. وما يمكن قوله أيضا أن المناطق التي تقطنها أغلبية من أصل فلسطيني أفرزت نوابا ذوي اتجاهات إسلامية”(11).

 أي أن سياسة النظام قد نجحت بنسبةٍ تقارب المائة بالمائة، مادام الإسلاميون والعشائريون – الذين نَفْتَرِض أنهم كانوا حلفاء النظام في سياساته الإقصائية لثقافة “الفكرة” والتكريسية لثقافة “العصبية” – قد أبعدوا ذوي ثقافة “مصلحة الفكرة” إبعادا كاملا عن مقاعد المسلمين من مجلس النواب، وأن هؤلاء لم يستطيعوا الحظوة بالمقعد الوحيد إلا بالاستفادة من مقعد المسيحيين القائم على مبدأ “المحاصصة والكوتة” المتعارض أصلا مع مبادئ ثقافة “مصلحة الفكرة”.2 – ترييف المدن بدل تمدين الريف..من المعروف – كما تشير إلى ذلك قوانين علم الاجتماع – أن البُنَى المجتمعية الأقل تقدما في سُلَّم التعليم وعلاقات الإنتاج والحالة العمرانية وتطور الصناعة ومستويات الرفاهية.. إلخ، تتأثر بنظيرتها الأكثر تقدما في السُّلَّم ذاته، عندما يتم الاحتكاك بين أفراد المجتمع المكونين لهذه البُنَى، عبر الانتقال من بيئة الأولى إلى بيئة الثانية أو العكس. ويتجلَّى هذا التأثُّر أكثر ما يتجلَّى في المُكَوِّنات الثقافية التضامنية “عصبية، فكرة”، لينتقل بعد ذلك إلى عناصر الحياة المجتمعية الأخرى. تحدث هذه الظاهرة في الأوضاع الطبيعية، عندما تُرْفَع عن بيئة الاحتكاك الثقافي بين مختلف البُنَى الثقافية، عواملُ الكَبْح أو التوجيه السياسي والثقافي التي تستهدف إعطاء مساحة تأثيرٍ لثقافة معينة أكثر من المساحة المتاحة للثقافة الأخرى، عن سبق إصرارٍ وقصدٍ لغاياتٍ محدَّدَة. أي أن الوضع الطبيعي الذي لا يعاند معايير التطور يُنْبِئُنا على الدوام عن ظاهرة يمكننا تسميتها بـ “تمدين الريف”، وليس بـ “ترييف المدن”.فقد أثبتت القراءات المتأنية لحركة المجتمعات، أن أهل الريف، سواء انتقلوا إلى المدينة أو استقبلوا أهلها في الريف، هم أكثر تَأَثُّرا بقِيَمِ هؤلاء المدنيين من تأثيرهم فيها، بسبب الفجوة الحضارية بين الطرفين على الصُّعد سالفة الذكر، وخاصة في المجتمعات المتخلفة أو تلك التي تمر في الأطوار الأولى للنمو والتحديث.

وإذا كانت هذه الظاهرة مُسْتَقْرَأَةً في اتجاهي حركة التنقل “ريف – مدينة”، أو “مدينة – ريف”، رغم قلة هذه الأخيرة، فإنها أكثر ما تتجلَّى في الانتقال من الريف إلى المدينة.  في هذا السياق يعتبر الأردن على مدى الفترة 1971 – 1989 نموذجا مختلفا حدثت فيه الأمور على نحوٍ مغاير لقوانين الطبيعة والمجتمع، جاعلة التاريخ يخضع لعلاقات ومعطيات كانت تشدُّه في الاتجاه المعاكس لاتجاه حركته الطبيعية. “فقد شهدت البلاد خلال سنوات هذه المرحلة هجرة كبيرة من الريف إلى المدينة، أدت إلى توسع المدن بشكل ملموس، خاصة عمان والزرقاء وإربد، حتى بات نحو ثلاثة أرباع السكان يقطنون المدن. غير أن هذه الظاهرة – خلافا للمتوقع والمعهود – لم ترافقها عملية انتشار القيم المدنية المفترضة بين أبناء الريف. وإنما تحولت إلى حالة من “ترييف المدن”، ينقل الفرد الريفي فيها قيمه وعاداته إلى المدينة. وهكذا فإن ثقافة “مصلحة الفكرة” لم تكتسب مع هذه الظاهرة أي مساحات جديدة في حالة الثقافة الأردنية “المركبة”(12).    

     إن الذي حصل مؤديا إلى هذه النتيجة، هو أن سياسات النظام على صعيد إعادة إنتاج المجتمع الأردني ثقافيا على نحوٍ يكرِّس هيمنة ثقافة “مصلحة العصبية”، هيَّأَت المدن “عصبيا”، لا ليَقِلَّ تأثيرُها “الفكري” الإيجابي في الوافد الريفي الجديد وحسب، بل لتصبحَ عاجزةً عن إيقاف تأثيره “العصبي” السلبي فيها. فأهل الريف عندما هاجروا إلى المدن واستوطنوها، أو حتى عندما انتقلوا إليها انتقالا مؤقتا بسبب العمل المؤقت، لم يجدوا أمامهم ثقافةً تختلف عن ثقافتهم يتأثرون بها ويتكيفون معها وينقلونها إلى مواطنهم الريفية الأصلية أو يعيشون بها في مواطنهم الجديدة، بل وجدوا أنفسهم أمام بيئة اجتماعية تندلقُ على ثقافتهم، وتنهل من قيمهم “العصبية”، أكثر مما تمنحهم من قيمٍ “فكرية” لم يلاحظوها إلا في أضيق حدود الحياة. وهذا بدوره أسهم في أن تجد ثقافة “مصلحة الفكرة” نفسَها محاصرة من كل جانب. فهي فضلا عن محاصرة النظام لها في المدن حيث تركزت احتمالات تململها وانطلاقها من جديد، وجدت نفسَها تتعرض لطوفانٍ من قيَمِ ثقافة “مصلحة العصبية” يغرقها قادما إليها من الريف، وهي مجردةٌ من أي سلاح تواجهه به، بعد أن غدا مبلغُ طموحِها هو إيقاف هذا الطوفان فقط، وليس التأثير فيه وتغيير وجهته الثقافية. 3 – فشل التنمية في الاستفادة من الوفرة النفطية الخليجية..إن الوفرة الاقتصادية إذا حصلت في مجتمعٍ غير قائمٍ على ثقافة “مصلحة الفكرة”، الموَلِّدة لصرامة العمل الحزبي في اعتماد الرقابة الذاتية لضمان عدم الخضوع لرقابة الآخرين، وفي اعتماد البرامج السياسية المحدَّدَة والواضحة للتنافس مع مختلف القوى على السلطة، في إطارٍ مدني سلمي، وحيث مؤسسات الدولة التي تقوم عناصر التوظيف والتعيين والقيادة فيها على الكفاءة والتكنوقراطية، وحيث تقوم مؤسسات التمثيل المجتمعي على قواعد تمثيلية حقيقية لا تُزَوِّرُ إرادةَ الشعب، وحيث العمل النقابي المهني والعمالي المنظم الضابط للعلاقة بين السلطة السياسية والشعب العامل المنتج، وحيث مؤسسات المجتمع المدني المنظمة وشديدة التخصص، والتي تحشر أنفَها في كل صغيرة وكبيرة من شؤون المجتمع لضمان عدم المساس بمصيره وعدم التلاعب بحقوقه، وحيث الإعلام الحر الذي يحسب له الجميع ألف حساب، وحيث تنضبط إلى حدٍّ كبير آفاق الرقابة على المال العام ومحاسبة المفسدين والمتلاعبين، وحيث صمام الأمان الرئيس في المجتمع ألا وهو “الطبقة الوسطى”.. نقول.. إن الوفرة الاقتصادية إذا حصلت في مجتمعٍ غير قائم على العناصر السابقة التي هي نتاجٌ طبيعي لهيمنة ثقافة “مصلحة الفكرة”، لتحصلَ فيه وهو قائم على هيمنة ثقافة “مصلحة العصبية” المصطنعة التي يتبع النظام بشأنها سياسات تهدف إلى جعلها الثقافة المسيطرة، دون السماح لغيرها بأيِّ مساحات لتوجيه المجتمع، فإنها تحوِّلُ الدولةَ إلى “قبيلة”، وتحيلُ مؤسساتِها إلى أدواتٍ في أيدي المشايخ والمخاتير وطلاب الثراء السريع وغير المضبوط وغير المتورع عن ارتكاب الجريمة، على حساب مجتمع لا يُنْظَرُ إلى أفراده إلا باعتبارهم رعايا لا حقوق لهم خارج ما يحدده “شيخ القبيلة” وأعوانه المقربون من عطايا ومكرماتٍ ومنحٍ تكشف عن عقيدة امتلاك هذا الشيخ وتوزيعه وفقا لرؤيته، لما يُفترض أن يكون مُلكا للشعب. إن الوفرة الاقتصادية تغدو في مثل هذه الحالة مصدرا لكل الشرور، ومرتعا لكل أنواع الفساد السياسي والمالي والإداري، فلا تنعكس بالتالي شفافيةَ إدارةٍ وكفاءةَ إنتاجٍ وعدالةَ توزيعٍ على سياسات القائمين على أمر الدولة، ولا رفاهيةً ومستوىَ معيشةٍ متوازنٍ على أفراد المجتمع، وبالتالي فإنها لا تنعكس تنميةً حديثةً على الدولة والمجتمع.ولعل هذا ما أثبتته حالة الأردن الذي حصلت فيه وفرة اقتصادية غير مسبوقة في الفترة 1971 – 1989، مستفيدة من الوفرة النفطية التي شهدتها دول الخليج العربي في الحقبة ذاتها. فبدل أن تسهم هذه الوفرة في تحديث الأردن، فإنها لم تفشل في ذلك فقط، بل هي حوَّلَته إلى دولة تصنَف في قوائم “الدول الأكثر بعدا عن الشفافية في العالم، والأكثر تشَوُّها في بناه وهياكله الاقتصادية، والأكثر معاناة من الفساد المالي والإداري، والأكثر وقوعا تحت نير البطالة المنتجة لكل الأمراض الاجتماعية، وعلى رأسها الفقر والتفاوت الطبقي وغياب الطبقة الوسطى”، لحساب طبقة ثرية مُتَغَوِّلَة تستفحل، وطبقة فقيرة معدمة تَنْسَحِق.    “فمع أن المدن الأردنية وكافة البلاد – في هذه المرحلة – كانت تشهد نهضة تنموية وعمرانية وتعليمية كبيرة، كان من أبرز مظاهرها نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 13% سنويا، ونمو معدل الدخل الفردي بنسبة 7,5% سنويا”(13)، فإن الدراسة المعمقة لتلك المؤشرات الرقمية كشفت عن أنها كانت ذات دلالات مضللة، وتدفع بالدولة وبالمجتمع ليتحركا في عكس الاتجاه المفترض لمؤشراتٍ كتلك.فعندما تصل نسبة النمو في الناتج المحلي إلى 13%، “في حين أن نسبة الزيادة السكانية في تلك الفترة لم تتجاوز الـ 3%”، فهذا يعني أن هناك رفاهية يفترض أن تكون قد عمت المجتمع الأردني. وعندما يرتفع معدل الدخل الفردي بما نسبته 7,5%، فهذا يعني أن ارتفاعا مكافئا في مستويات المعيشة يفترض أن يكون قد أرفق بذلك، وهو ما يجب أن ينعكس على مستويات الفقر والبطالة بالإيجاب، فتقل مستويات الفقر، وتتراجع البطالة، وتتسع الطبقة الوسطى وتتمدَّد. “إلا أن كل الدراسات الاقتصادية التي تعرضت لمرحلة الثمانينيات والتسعينيات كشفت عن أن الفقر والبطالة قد ارتفعا بشكل ملحوظ، وأن الاختلالات المدمرة في الاقتصاد الأردني كانت قد وصلت حدا منذرا بالخطر” لم يكن أمام الشعب الأردني بإزائها إلا أن يثور ثورته الباسلة في نيسان عام 1989. يتضح لنا إذن أن هذه النهضة لم تنتقل إلى لب المفاهيم الثقافية في المجتمع الأردني، ولا هي أثَّرت عليها بالشكل الإيجابي، لسبب بسيط ومحدد، هو أن النظام كان يمارس سياسات تعمل على التوجيه الثقافي باتجاه ثقافة “مصلحة العصبية” محافظا على المجتمع من ثمَّ بشكله الذي إذا تفاعل مع تلك الثقافة تحول إلى بؤرة من الفساد، تعتبر المرحلة التي بدأت من تسعينيات القرن الماضي والتي ما تزال مستمرة حتى الآن من إفرازاتها ونتائجها الكارثية. 4 – تزييف وتشويه العقل الأردني عبر وسائل الإعلام..لم تحرص دولةٌ في العالم على إبراز واجهتها المجتمعية القائمة على ثقافة “مصلحة العصبية” بكل سلبياتها، عبر كل ما يتاح لها من وسائل إعلامية، حتى لو بدت للعالم وكأنها دولة تعيش مراحل البداوة الموغلة في الماضي المنزوي والذاوي، بكل ما يترتب على ذلك من تقديم صورة غير حضارية وغير مدنية للدولة وللمجتمع على حدٍّ سواء، مثلما فعلت الدولة الأردنية في الفترة 1971 – 1989. لقد مارس النظام في تلك الفترة – بعد أن أصبح منفردا بهيمنتته على الساحة الثقافية في للبلاد – كلَّ ما تلجأ إليه في العادة الأقليات الاثنية مهضومة الحقوق ثقافيا وسياسيا، عندما تحاول استحضار الماضي الخاص بها لتثبت مغايرَتها للأكثرية واستحقاقها حقوقا اثنية ثقافية وسياسية تترتب على تلك المغايرة. فهل كان النظام الأردني المنتصر في أيلول بعصبيةٍ موغلةٍ في “الماضوية” يعيش هذه الحالة، مستشعرا “اثنيتَه العصبية” في مواجهة الحالة العامة الغالبة لمعظم الأردنيين الذين كانوا مرتبطين ومتضامنين على أساس “مصلحة الفكرة”، ما جعله يحرص على التعبير عن اثنيته هذه باستحضار مكوناتها الثقافية على ذلك النحو الطاغي إعلاميا، لشرعنة تسييسها، ولتبرير هيمنتها على المجتمع، بعدما انتصر عليه بواسطتها؟! نميل إلى اعتقاد ذلك إذا قمنا بتحليل الوعي واللاوعي اللذين كانا يحركان إصرار النظام الأردني على البقاء وعلى امتلاك الشرعية، منذ أن بدأ يمارس لعبة “لوغو الهويات” في عام 1968.ففي الوقت الذي تحرص كل الدول السائرة في ركب الحداثة على إظهار واجهاتها المعاصرة، عارضةً ماضيها في صورِ تراثٍ تحاول تزيينَه قدر ما تستطيعه، فإن النظام الأردني لم يبدُ حريصا على تجسيد أيِّ مظهر حضاري مشرق للدولة التي يقودها من الناحية الإعلامية التي كانت تخاطب المواطن الأردني بالدرجة الأولى، وكل ما كان يعنيه هو أن يعيد إنتاج الدولة والمجتمع على قواعد ثقافة “العصبية” أيا كانت النتائج على الصُّعد الأخرى، مادامت قواعد هذه الثقافة هي التي من شأنها تكريس وترسيخ أركانه وتعيد إنتاجَ وظيفيته التي استعادها بلعبة “لوغو الهويات” في نهاية الستينيات. فقد استحلب النظام من ماضي المجتمع الأردني أكثر صورِ التعايش وعلاقات التضامن بداوةً وبعدا عن قيَم التمدن والتحضر التي كان هذا المجتمع قد وصل إليها ولامسها وبدأ يعيشها بتطوره، ليبرزَها ويجسِّدها عبر وسائل إعلامه، مُزَوِّرا الحقيقة غالبا إن لم يكن دائما. بحيث أنه خالف الكثير من الحقائق المتعلقة حتى بنمط الحياة البدوية التي كان حالُها ونمطها قد تغيرا كثيرا مع بدايات العقد الثامن من القرن الماضي. لقد أصرَّ النظام على استحضار ما لم يعد جزءا من الحياة البدوية ولا مُعَبِّرا عنها بشكلها الذي أَصْبَحَتْهُ في تلك الفترة. وهو بهذا الأسلوب الممعن في توظيف الشريحة البدوية لسياساته العصبية الغارقة في “الوظيفية”، أساء إليها ولم يخدمها، وأبرزها ماضيا سلبيا يتكئ عليه لتبرير تلك السياسات، ولم يتعرض لوجودها الحالي وتأثيرها الراهن في الحياة الأردنية. لن نكون مبالغين إذا قلنا أن “البدوي” و”البداوة” و”البدو”، استُغِلُّوا من قبل النظام القطري الوظيفي الأردني أبشع استغلال على مدى تاريخ علاقتهم بالهوية الأردنية، وخاصة في الفترة 1971 – 1989.

 فشريحة سكانية لا تتجاوز الـ 10% من إجمالي السكان هي شريحة “البدو”، مُنحت ثقافتها البائدة حق التمثيل الثقافي للأردن وللأردنيين، وبقيت هي – رغم إسهامها في الحياة المعاصرة للبلاد – صورة هزلية كاريكاتورية مُنكرة لا نراها إلا في المسلسلات البدوية، وفي الأغاني البدوية، وفي جاهات الصلح الوجاهية. النظام ظلم الأردن كلَّه بالبدو وبثقافتهم البائدة، وظلم البدو بوضعهم على الدوام في تلك الصورة النمطية التي لم تكن تعكس صورتهم الحقيقية كما كانت عليه في تلك الفترة.فقد بقيت صورة البدوي، وصورة الحياة البدوية في الإعلام، هي ذاتها التي رسمها لها ذلك الإعلام بشكلها الذي كانت عليه في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حتى بعد أن أصبح البدوي متعلما ومثقفا ووزيرا ونائبا في البرلمان وقائدا للجيش، بل حتى بعد أن أصبحت المرأة البدوية نفسها شريكة فعالة في هذه الحياة المدنية، صحفية ومحامية ومطربة وفنانة. لا بل بقي “بيت الشعر”، وبقي “الشق” وبقي “المحرم”، وبقي “القبيسي شدهان” المتنقل على حماره بين مضارب البدو ليبيع بضاعته لنسائها اللواتي يسمعن بالمدينة كما يسمعن بالجنة ولا فرق، هي الصورة النمطية الثابتة للبدو ولحياتهم، حتى بعد أن سكن البدو القصور والفلل، وركبوا السيارات وامتلكوها، وسافروا بالطائرات وحصلوا من أرقى الجامعات العالمية على أعلى الشهادات العلمية!!فـ “بيوت الشعر” و”الخيام” بتقسيماتها التراثية المعهودة التي بدأت تذوي وتختفي مع نشأة الإمارة، كمفاهيم “الشق” و”المحرم”، والحياة القائمة فقط على “الترحال” عبر استخدام “الجمال” و”الخيل”، بعيدا عن أي مظهر مدني من تلك التي أصبحت منتشرة على نطاق واسع حتى بين البدو أنفسهم كالسيارات، والتَّماسُ مع الحواضر المدنية عن بعد بتوجُّسٍ يجعلها بالنسبة للبدوي عوالم أخرى يجب “التحرُّص من الاندماج فيها”، فضلا عن نمط الحياة والأكل والشرب والتزاور، بالإضافة إلى منهج “الغزو” وما ارتبط به من قيَمِ ومفاهيم كـ “الثأر” و”العطفة”، والتقاضي وما ارتبط به من مفاهيم بدائية كـ “المحمس”.. إلخ، وهي الصور التي كانت قد بدأت تنتهي بشكلها ذاك – وإن يكن بالتدريج – مع نشأ”ة الإمارة التي نزعت بالبدو إلى حياة الاستقرار.. نقول.. إن تلك الصور البائدة كانت هي الصور التي حرص النظام على استحضارها في تلك الفترة، عندما كان يعرض الواجهة البدوية للمجتمع الأردني عبر وسائل إعلامه، محاولا القفز على واقعة انزوائها أو انزواء معظمها على الأقل عن حياة البدو، بتأكيده الدائم والمستمر على سُمُوِّ القيم التي تدل عليها، وعلى خصوصية الأصالة التي ترتكز إليها، كي يغطي على الإساءة الحضارية التي يرتكبها في حق البدو، وهو يعيد إنتاج البداوة المعاصرة على أساسها، وليغطي أيضا على وظيفيته السياسية غير المسبوقة، باستحضار تلك القيَم إلى الواجهة والدفاع عنها، عبر عرضها بشكل يناغش الماضي التراثي لذلك النمط من الحياة، وللتأكيد بالتالي على جوهرية المُكَوِّن البدوي والقبلي بكل تراثه في البُنْيَة الثقافية للمجتمع الأردني. وعلى الرغم من أن بدوَ الأردن كانوا في السبعينيات قد تجاوزوا معظم تلك المظاهر والأنماط المعيشية والثقافية، بسبب مؤثرات الثقافة التي سادت في الفترة 1948 – 1968، وبسبب عنصر الاستقرار الذي ساد حياتَهم مع استقلال الدولة، إلى درجة أنهم أصبحوا – وعلى نطاق واسع – جزءا من الحياة المدنية، لتغدوَ معظم تلك الأنماط والمظاهر المعيشية بالنسبة لهم مجرد ماضٍ وتراثٍ، يستندون إليه في بعض جوانب حياتهم الجديدة، أو يستذكرونه في بعض مسامراتهم الليلية ليس إلا، فإن النظام اتبع كلَّ الأساليب لاستعادتها من ذلك الماضي عبر مختلف ممارساته وتشريعاته وسياساته، وعلى رأسها سياسته الإعلامية، لتكريس الواجهة العصبية للدولة والمجتمع. لا بل هو عمِلَ على جرِّ القرية التي كانت تقف في منتصف الطريق بين البادية والمدينة، لتصبح مُنتَجا بدوي التراث والقِيَم، عبر ضخِّ كل ما يساعد على استنهاض القبلية والعشائرية، وكل الهويات الفرعية الأكثر انحدارا إلى البدائية من القبلية والعشائرية، دون أن يقصِّر في نقل هذه المكونات الثقافية البدائية إلى المدينة نفسها، حيث الثقل السكاني، وحيث إمكانات التأثير على سكان البادية والريف الذين راحوا يتوافدون بكثافة على المدن في تلك الفترة. لقد أصبح البدو وغدت القيم والموروثات وأنماط المعيشة البدوية البائدة أساسا – والتي لم تعد تمثل البدو في واقعهم وحاضرهم بشكل أمين بعد أن سكنوا الفلل والشقق، وبعد أن راحوا يبنون البيوت في مضاربهم بدل الإقامة في بيوت الشعر – هي وحدها الصورة المجتمعية التي أبرزها النظام وسوَّقها للأردنيين والعرب والعالم عبر وسائل إعلامه المختلفة. فقد تأسس التلفزيون الأردني عام 1968، ثم شاع انتشار جهاز التلفزيون في البيوت، وكذلك الصحف الرسمية وخصوصا “الرأي” و”الدستور”، مع ملاحظة أن الصحف المعارضة للنظام قد انعدمت تماما في هذه المرحلة ولم يمنح أيُّ ترخيص لأي صحيفة مستقلة حتى عام 1984، عندما تم منح ترخيص لصحيفة أسبوعية هي صحيفة “شيحان” التي بقيت هي الصحيفة المستقلة الوحيدة – التي غلب على موضوعاتها طابع الإثارة والجريمة والحوادث التي كانت الجرائد الرسمية البروتوكولية المنهج تتعفَّفُ عن التعرض لها بالشكل الجماهيري الذي لا يمكن إلا لصحيفة صفراء أن تقوم به – حتى صدور قانون المطبوعات والنشر من خلال التطورات السياسية التي أعقبت ثورة نيسان عام 1989. “وقد استعملت وسائل الإعلام للتوجيه نحو ثقافة العصبية بشكل غير مباشر. فالأغاني التي يتم إنتاجها محليا كثيرا ما كانت تستعيد تراث العشيرة التقليدي. كما شهدت هذه المرحلة إنتاج الكثير من المسلسلات البدوية التي تحتفي بالتقاليد والقيم البدوية التقليدية، وكان لهذه المسلسلات حضور كبير وجمهور واسع يحرص على متابعتها بشغف. والشيء نفسه ينطبق على الإذاعة الأردنية وما تقدمه من أغاني وبرامج ومسلسلات. هذا بالطبع إلى جانب اتجاه السياسات الرسمية لتكريم شيوخ العشائر وإبراز حضورهم في مختلف المناسبات”(14). …     يتبع

الهوامش:

1 – (كتاب “سباق العصبية والمصلحة – ملف الصراع السياسي على الثقافة الوطنية الأردنية – 1948/2002″، تأليف “سامر خرينو”، منشورات “دار أزمنة للنشر والتوزيع”، البرنامج الثقافي المشترك بين “البنك الأهلي الأردني و”أمانة عمان الكبرى”، الطبعة الأولى، كانون الثاني 2004، عمان – الأردن، ص 98 – 99)

.2 – (كتاب “الحصاد المر: فلسطين بين عامي 1914 و1979″، تأليف “سامي الهداوي”، ترجمة “د. فخري حسين يغمور”، منشورات “رابطة الجامعيين في محافظة الخليل”، 1982، ص 240).

 3- (كتاب “سباق العصبية والمصلحة – ملف الصراع السياسي على الثقافة الوطنية الأردنية – 1948/2002″، تأليف “سامر خرينو”، منشورات “دار أزمنة للنشر والتوزيع”، البرنامج الثقافي المشترك بين “البنك الأهلي الأردني و”أمانة عمان الكبرى”، الطبعة الأولى، كانون الثاني 2004، عمان – الأردن، ص 104).

4 – (كتاب “سباق العصبية والمصلحة – ملف الصراع السياسي على الثقافة الوطنية الأردنية – 1948/2002″، تأليف “سامر خرينو”، منشورات “دار أزمنة للنشر والتوزيع”، البرنامج الثقافي المشترك بين “البنك الأهلي الأردني و”أمانة عمان الكبرى”، الطبعة الأولى، كانون الثاني 2004، عمان – الأردن، ص 103).

5 – (كتاب “سباق العصبية والمصلحة – ملف الصراع السياسي على الثقافة الوطنية الأردنية – 1948/2002″، تأليف “سامر خرينو”، منشورات “دار أزمنة للنشر والتوزيع”، البرنامج الثقافي المشترك بين “البنك الأهلي الأردني و”أمانة عمان الكبرى”، الطبعة الأولى، كانون الثاني 2004، عمان – الأردن، ص 104).6 – (كتاب “المرشد إلى مجلس الأمة الأردني الثالث عشر”، تأليف “هاني الحواراني وأيمن ياسين”، منشورات “مركز الأردن الجديد للدراسات”، عمان 1999، ص 40 – 41).

 7 – (كتاب “سباق العصبية والمصلحة – ملف الصراع السياسي على الثقافة الوطنية الأردنية – 1948/2002″، تأليف “سامر خرينو”، منشورات “دار أزمنة للنشر والتوزيع”، البرنامج الثقافي المشترك بين “البنك الأهلي الأردني و”أمانة عمان الكبرى”، الطبعة الأولى، كانون الثاني 2004، عمان – الأردن، ص 104).

 

8 – (كتاب “سباق العصبية والمصلحة – ملف الصراع السياسي على الثقافة الوطنية الأردنية – 1948/2002″، تأليف “سامر خرينو”، منشورات “دار أزمنة للنشر والتوزيع”، البرنامج الثقافي المشترك بين “البنك الأهلي الأردني و”أمانة عمان الكبرى”، الطبعة الأولى، كانون الثاني 2004، عمان – الأردن، ص 105).

.9 – (كتاب “النقابات المهنية وتحديات التحول الديمقراطي في الأردن”، تأليف “هاني الحوراني وآخرون”، منشورات “مركز الأردن الجديد للدراسات”، عمان، 2000، ص 46 – 50).

 10 – (كتاب “تاريخ الأردن في القرن العشرين 1958 – 1995″، تأليف “سليمان موسى”، الجزء الثاني”، منشورات “مكتبة المحتسب”، عمان، 1996، ص 433).11 – (كتاب “سباق العصبية والمصلحة – ملف الصراع السياسي على الثقافة الوطنية الأردنية – 1948/2002″، تأليف “سامر خرينو”، منشورات “دار أزمنة للنشر والتوزيع”، البرنامج الثقافي المشترك بين “البنك الأهلي الأردني و”أمانة عمان الكبرى”، الطبعة الأولى، كانون الثاني 2004، عمان – الأردن، ص 106).

 12 – (كتاب “سباق العصبية والمصلحة – ملف الصراع السياسي على الثقافة الوطنية الأردنية – 1948/2002″، تأليف “سامر خرينو”، منشورات “دار أزمنة للنشر والتوزيع”، البرنامج الثقافي المشترك بين “البنك الأهلي الأردني و”أمانة عمان الكبرى”، الطبعة الأولى، كانون الثاني 2004، عمان – الأردن، ص 105).

13 – (كتاب “النقابات المهنية وتحديات التحول الديمقراطي في الأردن”، تأليف “هاني الحوراني وآخرون”، منشورات “مركز الأردن الجديد للدراسات”، عمان، 2000، ص 14).

14 – (كتاب “سباق العصبية والمصلحة – ملف الصراع السياسي على الثقافة الوطنية الأردنية – 1948/2002″، تأليف “سامر خرينو”، منشورات “دار أزمنة للنشر والتوزيع”، البرنامج الثقافي المشترك بين “البنك الأهلي الأردني و”أمانة عمان الكبرى”، الطبعة الأولى، كانون الثاني 2004، عمان – الأردن، ص 107).    .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

coroas gostosas x videos imhoporn.com sister sexo porno melancia hdporn.tech transando no chuveiro elas fodem porneff.com bundas gostosas de quatro videos surubas videolucah.fun gravida se masturbando mamando travesti iwank.website xvideo mulher maravilha branquinha gostosa dando redwap.website valeska popozuda transando porno doido ruivas redwap.site xoxota rosada fodas de famosas pornhdvideos.online porno novinha caseiro estreando ou estreiando kompoz.website porno famílias she male vipwank.fun video maniaco mia khalifa wiki anysex.website porno passione pornos travestis ixxx.tech selfie peladas baixa vidio pormo hdpornfree.online gp 1 sexo mulheres de peito de fora madthumbs.online ensinando a se masturbar baixar filme adulto cliphunter.space trepa comigo