www.omferas.com
شبكة فرسان الثقافة

الدور الوظيفي للنظام الأردني منذ نشأة الدولة القطرية الأردنية/17/أسامة عكنان

0

رابعا.. جذور أسطورة الوطن البديل في أيديولوجية النظام الأردني وعرابه “عدنان أبو عودة”.. إذا كان “عدنان أبو عودة” هو صانع “قرار فك الارتباط” كما اتضح لنا، فإن إحدى أهم آليات فهم هذا القرار، تكمن في فهم الشخصية التي صنعته وخلَّقته، من حيث مُكَوِّناتُها الأيديولوجية وطريقةُ تفكيرها، مادمنا نتحدث عن عقلية واحدة ذات مُكَوِّن أمني مخابراتي تحليلي واضح، هي التي هندست العلاقة الأردنية

الدور الوظيفي للنظام الأردني منذ نشأة الدولة القطرية الأردنية

 

 

“دراسة في حلقات”

 

 

“جزء من بحث قُدِّمَ لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية”

 

 

أسامة عكنان

 

 

عمان – الأردن

 

 

الأردن وطن وليس مزرعة خراف

 

 

والأردنيون شعب وليسوا قطيع ماشية

 

 

والأردني مواطن يملك وطنا، وليس عابر سبيل يستجدي كسرة خبز

 

 

وحكام الأردن خدم وموظفون عند شعبهم، وليسوا سادة عليه أو مستعبدين له

 

 

فمن فهم فليعمل بما فهم، ومن لم يفهم فليذهب إلى الجحيم

 

 

قراءةٌ في دور الأردن التاريخي كوطن مُهِمٍّ يلد رجالاً أهم، ورفضُ دورِه الوظيفي كمزرعة تسمِّن الخراف لخلق فضاءٍ آمنٍ لأعداء الأمة

 

 

 

الحلقة السابعة عشرة

 

 

كيف تجسَّدت وظيفية النظام الأردني منذ أيلول 1970 وحتى نيسان 1989

 

 

ثالثا

 

 

مشروع “قرار فك الارتباط القانوني والإداري بين الأردن والضفة الغربية” لعام 1988

 

 

 

رابعا.. جذور أسطورة الوطن البديل في أيديولوجية النظام الأردني وعرابه “عدنان أبو عودة”..

إذا كان “عدنان أبو عودة” هو صانع “قرار فك الارتباط” كما اتضح لنا، فإن إحدى أهم آليات فهم هذا القرار، تكمن في فهم الشخصية التي صنعته وخلَّقته، من حيث مُكَوِّناتُها الأيديولوجية وطريقةُ تفكيرها، مادمنا نتحدث عن عقلية واحدة ذات مُكَوِّن أمني مخابراتي تحليلي واضح، هي التي هندست العلاقة الأردنية – الفلسطينية، عبر الإسهام في إدارة لعبة “لوغو الهويات” والتحكم في وجهاتها، على مدى الفترة التي بدأت بإعادة إحياء كلٍّ من “الهوية الأردنية” و”الهوية الفلسطينية” القطريتين الوظيفيتين قبيل أيلول، وتواصلت باستمرار العزف على أوتار “الهويات”، والتلاعب بـ “الثقافات” التي رسَّخت تلك الهويات وجذَّرَتها بأكثر أشكالها الرجعية والشوفينية شدا إلى الفرقة وانكفاءً إلى العصبية خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، لتنتهي بالوقوع في مستنقع التسويات الآسن في عقد التسعينيات، بعد أن دشَّنَه قرار فك الارتباط في عام 1988.

ما لا شك فيه أن قرار فك الارتباط الذي جاء في سياقٍ مُحددٍّ من ربع القرن الذي هندسَه “عدنان أبو عودة”، ما كان ليخرج عن القواعد العامة للُّعبة التي أصَّلَتها الرؤية المشار إليها في البنود “6، 7، 8، 9، 10” من الحلقة السادسة عشرة. وبالتالي فإن علينا القيام بعملية تشريح سياسي لتلك البنود، كي نؤسسَ للرؤية التي قام عليها لاحقا قرار فك الارتباط.

إن هناك قصةً سياسية تم سردها في تلك البنود الخمسة، تتخِذُ طابعا أيديولوجيا يُمثل إطارا للعلاقات الأردنية – الفلسطينية التي تمت هندستها على مدى ربع القرن المشار إليه. يشير سيناريو هذه القصة إلى أن النظام الأردني لو كان سقط في عام 1970، فهذا يعني ضياع فلسطين، والسبب في ذلك يرجع إلى أن إسرائيل كانت تنتظر فرصةً يضيع فيها ذلك النظام كي تمتلك المبررات التي تجعلها تقول “أن الأردن هو فلسطين، وأن على الفلسطينيين بالتالي البحث عن وطنهم هناك، وليس هنا في “الضفة الغربية”، هذا بطبيعة الحال بعد أن أصبح الحديث عن فلسطيبن المحتلة عام 1948 ضربا من الهرطقة والتجديف السياسيين.

وبالتالي فإن ما ارتكبه “الملك حسين” وجُنْدُ باديتِه في عام 1970 كان صحيحا على الصعيد الأخلاقي، مادام صحيحا على الصعيد السياسي والأيديولوجي. وبالتالي فـ “عدنان أبو عودة” انضم إلى حكومة “الملك حسين” العسكرية التي تولت إنجاز المهمة، مُمَثِّلا للمخابرات العامة، لأسباب أخلاقية اتصف بها هو والملك حسين ومقربوه، بعد أن تساموا على صغائر الأمور التي لم يدركها الآخرون في ضرورة هذه الحرب القذرة التي أملتها مبرراتٌ سياسية دفعت إليها تلك الأسباب الأخلاقية. وهو – أي عدنان أبو عودة – إذ يفعل ذلك، فلأنه من بين القلة القليلة التي لا يتجاوز عدد أفرادها عدد أصابع اليد، يدرك هذه الأبعاد الهامة في القضية وفي الصراع!!

إننا إذن أمام البذور الأولى لأسطورة جديدة كان يجب أن تُغرس في قلب التجاذبات الأردنية – الفلسطينية منذ ذلك الوقت المبكر، كي تستكملَ لعبة “لوغو الهويات” مهمتها المنوطة بها في تلك الفترة على أتم وجه، وكي تؤصِّلَ وتؤسِّسَ لآفاقِ مهمتها التي ستناطُ بها على مدى ربع القرن اللاحق. إنها أسطورة “الوطن البديل”، التي كانت نبتةً شيطانية من نبتات الدور الوظيفي القطري للنظام الأردني، والتي أريد لها أن تكون واحدة من أهم الفزاعات المستخدمة للحيلولة دون عودة الأردنيين إلى حيويتهم السياسية التي كانوا عليها منذ عام 1948 وحتى عام 1968، عندما كانت علاقتهم بالفلسطينيين مستندة إلى مواطنة واحدة قائمة على مناهضة الوظيفية والقطرية في النظام، ومرتكزة إلى بندقية موجهة إلى عدو يحتل الأرض ويستلب هويتها ويحطِّم أهلها.

لقد كشف “عدنان أبو عودة” عن الوجه القبيح للنظام عندما كان يمثل صمام أمانه السياسي والإعلامي والأيديولوجي. فنحن هنا أمام أيديولوجيةٍ قائمة على ضرورة الفصل بين مُكَوِّني الهوية الأردنية الثائرة، لتصبحَ الهوية الثائرة هي “هوية الفلسطينيين” فقط، ولتصبحَ ثورتُها مصدرَ خطر على نظامٍ يمثل منفردا “هوية الأردنيين” التي أصبحت مهددة بعد أن كشَّر الفلسطينيون عن أنيابهم وقرروا إسقاط النظام لتحويل الأردن إلى فلسطين!! وهو بالتالي ما كانت تنتظره إسرائيل وتتمناه كي تتخلصَّ من تبعات فلسطينية الضفة، بل وفلسطينية القضية. لكن الملك حسين ومستشاروه المقربون، وعلى رأسهم “عدنان أبو عودة” هم من تصدوا لهذه المؤامرة كي ينقذوا فلسطين بإنقاذ الأردن منهم ومن تَغَوُّلِهم.

من هو الساذج الأحمق الذي يمكنه أن ينجرَّ وراء هذا النوعٍ غير المسبوق من الهرطقة السياسية، القائمة على محاولة إقناعه بأن إسرائيل كانت تتمنى وتترقب سقوطَ نظام “الملك حسين” من قِبَلِ الثورة التي تم تحويلها من أردنية إلى فلسطينية، كي تمتلك مبرراتٍ ليس لها أيِّ سند قانوني أو أخلاقي أو سياسي، ومرفوضة من قبل جميع البشر، تقول بموجبها “أن الأردن هو فلسطين، وأن فلسطين لم تعد هي فلسطين”، بينما كل الفلسطينيين والأردنيين وكل العرب على اختلاف ولاءاتهم، ومن ورائهم كل العالم وكل قرارات الشرعية الدولية، يتحدثون عن “فلسطين المحتلة” الواقعة غرب النهر وليس شرقَه!!

ومن هو هذا الذي قرَّرَ الانضمام لـ “فيالق النعام”، واضعا رأسَه في الرمل، غاضا الطرف عن أن أيَّ مشروعِ عزفٍ على وتر القُطْرية، بما فيها القطرية الفلسطينية المتدثرة بعباءةٍ ثورية جعلت أصحابَها يقتنعون بقداستها وطوطميتها، كي يخرجوها من دائرة “الوظيفية العربية”، هو مشروعٌ إمبريالي صهيوني سايكسبيكوي بامتياز؟!

وهل تعتبر شيئا آخر مختلفا عن “البداوة السياسية”، أيُّ فكرة تحاول تصوير “الهوية الفلسطينية” الوظيفية القطرية المستحضَرَةِ من عالم الأموات بقرار إمبريالي صهيوني وظيفي، هوية قادرة على العيش بدون الحفاظ على شقيقتها في الوظيفية والقطرية سليمة من أي سوء، ألا وهي “الهوية الأردنية”؟!

إن إعادة استنهاض “الهوية الفلسطينية” الوظيفية القُطرية على أنقاض “الهوية الأردنية” الثائرة بعد عام 1968، كان مخططا “أردنيا – سعوديا – أميركيا – إسرائيليا”، يهدف إلى استعادة نظام الملك حسين تمثيلَه للأردنيين بعد أن أصبحت الثورة هي التي تمثلهم، وبعد أن كاد نظامه يسقط منذرا بتحول الأردن إلى قاعدة آمنة للثورة وللتحرير، وللتغيير الشامل في الإقليم من ثمّ.

إن تفريغ الثورة من عباءتها الأردنية والزج بها إلى متاهات العباءة الفلسطينية كان يهدف إلى حماية نظامٍ مثَّل الحارس الضامن لأمن إسرائيل على مدى عشرين عاما تقريبا، كما أثبتنا ذلك في حلقات سابقة من الدراسة. وبالتالي فسقوط النظام الأردني لو حصل في عام 1970، لكانت إسرائيل قد زالت من الوجود منذ زمن، على ما يمكننا تَخَيُّلُه من تداعياتٍ إقليميةٍ لهذا السقوط.

ولهذا السبب تحديدا فإن حجم الخديعة التي ينطوي عليها قول “عدنان أبو عودة” عندما قال: “كان يجب أن يبقى النظام الأردني، كي لا تقول إسرائيل أن الأردن هو فلسطين”، تجاوزَ كل الحدود، لأنه جعل من نظامٍ لا يختلف عاقلان على أنه مثل رأس حربة المنظومة العربية الوظيفية القطرية المناهضة لكل مشاريع الوحدة والتحرر، ضحية وبطلا ومنقذا لقضيةٍ قضى عشرين عاما من عمره يناصبها العداء على كل الصعد!!

ولكن لعبة “لوغو الهويات” التي قامت على أيديولوجيةٍ مفادُها ضرورة إحياء “الهوية الفلسطينية” الوظيفية القطرية، لمحاصرة “الهوية الأردنية” الثائرة وتحجيم دورها التاريخي، ما كان لها أن تحققَ الغايةَ منها، إذا لم تظهر “الهوية الفلسطينية” المستعادَةُ بصفتها مصدرَ خطرٍ حقيقي على “الهوية الأردنية”، وبالتالي على الأردنيين الذين لن يجدوا عندئذٍ من يمثلهم بعد أن تكون “الثورة الأردنية” قد فقدت أردنيتها بتجسُّد فلسطينيتها، سوى نظام “الملك حسين”.. هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، فإن نظام “الملك حسين” ما كان له أن يضمنَ حصولَه مجددا على حقه في تمثيل الأردنيين، بمجرد خلقه لديهم لحالةٍ من التَّوَجُّس من الفلسطينيين على هويتهم الأردنية، مادام الأردنيون أنفسُهم يرون أن تعايشَ الهويتين أمرٌ ممكن وليس مستحيلا، إذا سُمِحَ للفلسطينيين باستخدام الأراضي الأردنية منطلقا للكفاح المسلح ضد إسرائيل، وهو ما لم يكن لدى الأردنيين أيُّ تحفظٍ، ليس على قبوله فقط، بل وعلى المشاركة فيه مشاركة كاملة. فمشروع التحرير كان مشروعَ الجميع، باستثناء النظام الأردني.

كان من الممكن للأردنيين أن يُسقطوا نظامَهم بمساعدة الفلسطينيين – حتى وهم يَحْذَرون من الثورة التي أصبحت فلسطينية كما كان يُرَوِّج لذلك النظام وقيادات الثورة معا ويدفعون باتجاهه – ليقيموا نظاما أردنيا وطنيا غيرَ وظيفي، يعيد بناءَ علاقتهم بالفلسطينيين على نحوٍ مختلفٍ، ليستمرَ بالتالي مشروعُ التحرير، لولا أن قادة الثورة هم الذين تخلوا في أحلك الأوقات وأكثرها حرجا في التاريخ الأردني، عن القوى الوطنية الأردنية التي كانت تعمل في هذا الاتجاه، بسبب تداعياتِ تجسُّد الهوية الفلسطينية، وتركوها تواجه النظام الأردني منفردة بعد أن انسحبوا بثورتهم من الأردن.

وإذن فقد كان على النظام الأردني أن يعيد إنتاج الهويتين الأردنية والفلسطينية أيديولوجيا عبر لعبة “لوغو الهويات”، على أُسُسِ تناقضٍ أمتنَ وأشدَّ دفعا باتجاه التوجُّسِ من مجرد مظهره السياسي القابل للتعامل معه بشكلٍ إيجابي يحمي الثورة والهويتين معا، على حساب النظام نفسه إذا قرر الطرفان ذلك.

كانت أسطورة “الوطن البديل” هي هذا الأساس الأيديولوجي الجديد الذي تقدم بالتناقض بين الهويتين خطواتٍ مدمرة. وهذه الأسطورة هي ما أشار إليه عدنان أبو عودة عندما قال فيما أوردناه عنه فيما مضى: “أن ضياع النظام الأردني كان يعني ضياع فلسطين، وكان يجب أن يبقى النظام الأردني كي لا تقول إسرائيل أن الأردن هو فلسطين”. أي أنه أصبح محتَّما لدى النظام الأردني ومُنَظِّره الأكبر “أبو عودة”، نقلُ توَجُّس الأردنيين من الفلسطينيين وثورتهم على “الهوية الأردنية”، إلى مستوى أكثر تجسيدا لمخاطر الضياع والذوبان، من مجرد تلك الحالة التي تفرض تجاذبا سياسيا قابلا للتعامل معه، مادامت الشراكة في الكثير من جوانبه واردة وقائمة بالفعل.

كان يجب أن يشعرَ الأردنيون بالخطر على هويتهم وعلى مستقبلهم، ليس من الفلسطينيين فقط، فالتفاهم مع هؤلاء على التعايش المنتج والفعال للطرفين وقضاياهما أمرٌ ممكن، إذا كان الفلسطينيون وحدهم مصدرَ الخطر، ماداموا يشاركونهم الغاياتِ نفسِها، وهي مقارعة الاحتلال ومقارعة النظام معا. فالفلسطينيون في حقيقة الأمر، وعلى رأسهم قادة الثورة بعد أن أصبحت فلسطينية، هم أكثر من غيرهم حرصا على “الهوية الأردنية” بسبب قطريتهم ووظيفيتهم التي تجسدوا على قواعدها بعد عام 1968، لأنهم يعون جيدا أن مناجزتَهم للهوية الأردنية بأيِّ شكل من أشكال المناجزة، يُفْقِد هويتَهم “الفلسطينية” التي راحوا يجسدونها ويتمسكون بها، كلَّ شرعيتها من حيث المبدأ، لأنها شرعية قائمة في أحد أهم جوانبها على شرعية “الهوية” المقابلة لهم وهي “الهوية الأردنية”.

الفلسطينيون إذن ليسوا مصدرَ خطرٍ حقيقي على “الهوية الأردنية” من هذا الوجه كما كان يزعم النظام ويروِّج له في الأوساط “الشرق أردنية” المستهدفة بالتعبئة والحشد ضد مشروع الثورة، وهذا ما كان يدركه “الملك حسين” و”عدنان أبو عودة” وغيرهم من الحريصين على بقاء النظام واستمراره، ما دفعهم إلى تفعيل خطة التوجُّس المراد ترسيخها بتوسيع دائرة مصادر الخطر المنطواة فيها.

كان يجب أن تدخلَ في دائرة مصادر الخطر إذن عناصرُ وأطرافٌ أخرى، لا يملك الأردنيون القدرة على التفاهم أو التعايش معها لضمان سلامة هويتهم، التي سيقتنعون أن هذه الأطراف الجديدة هي مصادر خطرٍ حقيقي يتهددها، خلافا لما كان عليه الحال من إمكان تعايشهم مع الفلسطينيين في هذا الشأن رغم خطورة هؤلاء أيضا. عندئذٍ يفقد إمكان التعايش والتفاهم مع الفلسطينيين على إعادة إنتاج العلاقة بين الهويتين في الدولة الأردنية أهميتَه، ليصبح إسقاط النظام الأردني كوسيلة لتحقيق هذا التعايش الممكن حلاًّ مستبعدا، بعد أن كان حلا محتملا يضمن سلامة “الهوية الأردنية” واستمرار “الثورة الفلسطينية” معا.

ثم بعد ذلك وفي خطوة متقدمة، يغدو إسقاط النظام حلا مرفوضا وليس مستبعدا فقط، بسبب أنه سيصبح في ذاته – بسبب الأسطورة الجديدة ألا وهي أسطورة الوطن البديل – حلا يشكل مصدر الخطر الحقيقي على مصير “الهوية الأردنية”، حتى لو رغب الفلسطينيون في التفاهم مع الأردنيين على إعادة إنتاج العلاقة بين الطرفين على الساحة الأردنية، بشكل يضمن سلامة هوية الشعب الأول وثورة الشعب الثاني.

فالنظام الأردني بقيادة الملك حسين، لا يريد التفاهم مع الثورة التي حولها من “أردنية” إلى “فلسطينية” كي يؤسِّسَ لأيديولوجية عدم التفاهم هذه، ولا هو يقبل بالتعايش معها لأسباب وظيفية قطرية أسهبنا في شرحها مطولا في الحلقات السابقة، وإلا فإنه سيفقد هويته “السايكسبيكوية” التي لا وجود له بدونها. وعندما يصبح سقوط النظام هو مصدر الخطر الحقيقي على الهويتين معا، حتى لو ترتب عليه نوع من التعايش والتفاهم بين الطرفين، فإن مشروع الثورة الفلسطينية على الساحة الأردنية سيغدو مشروعا مرفوضا أردنيا في كل الحالات لسبب بسيط، هو أنه مشروع لا يمكنه أن يبقى ويستمر إلا على أنقاض نظامٍ اقتنع الأردنيون أنه هو وحده الذي سيحافظ على الهوية الأردنية، مادامت إسرائيل تتربص بهذا النظام كي تتخذ من سقوطه الذي لن يكون إلا بسطوةِ الفلسطينيين، وبهيمنة الثورة الفلسطينية، ذريعة لإلغاء الأردن من الخريطة، وإجراء عملية إزاحة بسيطة في خريطة فلسطين، لتحتل ما كان يسمى قبل سقوط النظام، “المملكة الأردنية الهاشمية”!!

وهكذا بكل بساطة ينتهي الموضوع وتزول هويتان ودولتان وقضيتان من الوجود، إذا تمت إزالة هذا النظام الذي أصبح بقاؤه هو معيار الوطنية والحق، وبوصلة المحافظة على فلسطين والأردن على حدٍّ سواء، في عقول أولئك الذين أريد لهم أن يكونوا وقود المعركة التي يخوضها النظام من أجل البقاء والاستمرار.

وهنا يستثيرنا التساؤل التالي..

ما الذي كان سينتج عن سقوط النظام الأردني لو كان حصل في عام 1970، من حقائق ستفرضُ على الأرض، تجعل لقول إسرائيل إن قالت “بأن الضفة ليست فلسطين وأن فلسطين هي الأردن”، من القوة والمرجعية والشرعية ما يجعلنا نستسلم له ونقبل به ونعتبر أن فلسطين قد ضاعت فعلا، وأن الأردن قد اختفى من الخريطة حقا، أكثر من الحقائق التي أنتجتها حربا عام 1948 وعام 1967، والمتمثلة في احتلال الأرض الفلسطينية بالكامل وجزءٍ من الأرض الأردنية؟!

ومع ذلك، فهل غيرت حقائق هاتين الحربين المفروضة على الأرض في خريطة الحقوق العربية والفلسطينية المشروعة في فلسطين، بأكثر مما قَبِلَ الفلسطينيون والعرب أنفسهم بأن يتغيَّر بسبب الضعف والتخاذل وسوء إدارة الصراع؟! وهل أثر خضوع تلك الأراضي للاحتلال منذ عشرات السنين على الفلسطينيين ومن ورائهم بعض المعنيين من العرب، فحال ذلك دون أن تكون السنوات الخمسون السابقة مساحة زمنية لم تفتر فيها مقاومة الاحتلال لحظة واحدة، في رفضٍ تامٍ لكل الحقائق الإسرائيلية التي فرضتها حروبُها على الأرض؟!!

هل تتحدد حقوق الفلسطينيين والعرب في فلسطين بما تقرره إسرائيل، أم بما يقررونه هم ومن ورائهم الشرعية الدولية، فضلا عن قوتهم على الأرض، وعن رغبتهم في تجسيد تصورهم لحقوقهم معادلاتٍ ملموسةً واقعيا، وإصرارهم على ذلك أيا كانت معادلات القوة في مرحلة معينة؟!

لماذا لم يمنع احتلال إسرائيل لمعظم فلسطين عام 1948، ظهورَ المقاومة ومنظمة التحرير الفلسطينية، وتكريس المطالبة بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني استنادا إلى قراراتٍ دولية صدرت حتى والفلسطينيون مغيبون عن ساحة الفعل والتأثير تماما؟! لماذا لم يمنع احتلال إسرائيل للضفة الغربية عام 1967، استمرارَ المقاومة واستمرار العرب والفلسطينيين بالمطالبة بالحقوق العربية في الأرض المحتلة، ومن ورائهم الشرعية الدولية بقراراتها القديمة والجديدة؟! بل لماذا لم يمنع احتلال إسرائيل لسيناء من خوض مصر لحرب كبرى لاستعادتها؟!

الإجابة واضحة وبسيطة. حقوقنا نحددها نحن وتحددها الأطر الشرعية التي قبلناها، ولا تحددها إسرائيل ولا كل من يقف وراءها، حتى لو كنا أضعف من أن نواجه الإسرائيليين ونفرض عليهم أن يعيدوا لنا هذه الحقوق. ولا فرق في ذلك بين حقنا في الأراضي المحتلة عام 1948، أو تلك المحتلة عام 1967. ولا بين أن يكون النظام الحاكم في الأردن نظاما وظيفيا كنظام الملك حسين، أو أن يكون نظاما وطنيا مستقلا ثوريا، لو كان نظام الملك حسين قد سقط عام 1970.

إن هناك فرقا كبيرا بين تَكَوُّن الحق من الناحية الأخلاقية والشرعية، وتكوُّنه من الناحية السياسية. فإذا تَكَوَّن الحق على الأسس الأخلاقية والشرعية، فلا تملك السياسات في ذاتها تغييرَه وإسقاطَه، إلا إذا قبل أصحابُه وأصحاب السلطة الأخلاقية والشرعية فيه بأن يغيروه ويسقطوه استجابة لموازين القوى السياسية. أما إذا رفض هؤلاء ذلك، فإن كل سياسات العالم لن تزحزح الحقوق المشروعة قيد أنملة، حتى لو تأخر تجسيدها على أرض الواقع مئات السنين.

إن كل ما فعلته فرنسا في الجزائر على مدى 130 عاما من أبشع أنواع الاستعمار والإبادة الفردية والجماعية، لجعلها قطعة من فرنسا ثقافيا وجغرافيا وديمغرافيا، لم يحل دون استقلال الجزائر عندما آن اوان ذلك موضوعيا، مادام الحق الأخلاقي والشرعي للجزائريين في بلادهم لم يُلغَ أبدا رغم كل نتائج السياسة الفرنسية التي تحركت في ظل الضعف والتراجع والعجز الجزائري على مدى قرن وثلاثين سنة.

فإذا كنا نريد أن نعتبر سقوط نظام الملك حسين دليلا على ضياع فلسطين والأردن، فلأننا نريد أن نفعل ذلك، وليس لأن إسرائيل تريد ذلك، فهي لا تستطيعه مهما كانت قوتها ومهما كان ضعفنا مادمنا نرفضه، ومادامت الشرعية التي نستند إليها ترفضه. وإذن فإسرائيل لا تستطيع أن تفرض علينا أسطورة اسمها “الوطن البديل” إذا كنا نرفض هذه الأسطورة. أسطورة الوطن البديل يمكنها أن تتحول إلى حقيقة إذا أرادها الفلسطينيون والأردنيون أن تصبح حقيقة، وليس إذا دعا إليها ونادى بها وسعى إليها الإسرائيليون.

ومن هنا فإن الهرطقة السياسية التي ابتدعها “عدنان أبو عودة” لتصبح إنجيل “الوظيفية” و”القطرية” في الأردن منذ اخْتُلِقَت تلك الأسطورة وحتى الآن، وهي الخوف على الأردن من فلسطين، والتوجس على مستقبل “الهوية الأردنية” من أي حراك يدمج الأردنيين من أصل فلسطيني في أي مشروع سياسي وطني تغييري، يعيد إنتاج الأردن على قواعد الحرية والعدالة ومحاربة الفساد والتحرر من الارتهان واستعادة الدور القومي للهوية الأردنية، هي نموذج صارخ للإمعان في لعبة “لوغو الهويات”، كي يبقى الأمر على ما هو عليه، سواء على الصعيد الأردني الداخلي، أو على صعيد القضية الفلسطينية.

في تلك الظروف الحرجة والملتبسة من عقد الستينيات تخلَّقت أسطورة “الوطن البديل” كحاضنةٍ لإعادة تفريخ “الهوية الأردنية” القطرية الوظيفية تحت حماية نظام الملك حسين، لتصبح مع الأيام وحتى الآن، هي الحاضنة التي يتم اللجوء إليها كلما أريد تمرير مشروع سياسي يتعلق بالقضية الفلسطينية، يعلم الجميع أنه لن يحظى بالموافقة من قبل الشعوب. أو كلما أريدَ للشعب الأردني أن يشعرَ بالفزع على هويته ومصيره مما راح يروَّج لكونه مؤامرة أطلق عليها “الوطن البديل”، مع أي تحرك داخل الأردن يعمل على إعادة إنتاج الدولة الأردنية على قواعد المواطنة، التي من شأنها وحدها أن تعيد له حريتَه وكرامتَه وثرواتِه ومواردِه وحقوقه الطبيعية، التي أهدرتها سنواتٌ عجافٌ من حكم دولة “القبيلة” و”العشيرة” و”الحمولة” و”الشيخ” و”المختار”، على قواعد ثقافةِ “عصبيةٍ” لم تبق في هذا البلد من الخير والحق والعدل والحرية ولم تَذَرْ، منذ عام 1970 وحتى تاريخ إعداد هذه الدراسة.

إنها الأسطورة التي تريد أن تقول للأردنيين، أن مصيرَهم ومستقبلَهم ليس بأيديهم، بل هو بأيدي إسرائيل التي إذا قررت أن يكون الأردن وطنا بديلا للفلسطينيين فسيكون، حتى لو رفضوا هم ذلك، ما لم يلتزموا بمتطلبات الحيلوبة دون أن يصبح “الأردن هو فلسطين وفلسطين ليست هي فلسطين”، مثلما صرح “عدنان أبو عودة” وهو يؤدلج لواقعة انضمامه إلى القلة القليلة التي حافظت على النظام الأردني من السقوط قبل أربعين عاما.

أما متطلبات الحيلولة هذه فهي الاقتناع بأن مقاومة هذا “المشروع الإسرائيلي” لا تتأتى إلا بتنازل الأردنيين عن أهم حقوقهم لأولئك المفسدين والمتجبرين والمتغولين عليها، لأنهم وحدهم من سيحافظ لهم على تلك الهوية. وكأنهم أمام واحد من خيارين، فإما حريتهم وحقوقهم على حساب هويتهم، وإما هويتهم بتنازلهم عن حريتهم وحقوقهم. إنها المعادلة التي كرستها دولة “القبيلة” و”الحمولة” بمَلِكِها الذي راح يتلون بألوان “شيوخ القبائل” حينا و”مخاتير الحارات والحمائل” حينا آخر، مرسِّخَةً أيديولوجية الهوان والذل والتخاذل والارتزاق بأبشع معانيها، “حريتكم ومواردكم أيها الأردنيون هي الجزية التي يجب أن تدفعوها لسدنة القبيلة ثمنا للحفاظ على هويتكم”، إن كانت لهذه الهوية في سياقها المُحافَظِ عليه هذا أيُّ معاني أو دلالات أو أهمية أصلا.

قرار فك الارتباط جاء في سياقِ مستوىً جديد من مستويات لعبة “لوغو الهويات”، وُظِّفَت له أسطورة “الوطن البديل” التي كان النظام قد أسس لها في الفترة 1968 – 1970، عبْرَ الهرطقات السياسية لعدنان أبو عودة مُخرج ومهندس الأيديولوجيا التي استعاد بها النظام شرعيته من قلب لحظات احتضاره. ولقد كان كل ذلك التحليل التمهيدي الذي قدمنا به شخصية “عدنان أبو عودة” ومكونات أيديولوجيته في أسطورة “الوطن البديل”، كي نفهم الجذور الحقيقية لقرار فك الارتباط، الذي لم يختلف كل الأردنيين والفلسطينيين، سواءٌ من قَبِلَ به أو من رفضه، على أنه لم يكن قرارا دستوريا، بل سياسيا بامتياز.

خامسا.. قرار فك الارتباط بين الشرعية واللاشرعية..

في مقالة له بعنوان “فك الارتباط تعليمات تنمو في الغرف المغلقة”، قال المحامي “علاء العثامنة”: “إن قرار فك الارتباط مخالف للمادة 1 من الدستور الأردني لعام 1952 “دستور الوحدة”، والتي تنص على أن المملكة الأردنية الهاشمية دولة عربية مستقلة ذات سيادة، “ملكها لا يتجزأ ولا ينزل عن شيء منه”. والمادة 5 منه التي نصت على أن “الجنسية الأردنية تحدد بقانون. وهو قرار سياسي قامت عليه القرارات السياسية للسلطة الوطنية الفلسطينية وجميع الاتفاقيات من مدريد وما بعدها، وبعيدا عن كل محاولات الدفاع عن القرار وبانسجام مع الواقع فإن عدم دستورية قرار فك الارتباط وعدم شرعيته واضحة للجميع”(1).

أما “صالح العرموطي” نقيب المحامين ورئيس مجلس النقباء الأردنيين فيقول في هذا الشأن: “إن قرار وتعليمات فك الارتباط غير دستورية وغير قانونية، وتخالف مبدأ دولة المؤسسات والقانون، فتعليمات فك الارتباط لم تصدر عن الحكومة، وإنما عن رئيس الوزراء، ولم تمر في أطرها التشريعية والدستورية. ورغم أن قرار فك الارتباط جاء بناء على رغبة فلسطينية وعربية، فلا يجوز مخالفة الدستور الأردني. والدستور لم يجرِ تعديله، وبالتالي فإنه لا يجوز فصل الضفتين”(2). ويقول أستاذ القانون الدستوري في جامعة مؤتة الدكتور “أمين العضايلة” واصفا قضية فك الارتباط بكاملها: “إن هذه القضية برمتها سياسية، والسياسة يفسرها التاريخ، والتاريخ تفسره الجغرافيا”(3).

أما المحامي الدكتور “محمد سالم ملحم” فإنه يعتبر القرار غير دستوري بسبب كونه قرارا لم يأخذ رأي الشعب، ويتوصل إلى اعتبار قرارات قمة الرباط عام 1974 التي يستند إليها المدافعون عن فك الارتباط قراراتٍ غير شرعية، ويعبر عن رؤيته هذه في مقال له بعنوان “سيادة فك الارتباط بين القانونية وتقرير هيوستن” قائلا: “إن دستورية فك الارتباط محل نظر في أنه لم يأخذ في الاعتبار توجهات الشعب، وهذا يقودنا إلى بطلان قرار مؤتمر قمة الرباط عام 1974 والذي تمسك به الطرف الفلسطيني الرسمي، بأنه الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، دون الرجوع إلى الشعب الفلسطيني وأخذ رأيه، وعليه فإن الأسلوب الأمثل لمعالجة الوضع القائم هو أنه بعد التحرير يجب أن تتم العودة إلى الشعب الفلسطيني ليقرر مصيره بنفسه بعيدا عن الخلافات القائمة”(4).

لم يقف اعتبار قرار فك الارتباط قرارا غير دستوري عند تلك الثلة من المحامين ورجال القانون، بل إن وزراء داخلية أردنيين كانوا مكلفين بتنفيذه على الأرض كان لهم الرأي نفسه. فقد كشف “رجائي الدجاني” وزير الداخلية الأردني الأسبق، وهو الوزير الذي شارك في صياغة تعليمات فك الارتباط بين ضفتي نهر الأردن الغربية والشرقية، “عن أنه والحكومة الأردنية في العام 1988 كانوا يعلمون أن قرار فك الارتباط “غير دستوري، ولا يستند لأي أساس قانوني”، وأن القرار كان “سياسيا محضا”. واعتبر أن الأردن اتخذ قرار فك الارتباط باعتباره “موقفا سياسيا” تعبيرا عن استقلال القرار الفلسطيني، وبناء على قرار عربي باعتبار منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. ففك الارتباط لم يستند إلى قرار من مجلس الوزراء، ولا إلى إرادة ملكية حسب الأصول القانونية والدستورية المرعية، ولم يمر عبر المراحل الدستورية، ولم يعرض على البرلمان للموافقة والتصديق، لذلك فهو ليس قرارا دستوريا، بل إعلان موقف وتوجه سياسي تبعته إجراءات إدارية لاحقة حددت على شكل تعليمات من رئيس الوزراء تفعيلاً لهذا التوجه، موجهة إلى دوائر مختصة لتنفيذ إجراءات محددة تتفق مع الهدف والتوجه السياسي للأردن، بما ينسجم مع فك الارتباط القانوني والإداري”(5).

يؤكد على المعنى نفسِه وزير داخلية أردني آخر هو “عوني يرفاس” حين قال: “إن قرار فك الارتباط بين الأردن والضفة الغربية قرارٌ سياسي ترتبت عليه إجراءات قانونية وإدارية اقتضت سحب الجنسية من سكان الضفة، وإبقائها للفلسطينيين المقيمين خارجها عند اتخاذ القرار. وهو بالتالي قرار لا يتعلق بالدستور أو بالقانون، وإنما هو قرار سياسي”(6).

ولكن هناك في المقابل قلة ترى الرؤية النقيض وتحاول التأصيل لها، مؤكدة على أن الوحدة بين الأردن والضفة الغربية هي في الأساس إجراء غير دستوري، وهو ما يعني – كما نستطيع أن نستنتج – أن الحديث عن لا دستورية فك الارتباط يفقدُ أهميتَه وقيمتَه، لأنه حديث عن لا دستورية إجراءٍ اتُّبِعَ للتخلص من حالة هي في الأساس غير دستورية، أي أنها حالة غير قائمة على هذا الصعيد أصلا. ففي مقال له بعنوان “إلغاء قرار فك الارتباط وعودة الضفة الغربية”، يقول “خالد المجالي” معبرا عن الفلسفة التي يرتكز إليها قانونيا من يؤيدون قرار فك الارتباط: “إن الوحدة بين الضفتين لم تكن دستورية ولم يتم الاعتراف بها من قبل جامعة الدول العربية، لا بل إن الجامعة العربية اعتبرت أن الضفة الغربية وديعة لدى الأردن لحين التحرير”(7).

إلا أن هذا التوصيف الذي حاول الارتكاز إلى أرضية تشريعية لتبرير عدم الحاجة إلى إجراءات دستورية لتمرير قرار فك الارتباط الذي اتخذه الملك حسين عام 1988، لا يصمد أمام الحقيقة التاريخية التي يعود وزير الداخلية الأسبق ذي الأصول الفلسطينية “رجائي الدجاني” ليؤكد من خلالها على عدم دستورية القرار. فهو يقول في معرض سرده للخلفية التاريخية لنشوء حق اكتساب الفلسطينيين في الأردن والضفة الغربية للجنسية الأردنية ما نصُّه:

“تم عقد مؤتمر وطني في أريحا حضره عدد من قادة الشعب الفلسطيني والوجهاء ورؤساء البلديات ومجالس القرى والنقابات والهيئات المختلفة في الأردن وفلسطين، وأيدوا اتحاد “فلسطين العربية” مع شرق الأردن، وبأن يكون الملك عبد الله بن الحسين ملكا عليها، وجرت على إثرها انتخابات عامة شملت الضفتين. و”بتاريخ 24 نيسان/أبريل 1950 عقد البرلمان الأردني في عمان بهيئتيه الأعيان، والنواب المنتخبون من الفلسطينين والأردنيين في الضفتين جلسة تاريخية، وأصدر البرلمان قرارا بتبني إعلان توحيد فلسطين وشرق الأردن، واجتماعهما في دولة واحدة هي المملكة الأردنية الهاشمية على أساس الحكم النيابي الدستوري، والتساوي في الحقوق والواجبات بين المواطنين جميعا. ومن ثمَّ فإن الشعب الفلسطيني المقيم في الضفتين الشرقية والغربية قد اكتسب بنوه الجنسية بقوة الدستور الأردني، وبقوة قانون الجنسية رقم 56 لسنة 1949، وقانون الجنسية الأردني رقم 6 لسنة لسنة 1954. وبالتالي فإن سحب الجنسية أو إسقاطها عن أي مواطن أردني يجب أن يكون سندا لأحكام القانون الذي حدد الحالات التي يفقد فيها المواطن الجنسية الأردنية”(8).

وبناء على هذا التوصيف، فإن كل من ثبتت تابعيتهم الأردنية بموجب قانوني الجنسية رقم 56 لعام 1949، ورقم 6 لعام 1954، لا يمكن سحب الجنسية منهم ولا رفع “الأردنة” عنهم إلا بموجب القانون الذي يحدِّد الحالات التي يفقد فيها المواطن الأردني جنسيتَه، والذي لا يمكن تعديله أو تغييره، إلا بالاستناد إلى نصوص دستورية قاطعة. وهذه الحالات ليس من بينها – بكل تأكيد – ما ترتب من تعليمات وإجراءات على قرار فك الارتباط، لأنها حالاتٌ غير منطواةٍ في قانون الجنسية. هذا يؤدي إلى الإقرار بأن كل من تمتع بجنسيته الأردنية بموجب القانون، هو أردني كامل الحقوق والواجبات، وعلى رأسها السياسية منها، ومن ثم فما هي القيمة الموضوعية لقرار فك الارتباط على الصعيد التشريعي، وقبل ذلك على الصعيد الدستوري الذي يُوَلِّد الحقوق السياسية؟!

وكأن قرار فك الارتباط – في نظر أصحاب هذا الرأي – قام بالتأسيس لمنظومة حقوق سياسية جديدة للأردنيين من أصل فلسطيني، دون أي أساس تشريعي ودستوري، بل بتعليمات وقرارات إدارية الطابع. وفي هذا مخالفة لكل معاني الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. فالنصوص الدستورية تسبق في الأعراف والمواثيق أيَّ حقوق سياسية وتؤسِّس لها ثم تأتي القوانين لتنظمها في ضوء دستوريتها السابقة تلك، وليس العكس كما حصل في قرار فك الارتباط، وما قام عليه من تعليمات وقرارات إدارية لاحقة.

إلا أن أصحاب الرأي المضاد لهم فلسفة وجيهة في هذا الصدد، فهم يشيرون إلى أن الدساتير تنشأ في الأساس لاعتبارات سياسية أسبق منها تتخذ طابعا أيديولوجيا يتم تأطيره في نصوص قانونية دستورية الطابع، لتصبح هذه النصوص بعد ذلك بمثابة المرجعية القانونية الأساس التي تقوم عليها الحقوق السياسية لاحقا. أي أنه لا وجود لدستور لا يستند إلى أيديولوجية سياسية أسبق منه، عبرت عن نفسها في نصوصه. ومن هنا فإن هؤلاء يرون أن قرار فك الارتباط وإن كان سياسيا، إلا أنه يؤسس لأيديولوجية جديدة يُفْتَرض أن تقوم عليها رؤية دستورية جديدة يجب أن تُأْخَذَ تداعياتُها القانونية والتشريعية بعين الاعتبار، ما جعل مقولة “دسترة فك الارتباط” تتخذ لنفسها مكانةً هامة وملحَّة في مطالب دعاة ترسيخ وتجذير أيديولوجية “فك الارتباط” السياسية.

إن مقولة “دسترة فك الارتباط” هي – في حقيقة الأمر – انتباه متأخر من أنصار “قرار فك الارتباط” لعدم مشروعية أي قرارات وزارية أو تعليمات إدارية قامت عليه، بعد أن أصبح الحراك الشعبي واسع النطاق الذي يشهده الأردن منذ مطلع عام 2011، ينعطف بكل وضوح إلى إعادة إنتاج “الهوية الأردنية” على أسس تختلف عن تلك التي أسَّسَت لكل أنواع الفساد والإفساد والتبعية والعصبية والفرقة والتناحر وتوليد الهويات الفرعية الشوفينية، على مدى الأربعين عاما التي أعقبت “مجزرة أيلول”.

لقد بقي السكوت عن عدم شرعية قرار فك الارتباط وعن ضرورة دسترته أولا، لكي يصبح من حق الحكومات أن تُغَيِّرَ الوقائعَ على الأرض بما ينسجم مع منطوقه، ولكي لا توصفَ إجراءاتُها بأنها غير دستورية، هو حال كل مؤيديه على مدى العشرين عاما الماضية، لأنه اتُّخِذَ في ظروفٍ أسوأ بكثير في دلالاتها السياسية والتمثيلية عن تلك التي اتُّخِذَ فيها قرار الضم عقب مؤتمر أريحا قبل ذلك بأربعين عاما. وبالتالي فلم يكن من مصلحة هؤلاء الذهاب في “شرعنة” و”قوننة” و”دسترة” هذا القرار السياسي إلى أبعد من استغلال الظروف التي تتيح للسلطة تمريره إداريا، وهي ظروف الأحكام العرفية، والسكوت من ثم على كل ما من شأنه أن يُفشلَ المشروع السياسي المحلي والإقليمي الذي قام عليه القرار برمته.

لم يكن هؤلاء بحاجة إلى فتح أبواب جهنم على القرار بالمطالبة بدسترته منذ وقت مبكر، مادامت التعليمات والقرارات المراد إصدارها محليا ستصدر، ومادامت السياسات المقرر انتهاجها على صعيد بُنْيَة الاقتصاد الأردني وتحالفاته وارتباطاته الداخلية والخارجية، وعلى صعيد القضية الفلسطينية واتجاهاتها ستُنتهج، في ظل أحكامٍ عرفية لا تسمح لأحد بأن يعترض ويبقى خارج المعتقلات.

ولكن عندما بدأ الحديث عن عدم دستورية القرار حديثا علنيا لا يَكْتَفي بأن يدور في الصالونات، أصبحت كل المصالح والامتيازات والبرامج المجسِّدَة لـ “ثقافة العصبية” بأبشع معانيها، ولـ “حكم التحالفات الطبقية المزاوِجَة بين الكومبرادور والبيروقراط” بأكثر نماذجها فسادا وإفسادا، ولـ “تراجع القضية الفلسطينية” في المحافل الإقليمية والدولية – وكلها أمور ارتبطت بهذا القرار – في خطر ومحل تساؤل شعبي حقيقي، ما أوجب على أنصار القرار أن يبحثوا عن حلول تُنهي الجدل حوله بتحويله إلى قرار ناتج عن نصوص دستورية، فظهرت إلى العلن مقولة “دسترة فك الارتباط”، التي انطوت على تهافتها بمجرد الدعوة إليها، لأنها في واقع الأمر أثبتت المقولة الضد التي ما فتئت تشير إلى عدم دستورية القرار. فلا يطالب بدسترة قرار ما إلا من يشكك فيها وينفيها عنه ابتداءً.

إن مقولة دسترة قرار فك الارتباط تعيد القضية برمتها – من حيث يدري أصحاب تلك المقولة أو لا يدرون – إلى سِكَّتِها الطبيعية، وهي “السياسة” وليس “القانون”. فهم من حيث أرادوا إنقاذ القرار من سياسيته المفتقرة إلى المشروعية الدستورية، وذلك بالدعوة إلى دسترته – ونحن نوافقهم على ذلك حتى يكتسب القرار وكل التعليمات التي نفذت بموجبه شرعيتَها – دفعوا نحو مناقشته من جديد على الصعيد السياسي. وعندما تتحول مناقشة القرار من القانون إلى السياسة، فهذا يعني الاعتراف بأننا بصدد العودة إلى الشعب وقواه السياسية ونقاباته ومنظمات مجتمعه المدني.. إلخ، لسبر الوجهة الأيديولوجية للشعب بشأن هذا القرار.

ونقصد بالشعب كل من كان قبل القرار، أي قبل 31/7/1988 متمتعا بصفة المواطن الأردني التي أسبغها عليه دستور عام 1952 وكل التعديلات التي أجريت عليه والتي تجنبت المساس بفكرة “الأردنة” و”المواطنة” – رغم أن كل تلك التعديلات تمت بإجراءات ومن خلال أطر لا تمثل الشعب الأردني على الإطلاق – وقانون الجنسية رقم 56 لعام 1949، الناتجين عن مؤتمر أريحا السياسي وتداعياته القانونية.

خلاصة القول إذن أننا بصدد قرار فك الارتباط القانوني والإداري بين الضفتين، أمام قرار ساقط قانونيا ودستوريا، ومنعدم الشرعية على هذين الأساسين، بينما هو قابل للمناقشة أيديولوجيا وسياسيا. ولعل هذه الطبيعة الإشكالية في هذا القرار الجدلي السياسي بامتياز، هي التي جعلت معظم النقاشات التي دارت حول هذا القرار ومنافعه وإيجابياته، أو مضاره وسلبياته، لا تخرج عن الإطار السياسي. ففي الوقت الذي كان أنصاره ومؤيدوه يحرصون على عرض منافعه للفلسطينيين وللهوية الفلسطينية ولحق عودة اللاجئين وللدولة الفلسطينية وتقرير المصير، كان معارضوه يكشفون عن زيف هذه الدعاوَى، بعدم انطواء القرار على أي منفعة حقيقية من تلك التي يُرَوِّجُ لها أنصاره ومؤيدوه.

لقد دارت معظم المقولات السياسية التي بنى عليها أنصار “فك الارتباط” مواقفهم، حول فكرة حماية الأردن من أن يكون هو “الوطن البديل” للفلسطينيين، وحماية الضفة الغربية من “التفريغ من السكان”، والحفاظ على “حق عودة اللاجئين” إلى أراضيهم، وعلى “التجاوب مع مطالب منظمة التحرير الفلسطينية والدول العربية” المتمثلة في اعتبار أن المنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. وهو ما يعني قطعا أن القرار لو لم يُتَّخَذ لأصبح الأردن وطنا بديلا، ولتم تفريغ الضفة من سكانها، ولحرم اللاجئون من حق العودة إلى ديارهم وأراضيهم التي طردوا منها، ولامتنعت إقامة الدولة الفلسطينية، ولحرم الفلسطينيون من هويتهم ومن حقهم في تمثيل منظمة التحرير لهم. وهي الأمور التي لا يختلف عاقلان على انها كانت قبل قرار فك الارتباط في وضع أفضل بكثير عما أصبح عليه حالها بعد مرور قرابة ربع قرن على اتخاذ هذا القرار البائس بؤسَ متخذيه والمدافعين عنه والمصرين عليه.

يقول الدكتور خالد سليمان في هذا السياق: “من أبرز الإجابات التي قد يتحفنا بها المنادون بضرورة دسترة فك الارتباط على فوائد هذه الدسترة، وأمارات الانتشاء بادية على محياهم، على اعتبار أنهم جاءوا بالذئب من ذيله كما يقال، الزعم بأن دسترة القرار ستضع حداً نهائياً صارماً لادعاءات الصهاينة الأراذل بأن الأردن هو الوطن البديل لأبناء فلسطين”(9).

أما المحامي “خالد المجالي” فيقول في مقالة بعنوان “إلغاء قرار فك الارتباط وعودة الضفة الغربية”: “إنني أعتقد أن قرار فك الارتباط هو حق للأردنيين وبنفس الوقت داعم للهوية الفلسطينية، وأي حلول وسط أو تسويف لا يعني إلا الخيانة للقضية الفلسطينية والتآمر على الأردن والسير في طريق تفريغ الأرض الفلسطينية، وإكمال مشروع الوطن البديل، وإعلان يهودية الكيان الصهيوني على الأرض العربية الفلسطينية المحتلة”(10).

أما وزير الداخلية الأردني الأسبق “رجائي الدجاني” فإنه يوضح لنا الدور الذي لعبته منظمة التحرير الفلسطينية ومن ورائها العرب في دفع النظام الأردني إلى اتخاذ القرار بفك الارتباط بين الضفتين قائلا: “إن الأسباب والمبررات التي أدت إلى إعلان فك الارتباط الإداري والقانوني مع الضفة الغربية المحتلة تعود إلى “التعامل مع رغبة منظمة التحرير والدول العربية المجتمعة في مؤتمر القمة العربي في الرباط عام 1974، واعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. أن الإجماع العربي جاء تمهيداً لتسوية النزاع مع إسرائيل وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أرض فلسطين، حيث أكد الإجماع العربي على ضرورة إبراز الهوية الفلسطينية وانفراد منظمة التحرير في تمثيل الشعب الفلسطيني في مواجهة إسرائيل والمشروع الصهيوني، وأن الدول العربية تقبل بما تقبل به منظمة التحرير في التسوية النهائية. كان لا بد من إيجاد آلية معينة، أو مخرج لإحلال منظمة التحرير محل الأردن في حق المطالبة بالأراضي المحتلة ودعم نضال الشعب الفلسطيني لاستعادة حقوقه المغتصبة وإبراز هويته”(11).

ويؤكد أستاذ القانون الدستوري في جامعة مؤتة الدكتور “أمين العضايلة” ما ذهب إليه وزير الداخلية “رجائي الدجاني” بقوله: “إن الأردن أعلن قرار فك الارتباط كنوع من الدعم للأخوة الأشقاء في فلسطين من أجل قيام دولتهم. إن قرار فك العلاقة القانونية والإدارية مع الضفة الغربية الصادر في العام 1988 جاء بناء على طلب من منظمة التحرير الفلسطينية التي تعتبر الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني”(12).

وفي معرض حديثه عما اعتبره مبررات تاريخية لاتخاذ قرار فك الارتباط، أضاف الدكتور “أمين العضايلة”: ” لقد اتخذت الجامعة العربية موقفا ضد الأردن إذا أبقى على الوحدة، وحينها أوفد الملك عبد الله الأول وزير الخارجية آنذاك ليقول أن الأرض ستكون فلسطينية اذا تحررت أو يعلن أهلها رفضهم للوحدة، وهو ما حدث في مؤتمر الرباط عام 1974 الذي قرر أن منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد، تبعها إعلان إجراءات قيام الدولة عام 1988 عندما أعلن عن قرار فك الارتباط”(13). ثم يخلص الدكتور العضايلة لا ندري كيف ولا لماذا ولا على أيِّ أساس إلى القول “بأنه إذا ما تم دمج الفلسطيني في المجتمع الأردني، فإننا نساهم في ضياع قضيته ونظلمه”(14).

أما وزير الدولة للشؤون البرلمانية الأردني الأسبق وأستاذ العلوم السياسية في جامعة الشرق الأوسط الدكتور “عبد المجيد العزام”، فإنه يضعنا أمام سيناريو مرعب كان سيترتب على عدم اتخاذ قرار فك الارتباط، فيقول: “بناء على الرغبة الفلسطينية أصبح كل من هو داخل أراضيها قبل قرار فك الارتباط من الرعايا الفلسطينيين، وذلك بهدف تثبيتهم على أرضهم والمطالبة بحقهم. فلا يمكن أن تكون هنالك دولة دون شعب. وبالعودة عن قرار فك الارتباط فإن الضفة الغربية ستفرغ من أهلها”(15).

وفي محاولة منه للتقليل من شأن الشرعية الدستورية المفقود في قرار فك الارتباط، لجأ “عوني يرفاس” وزير الداخلية الأردني الأسبق إلى أسلوب عاطفي ضرب من خلاله على وتر أهم خطوة عربية وحدوية فاشلة في العصر الحديث، ألا وهي وحدة مصر وسوريا في “الجمهورية العربية المتحدة”، فيقول: “إن الوحدة بين الضفتين انتهت قانونيا بقرار فك الارتباط، وهذا يشبه انتهاء الوحدة بين مصر وسوريا عام 1961، لذلك فإن القرار حافظ على الجنسية الأردنية للذين كانوا يقيمون خارج الضفة الغربية عند قرار فك الارتباط. إن هناك قرارا سياسيا وسياديا بالانفصال بناء على قرار ممثلي الشعب الفلسطيني والزعماء العرب، وبالتالي عودة الفلسطينيين إلى جنسيتهم، كما حدث بعد انفصال الجمهورية العربية المتحدة المكونة من مصر وسوريا عام 1961 حيث عاد المصريون الى جنسيتهم والسوريون الى جنسيتهم”(16).

وفي تصويره للدور الكبير الذي لعبته الفصائل الفلسطينية المختلفة لتدفع بالنظام في عمان لاتخاذ قرار فك الارتباط بين الضفتين، يقول “رجائي الدجاني” وزير الداخلية الأردني الأسبق: “كانت الفصائل الفلسطينية في حينها تقف من الأردن موقفاً عدائياً ومشككاً في أي تحرك أو إجراء يتعلق بالضفة الغربية وسكانها، فمن اتهامات بالتقاسم الوظيفي مع إسرائيل، إلى اتهامات بالضلوع في الحلول الفردية التصفوية وخيانة القضية الفلسطينية، إلى بيان الانتفاضة الذي يدعو الوزراء والنواب من أصل فلسطيني في الأردن إلى الاستقالة وترك مواقعهم، وإلا فإنهم يعتبرون من الخونة ولا مكان لهم في فلسطين، إلى بيان لأحد الفصائل بضرورة توسيع نطاق الانتفاضة الفلسطينية لكي تشمل الأردن أيضا بالإضافة لإسرائيل. وتلاحقت الدراسات والاستبيانات والاستطلاعات التي كانت تجريها جهات مرتبطة بالفصائل، أو بمنظمة التحرير أو بجهات أخرى تعلن أن الأردن لا يتمتع بأي رصيد شعبي في الضفة الغربية المحتلة، وأن نسبة المؤيدين للأردن لا تتجاوز في أحسن الأحوال 3% من السكان”(17).

في السياق نفسِه يكشف الصحفي الفرنسي “أندريه فرساي” عن توجهات منظمة التحرير التي سبقت إعلان الملك حسين لقرار فك الارتباط، في معرض تمهيده لسؤال وجهه إلى “بطرس بطرس غالي” الأمين العام السابق للأم المتحدة، في اللقاء الحواري المطول الذي جمع بينه وبين كل من “شيمون بيرز” و”بطرس بطرس غالي”: “في يونية عام 1988 أطلق “بسام أبو شريف” المستشار السياسي لعرفات بالون اختبار، فمع رفضه قراري الأمم المتحدة رقمي 242 و338 كأساس للتفاوض، دعا إلى “سلام دائم” واعترف بضرورة وشرعية الأمن بالنسبة لإسرائيل، وأعرب عن تفهمه لما وصفه بأنه “قرون من المعاناة للشعب اليهودي”، ودعا إلى إقامة دولة فلسطينية جنبا إلى جنب مع الدولة اليهودية على أساس خطة تقسيم فلسطين لعام 1947″(18).

إننا بتفحصنا للمحاور السياسية الأساس التي دارت وما تزال تدور حولها أيديولوجية “فك الارتباط” وتبريرات مؤيديها، ممن عودونا على التعامل مع “القشور” وليس مع “اللب”، وعلى الخلط بين السياسة والقانون، وعلى تلفيق الحقائق وتزييفها، وعلى ممارسة التقية السياسية والفكرية بكل أنواعها، وعلى تسطيح المسائل والوقائع، وعلى تقزيم مكونات التاريخ والجغرافيا، وعلى الدفع باتجاه القطرية والوظيفية وثقافة العصبية، على حساب القومية والاستقلالية وثقافة الفكرة، هذا إذا افترضنا فيهم حسن النوايا، نجدها تنحصر في محورين اثنين لا ثالث لهما، منهما تتفرع وعنهما تنتج كل المحاور الأخرى بلا استثناء..

1 – الخوف من تحويل الأردن إلى “وطن بديل” للفلسطينيين، وقد تمَّ التعبير عن هذا المعنى بعدة طرق منها، “الخوف من تفريغ الضفة الغربية من سكانها”، و”الخوف من ضياع القضية الفلسطينية وحلها على حساب الأردن”، و”الخوف من ضياع حق عودة اللاجئين وتوطينهم في أماكن تواجدهم”، و”الخوف من استحالة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة المعبرة عن الهوية الفلسطينية”.

2 – الاستجابة لـ “مطالب الفلسطينيين” المؤيَّدَة عربيا، وقد تم التعبير عن هذا المعنى بعدة طرق أيضا، منها “قرارات مؤتمر الرباط عام 1974 باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني”، و”ضغط الدول العربية عبر الجامعة العربية على الأردن لإتاحة الفرصة للفلسطينيين كي يعبروا عن أنفسهم ويقيموا دولتهم المستقلة”، و”محاولات الفصائل والشخصيات الفلسطينية الفاعلة للدفع بهذا الاتجاه”.

 

… يتبع

 

الهوامش..

 

1 – (بقلم المحامي علاء العثامنة، مقال بعنوان “فك الارتباط تعليمات تنمو في الغرف المغلقة”، بتاريخ 23/7/2009، عن موقع مدونة حلمي الأسمر، على الرابط التالي:

http://helmialasmar.maktoobblog.com/1614581/%D8%A3%D9%81%D8%B6%D9%84-%D9%85%D8%A7-%D9%82%D8%B1%D8%A3%D8%AA-%D8%B9%D9%86-%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D9%81%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%B7/).

2 – (من موقع “دنيا الوطن”، عن ندوة بعنوان: “قرار فك الارتباط بين ضفتي نهر الأردن سياسي وغير دستوري”، بتاريخ 28/2/2008، على الرابط التالي http://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2008/02/28/124535.html).

3 – (من موقع “جريدة الدستور الإلكتروني”، عن مقال بعنوان ” سياسيون وقانونيون: قرار فك الارتباط يمنع تفريغ فلسطين من أهلها ويثبتهم في أرضهم”، بقلم “وائل الجرايشة”، بتاريخ “3/2/2010″، على الرابط التالي:

http://www.addustour.com/ViewarchiveTopic.aspx?ac=%5Clocalandgover%5C2010%5C02%5Clocalandgover_issue846_day03_id209838.htm).

4 – (من موقع “حروف الأردن”، عن مقال بعنوان “سيادة فك الارتباط بين الدستورية وتقرير هيوستن”، بقلم “المحامي الدكتور محمد سالم ملحم”، بتاريخ “17/2/2010″، على الرابط التالي: http://www.jor1jo.com/showthread.php?t=17878).

5 – (من موقع “دنيا الوطن”، عن ندوة بعنوان: “قرار فك الارتباط بين ضفتي نهر الأردن سياسي وغير دستوري”، بتاريخ 28/2/2008، على الرابط التالي: http://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2008/02/28/124535.html).

6 – (من موقع “دنيا الوطن”، عن ندوة بعنوان: “قرار فك الارتباط بين ضفتي نهر الأردن سياسي وغير دستوري”، بتاريخ 28/2/2008، على الرابط التالي:

http://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2008/02/28/124535.html).

7 – (من موقع “كل الأردن” عن مقال بعنوان “إلغاء قرار فك الارتباط وعودة الضفة الغربية”، بقلم “خالد المجالي”، بتاريخ 23/5/2011، على الرابط التالي:

http://www.allofjo.net/index.php?option=com_content&view=article&id=12162:2011-05-23-19-45-38&catid=63:2011-04-17-05-59-55&Itemid=269).

8 – (من موقع “دنيا الوطن”، عن ندوة بعنوان: “قرار فك الارتباط بين ضفتي نهر الأردن سياسي وغير دستوري”، بتاريخ 28/2/2008، على الرابط التالي:

http://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2008/02/28/124535.html).

9 – (من موقع “البوصلة”، من مقال بعنوان: “الاعتباط في دسترة فك الارتباط”، بقلم: د. خالد سليمان، بتاريخ: 31/5/2011، على الرابط التالي:

http://www.albosala.com/Portals/Content/?info=YVdROU1qa3pOemNtYzI5MWNtTmxQVk4xWW5CaFoyVW1kSGx3WlQweEpnPT0rdQ==.plx).

10 – (من موقع “كل الأردن” عن مقال بعنوان “إلغاء قرار فك الارتباط وعودة الضفة الغربية”، بقلم “خالد المجالي”، بتاريخ 23/5/2011، على الرابط التالي: http://www.allofjo.net/index.php?option=com_content&view=article&id=12162:2011-05-23-19-45-38&catid=63:2011-04-17-05-59-55&Itemid=269).

11 – (من موقع “دنيا الوطن”، عن ندوة بعنوان: “قرار فك الارتباط بين ضفتي نهر الأردن سياسي وغير دستوري”، بتاريخ 28/2/2008، على الرابط التالي: http://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2008/02/28/124535.html).

12 – (من موقع “جريدة الدستور الإلكتروني”، عن مقال بعنوان ” سياسيون وقانونيون: قرار فك الارتباط يمنع تفريغ فلسطين من أهلها ويثبتهم في أرضهم”، بقلم “وائل الجرايشة”، بتاريخ “3/2/2010″، على الرابط التالي:

http://www.addustour.com/ViewarchiveTopic.aspx?ac=%5Clocalandgover%5C2010%5C02%5Clocalandgover_issue846_day03_id209838.htm).

13 – (من موقع “جريدة الدستور الإلكتروني”، عن مقال بعنوان ” سياسيون وقانونيون: قرار فك الارتباط يمنع تفريغ فلسطين من أهلها ويثبتهم في أرضهم”، بقلم “وائل الجرايشة”، بتاريخ “3/2/2010″، على الرابط التالي:

http://www.addustour.com/ViewarchiveTopic.aspx?ac=%5Clocalandgover%5C2010%5C02%5Clocalandgover_issue846_day03_id209838.htm).

14 – (من موقع “جريدة الدستور الإلكتروني”، عن مقال بعنوان ” سياسيون وقانونيون: قرار فك الارتباط يمنع تفريغ فلسطين من أهلها ويثبتهم في أرضهم”، بقلم “وائل الجرايشة”، بتاريخ “3/2/2010″، على الرابط التالي:

http://www.addustour.com/ViewarchiveTopic.aspx?ac=%5Clocalandgover%5C2010%5C02%5Clocalandgover_issue846_day03_id209838.htm).

15 – (من موقع “جريدة الدستور الإلكتروني”، عن مقال بعنوان ” سياسيون وقانونيون: قرار فك الارتباط يمنع تفريغ فلسطين من أهلها ويثبتهم في أرضهم”، بقلم “وائل الجرايشة”، بتاريخ “3/2/2010″، على الرابط التالي:

http://www.addustour.com/ViewarchiveTopic.aspx?ac=%5Clocalandgover%5C2010%5C02%5Clocalandgover_issue846_day03_id209838.htm).

16 – (من موقع “دنيا الوطن”، عن ندوة بعنوان: “قرار فك الارتباط بين ضفتي نهر الأردن سياسي وغير دستوري”، بتاريخ 28/2/2008، على الرابط التالي: http://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2008/02/28/124535.html).

17 – (من موقع “دنيا الوطن”، عن ندوة بعنوان: “قرار فك الارتباط بين ضفتي نهر الأردن سياسي وغير دستوري”، بتاريخ 28/2/2008، على الرابط التالي: http://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2008/02/28/124535.html).

18 – (كتاب “ستون عاما من الصراع في الشرق الأوسط/شهادات للتاريخ”، حوارات “بطرس بطرس غالي” و”شيمون بيريز” مع “أندريه فرساي”، منشورات “دار الشروق”، القاهرة، الطبعة الأولى، 2007، ص 299).

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

coroas gostosas x videos imhoporn.com sister sexo porno melancia hdporn.tech transando no chuveiro elas fodem porneff.com bundas gostosas de quatro videos surubas videolucah.fun gravida se masturbando mamando travesti iwank.website xvideo mulher maravilha branquinha gostosa dando redwap.website valeska popozuda transando porno doido ruivas redwap.site xoxota rosada fodas de famosas pornhdvideos.online porno novinha caseiro estreando ou estreiando kompoz.website porno famílias she male vipwank.fun video maniaco mia khalifa wiki anysex.website porno passione pornos travestis ixxx.tech selfie peladas baixa vidio pormo hdpornfree.online gp 1 sexo mulheres de peito de fora madthumbs.online ensinando a se masturbar baixar filme adulto cliphunter.space trepa comigo