الرئيسية / شبكة فرسان الثقافة / التجديد في الأسلوب السردي – نصوص – سالم وريوش الحميد

التجديد في الأسلوب السردي – نصوص – سالم وريوش الحميد

 

الصورة الرمزية سالم وريوش الحميد

 

 

 

 

 

 

 

مهدي علي إزبين وبياضه القاتم

التجديد في الأسلوب السردي – نصوص – سالم  وريوش الحميد

 يقول فاغنر (( أن مفهوم الخلق في عملية الإبداع الإنشائي مرتبط بقدرة الإنسان على تخليص الكلم من القيود

التي يكبلها الاستعمال وتطهيرها مما تراكم عليها من ضبابية الممارسة ، فالإبداع احياء للكلمة بعد نضوبها

 وفي إحياء الكلمة بعث جديد للتجربة المعاشة  في الذات والزمن  ))1

 

(تتخيل وبعد ذلك  تفهم  ) حسب المفهوم البلاشاري

 

(إن الخيال يتحول من ملكة تشكيل الصور  إلى أخرى تقوم على تغيير الصور التي يقدمها الإدراك  )  (غاستون باشلار )2

 

 في نصوص  مهدي علي ازبين الموسومة (بياض قاتم  )

 

أراد الكاتب  أن  نقرأ  ونتخيل ومن ثم  نفهم.

 

 قادنا إلى عالم  هجين مستحدث  بين المتخيل والواقع ،  وظف موهبته  وثقافته وما يمتلكه من خزين لغوي ليرتقي  بالقارئ  إلى  فضاءات  المخيال الواسع   ،  مستخدما  مضامين  بعضها واقعي يحاكي عوالم  إنسانية واجتماعية لشخوص  ربما  هم قريبين  منه   أو   قد يصدف وجودهم في لحظة غير محسوبة  تلتقطها عدسة إبداعه بغته ،  تراه مثل مصور بارع يبحث عن اللقطة المميزة   ومن الزاوية التي   يختارها هو  لتكون أكثر تأثيرا  وجمالية ، أو قد  تأتي  نصوصا عائمة   مستلة من   تجليات اللاشعور (الرغبات اللا واعية   أو الرغبات  المكبوتة  ) ، مستخدما طريقة سرد مبتكرة  ومغايرة لما قرأناه  من أساليب  سردية  ،

 

موجوداته   وتكويناته  في حركة ديناميكية  دائبة مستمرة . لا تركن إلى السكون  .ولا تقر به ..

 

خمسة وثلاثون نصا سرديا   أختار لها المؤلف  تسمية ( نصوص سردية  ) حتى لا تكون محددة  بجنس أدبي  واحد  ،   موزعة على اثنتين وثمانين صفحة  من القطع المتوسط  ،  صادرة عن دار ومكتبة عدنان للطباعة والنشر  والتوزيع  لسنة  2013…

 

قد  يجد الناقد صعوبة في دراسة مثل هكذا نصوص دراسة مكتملة  كوحدة واحدة    ، شأن الكثير من المجاميع القصصية  الأخرى  ، وذلك لعدة أسباب منها   : إن كل نص من تلك النصوص له أسلوبه وطريقته الخاصة في السرد إضافة إلى كونه متعدد المضامين والتأويلات  والاجناس الأدبية قد تجتاز حدود المكان  والزمان وقد  تكون  فوق المعقول أو مقاربة للامعقول   ، نعيش من خلالها هواجس  وخبايا الكاتب  في شخوص أبطاله  من نقطة الشروع وحتى النهاية  ، حالات انتصاره ونكوصه  حبه وكرهه  اوجاعه   وسعاداته، لقطات مميزة  يسجلها   في لحظة  استقراء للحدث  حيث يعيش الكاتب لحظة مخاض للكلمة  وللنص ،  يقتنص من  هذا العالم لقطة واحده  أو موقف  أو حدث عابر ليبني عليه صروح نصه    مخالفا الكثير من الأدباء   الذين يبنون نصوصهم  من  استقراء أحداث كبيرة مختزنة  تكون نقطة شروع  لإبداعهم لتبدأ  بعد ذلك عملية الانسلاخ  والتكثيف والإيجاز ، الفكرة  تبدأ عنده من لحظة بدء  المخاض وعند  الكثير تبدأ من اكتمال الحدث ليتم نسج   النص  منه   بمعنى أدق انه ينطلق  من الجزئية  إلى الكلية   ، فاللحظة (اللقطة الآنية  ) و النظرة  التي قد  يتجاوزها   الغير ولا يعطيها أدنى اهتمام  عند  الكاتب مهدي  تصير حكاية وتصير قصة  وربما رواية   لما يترجمها   إلى نص مكتوب  ..

 

 هو  يرى اللحظة  يفلسف  الزمان    وفق   مفهوم   الفيلسوف باشلار

 

 (إن اللحظة تعتبر حقيقة الزمان   وحسب مفهومة   فأن الزمان يقوم على فلسفة اللحظة لأنها حقيقة الزمان  الأولى  .. ))  3

 

.   يبقى   هناك قاسم  مشترك يتميز به   منجزه ، حيث   إن تلك  النصوص لم تكتب لقارئ عادي  ،وإنما  كتبت  لقارئ  مثقف  و ناقد   في نفـــس الوقت، نصوص أراد  بها  استفزاز  منظومة العقل  وتحريكها  ،لا يريد فيها  أن يكون المتلقي سلبيا مهمته استقبال  الرسالة   المرسلة إليه   فقط  ،  بل  أراد له  ان يكون  قارئا و  منتجا و  مشاركا  واعيا في النص  من خلال التأويل المستمر  حيث   القلق المتسيد  وكأن النص   يميد  على  أرض غير مستقرة   .. يرينا  الأشياء  عكس ما نراه حيث   ترتسم    نسبية الأشياء بشكل غرائبي فالهبوط  يصير  صعودا

 

  ((  أنا معلقة في  الفضاء لا أتحمل وزني ، تميد بي الأرض تتأرجح  المصابيح المتناثرة  والأبنية تتطوح  سكرى يترك  جذعي الأرض ، فينخرق الفضاء تتصاعد  البيوت والجدران يستقبلني بلاط ممر متطاول ، يتكسر الجريد  على شفا صرخة ))  ص51 تخاطر .

 

و قد  يكون التقدم  بمثابة  رجوع  ، أو بالعكس ( تنطلق الحافلة ، يطرق المذياع أسماع الركاب تنتقل موجاته تبعا لصفعات أصبع السائق المتصاعدة لمزاجه المحلات والأبنية تعلن عن نفسها تنسحب إلى الخلف المشاة يتقدمون  متراجعين )   ترسيمة بهجت  ص61 .

 

هو  يعطي  أبعاد ا جديدة  للزمان  والمكان ،و للحركة  ، وللمنظور  .. ..

 

العنوان

 

 (( إن العنوان يشكل مرتكزاً دلالياً يجب أن ينتبه عليه فعل التلقي، بوصفه أعلى سلطة تلق ممكنة، ولتميزه بأعلى اقتصاد لغوي ممكن، ولاكتنازه بعلاقات إحالة (مقصدية) حرّة إلى العالم، وإلى النص، وإلى المرسل  )) 4 اندريه  مارتنيه

 

(  بياض قاتم   )   يأتي هذا العنوان غرائبيا ،   فالقاتم  تعني  المظلم  ، والسواد القاتم هو  السواد الشديد    والوجه القاتم هو الوجه العبوس   قد نقول أحمر قاتم شديد الحمرة   أو أخضر قاتم ومعناها  أخضر غامق ، فهناك مصطلح  شائع   شديد البياض  أو بياض ناصع     ،  لكن  القتمة مع البياض فيها  تنافر     وهذا  له   دلالاته وقصديته   .ربما .أراد  من خلال هذا العنوان  أن يساوي بين السواد  والبياض  ،  الليل والنهار   وكأنه أراد  محاكاة   أمرؤ القيس  في هذا البيت من الشعر  (ألا أيّها اللّيلُ الطّويلُ ألا انْجَلي – بصُبْحٍ وما الإصْباحَ مِنك بأمثَلِ ) ، الومضة .

 

  إن الومضة  لدى الكاتب مشحونة بالكثير  من المشتركات الجمالية  في  التكويني  الإبداعي   واصالة المضمون  ..  القصدية المعلنة و المضمرة  ، بين الفهم المباشر والتأويل للنص   ، وتعتبر الومضة من أصعب الفنون   وتكمن صعوبتها في إن القاص عليه توصيل رسالة في بضع كلمات ، أربعة عشر نصا مكثفا وموجزا ومختزلا سماها ( ترانيم) ص7-9 كانت ذات رؤية عميقة  تتجلى فيها قدراته الإبداعية على  الخلق..

 

ففي( محاولة ) ص7 وحسب حديث للقاص أنه ترك مساحة  واسعة للإيحاء وترك للقارئ مجالات أوسع للتأويل في نص مفتوح من ثلاث كلمات ونصف الكلمة  ( أدار المفتاح بالقفل ؛فانــ  …)

 

أما حين يقصد سوق الكتب ليعود  بزوج حذاء هو قمة الكوميديا السوداء والحزن الكظيم الذي يؤرق الكاتب  .

 

 في نصوص عدة  تتنوع مضامينها  لتبحث عن المفارقة ، الضد فيها ينازع الضد و قد يكون بديلا له ، البحث والضياع ، الموت والجمال  ، النضارة والذبول  ، الوهم والحقيقة ،

 

وتجمع هذه النصوص  بمشترك واحد هو الإحساس الظاهري بالأشياء  دون  معرفة حقيقة ، التناقض بين الجوهر والشكل  الذي دائما ما نصدم به

 

(لفرط جمالها هام بها الموت واقترن بها ، حينها اختل مقياس الجمال   ) تناظرص8

 

استخدامات المجاز

 

 استخدم الكاتب مهدي علي زبين ابتكارات لفظية بعضها مألوف وبعضها  لم تألفه  الذائقة     ،  لكنه اراد    الارتقاء  بالعقل إلى التحليل  الواعي  وتخليص  الجمل من القيود المفروضة عليها وتوظيفها  بإبداع   ، و المجاز العقلي    والاستعارة هما كلمتان مترادفتان لمعنى واحد وقد  يستخدم النقاد كلمة  ابتكار للاستغناء  عن  مصطلح المجاز   ،  فبدءا  من العنوان   حتى آخر صفحة حفلت المجموعة بمختلف  فنون المجاز ( المجازُ العَقليُّ  )   .

 

((وحسب عبد القاهر الجرجاني  إن هذا النوع من المجاز  على حدته  يعتبر كنز من كنوز البلاغة  ومادة الشاعر  المفلق والكاتب البليغ في الإبداع  ))5

 

ابتكارات تحتاج لكثير من الجهد الذهني لتوظيفها بالشكل الصحيح

 

 اقترب  الكاتب  في كتابة المجاز من  استعارات   الكثير من كتاب  القرن السادس  عشر امثال شكسبير  جون ليلي  ، جون دن  1571- 1631  والذي يعتبر مؤسس المدرسة الماورا طبيعية في الحب  البلاغي  و  أدموند  سبنسر

 

ففي نشيد  العرس لسبنسر  تجد شبيها لهذه الاستعارات اللفظية

 

((عيناها الحلوتان تشعان بالبريق

 

جبهتها عاجية البياض

 

خداها كتفاحتين شربتهما الشمس بالحمرة )) 6

 

  إلى آخر القصيدة التي تعج بمثل هذه المجازات  ، لكن نجد  في استعارات  زبين  مادة أعمق وأكثر قبولا  ، في مجازاته الكثيرة استخدم   كلمات  فيها ابتكار لغوي رائع وجديد   مثل  دراجة الكلمات  ، (ساطور لسانها  مرايا الذاكرة ) (سوط الكلمات )  (أطراس الخطى) ،( أفاريز العبارات )  ، (يتطامن زورق الحلم ، يماحك جرف الذهول )، (تملأ غيوم الصيف عينه  )

 

في نص حول عاطفي  كأنموذج  نجد الكاتب يستخدم مجازات واستعارات لفظية مكثفة  ليوصل لنا فكرة  نضجت في مخيلته  ((تسترقين النظر فيعلن اللوز في سمائهما  ، البياض يبتسم ، يغالط غيوم الملامة ، ينطلق شعاع البرق المنزوي في مقلتيك ))ص  25

 

وفي  صفحة 26 من نفس النص ((يتناوس الورد في شفتيك )) (( تقدح لؤلؤتان صافيتان  في محارتين لم يفطن لهما الغواص ) (يمسد بقايا الثلج في رأسه ) إن مثل هذه العبارات   تجد  صداها  عميقا  في  الاحساس والمشاعر   ، ولكنها  لا تمر مرور الكرام  ، لأنها ستترك  المتلقي   مساحة   تأمليه   للبحث عن معانيها وقصديتها

 

المرأة

 

المرأة ليست جنساً معزولاً عن العالم يتحرك وفق   آلية مخصوصة  ، المرأة  كيان يتفاعل  مع المجتمع  ويحمل الكثير من أدوائه كما يحمل  الكثير من إيجابياته   ، في نصوص القاص مهدي علي ازبين للمرأة  دور مساو للرجل ، فهي المرأة  الأم وهي الحبيبة وهي الأخت هي الظالمة والمظلومة  ، الحمل الوديع والذئب المفترس  ، هي الذكية   وهي المخدوعة

 

 هناك  نساء  مختلفات  في سلوكيات متباينة ،   لكن المرأة تبقى القاسم المشترك  الأكبر في كل نص مكتوب   ،

 

 في نص الملهمة  هناك تقاطع بين الجمال والفكر  بهره جمالها لكنه  وجدها  غير  محبة للقراءة  وهو الباحث  عمن يماثله  في الاهتمام  ، وفي انفعال خارج التغطية تجد المرأة القاسية التي  لا تغفر  للحبيب  وفي سياط الشمس  هناك إيحاء للعفو  والغفران عن تلك التي قدت القميص رغم سياط الشمس   التي تلسع ظهره العاري  ، هو يحملها بحنو رغم كل  ما فيها  ،

 

في قد لا وقد  المرأة هي الحلم  الذي يفقد  الإنسان   قواه  العقلية  لكنها في ذات  الوقت هي القوة التي تجعله يتشبث بهذه الحياة  أكثر  ،

 

في انفعال خارج التغطية

 

هي لحظة  صراع بين حبيبين  ، اللحظة الحاسمة التي قد تكون بداية لنهاية ما ،  أما فراق أو عودة  ، نهاية عتاب  وصدود وملامة قد  يتبعها رضا قد يجمع الحبيبين إلى سابق عهدهما   او صدود  واختيار للفراق الذي  ينهي قصة حبهما   ، لحظة  حرجة  ، وقلقة جدا  .. هي تريد ان يقبل اعتذارها  متوسلة مستجدية منه  هذا الحب  حتى ولو استدعاها الأمر ان تكون في أضعف مواقفها   فيما  هو يشيح ببصره عنها رافضا هذا الهوان   .. النص  من النصوص الصعبة التأويل  لكنها تحمل دلالات فكرية كبيرة فهو تناقض  بين نظرتين نظرة المرأة لنفسها  وانزوائها تحت  مفهوم  تبعيتها للرجل  وضعفها وعدم ثقتها بقدراتها  ..والتي راح يتصاعد  من خلالها الحدث دراميا  وهي تقدم تنازلاتها تباعا  ..

 

1. ((ماذا يرضيك لتقبل اعتذاري )) طلب استفهامي تريد منه أن يحدد  شروطه للموافقة

2. ((هل أقبل يدك  ..؟))  تخيره بين الموافقة وعدمها

3. ((أعطني يدك لأقبلها )) تتخذ قرارها الأخير دون أن تعي ما  الذي كان يريده الحبيب  الذي استفزه هذا الضعف وهذا  الهوان  وحسب  تحليلي للنص  إن  هذا هو  سبب ابتعاده  عنها   ليكون القرار نهاية للنص ، النهاية لم تكن مفاجئة كحدث لكن (  الاستعاضة عن التصريح المباشر للرفض ليصدم القارئ بكلمات قد  تكون  مباشرة   ، أذن فلا مناص   من استخدام الجمل  البديلة الموحية   لهذا الرفض  ( أصبح  مقفلا ، أو خارج  نطاق التغطية )

اللون   وتدرجاته

 

إن لكل  لون  مدلولاته  الخاصة  ويعتبر    عنصر اً فعالاً في احداث تأثيرات  سيكولوجية  ومزاجية   على الإنسان    ،.قد  يكون   تأثيرا  سلبيا أو  إيجابيا   ينعكس على سلوكية الفرد      ، وفي الأدب يمكن أن يكون  للون أيضا  مدلولاته القصدية  والرمزية  والإيحائية

 

 القاص   استخدام  تلك  التدرجات اللونية   المختلفة  لتكون عاملا  مساعدا في استكمال  ووضوح  الرؤيا عند المتلقي  في مقاربات  تكتشف العوالم  الداخلية  المكنونات لكل بطل  من ابطاله  قد تكون بديلا عن المونولوج   الداخلي  عبارات ينتقيها  بدقة  بحيث  ان لكل  لون شكل  مزاجي مغاير    .. التشاؤم  ( ضباب الأسى  ، اختزلت كل الألوان بالعتمة    )     ، الخوف  ، الإحباط ، (  لم أبلغ الكآبة السوداء ، ولكن الهم  المتواصل يقضم جرف عافيتي ) ترسيمة بهجت  ص( 71   التفكير السلبي ، العواطف المكبوتة  .. الفرح  ( يتناوس الورد في شفتيك   ) الانتشاء  ( تقودني ثملا  بخمر وجهها  )  التفاؤل .( كوى للنور تزيح ظلام  ، تطل من بلورة التوهج )   ( لكثرة رسمه الليل والعتمة  ..  نفذ اللون الأسود  فالتحف الأبيض  )  إدمان ص8 .  في نص المتدلية نورا  .. يوظف قدراته  البلاغية في  أن يوصل المتلقي  إلى إيحاءات  حسية  تنغمس بالصورة المتخيلة  من خلال   اللون   ((يتسلل الضوء من نافذة القاعة   إلى مسامات بشرتها  ، يعلن حضوره يحتفل في صفحة وجهها  ، ويترك الأخرى تغفو في الظل  ، تصرها  كفوف الحياء وهيا كل وهم الرهبة   ، ينحسر  ،  يهرب الدم   من وجنتيها     ، يشرئب الأقاح المنبث من خدها بوجه  الأصفر ، ينبري الحليب لموجة  الامتقاع  ، تصفو صفحة  وجهها ، تتشرب بسمو ملائكي.. ))  ولو اكملنا النص  لرأينا كرنفال من الألوان  تعوم  في الفضاء اللانهائي.

 

 إشكالية التمظهر

 

هناك إشكالية كبيرة   وهي تكاد تكون أزلية ،  العلاقة  والصلة  بين  الكاتب المرسل  والرسالة  والمرسل إليه ،   طرح الكاتب و  بصورة نقدية  العلاقة بين  النص  المكتوب  والنص المقروء بين  النص ما بعد  الحداثي والنص  الكلاسيكي     إذ اظهر عدم وجود   تكافؤ  بين رغبة القاري   و قدرات الكاتب   فهناك  قارئ  سطحي  وهناك كاتب   مبدع   أو تجد العكس  لذا  فقد  تضيع  الرسالة بين   هذين النقيضين

 

إن هناك  كتاب ممن  يمتلكون  الملكة والقدرة على الإبداع والخلق  ,وإحياء للكلمة   وبعثها من جديد بعد  جمودها  حيث نحصل على   منجز إبداعي  متميز  لكن هذا المنجز    قد  لا يجد المتلقي  الواعي   ، وللأسف تجد مثل هذا الإبداع  كنفائس دفينة مكنوزة  ، تبحث عمن ينقب عنها  ..   في الملهمة  هناك تمثيل  رائع لهذا التناقض  بين الظاهر و الباطن  بين الجمال  الجسدي والقبح  الروحي حيث تستفزنا الكلمات الغارقة برومانسية اللحظة  وهو يصف امرأة  جميلة جدا  ، تفاجئنا  إن هذا الجمال  ليس مثل ما يريد   ،حيث    تصدمه بقرار جاء كالساطور  ( انا لا احب القراءة).. أما في ( نشوة مؤجلة ) تلك الأقصوصة التي ترينا كم هو فرح الكاتب حين يجد من يقرأ له   ..  لكن هي نشوة مؤجله جاءت لتقتل ومضة فرح قفزت إلى قلب السارد  ولكن ما هي إلا لحظة  حتى انطفأت جذوة هذه   الفرحة  (( وأنا اقلب  مطبوعات متداخلة  ، ترقد بتكاسل في صالون حلاقة  ، عانق اسمك عيني ولما هممت به ندهني الحلاق ( جاء دورك )  ونسيت الموضوع   .. ))

 

سريالية  النصوص

 

(ترى السريالية أن الكتابة الإبداعية كلها يجب أن تنطلق من الكتابة الآلية ، أي الكتابة المنطلقة من آلية نفسية بحتة تتلقى أول ما يخطر في الذهن من كلمات و تعابير لتعرضها في تواردها النفسي بكل ما في ذلك من غرائبية و دهشة و تناقض ، و على هذا لا يجوز للمبدع أن يتدخل في عملية الإبداع بوعيه التام ، بل أن يتعلم كيف يجعل نفسه بمثابة الصدى )6

 

صور تكاد ان تكون مرئية  ، صور قاتمة وضبابية ينفذ ، إليها الضوء بغتة فتظهر ملامحها جلية أمام القارئ المبصر  الذي يجيد عملية التحليل والتكوين  والتركيب للمفردات والذائقة الفنية المدركة والإحساس   والتي بمجموعها  تنسج لنا احداثاً  تبدو  لأول وهلة أنها  غير مترابطة , لكن الكل بمجمله يفسر لبنات البناء   الصغيرة .قد نراها  أحلام يقظة ، لوحات سريالية منطوقة ..

 

 فإن لم يكن هناك سحر  بيان و  فصاحة وبلاغة   وشاعرية  واسلوب رصين للكاتب    تقف اللغة عاجزة   من  أن تصل إلى ذائقة المتلقي  لأنها لن   تسبر  الأعماق القصية  وتجليات اللاشعور   والعقل الباطن وتظهرها بصورة  سريالية   وهي ليست اعتباطية   بل  هي  نتاج قواعد  إملائية للفكر الكثير من الأدباء  ممن  يزين لهم استخدام هذا الاسلوب  السردي  تجدهم  يلجون النص  من خلال  استخدام مرايا الحداثة الخادعة  ، شأنهم شأن الدادائين  .. الذين  لا ينظرون  إلى  المضمون  كوحدة اساس للعمل  الكاتب  مهدي علي زبين   يجمع الاثنين معا القيم الإبداعية للمضمون و الأسلوب المتمكن  في القفز على الواقع   وفق منظور جمالي  وإبداعي ،

 

في انقلاب ص19

 

صورة   تظهر  لاعدالة المنظور  ، هيكلية الأشياء تبدو معكوسة  ، كل شيء في حالة مقلوبه  ، البياض يهزم السواد  ، أي  إن الشيخوخة تنتصر على عنفوان الشباب ..(( فهذا الشيخ الذ يتعكز على بقايا تواصله  يحمل أبنه  الذي   زايلته العافية .. ))

 

سؤال  يسأله الكاتب  حاضر في أذهان  الكثير  ممن يفلسفون   هذا الانقلاب ، المخالف للطبيعة  الذي صور في النص  أراد  إجابة  لهذا السؤال المخالف للانتخاب الطبيعي  هناك  تشبث بأردان الحياة لرجل  كبير السن  ، وهناك استسلام  للموت لشاب في مقتبل العمر  ، تناقض  غريب في المنطق والرؤيا في بانتومايم   استطاع الكاتب ببراعته وما يمتلكه من قدرة على الخلق أن يصور لنا نصا وكأننا أمام عملا مسرحيا يعتمد  على الإيماء ، يتقمص فيه المتلقي دوره  كمشاهد  ينظر  من خلال الكلمة  إلى الحركة الإيمائية ( بطريقة سلو ميشن  ) للبطل والبطلة وهما يتقاطعان في طريق لا يلتقيان بعده ..

 

سياط  الشمس  في هذا النص يستخدم الرمز الديني  في قصة نبي الله يوسف  ((واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر ))  ليوظفها  بشكل يجعل من هذا القد الذي طال قميصه وكأنه صراع رغبات ازلي بين المرأة والرجل   تهم به ويهم بها  ،  هذا الشق الذي احدثته  في قميصه  كان لا بد  له من رأب لأن البطل سيكون أمام أنظار الناس القاسية والذين  لا يعطوه  العذر هنا الحل الأكثر غرابة  هو الحاضر  أن يحملها  على ظهره لتخفي ذلك الفتق

 

ملاحظة

 

 ( هنا ) استخدم  الكاتب كلمة رتق بدلا من فتق  أو شق   أما للدلالة على أن الفتق  قد رتق  من خلال الإشارة إلى ان الفتاة زمت شفتي القميص بكفها  أو أن الكاتب اختلطت عليه المفردة  فتصور أن الرتق  ليس بمعنى الرفو  وإنما هو الفتق  .. وهذا ما لا أتوقعه كون الكاتب ضليعا باللغة العربية ولا تفوته  مثل هذه الجزئيات  ، تبقى أمامنا نهاية مفتوحة وقابلة للتأويل ونحن نتابع النص  وكأننا أمام لوحة سريالية  (ينزلها ، تنساب متراخية ، يلفها الخدر ، تفتح عينيها ،  لنجد الطريق قد أختصر لكن بوقت متأخر) ص.16

 

في نص تكوين براعة في البناء  اللغوي والتشكيل اللفظي  قد تأخذ القارئ  إلى مواضيع شتى وهو يفسرها بجزئياتها  ،  محاولا بها استكشاف طلاسم لغوية  ومفردات لها قصدية غير معلنة   ،   لكن من خلال التشكيل البنيوي للنص   وتجميع  الجزيئات الصغيرة والتي تشيّد    بشكل تصاعدي تتكون لنا الصورة  واضحة المعالم  .صورة ملتقطة بعناية من زاوية حرجة  ، لقطة مميزة  ضغط  فيها الكاتب على غالق كاميرته ليصور  لنا   مجلس عزاء .. لحظة أن تمتد موائد الطعام  وتشرأب الأعناق منتظرة  وقت  الانطلاق   إلى تلك الموائد (( تفضلوا ))  دقائق تمر لتسفر بعدها  هذه  اللوحة المتــــــناسقة من الأطعمة  إلى بقايا شوهاء .

 

الخلاصة

 

 إن كاتب  مثل مهدي  علي ازبين   يجب أن  يخصص لمنجزه الإبداعي  أكثر من  قراءة  وكتابة نقدية   وأرى   حقيقة  أنه احد  من الكتاب الذين  سيقودون  حركة تجديدية  في الأسلوب  السردي والمضمون   في مجمل  المنجز الإبداعي العراقي الحديث   سيترك أثره  على المدى البعيد

 

لأنه  أخرج  النص من النمطية السائدة  ، واعطاه  مساحات كبيرة للتأويل  ..وأغناه  بالجمل المبتكرة  ..

 

في نصوص    تخاطر   .. (والتي قرأتها اكثر من خمسة عشر مرة   ، أجدني   في كل قراءة لي  هناك جديد  ) و  (قد لا وقد )و  ( ترسيمة بهجت  )  والتي تعتبر  من ا روع النصوص   التي كتبت  وهي تختلف عن بقية النصوص  كونها  تتكون من اكثر من حدث  ، لا تعتمد على الآنية  فهناك فلاش باك   ولحظات  الحاضر   ورؤيا مستقبلية    وهناك   اكثر من بطل وبطلة

 

إن كل نص من هذه النصوص يحتاج قراءة نقدية مستقله ..

 

1- الفيلسوف لفرنسي غاستون  بالاشار  1884 _   1962 ا  فيلسوف  وشاعر وكاتب

 

2-   كتاب كلمات على ضفاف الواقعية  / دار الشؤون الثقافية 1986 ص7

 

 -3كتاب المتخيل والعقلانية  دراسة فلسفة غاستون باشلار _ د سعيد  بو خليط  ص80

 

 -4أندريه مارتينيه”   واحد  من اعلام الفونولوجيا ( علم النظم الصوتية )ولد  سنة 1908 بفرنسا ،واختص باللغة الأنجليزية ثم اللسانيات العامة، ودرس في الولايات المتحدة الأمريكية بجامعة “كولومبيا” أين تأثر باللساني “بلومفيلد” مؤسس المدرسة التوزيعية .

 

– 5  الموسوعة النقدية عبد الواحد لؤلؤة   / المجاز العقلي

 

6-  نفس المصدر  في المجاز  العقلي

 

7-  تعريف للسريالية في الأدب.

عن admin

شاهد أيضاً

“ابن الذبيحين” : صلى الله عليه وسلم/ محمود المختار الشنقيطي المدني

     من العبارات التي مرت عليّ،فأعجبتني .. قول أحدهم أن السلف كانوا لا يرون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *