منتديات فرسان الثقافة - Powered by vBulletin

banner
النتائج 1 إلى 6 من 6
  1. #1

    جمالية الشتيمة في شعر أبي الطيب , للحامدي

    هذه الدراسة بقلم الأديب : محمد الحامدي

    ــــــــ



    قراءة نقدثة نشرتها ذات يوم بجريدة " الطليعة " الكويتية ، أعيد نشرها هنا كما هي وبجزئيها الأول والثاني



    جمالية الشتيمة أو شعرية الهجاء ؟
    محاولة في قراءة بيت "لأبي الطيب" في الهجاء 1
    اعداد: محمد الحامدي



    أعتذر لدى القارئ الكريم- وأرجو أن يكون العذر أقل قبحاً من الذنب- فأنا سأحاول أن أشرح أو أقرأ بيتاً في الهجاء- في "السب والشتم"- ربما ولكن ألم يعلن "برناردتشو" أن أجمل صورة للمرأة هي أن تكون ميتة، جثة عفنة ينخرها الدود؟•• ثم ألم يحوّل "غاندي" آلام "الروماتيزم" إلى أداة تسلية ولهو؟••• أقصد، ألا نجد في البشاعة والقبح جمالية؟• كما ألا نجد في الألم لذة؟•• ثم بم نفسر إقبالنا على الروايات المبكية؟• ثم ألا نقول بعد أن نتمّم قراءة هذا الصنف من الروايات الحزينة، إنها رائعة؟
    سأحاول إذن أن أقف على مواطن الابداع في رسم صورة "جميلة" لانها بشعة• مفارقة عجيبة ولا شك، ولكن تلك هي ارادة الشعر/ الفن، وذلك هو شرف القراءة/ المغامرة•
    ثم ألا يمكن أن نجزم بأن أجمل الصور هي أعنفها بشاعة؟•• أوليس ابداع البشاعة ضرباً من الثورة على المألوف وانعتاقاً من المتفق المجمع عليه، وتحطيماً لما نزعم أنه تناسق يأسرنا في عاداتنا وتجليات وجودنا؟• إن هذه الأسئلة والجواب عليها جميعاً هو أحد أهداف هذه المحاولة•
    البيت، موضوع القراءة، هو لأبي الطيب••• فهل أجدني مضطراً إلى التعريف بأحمد؟ لعل "المتنبي"•• أشهر من علم على رأسه نار على حدّ عبارة الخنساء• ولكن مع ذلك سأتجرأ فأعرّف بالرجل لا كما ورد عند "ابن خلكان" أو في "شذرات الذهب" أو بين أعطاف "يتيمة الدهر"• ولا كما سعى إلى ذلك "إبراهيم الصّولي" أو "الجرجاني" في وساطتيهما، ولا "الآمدي" في موازنته• بل وليس حتى كما فعل "أبوالعلاء" ولأبي العلاء بالرجل اعجاب• سأترجم لابي الطيب أحمد بن الحسين الجعفي المعروف بالمتنبي كما عرفته شخصياً: تلميذاً فطالباً فـ••• كما عاشرته قسراً واختياراً• وفرق بين أن تختار من تعرف وأن تجبر على التعرف والمعرفة•••
    فأبوالطيب كما يبدو من الديوان شاعر، وما أكثر اعوجاجنا في فهم الشاعر والشعر• ولد فاختلف في تاريخ ولادته لأنه انحدر من عائلة نكرة• وقتل فأرخ المؤرخون والمترجمون وأصحاب السير لوفاته/ مقتله يوماً وشهراً وسنة• بل وساعة• وهو في ذلك حلقة في سلسلة نكرات أمست بالشعر وبالشعر فحسب معرفة، وأي معرفة؟•، عنترة العبسي العبد• وأبوالطيّب المنحدر من نسب متواضع• وأبوالعلاء الضرير الناعق• وبيت الثلاثة توافق بين على أنه عجيب• وهم جميعاً في التحدي سواء• تحدى العبودية، والسيادة شرط لتحقيق فحولة الشاعر، وانظر في ذلك شروط الأصمعي• وتحدى الأصل المتواضع وللأصمعي في ذلك كذلك رأي• وتحدي العماء، فرغم أن "بشارا" قد تجاوز العماء فأبدع في عون الاذن على الوصف، وصف المرأة وعشقها• فإن أبا العلاء قد تحرر من البصر/ العماء واستعاض عنه ببصيرة حيرت القدامى ولاتزال تحيرنا•
    وأبوالطيب شاعر عاش في عصر لم يستوعبه، ولك أن تعيد الضمير على ما شئت، العصر أو المتنبي• فكلاهما لم يستوعب الآخر• فالمتنبي فاض على عصره بأن غمره ثورة ورفضاً• والعصر ضاق بأبي الطيب ذرعاً• وأبوالطيب موغل في البداوة على صهوة جواد هو في نظر حمّى الأدب/ الفن جوادان: فرس وصفه أمير شعراء العرب "أمرئ القيس" فنحته من بدوي اللفظ وقويه نحتا، صخرا• وجواد ركبه أبوالطيب فملأ الدنيا وشغل الناس والعبارة "لابن رشيق" صاحب "العمدة"• فأما الأول فتمثال صار مثالاً واما الثاني فشعر و"الشعر تهذى طماطمه" وتزيد معانيه• أبوالطيب في هذا الباب بداوة بيداء، بداوة في السيرة بادية "السماوة" إذ معها هجر الشعر البلاط وحام مرفرفاً في ساحات الحرب والوغى• فقد نما أبوالطيب بالبادية وحذق اللغة حتى لان عودها معه واليه ركعت طائعة طيعة، وركض عبر تخوم "حلب" يصاحب سيف الدولة في غزواته ووقائعه• فنحت شعره من حرّ صحاريها فجاء فوّاراً حارقاً• وهام على صهوة جواده بعد هجرة "كافور" فجاء شعره متأسياً لا يخلو من تشاؤم، زاده لوعة وحكمة موت أهله الواحد تلو الآخر• وانظر في هذا التبويب وقائع ذات مهرجان عقد له ببغداد•
    وأبوالطيب مدّاح في المقام الأول، ذلك أن المئة والستين قصيدة في المدح- وجلها قيلت في سيف الدولة- يمكن أن تعد لوحدها ديواناً مفرداً فريداً• هكذا عدها "طه حسين" على الأقل• وهو فيما عدا ذلك يكاد يكون مقلاً شحيحاً، وذاك هو شأن الهجاء معه• إذ لا يتجاوز عدد القصائد في الغرض بالديوان الست عشرة قصيدة• ولذلك في رأينا أسباب عديدة لعل أهمها أن جد أبي الطيب في طلب العلى جعله يترفع عن هياط الهجاء ومياطه، إلا ما كان ثورة على العصر من خلال نماذج لاختلال التوازن وانقلاب سلم القيم وانهيار قيم ميزت العرب طويلاً•••
    فغرض الهجاء عند أبي الطيب- ومن هذا الغرض نختار نصنا- حمل محملاً خاصاً، وأراد به صاحبه اتجاهاً مخصوصاً• فلئن كانت نشأة هذا الغرض فيما يذكره "بروكلمان" مثلاً، مرتبطة بهجاء القبائل الأعداء، أي أنه غرض سلاح، أو أداة نزال لا تقل قيمته عن السيف والرمح، فإن ما آل إليه هذا الغرض في عصر التدوين وبعيده خاصة، قد استحالت معه معاني الهجاء إلى ضرب من اللهو والعبث والاقذاع• وانظر في ذلك خصوصاً شعراء النقائض (الفرزدق وجرير والأخطل)• لذلك أمسى الهدف من الهجاء خلق صورة أساسها الاضحاك وامتاع الخليفة أو الأمير حتى يستلقي على ظهره أو يمرغ لحيته في الخمر ضاحكاً• عندها يسهل العطاء وتنساب الخلع بين يديه انسياباً• أولم يقل الحطيئة في نفسه:
    "ابتشفتاى اليوم الا تكلما بهجو
    فمــــــا أدري لمـــــن أنــــا قــائـلــــــه
    أرى لـي وجهــــا شــــوه اللـــه خلقـــه
    فقبح من وجه وقبح حامله
    ثم ألم يكن شرط الابداع عند العرب، الامتاع• وهل من عبارة عن المتعة بالشعر في البلاط سوى العطاء والخلع نوقا وخيلا ودراهما• ألم يحتر مستهلك الشعر قديماً في تفسير الابداع إلى حد وضع شيطان شعر لكل شاعر؟ وقد كان "لابن شهيد" مع هذا الشيطان حكايات وأودية ووهاد•
    وصل بنا الأمر إذن إلى الاقرار بأن في الهجاء جمالية كثيراً ما استوجبت استحساناً فاحساناً• وانتهى بنا الدرس إلى اظهار هذا التطور من وظيفة "نزال" إلى وظيفة تكسب• فما شأن الهجاء مع أبي الطيب وما هي وظائفه؟
    لقد مدح أبوالطيب أميراً حلبياً فذاع صيته في عصره وخلد اسمه عبر العصور• ولكنه هجا "كافورا" فحدث ما حدث مع سيف الدولة• أو لم تكن حاجة البلاط إلى شاعر كحاجة الشاعر إلى البلاط؟ ألا يمكن أن نشبه البلاط في حمايته للشعر ونشره بدور النشر عندنا اليوم؟ والشاعر في اعانة الأمير على الخلود بوسائل الإعلام عندنا اليوم؟ وتلك للشعر وظيفة نعتقد أنها كانت أساسية•
    هجا "أبوالطيب" من "أهيل" عصره الكثير• ولعل "كافورا" كان في الدرك الأول• ولنفهم جيداً وظائف هذا الهجاء علينا أن نعود إلى السياقات التي ورد فيها، فمن شكوى إلى عتاب إلى رفض إلى ثورة ونقمة••• ويهمنا خصوصاً من هذه السياقات، السياق الذي ورد فيه هذا البيت الذي نهم بشرحه•
    قد ورد هذا البيت:
    "واذا أشار محدثا فكأنه
    قرد يقهقه أو عجوز تلطم"
    في سياق ميمية هجا فيها اسحاق بن إبراهيم ومدح "أبا العشائر" ولذلك دلالات عديدة في نظرنا:
    1- الجمع بين المدح والهجاء في قصيدة واحدة• وذلك مما يكاد ينفرد به أبوالطيب أو هو على الأقل مولع به كولعه بالتصغير•
    2- المهجو في القصيدة اعجمي• والممدوح عربي ولذلك في البيت تأثير من حيث دلالته على مواقف أبي الطيب•
    3- سياق القصيدة يقوم على رفض المدح وتعويضه بالهجاء• بل إن قسم المدح موظف توظيفاً في خدمة الهجاء مما يجبرنا على القول بأن القصيدة في الهجاء لا في المدح•
    وعلى هذا الأساس تكون قراءتنا لهذا البيت سعياً لتحقيق الأهداف التالية:
    1- دراسة البيت من الناحية الفنية: ونقصد من ذلك الوقوف على الجمالية في الهجاء/ الشتيمة• ودور ذلك في نحت صورة المهجو•
    2- دراسة وظيفة الهجاء في هذا البيت والبحث عما يخصصه ويميزه•
    3- تكوين فكرة ولو أولية عن الهجاء عند أبي الطيب، خصائص ودلالات•
    أما أدوات القراءة فهي تلك التي كثيراً ما نصحنا به ونصحنا الملاحظة أولاً وتحليل ذات الملاحظة ثانياً واستنتاج ما يمكن استنتاجه ثالثاً، ثم النقد، وعماد النقد عندنا المقارنة• ولا يخفى ما تسعى إليه هذه الأدوات من خطة في تفكيك النص أولاً وفي إعادة تركيبه ثانياً، أو لنقل بعبارة النقاد المعاصرين الوصف والتوظيف/ التأويل•
    أول ما يصادفنا في الانجاز الأدبي- الخطاب الشعري- هو اللغة• ومادة اللغة الأولى هي الأصوات• فتوليف الأصوات- إن كان مقصوداً- يفيد افادة هائلة في ابانة المعنى وتبيين معنى المعنى، وإحداث ايقاع مخصوص يمنح الشعر كثيراً من غنائيته• ولكن ذلك ليس ثابتاً في جميع ما ينتج الشاعر ويقول• فلا يعني اهتمامنا بالصوت انطاق الحروف/ الأصوات بما لا تطيق وعلينا- مهما كان هذا الانتباه إلى الأصوات مغرياً طريفاً- الا نكلف الأصوات إلا وسعها• لذلك فإذا نظرنا في هذا البيت الذي نزعم شرحه من هذه الناحية فإننا لا نرى فيه توليفاً مخصوصاً للأصوات• ولكن شعر أبي الطيب زاخر بذلك والامثلة عليه عديدة•
    ثم ان الصوت يبدو في اللغة من ناحية الحرف• والحرف في العربية حرفان: حرف هو صوت، وحرف هو مفهوم نحوي• فإذا عدنا إلى مسائل تقسيم الكلام في "شرح المفصل" لـ "ابن يعيش" ألفينا الكلام عنده اسم وفعل وحرف• وإذا نظرنا في البيت وجدنا الحرف النحوي موجوداً وله وظائف مهمة• واهم ما يساهم في نسيج البيت من الحروف الحرف الذي نسميه حرف العطف• وقد ورد في البيت في صور ثلاث: الواو- والفاء- و"أو"•
    أما الواو فقد ورد في رأس البيت• فبدا الكلام استئنافياً معطوفاً على كلام سابق أو هو زيادة عليه واضافة له• فما سيلحق الواو- ببيتنا هذا- هو ضرب من التعداد، تعداد هيئات المهجو وصفاته• وهكذا يبدو الهجاء من هذه الناحية تركيباً لصور، ولا لكلام، صورة بعد صورة• ولكنها صورة تحطم الهيئة "العادية" للمهجو وتركب كيانه تركيباً جديداً، ألا يمكن أن نعد كل بيت من هذه القصيدة أو هذا القسم من القصيدة ضربة من ضربات التحطيم، وان واو العطف الموجودة في مستهل كل بيت ايقاعاً لهذا التحطيم• ثم ان البيت الذي نشرح هو إحدى هذه الضربات التي تهوي على هيكل المهجو فتحطمه تحطيماً، ثم تعيد تركيبه على الهيئة التي يحلو للشاعر الهاجي أن يرى مهجوه عليها• فلئن كان البيت السابق لهذا البيت هو تحطيم الخلقة واذا كان البيت اللاحق هو تحطيم الطباع، فإن هذا البيت إنما هو تحطيم السلوك أو الخصال وسيظهر ذلك جلياً فيما يلحق من الشرح•
    أما الفاء فهي تربط ما سبقها بما يلحقها ربط السبب بالنتيجة، أو ربط الظرف بجوابه، أو ربط اللازم بملزومه: فما من مرة يتحدث فيها هذا الغبي إلا ويبدو كالقرد أو كالعجوز• ومن ثمة أليس التلازم في الجملة دليلاً على التعميم او الاطلاق• فعادة ما نستعين بهذه الفاء في بناء القواعد والقوانين والحكم، ويبدو ذلك أكثر مردودية حين تربط هذه الفاء بين شطري الجملة التلازمية أو الظرفية أو الشرطية• ثم انني أجد في هذه الفاء مجالاً فسيحاً للتنفس أو التنفيس خصوصاً في هذا التركيب بالذات• وهكذا يقرأ هذا البيت بعجالة والحاح في قسمه الأول ثم بتأن وتنسيق في قسمه الثاني• والفاصل بين النسقين في القراءة هو هذه الفاء• وانظر فضل هذه الفاء في الفصل بين نسقي القراءة• وبهذه الفاء التي تبيح لنا تلك القراءة التي نسميها قراءة تعبيرية نتمكن من العودة إلى تذكر أن أصل الشعر الانشاد أو ليس أساس اللغة المشافهة كما ان أساس اللغة المشافهة كما ان أساس الشعر الانشاد/ الغناء• هذا ما يلح عليه على الأقل اللسانيون المعاصرون• اللغة مشافهة أولاً وأخيراً•


    ( يتبع )

  2. #2
    [
    ثم يبدو استعمال حرف العطف "أو" متميزاً إلى حد بعيد• فقد علمنا في معاني الحروف• وأذكر في هذا السياق بما ورد خصوصاً في "الخصائص" لابن "جني" ان من معاني "أو" التعداد أو التخيير، فأما اذا استقر الرأي على معنى التعداد، فأي تعداد نقصد؟ أهو تعداد الشتائم وما أقدر لغتنا وثقافتنا وشعبنا على تعداد الشتائم• إلا نقول فيما نقول "كال له الشتائم كيلا"، كما الا نقول فيما نقول عن الشتيمة "صفعه بها صفعاً"؟ وانظر بدع المجاز في هذا المجال• واعتقد جازماً ان من خصوصيات جمالية الشتيمة أن تتعدد وتتكاثر حتى تكاد تغمر المهجو فلا تبقي منه ولا تذر• وتلك من عادات أبي الطيب في الهجاء، صفعات متتالية يخر لها المهجو ويشيب لها رأس الوليد، والعبارة للقدامى• فإسمع إليه يقول في ثورته العارمة على كافور الاخشيدي:
    "أمينا وإخلافا وعذراً وخسّة
    وجبنا، اشخصا لحت لي أم مخازيا؟
    ولا يخفى أن الواو و"أو" يتقاربان في معنى التعداد في هذا السياق•
    أما إذا اخترنا معنى التخيير استناداً إلى "أوّنا" هذه، فأي تخيير ان يختار المهجو بين ان يكون قرداً يقهقه او عجوزاً تلطم؟ انها في نظري إحدى أوجه العبث المقيتة• وذلك هو وقع التخيير بين صفتين أو وضعين أو شبيهين كلاهما محطم مضحك لبشاعته• وفرق أن ينحت الناحت صورة للممدوح فيبنيه صرحاً من المجد والسؤدد وبين ان يركبه صورة من البشاعة والاضحاك، رغم أن التقنية في ذلك واحدة الانطلاق من شذرات تتوفر في المهجو وتضخيمها وتركيبها على هيئة مريعة في البشاعة•
    وبما اننا بصدد الاشارة إلى الايقاع والصوت والحروف، فلا بد أن نعرج على العروض وشؤونه• ومع ذلك فلا بد من التأكيد على أن هذه الاقتراحات الحديثة التي تحاول أن تناسب بين البحر وايقاعه من جهة وبين المحتوى الانفعالي للقصيدة من جهة ثانية، لا تخلو من قابلية للجدل والنقاش• فمن السهل في نظرنا أن نتحدث عن التناسب بين ايقاع بحر الكامل المتسارع وهو بحر هذا البيت• وبين حماس الهجاء والنفس الانفعالي الذي يسوده• ولكن ما قولنا لو استعمل شاعر من الشعراء هذا البحر في قصيدة أخرى موضوعها هادئ كل الهدوء؟ على كل حال نحن لا ننكر ما قد يكون بين دقات القلب وحالات الانفعال وبين مقاطع التفعيلة طولاً وقصراً• ولكن ما نريد أن نثبته هو أن تعميم ذلك واعتباره قاعدة ثابتة في كل ما ينتج الشعراء وينظمون يبدو محمولاً على كثير من المبالغة• فالمحمول النفسي الانفعالي في الخطاب الشعري ثابت لا محالة في قصائد معينة ولكن أن نبرهن على ذلك من خلال البحر برهنة ثابتة فنلحق بالكامل انفعالاً وتسارعا وبالطويل هدوءاً وسكوناً هذا ما قد يكون اسقاطاً وتجنياً على القصيدة والشعر رغم ما في ذلك من طرافة وجدة•
    ومع كل ذلك فالملاحظة العروضية التي نخص بها هذا البيت هو هذا الزحاف الذي نجده في التفعيلتين قبل الأخيرة والتي قبلها من البيت المعني بالدرس• (مُتْفَاعلن عوض مُتَفَاعلن)• فهذه العلة في التفعيلة تناسب تماماً لفظتي "القرد" و"العجوز" في البيت• هل قصد أبوالطيب ذلك؟ أي هل تعمد أن يكون هذان اللفظان موطن العلة في التفعيلات؟ لا نستطيع اثبات ذلك أو نفيه ولكن الملاحظة جديرة بالتسجيل ولذلك فوائد في التأويل والدلالة لا تخفى على الملاحظ الفطن•

  3. #3
    جمالية الشتيمة أو شعرية الهجاء
    محاولة في قراءة بيت(لأبي الطيب) في الهجاء 2 – 2
    إعداد: محمد الحامدي(*)

    خص الأستاذ محمد الحامدي “الطليعة” بدراسته الأدبية القيمة التي نشرنا جزءها الأول في عددنا الفائت، والتي تناول فيها بيت هجاء لأبي الطيب المتنبي هو:
    وإذا أشار محدّثا فكأنه
    قرد يقهقه أو عجوز تلطم
    تطرق الحامدي الى سيرة الشاعر وعصره، وأورد بعض الملاحظات حول أجواء القصيدة التي أستل منها البيت موضوع الدراسة من حيث تصنيفها في غرض الهجاء رغم ورود معاني المدح “لأبي العشائر”، كما ركز الحامدي على الحروف الواردة في البيت (الواو - الفاء - والـ “أو”) ودلالاتها في النحو والمعنى•
    وأورد في آخر الجزء الأول ملاحظة عروضية تركزت حول الزحاف في التفعيلتين قبل الأخيرة والتي قبلها في البيت (متْفاعلن عوض عن متَفاعلن) وهنا نستكمل الجزء الثاني والأخير:
    إذا كان هذا هو شأن الحروف والأصوات والبحر والتفعيلات ودلالتها جميعاً، فما شأن بقية الكلام؟• ذلك الكلام الذي إذا ما تفضلنا بالنظر فيه في شروحنا العادية الرتيبة نسميه المعجم أو السجلات أو الحقول الدلالية أو الدلالات الحافة••• ولا تهم التسميات في نظري -إذ هي موضة كجميع الموضات لا تخلو من تجارة وسخافة- بقدر ما يهمنا مادة البيت• نقصد المواد التي صيغ منها هذا البيت، ذلك أن للمادة اللغوية والخيار المعجمي ولا شك تأثيراً في مقول القول، مقول القول الشعري طبعاً• ذلك المقول الذي لا ينطق به الخطاب الشعري وإنما يفهم تأويلاً ويصاغ قراءة•
    في دراستنا لهذا المعجم واختيارات الشاعر اللفظية المحضة، يبدو لنا معجمان متباعدان مطلقاً قرب بينهما ضرب من التركيب فخلق هذا التوليف بين حقول متباعدة هالة مجازية تبيح للكلام مردودية ايحائية لا تكاد تدخل اشعاعاتها تحت حصر•
    ( يتبع )

  4. #4
    أما المعجمان فأولهما ما أقام أود صدر البيت فبدا جاداً عادياً: أداة هي في عرف النحاة ظرف• وفعل عادي إلى أبعد الحدود• ونقصد بالعادي تلك الدرجة الصفر للكتابة كما حددها Rouland Barthes مثلاً• وعلى هذا الأساس فإن ارتقاء الكلام إلى ما فوق درجة الصفر لا يبدو من خلال اللفظ في حد ذاته وإنما يبدو من خلال مجاورته في السياق لألفاظ أخرى قلما نجدها متجاورة• وسيبدو ذلك واضحاً من خلال ما سيلحق من التحليل• كما يجب ألا ننسى الاشتقاق وما له من وظيفة مهمة جداً في نحت شخصية المهجو داخل المحيط الثقافي العربي•
    فكما يشتق النعت من الاسم أو الفعل تشتق صورة المهجو من صورة العجوز والقرد•
    أما العجز فقوامه معجم خاص متميز، معه نبدأ في رصد جمالية البشاعة• روع القبح بما هو مثير للضحك• فلفظة “قرد” مجردة عن كل سياق تجعل المتقبل يستدعي بخياله صورة ذهنية مضحكة، صورة لغوية ذهنية والمفهوم لساني طبعاً، تصاحبها كل مظاهر التحلل من تخثر حياتنا المادية وترسباتها ومن كل القوانين التي تشدنا شداً إلى آدميتنا واجتماعيتنا، وربما إلى جانب القرد فينا• أو لم تحجز القردة في مواضع الرفاهة من المدن أداة فرجة ومتعة وضحك؟! بل إن التوليف الصوتمي وحده بين القاف والراء والدال أصبح يقترن عندنا بما هو مثار للمتعة والضحك• فما بالك لو وقع هذا التوليف لتعيين مسمى هو إنسان• فهذا الرجل يمسي قردي الحديث والملامح• ثم تلي ذلك مباشرة لفظة “عجوز” نعم! إذا أردنا أن نخاطب جانب العقل فينا ونحن نتحدث عن “عجوز” فسنقول “إننا إلى ذلك سائرون أو على الأقل الإناث منا• ومتى كان الشعر يخاطب العقل فينا؟ أليس منبع الشعر الوجدان كما ان هدفه التأثير، أي الوجدان؟ ان عبارة عجوز مهما كنا عقلاء تثير عندنا جانباً من الضحك• ولو أنه ضحك مصاحب بنوع من الشفقة• ثم الا يقهر الرجل في ثقافتنا أن يكون محل شفقة؟! أما إذا كان هذا الرجل أميراً فضاعف ذلك الشعور مضاعفة• ثم لِمَ تبدو صورة العجوز مضحكة؟ نحن نعرف أن الشيخوخة درجة من الوقار• ولكن ذلك عند الرجال وفي سياقات ثقافية سوسيولوجية محددة• أما عند النساء فالأمر يختلف• لنكن أكثر وضوحاً: ألم تعد المرأة في هذه الحضارة ثروة جسدية؟ فما بالك إذا بلي هذا الجسد وذهبت نظارته؟
    ( يتبع )

    [/

  5. #5
    إن الشاعر يعول تماماً على المعطيات النفسية الجمعية ليحرك في المتقبل جانب الضحك “التأثر”• ودليلنا في ذلك ان كل شعر مهما كان عالمياً لا يفهم إلا في السياق الثقافي النفسي الذي صيغ فيه ومن خلاله•
    نخلص إذن إلى أن المعجم أو الخيار المعجمي مقصود لتحقيق صورة صنعها العبث بصورة المهجو ومفادها السخرية من شخصه ولنا إلى مفهوم السخرية عود•
    ثم ان هذا المعجم بما فيه من نزول بالمهجو إلى درك الحيوانية والعجائز، لا تستقيم دلالته ولا تبدو ثرية إلا إذا انتظمت في سياق محدود بحدودها وهالات من الدلالات رحيبة برحابتها• فما السياق؟ ان السياق- بفهم يحدده مجال البحث والكلام هذا الذي نحن بصدده هو ذلك السياق الشعري الذي حدده Rouland Barthes في مقاله الشهير: Le dégré Zéro de Lصécriture (الدرجة صفر من الكتابة) فالسياق عنده يحققه امران: التركيب بما هو اختيار أفقي وأهم تجلياته النحو خصوصاً• والتركيب بما هو اختيار عمودي وأهم تجلياته المعجم خصوصاً• كما يحققه المجاز والتخييل والبلاغة والرمز والأسلوب أو لنقل كل ما يجعل النص الشعري نصاً شعرياً•
    لنبدأ أولاً بالاختيار التركيبي: وأول ما يعترض قراءتنا في هذا المجال، الحال، نقصد عبارة “محدثاً”• ويهمنا هذا المشتق في أمرين:
    أولاً: المشتق في حد ذاته من حيث وصفه للحديث• ألا تعد الفصاحة شرطاً من شروط الانتماء إلى الرجل/ المفهوم داخل ثقافتنا• وهذا الرجل المهجو في البيت إذا حدث قهقه كالقرد ولطم كالعجوز• انه ولا شك تحطيم صورة الرجل واخراجه من دائرة الرجل الفصيح الخطيب عند العرب ولا ننسى أن “اسحاق ابن ابراهيم” المهجو في البيت اعجمي الأصل•
    ثانياً: ما نعلمه من شأن الاشارة، ذلك انها تصاحب الحديث، اي انها ثانوية بالنسبة إلى عملية الابلاغ، فانظر كيف جعلها “أبوالطيب” هي الاساس للتركيب الاسنادي الفعلي، وجعل الحديث متمماً• فكأن الرجل اذا رام الابلاغ والاعراب عن القصد أشار أكثر مما تكلم واضطرب وخفق أكثر مما نطق وأعرب وتلك صفات العيّي الحصر• ألا يمكن أن يكون العرب قد سموا عرباً لقدرتهم على الاعراب؟• وهذا الرجل عاجز عن ذلك تماماً• فانظر كيف يستثمر “أبوالطيب” العربي الاعرابي أصل هذا الرجل في هجائه•
    أما الناحية الثانية في مستوى التركيب فهي تلك الظاهرة من شأن الهجاء بضمير الغائب• ونطرح مسألة الهجاء بضمير الغائب لسببين: أولاً شأن هذا الضمير في تحقير المهجو باحالته إلى النكرات• ثم لأن ابا الطيب سيلتفت في القصيدة نفسها إلى المهجو فيهجوه بضمير المخاطب• وذلك تدعيم لما سنقول في هذا القسم رغم أن الظاهر خلاف ذلك•
    نجد لهذا الضمير في شعر أبي الطيب وفي هذا البيت وغيره مما نظم الرجل تقلباً عجيباً في الدلالة• فهو في المدح ضرب من التقدير يخول الممدوح أن يتسم بسمات البطولة• ذلك أن سيرة الممدوح وانجازاته البطولية سرعان ما تتحول إلى خطاب سردي تمجيدي يذكر بالملحمة في الآداب العالمية، وهو في الهجاء ضرب من التحقير• وهو في الرثاء يبلور معنى الحسرة واللوعة ويسهل صيغ الندبة التي يصاحب فيها الغياب النحوي الغياب الواقعي• إذن ليست اللفظة وحدها هي التي تتمتع بدلالات مختلفة متعددة حسب اختلاف السياقات وتعددها بل إن التركيب، وهو صانع السياق، له أن يدل دلالات مختلفة بحسب السياقات التي تساهم مساهمة كبرى في حبكها وتوليفها•
    ( يتبع )

  6. #6
    أما المستوى الثالث الذي نُعنى به في هذا الباب فهو هذا التلازم أو الظرفية في الجملة• ولن نعود إلى الظرفية في دلالة “اذا••• فـ” المعجمية وانما سنعمد إلى معالجة هذا التراوح بين التركيب الاسنادي الفعلي والتركيب الاسنادي الاسمي• فجملة الشرط فعلية وجملة جوابها اسمية• وهذا تنويع في الأسلوب يزيد البيت ثراء ونشاطاً أو هي حيرة في البحث عن المشبه به ذلك الذي يناسب المشبه تماماً•
    يبدو التشبيه إذن الصانع الثاني للسياق• ذلك أن ما أمامنا من نص شعري عماده الأساسي هو التشبيه• وسنحاول أن ننظر في نوع التشبيه وما أضفاه على البيت من قدرة دلالية هي ما نسميه الابداع أو الشعرية•
    في هذا التشبيه صور ثلاث: صورة هي المشبه وصورتان معطوفة احداهما على الأخرى وهما المشبه بهما•
    1- فـ - ابراهيم بن اسحاق+ وهو يتحدث
    2- كأنه - قرد + يقهقه
    3- أو - عجوز + تلطم
    هو طبعاًً تشبيه التمثيل: ولك أن تفهم التمثيل في هذا التشبيه على أنه تمثيل الشاعر بمهجوه• ولكن ما الذي يجعل من صورة في الهجاء صورة رائعة، جميلة• تلك هي خصائص التشبيه النظرية وعلينا أن نبحث الآن في كيفية تحقيق هذه الخصائص لروعة الصورة•
    ان المشبه هو ما نعرفه مع الشاعر وكأنه المبتدأ في الجملة الاسمية• ولكن استحضاره يستدعي تصوره في صورة معينة، أو في وضع معين• وقد استحضره أبوالطيب وهو يغالب نفسه ليتحدث لينطق• وهي صورة في حد ذاتها فيها درجة من العبث• لنجتهد الآن مع الشاعر في البحث عن الصورة المناسبة• فهذا رجل يجبر الاشارة على أن تصبح حديثاً، رجل يغالب العيَّ مغالبة فينطق اشارة لا عبارة• ماذا يشبه هذا؟
    يجب إذن استحضار صورة مناسبة• وعلى هذه الصورة أن تحقق في هذا السياق بالذات، وظيفتين، وظيفة تقريب الصورة من ذهن المتقبل، ووظيفة العبث بالمهجو أو اضحاك المتقبل•
    رجل يتحدث: كأنه
    1- قرد - جانب العبث
    2- يقهقه - تقريب الصورة من الذهن (حيوانية وحركة موغلة في الاضطراب والفوضى)•
    حيوان يكاد يكون إنساناً ولكنه لا يكون•
    أو: 1- عجوز: جانب العبث
    تلطم: جانب تقريب الصورة: (انوثة وحركة موغلة في الاضطراب والفوضى)•
    إنسان يكاد يكون حيواناً ولكنه لا يكون
    وهكذا تبدو الصورة الثانية مزيداً من الايضاح والايغال بالنسبة إلى الصورة الأولى• فلا يكفي أن تكون الصورتان مقربتين لصورة الرجل وهو يتحدث بل يجب أن توضح كل واحدة منهما الجانب المقصود فيهما من العبرة والاضحاك والسخرية•
    ثم إن التشبيه ينهض بوظيفتين: وظيفة الابلاغ، أي تمكين المتقبل من المماهاة بين الصورتين بحيث تبدو الصورة أمامه واضحة جلية• لنقل إن الشاعر يؤلفها تأليفاً وينحتها من نظم البلاغة نحتاً• بحيث تندمج الصورتان اندماجاً عجيباً: رجل يتحدث بصعوبة وقرد يقهقه أو عجوز تلطم• والعجيب أن المتقبل ينسى مباشرة الصورة الأصل ويبقى مصراً على التثبت بالصورة البلاغية•
    وبعد، لنحاول الآن أن نجمع شتات هذا التحليل وأول ما نهتم به مفهوم السخرية في هذا البيت• ونهتم في هذه المسألة بما يصنع السخرية وبمعناها من خلال هذا البيت طبعاً•
    كثيراً ما نتحدث عن الصورة الكاريكاتورية• وفعلاً فإن تشبيه التمثيل يحقق الصورة الشعرية• أو هو على الأقل أكثر الوسائل تداولاً بين قدماء الشعراء في نحت الصورة الشعرية• ثم ان هذه الصورة اذا ما أدرجت ضمن سياق الهجاء فهي تحقق صورة كاريكاتورية، مضحكة• وعماد هذه الصورة في نظري امران: تحطيم التناسق بتضخيم العيوب والتناقض أو التضاد• ولا يخفى في الصورة هذان الأمران بالذات: تحطيم التناسق من خلال إظهار الرجل كالقرد أو كالعجوز والتضاد من خلال المقابلة البينة بين وضع المتحدث الذي يجب أن يبدو رصيناً هادئاً خطيباً وبين صورتي القرد يقهقه والعجوز تلطم• ولكن إلى حد الآن نحن بصدد اظهار جانب الاضحاك من السخرية• وهذا يعني تماماً ان السخرية ليست اضحاكاً فحسب، فالسخرية على ما أظن نصيب من الاضحاك ونصيب من النقد• هي خليط بين الامتاع الاعجابي والموقف الخفي• فهو اذن اضحاك هادف• وبهذا يكون الهجاء في هذا البيت دالاً باعتباره وسيلة تعبير وامتاع وتأثير• وللغة وظيفة اضافية هي الوظيفة التعبيرية وانظر في ذلك الوظائف الست التي يحددها “جاكبسون” للغة•
    والهجاء مدلول باعتباره موقفاً من المهجو• وبالفعل يجب أن نتجاوز جمالية الهجاء إلى عمق الموقف النقدي الذي يحمله• كما اعتقد انه يجب على القراءة ان تتجاوز الانبهار بفنون القول إلى مقاصده• ولكن فنون القول سبيل إلى مقاصده• لا غرابة في ذلك ولكن الغريب أن تقف القراءة عند حدود الاحصاء والرسوم البيانية وتحويل النص الابداعي إلى مجرد فرصة لاستعراض تهويمات شكلية بحتة ففي ذلك اساءة إلى الخطاب الأدبي كبرى•
    فأبوالطيب في هذا البيت يتخذ موقفاً واضحاً من المهجو وذلك باعتباره اولاً اعجمياً لا يستقيم مدحه• وللمتنبي من المعاجم والعناصر غير العربية التي اتخذت لنفسها في الدولة مناصب لا تستحقها موقف شهير معروف• ثم انه يتخذ موقفاً من هذا الاعجمي باعتباره لم يرق إلى منصب من الامارة والسلطان سيتحقق معه مدح شاعر “رفيع” مثل المتنبي و”أبوالطيب” آل على نفسه بعد رفقة “سيف الدولة” الا يمدح الا الامراء والسلاطين•
    ثم ان المهجو في شعر “أبي الطيب” يرقى إلى مستوى النموذج الذي يتحول بدوره إلى علامة من علامات العصر الذي كان يعيشه ويرى فيه هذا الانقلاب المقيت في سلم القيم التي آمن بها العرب طويلاً•
    لنقل بوضوح إن الهجاء في ما نظم المتنبي وقال يرقى إلى مستوى الدلالة على ثورة ابي الطيب على عصره و”أهيل” عصره• وهو عندنا دليل على هذا “الانا” المترفع رفعة تجعله يرى العصر وضيعاً إلا ما ندر منه امثال “سيف الدولة”• هكذا يجب ان نفهم الهجاء عند ابي الطيب، ان نقمة أبي الطيب على عصره واهل عصره حيث لم يجد شاعرنا الفذ المكانة التي كان يطمح اليها• ولم تبلغ رسالة هذا “النبي” الموضع الذي كان صاحبها يريد لها أن تبلغ• ولك أن تسميه تعالياً، ترفعاً، أو ما شئت ولكن الأكيد ان أبا الطيب لم يستوعب عصره كما ان عصره لم يستوعبه وان كليهما عن الآخر غريب• وهكذا يصبح الهجاء مع أبي الطيب علامة من علامات الرفض والتحدي والتعالي• ويتحول معه هذا الغرض الاصيل إلى وظيفة جديدة اقتضاها تطور التاريخ وتعقّد الذائقة الأدبية• وما هذه الوظيفة المحدثة إلا ان يحمل الشعر موقفاً من اهل العصر وقضاياه الكبرى• ان الهجاء عند أبي الطيب بهذا الفهم يجبرنا فعلاً على ان نعتقد اعتقاداً انه ليس إلا رؤية للعصر• أو ليس الأدب مهما أغرق في الخيال ومهما حلق في رحاب المجاز والخوارق والمبالغة إلا رؤية للعالم، رؤية تغلفها حتماً تلك الفنون القولية البديعة• فما الشعر من هذه الزاوية إلا ذلك الدواء المر لمرارة الحقائق التي يحملها• وحتى يستسيغه المتقبل لا بد أن تغلف حبة هذا الدواء بغلاف عذب• فيبتلعه المنتصح ضاحكاً ويعالجه الدواء دون أن يشعر• وأعتقد أن للهجاء عند أبي الطيب شبهاً كبيراً بهذه الحبة من الدواء التي تحمل مرارة داخلية وعذوبة خارجية، نضحك عند سماعه، ونفكر عند تأمله• وكذلك شأن الاغراض الأخرى إن نحن تأملنا فيها مليّاً•
    (*) أستاذ العربية بالمعهد الثانوي بسجنان 1994 (تونس)

المواضيع المتشابهه

  1. جسد الإنسان والتعبيرات اللغوية ( دراسة دلالية ومعجم )
    بواسطة رغد قصاب في المنتدى فرسان المكتبة
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 12-29-2015, 08:24 PM
  2. جمالية الدين معارج القلب إلى حياة الروح
    بواسطة محمد عيد خربوطلي في المنتدى فرسان المكتبة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 04-03-2015, 03:15 AM
  3. النقد الفني : دراسة جمالية وفلسفية – جيروم ستولنيتز
    بواسطة راما في المنتدى فرسان المكتبة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 07-28-2013, 06:35 PM
  4. سورة الإسراء: دراسة نحوية دلالية
    بواسطة ريمه الخاني في المنتدى فرسان التفاسير
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 03-12-2010, 07:43 PM
  5. مع طبيب...تقويم الأسنان حاجة وظيفية أم جمالية?
    بواسطة ملده شويكاني في المنتدى فرسان الطبي العام .
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 11-12-2007, 12:07 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •