يوميات طبيب نفسي

الأم المتعَبة من عناء العمل ، و التي زارت عيادتي وهي في حالة تكاد تختنق فيها روحها ، وضعتْ علاقتها مع ابنتها ذات السنوات الثماني في قائمة الأسباب التي تعكر عليها صفو حياتها .

تصفُ ابنتها بكلمات قاسية نستخدمها عادة في الحديث عن البالغين و في ذلك دليل على قهر و ضيق شديدين .

تعيش الأم مع ابنتها وحيدتين منذ سنتها الأولى ، بعد أن قرر الأب ترك المنزل لأسباب مرتبطة بالكحول و غيره ، مما صعّب هذه العلاقة و أفقد الطفلة ما تسميه الأم "احترام وجود القانون" و " احترام وجود الآخر".

عرضتُ على الأم أن تُحضِر ابنتها في الزيارة القادمة و هذا ما حصل و بسرعة .

تماماً كما وصفتها الأم فالطفلة و بسنواتها الثماني تتصرف و كأنها في الثلاثين ، نظرتها حادة و تكاد تكون عيونها بلا أي لمعة .
ليست مرتاحة و لا خائفة تتصرف بكثير من اللامبالاة ، و لا تفهم ما الذي يجبرها على زيارة عيادة الطبيب النفسي .

كنتُ مرتبكاً جداً ، فالأطفال في عمرها يتفاعلون بإيجابية مع عرضي عليهم أن يرسموا شيئاً بالألوان بطريقة لطيفة أو خجولة ، بينما رفضتْ هي تماماً أي محاولة لاستمالتها ، و تابعت نظراتها الحادة كمن يتجهز للانقضاض على فريسة .

ثلاث مقابلات مرّت و لم يتغير الكثير في سلوك الطفلة ، لا في البيت و لا حتى في العيادة بل تابعت الطفلة القيام بكثير من الحماقات المثيرة لغضب أمها و جدتها .

طلبتُ من الأم أن تكون الجدة هي المرافق لعيادتي ، لأنني لاحظتُ مرة أن الطفلة أفضل حالاً بحضور جدتها ، التي تتحدث عنها بإيجابية أكثر ، و حتى لو تعرضتْ الجدة للطفلة بالانتقاد أمامي فإن بعض ملامح الحزن تظهر على وجهها و هو حدث مهم جداً لأن ضيفتي الصغيرة لم تقدّم حتى الآن أي مشاعر سوى اللامبالاة بالمشاعر .

منذ يومين ، سألتها : " و هل حدث أنك قدمتي اعتذاراً لأمك بعد حماقة من الحماقات ؟"
لترد الطفلة مستغرِبة :" لا ... أبداً أنا لم أعتذر لها في حياتي ".
" و هل تعرفي كيف يكون الاعتذار ؟" أقول لها ، لترد عليّ بالقول " لا .. أن لا أعرف كيف أعتذر .." .

بدا في جملتها الأخيرة طلب خفي للمساعدة لأسألها إن كانت تريد أن تتعلم الاعتذار ، لترد بسرعة و غبطة " نعم .."

بدأت ملامح وجهها بالتغير و الراحة ، و كانت هي فرصتي لإحداث تغيير ما في العلاقة معها .

طلبتُ منها أن تقول :" أنا أسفة !!" كجملة عادية مكررة ، فلم تقبل ، بل هزت رأسها رافضة حاسمة ، بدون أن تنبس ببنت شفة .

لم أترك الثواني تمر بسرعة ففرصة تفاعلها معي كانت فرصة نادرة كان عليّ استغلالها .
أخذتُ ورقة كبيرة و طلبتُ منها ألا تقول جملة " أنا آسفة " بل تكتبها على ورقة صغيرة .

قبلتِ الفكرة بسهولة أكثر و كتبت هذه الجملة :" ماما ... أنا آسفة ". أطلب منها أن تقرأ ما كتبتْ لتردد خلفي و تضحك :" ماما ...أنا آسفة ".
ضحكت الطفلة للمرة الأولى من قلب قلبها ، تغيرتْ ملامحها و بدأت هي المسمّرة عادة على الكرسي أمامي بالحركة كمن يفك قيداً ما من حديد .

أقصّ ورقة بيضاء إلى أجزاء أصغر لتكتب الطفلة عبارة " ماما .. أنا آسفة " على كل قطعة بفرح لا يضاهيه فرح و كأني أمام شخص جديد تماماً .

نقرر - الطفلة و أنا - أن تأخذ معها أوراق الاعتذار الصغيرة إلى المنزل و تخبأها في مكان سري لتخرج منها و في كل مرة تختلف فيها مع أمها ورقة منها و تضعها في مكان ما تمر عليه عيون الأم ، بدون أن تضطر الطفلة إعلان الاعتذار بشكل مباشر و لفظي .

أقول لها :" و هل أنت سعيدة ؟"
لتجيب بما معناه :" نعم ، سعيدة جداً ، قد أكون قد وجدت الحل ، فأنا لستُ سعيدة بعلاقتي مع أمي ، و أتمنى أن أصير ككل الأطفال على باب المدرسة عندما يفرحون بلقاء أمهم ".

تخبئ الطفلة حزمة أوراق الاعتذار خلف ظهرها ككنز ثمين حتى لا تراها الجدة التي رافقتها للمقابلة و تنظر إلي نظرة ضاحكة ذكية كمن يحضّر لمؤامرة ما ، و لأول مرة منذ معرفتي بها أرى على سطح عيونها بداية لمعة جديدة لم أعرفها من قبل .

بعد أن خرجت الطفلة و عدت إلى كرسيّ بسرعة و بدأت كتابة الخطوط الأساسية لهذا النص و أنا أفكر أن تصير أوراق الاعتذار الصغيرة سلعة تُشترى من المحلات و يحملها كل شخص منا في جيبه دوماً و يصير استخدامها بين من نعرف و من لا نعرف وسيلة لمساعدة أصحاب " الكرامات و النفوس العزيزة" و الذين يجدون في الاعتذار اللفظي انتقاصاً من قوتهم و جبروتهم ، أن يعيشوا ببساطة أكثر مع ذواتهم و مع الآخرين .

( تخيلوا أن ندخل إلى المكتبة و نطلب من صاحبها : عشر كروت اعتذار لو سمحت ...!!! تخيلوا ) .

رفيف المهنا
Almhana Rafif