النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: الذهاب عكس حركة التاريخ

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2013
    المشاركات
    426

    الذهاب عكس حركة التاريخ

    في قانون الأوقاف..
    الذهاب عكس حركة التاريخ....
    .......
    يأتي هذا القانون، في وقتٍ تتطور فيه النظم العربية في البلدان المجاورة، حيث تتجه إلى إلغاء وزارة الأوقاف بالكلية، وهذا ما جرى في الإمارات والعراق، كما أطلقت عدة دول ومنها الكويت هيئة عامة منفصلة لإدارة الأوقاف وذلك تأسيسًا على قاعدتين اثنتين:
    الأولى: أن العالم يتجه نحو الحريات، وأن مسؤولية إدارة الشؤون الدينية والإفتاء هي مسؤولية رأي واجتهاد، لا يجوز أن تمس حياة الناس بأي لون من القهر والجبر، وأن الشريعة نفسها قائمة على الاختيار والاجتهاد، وأن شأن هذه المساحة أن تحظى بالحرية والمرونة، وأن تتاح لها فرص التجديد والتنوير والإبداع دون قيود بيروقراطية.

    الثانية: أن إدارة الوقف الإسلامي تحتاج إلى فريق اقتصادي مهني يمارس الإدارة، وفق رؤية اقتصادية استثمارية محضة، ويطلق مشروعات استثمار مستقلة منافسة، وهو أمر يقتضي التحرر التام من قيود الفقه القديم الذي يعوق استثمار الوقف، ويفرض شروط العصور الوسطى على الاستثمار الحديث.

    وهكذا تحولت عدة بلاد عربية إلى تأسيس الهيئة العامة للأوقاف، أو ديوان الوقف الإسلامي، أو مؤسسة الوقف الخيري، فيما عهدت بهيئة أخرى للتوجيه الديني تعمل في إطار وزارة الثقافة أو وزارة العدل. أما في الدول المتحضرة فقد انتهى الأمر منذ زمن بعيد، ولا يوجد في العالم المتحضر كله وزارة للأوقاف، أو للتوجيه الديني.

    ولكن مشروع القانون المذكور يبدو في مسار آخر تمامًا، وهو يجدف عكس حركة الحياة، ويعيد هيمنة رجال الدين على الحياة وهيمنة السلطة على رجال الدين، ويعيد إنتاج القرون الوسطى بثقافتها التي كانت تمارس فيها الكنيسة غاية الاستبداد والظلم والرقابة على حياة الناس.

    ومع أن الملاحظات كثيرة، فإن الجانب الأهم منها هو عودة الوقف الخيري للخضوع للبيروقراطية القديمة، وبالتالي لسلطة الدولة؛ الأمر الذي سيؤدي مرة أخرى إلى تدوير المشكلة، وإقناع الوقف المتردد بالرحيل نهائيًا عن البلد والاستثمار في مكان آخر.

    ومع أن الوقف الإسلامي حقق تاريخيًا إنجازات هائلة، وتمكن من توفير خدمات هائلة للمجتمع، وذلك استنادًا إلى خبرة رجال الوقف وتعاون رجال الفقه (القانون) معهم، ولعل أوضح صورة لتعاون الفقه (القانون) مع الوقف هو العبارة التي ابتكرها الفقهاء بعناية شديدة: “شرط الواقف كنص الشارع”. ومقتضى هذه العبارة أن صاحب الوقف سلطان، وأنه قادر على أن يضع الشروط التي يريد، وأن الفقه الإسلامي جاهز لأن يعامل هذه الشروط معاملة النص الديني قرآنًا وسنّة، فاكتب ما تشاء أيها الواقف وسيكون القانون الإسلامي (الفقه) مع اختيارك، وسيحترم إرادتك وسيسجلها كما لو كانت نصًا دينيًا لا يصج تجاوزه.

    بالطبع، فإن القانون الجديد يلغي هذه الإرادة تمامًا، ويحصرها في أضيق نقاط، ويفوت على المجتمع طاقات هائلة كان يقدمها الوقف الحر الإبداعي الاستشرافي الذي يعلن هذا القانون عن موته وتشييعه وترحيله إلى مثواه الأخير.

    إن أكبر جامعات الدنيا اليوم هي مؤسسات وقفية، ومن الأرقام المشهورة وقف جامعة هارفارد الذي يبلغ 37 مليار دولار، وهو ما يجعل هذه الجامعة باستمرار على راس الرانك العالمي، مع أن هذه الأوقاف المرصودة لا تزال بأسماء أصحابها وإداراتهم وإدارة أبنائهم، ولكنها تؤدي الغرض المرصودة لها بأتم وجه، تحت رقابة القانون وتسهيلاته.

    وفي عام 2015، حققت هارفارد نموًا في العائد الاستثماري بقيمة 5.7 بالمئة، فيما حققت جامعة يال 8.1 بالمئة، فيما ارتفعت في جامعة كولومبيا إلى 10 بالمئة.

    وهذه الأوقاف الهائلة لا تديرها في الغرب مؤسسات الكنيسة ولا تسيطر عليها الدولة، ولا تخضع لقرارات مجلس محلي للوقف، بل هي قرار أصحاب المال أنفسهم وإدارتهم وتصرفهم، ودور الدولة التسهيل والرقابة، وليس الإدارة.

    بالطبع، لا يمكن لهياكل الأوقاف الحالية تحقيق انطلاقات بهذا الحجم، طالما أن الاستثمار الوقفي خاضع لنظم الأوقاف البيروقراطية التي تمنع التصرف بأصل الوقف المرصود، ولا تجيزه إلا في أضيق نطاق عبر استحسان الحنفية المنقول تحت عنوان الاستبدال، وهو يتطلب شروطًا صارمة تمنع تحقيقه في تسعين بالمئة من الحالات.

    الصدقة الذكية هي صورة المجتمع الحديث، وهي تتضمن أعلى درجة من تمكين الواقف من التصرف بوقفه، وقيامه وقيام أولاده وذريته بإدارته بحرية تامة في الشرط الخيري المعلن، وهذا الازدهار الذي يعيشه الوقف في الغرب هو التطبيق العملي لعبارة الفقهاء “شرط الواقف كنص الشارع”.

    إن تدخّل الوقف ومن خلفه المخابرات والأجهزة الأمنية سيجعل التفكير في العمل الخيري في أضيق نظاق، وسيجبر كثيرًا من الوقف على الهجرة إلى أماكن أكثر احترامًا وتقديرًا لشرط الواقف ودوره.

    أما من جهة الإشراف على العمل الديني، فقد مضى القانون الجديد إلى تأكيد غياب الحريات، وفرض الشروط الصارمة على رجال الدين، وتحدد خمس مواد متتالية العقوبات الصارمة بحق رجل الدين، من التوجيه والتوبيخ إلى حسم الراتب ثم الطرد ورفع الجهة الدينية والإحالة للقضاء، وهذا الأمر يأتي عادة بالنتائج العكسية، فحين لا نقدم احترامنا لرجل الدين، فإننا نقطع الثقة بيننا وبينه، وندفعه إلى خيارات مظلمة حيث يقتنع أنه يتعامل مع عدو للإسلام والمسلمين.

    ولكن الأسوأ ليس في تدخل القانون بنشاط رجال الدين، الأسوأ أن يفرض لوزارة الأوقاف المخابراتية سلطانًا على سائر المواطنين، فلا يشارك أحد في مؤتمر علمي أو نشاط إعلامي يتصل بالدين إلا بإذن وزارة الأوقاف، وهكذا فإن أي ندوة تقام في الوطن أو خارجه، تتناول جانبًا دينيًا أو فقهيًا، فهي حكمًا تحت سلطان الأوقاف، والنتيجة مزيد من القمع ونقصان الحريات ومنع المبادرات العلمية والاجتهادية والتنويرية، لأنها ستحظى باستمرار برفض مطلق من أجهزة الأوقاف الحريصة على توفير الطاعة والالتزام والخضوع للنظام.

    ولا يستحي القانون أن يقرر تأميم اللباس والألقاب، وحجزها لصالح وزارة الأوقاف، واعتماد مزاج الوزير فيما يسمح به من الثياب والألقاب التي تتصل بالشأن الديني، والأسوأ ان هذه الشروط لا تتصل برجال الدين في الوزارة بل هي تُفرض بقوة القانون، على عموم الشعب من غير العاملين في الوزارة.

    إذا تم تمرير هذا القانون؛ فإن نمط الخطاب السلفي سيكون هو الوحيد المأذون به في سورية، لأن أي اتجاه تنويري سيكون تهمة خيانة وعمالة وأخْوَنة، وسيبقى أي خطاب ديني مرهونًا بشكل مباشر بموافقة هيئة الإفتاء السرية المؤتمنة على تراث السلف ومنع الابتداع في الدين.

  2. رد: الذهاب عكس حركة التاريخ

    شكرا لك دكتور، سواء مع أو ضد، الغاية هي التطفيش، ويكفي تمرير 📜 القرار، من خلال تعاطف الناس البريء، وكما يقال :مهارة في صنع اللهايات...
    تعددت يابني قومي مصائبنا فأقفلت بالنبا المفتوح إقفالا
    كنا نعالج جرحا واحد فغدت جراحنا اليوم ألوانا وأشكالا

    من مواضيع :


معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •