النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: شذرات من التذكرة الحمدونية

  1. B9 شذرات من التذكرة الحمدونية

    ؟كان المنصور داهياً أريباً سديد الرأي، وكان مقدماً في علم الكلام مكثراً من كتب الآثار، فلما هم بقتل أبي مسلم سقط بين الاستبداد برأيه والمشاورة فيه، فأرق ليلته في ذلك، فلما أصبح دعا باسحاق بن مسلم العقيلي وقال له: حدثني حديث الملك الذي أخبرتني عنه بحران، قال: أخبرني أبي عن الحضين بن المنذر أن ملكاً من ملوك فارس يقال سابور ذو الأكتاف كان له وزير ناصح قد اقتبس أدباً من أدب الملوك وشاب ذلك بفهم في الدين، فوجهه سابور داعية إلى أهل خراسان، وكانوا قوماً عجماً يعظمون الدنيا جهالة بالدين، وكان يقال: لكل ضعيف صولة، ولكل ذليل دولة. فلما تلاحمت أعضاء الأمور التي لقح، استحالت حرباً عواناً شالت أسافلها بأعاليها فانتقل العز إلى أذلهم والنباهة إلى أخملهم، فأشربوا له حباً، فلما استوسقت له البلاد بلغ سابور أمرهم و(ما) أحال عليه (من ) طاعتهم، ثم لم يأمن زوال القلوب وغدرات الوزراء، فاحتال في قطع رجائه عن قلوبهم، وكان يقال: (من الوافر).
    وما قطع الرجاء بمثل يأس ... تبادهه القلوب على اغترار
    فصمم على قتله عند وروده عليه برؤساء أهل خراسان وفرسانهم، فلم يرعهم إلا ورأسه بين أيديهم، فوقف بهم بين الغربة ونأي الرجعة، فرأوا أن يستتموا الدعوة بطاعة سابور ويتعوضوه من الفرقة، فأذعنوا له بالملك والطاعة وتبادروه بمواضع النصيحة، فملكهم حتى مات حتف أنفه. فأطرق المنصور ملياً ثم رفه رأسه يقول: (من الطويل)
    لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلا ليعلما
    وأمر إسحاق بالخروج ثم دعا بأبي مسلم، فلما دخل إليه نظر وقال: (من الوافر).
    قد اكتنفتك خلات ثلاث ... جلبن عليك محذور الحمام
    خلافك وامتنانك يزدهيني ... وقودك للجماهير العظام
    ثم وثب إليه وثبة حشمه بالسيوف، فلما رآهم أبو مسلم وثب، فبدره المنصور فضربه ضربة طرحه ثم قال: (من السريع).
    اشرب بكاس كنت تسقي بها ... أمر في الحلق من العلقم
    زعمت أن الدين لا يقتضى ... كذبت فاستوف أبا مجرم
    ثم أمر فحز رأسه وبعث به إلى أهل خراسان وهم ببابه، فجالوا جولة ساعة ثم ردعهم عن شغبهم انقطاعهم عن بلادهم وإحاطة الأعداء بهم، فذلوا وسلموا له، وكان إسحاق إذا رأى المنصور قال: (من الوافر).
    وما أحذر لك الأمثال إلا ... لتحذو إن حذوت على مثال
    وكان المنصور إذا رآه قال: (من الطويل)
    وخلفها سابور للناس يقتدى ... بأمثالها في المعضلات العظائم
    ؟وكان المنصور أنفذ يقطين بن موسى لإحصاء ما في خزائن عبد الله بن علي لما حاربه أبو مسلم وهزمه، فقال أبو مسلم ليقطين: أيأمننا ابن سلامة على الدماء ولا يأمننا على الأموال ؟ فكتب يقطين إليه: من الطويل)
    أرى جذعاً إن يثن لا يقو ريض ... إليه، فبادر قبل أن يثني الجذع
    وكتب عيسى بن علي إلى المنصور لما هم بقتل أبي مسلم: (من الطويل)
    إذا كنت ذا رأي فكن ذا تدبر ... فإنَّ فساد الرأي أن تتعجلا
    فأجابه المنصور: (من الطويل)
    إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ... فإنَّ فساد الرأي أن تترددا
    ولا تمهل الأعداء يوماً بقدرة ... وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا
    وخلا المنصور بيزيد بن أسيد، فقال: يا يزيد ما ترى في قتل أبي مسلم ؟ قال: أرى يا أمير المؤمنين أن تقتله وتتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بدمه، فو الله ما يصفو ملكك ولا تهنأ بعيش ما بقي. قال يزيد: فنفر مني نفرة ظننت أنه سيأتي علي ثم قال: قطع الله لسانك، وأشِمت بك عدوك، أتشير بقتل أنصح الناس لنا وأثقله على عدونا ؟ أما والله لولا من سلف منك وأني أعدها هفوة من رأيك لضربت عنقك، قم لا أقام الله رجليك.فقال يزيد: فقمت وقد أظلم بصري، وتمنيت أن تسيخ بي الأرض. فلما كان بعد قتله بدهر قال لي: يا يزيد أذكر يوم شاورتك في أمر العبد ؟قلت: نعم يا أمير المؤمنين، وما رأيتني قط أدنى إلى الموت مني يؤمئذ، قال: فو الله لكان ذلك رأيي وما لا أشك فيه، ولكني خشيت أن يظهر منك فيفسد علي مكيدتي.
    الكتاب : التذكرة الحمدونية
    المؤلف : ابن حمدون
    مصدر الكتاب : موقع الوراق
    تعددت يابني قومي مصائبنا فأقفلت بالنبا المفتوح إقفالا
    كنا نعالج جرحا واحد فغدت جراحنا اليوم ألوانا وأشكالا

    من مواضيع :



معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •