الحزام الذي لم ينفجر بعد.....
.......
وهناك حزام لم ينفجر وآخر يتم تزنيره وثالث ينتظر…
...
كان لطفاً من الله وسهراً من عيون رجال الله على عتبة الحرم الشريف، ولا أعتقد أن أرواحاً زفت إلى السماء أطهر من جنود الحرم الذين واجهوا الاندفاع الإجرامي بصدورهم وأرواحهم ودفعوا حياتهم ثمناً لهذا الهدف النبيل.


هناك ألف تحليل سياسي واستراتيجي لما حصل وكلها تجمع أن السعودية باتت مستهدفة من الإرهاب وأن اكثر ما يستهدف فيها هو المشاعر والأماكن المقدسة بوصفها أماكن ازدحام، وقد قال فلاسفة الموت ابتغوا القتل عند تزاحم الأقدام.

ولكن السؤال المحوري الذي يتطلب جواباً شجاعاً: كيف أمكن إقناع فتى في الثامنة عشرة أن يلبس الحزام الناسف ويتوجه إلى الحرم الشريف في أشد الأيام طهراً وأكثر بقاع الأرض قداسة ليقتل ما استطاع من البشر قرباناً لوجه الله تعالى.
إنها ليست مسألة إغراءات مالية أو مناصبية، نكذب على أنفسنا إذا قلنا إن المال أو الحشيش يدفع إلى انتحار كهذا، فالراغب بالموت لا يغره بريق الذهب والفضة، وعلينا التماس أسباب أخرى لهذا اللون من الجنون، ومع أن هناك أسباباً اجتماعية واقتصادية ولكنني معني هنا بزاوية محددة تتصل بثقافة الكراهية.
ونكذب على أنفسنا إذا صدقنا أن دوائر المخابرات هي التي تقنعهم بقتل أنفسهم، وأن الانتحاريين عملاء لوكالات الاستخبارات الدولية والمحلية، وباختصار لم يكن عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي في محراب العيد .. لم يكن عميلاً للسي اي ايه ولا وكيلا للكي جي بي، لقد كان باختصار من وجهة قناعته ونظره استشهادياً يبحث عن الشهادة والجنة، وتم اقناعه بأنها تبدأ من هناك.
سنكون ساذجين إذا تخيلنا أن شبابنا يكونون براعم محبة وسلام فيقعون في يد داعش فتغسل أدمغتهم وتسقيهم من طينة الخبال وتعدهم حور الجنة وتحولهم إلى إرهابيين…
ثقافة الكراهية ليست شيئاً تعلمه القاعدة في تورا بورا ووزيرستان، ولا هو شيء تعلمه داعش في معسكراتها المغلقة في الرقة و الموصل عبر أساتذة قساة غاضبين برؤوس سود منقوبة الأعين تحت راية خلافة على منهج النبوة…
ثقافة الكراهية وللأسف هي شيء نتعلمه في معاهدنا وخطبنا ومواعظنا التي تركم الأسماع باللعن والوعيد والتهديد لكل مخالف للشريعة من لعن النامصة والمتنمصة إلى لعن تارك الصلاة إلى لعن من تشبه بالمشركين إلى منطق اقتلوهم حيث ثقفتموهم.
ثقافة الكراهية هي صورة الوعيد الأسود بنار جهنم وبئس المصير للمختلف في الاعتقاد، أو المقصر في التنزه من بوله أو في تمرير الماء على الأعقاب في الوضوء، وإذا كان الله الرحيم يطلق وعيده بالنار السوداء الرهيبة إلى الأبد، فلن نكون أرحم من الله، وسيكون من الواقعي تماماً أن نعجل الناس إلى مصائرهم ونوقد هذه النار من أرصفة الدنيا قبل زلزلة الآخرة جزاء وفاقاً.
ثقافة الكراهية هي شيء نتعلمه في خطابنا الإعلامي وفي تحليلاتنا السياسية كل يوم، عبر نخبة تطل من منابر الإعلام وتحمل الرؤية السوداء للعالم المتآمر، وتغذي من حيث تريد أو لا تريد ثقافة الكراهية والحقد على الآخر.
يتناول أكثر من نصف المحللين الإعلاميين العرب أوروبا وأمريكا بوصفها عدواً حقيقياً متآمراً على الإسلام، وأنهم لا يزالون يقاتلونكم حتى يرودكم عن دينكم إن استطاعوا، وأنهم يكيدون كيداً والله يكيد كيداً، وأنهم يمكرون ويمكر الله، وأن حروبنا وشقاقنا ومذابحنا ليست إلا صراعاتهم على أنبوب الغاز القطري وتمريره من المنطقة.
لدى الناس مخزون هائل من الكراهية لكل ما هو أمريكي وأوربي فهو صليبي واستعماري وتآمري وابتزازي وامبريالي، يدرسه الإيرانيون شيطاناً أكبر، ويدرسه الوهابيون شركاً يحاد الله ورسوله، ويدرسه البعثيون مؤامرة على الصمود والممانعة، ويدرسه القوميون حقداً أزرق على نهضتنا العربية، ويدرسه الشيوعيون امبريالية تشرب من دمنا وتقتات على الفتك بنا، وهكذا يصبح أي إنصاف في وصف الآخرين افتتناناً بالغرب وارتباطاً بمشاريعهم التآمرية.
هذا التحشيد على أعداء الله وأعداء رسوله من اليهود والنصارى الذي نبذله باتجاه أمريكا وأوروبا سرعان ما يرتد علينا، وحين تخرج القمقم من الزجاجة فلن تستطيع إعادته إليها، وتكفي في ذهنية هذا النوع من الناس أن يشاهد صورة مسؤول سعودي مع مسؤول أمريكي لاعتبار الرجلين مشروعاً واحداً، وهكذا فإن هذا اللون من الحقد التاريخي ضد الغرب الكافر يمكن أن يتحول في لحظات ضد الحكومات الإسلامية بوصفها حليفاً لهذا الغرب الكافر وعميلاً لمشاريعه الإجرامية، وبالتالي هدفاً مشروعاً للإجرام والقتل، وهو ما تمارسه بكل دهاء قيادات الإرهاب المحترفة، وسرعان ما يتحولون إلى الفتوى التيمية المشهورة: أن قتال هؤلاء أوجب من قتال اليهود والنصارى، وهي تتكئ بكل مكر على فتاوى الشيوخ وتحليلات السياسيين ومناهج المدرسة التي تقدم بمجموعها مشهد الفسطاطين الدمويين بين الحق والباطل وبين الإسلام والكفر وبين الخير والشر.
لا أزعم انني خبير عسكري ولا أمني، ولكنني بكل تأكيد أعرف بنية خطاب الكراهية الذي نشارك فيه جميعاً من حيث نريد أو لا نريد، وهو الخطاب الذي لا زال يزنر مزيداً من الأحزمة الناسفة كل يوم، ويتوعدنا بالمزيد من الرهب.
إن التحريض على القتل ليس مسالة خطبة شاذة يستمع إليها الشاب المحترق في معسكرات التدريب، إنه في الواقع مسألة ثقافة متتالية ومستمرة نشارك فيها جميعاً، وحين نكرس خطب الجمعة للدعاء على النصارى والصليبيين والرافضة والمشركين، فينبغي إذن أن ننتظر من أبنائنا أن يتربصوا بهم وبمن يواليهم، وفتوى البغض في الله التي نأمره بها تجاه المشركين ستتصل بنا مباشرة نحن الذين سيرانا أصدقاء المشركين وحلفاءهم، وهو وصف يمكن أن يشمل حكومات العالم الإسلامي بأسرها، وسيشمل بالتالي كل موظفيها والعاملين فيها والذين يعيشون في أكنافها.
فهل نمتلك الشجاعة للاعتراف بأن ثقافة الكراهية تبدأ من مدارسنا وشاشاتنا وصحفنا ومساجدنا، وأن الانتحاري يلتحق بهذه الحركات للاختصاص بعد أن نكون قد أنجزنا له المرحلة التمهيدية لثقافة كارهة للآخر لا تراه إلا حطب جهنم وبئس المصير.


نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي