حالة الاستقطاب مستمرة

تنافس إماراتي على توطين الثقافة

لمياء ياسين/ هدى فابق




شاعر المليون أنجب أمير الشعراء
الثقافة هي الملاذ الأخير للدول التي لم يمنحها التاريخ ثقلاً حضاريًّا يوازي ثقلها المالي والاقتصادي.. فالثقافة تمكنها من إضافة رتوش تجميلية وأن تخط بوضوح ملامح صورة تصلح للتسويق على مستوى العالم.. صورة ذات تقاسيم إنسانية، تبرز الإنسان في مواجهة المادة على اعتبار أنه الأبقى.
هذا الأمر الذي أدركته دولة الإمارات العربية المتحدة واتخذته إستراتيجية جديدة في طريق منافستها التي بدأت اقتصاديًّا بتحويل دبي مركزًا اقتصاديًّا عالميًّا يفتح على مصراعيه لكل شيء.

تسابق الإمارات السبع -في مقدمتها دبي وأبو ظبي الإمارتان الكبيرتان- لتقديم صورة جديدة للإمارات ذات بُعْد تاريخي مستمد من التراث الصحراوي للجزيرة العربية بكل نتاجه، وبُعْد آخر ثقافي مستورد من الخارج لتوطين نتاجه في أرض تم تسميدها جيدًا لاستقبال كل ما هو جديد وتقبله بصدر رحب.. وذلك من خلال عدد من المؤسسات التي تم تدشينها لتنفيذ هذه الإستراتيجية.

دبي .. أضواء الشهرة

بدأت دبي بواحدة من أكثر الأنشطة الثقافية رواجًا على مستوى العالم.. السينما.. لتنظم ومنذ ثلاثة أعوام مهرجان دبي السينمائي الدولي الذي ولد كبيرًا، للحد الذي أثار مخاوف القائمين على مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الذي تجاوز من العمر ثلاثين عامًا ولم يصل إلى مستوى مهرجان دبي من حيث قدراته التنظيمية ونوعية وكمية ضيوفه الذين يزدادون عامًا بعد عام.. رغم كون الإمارات ما زالت تحبو في عالم السينما، ولم تقدم للشاشة الفضية سوى فيلمين!!.

كان بساط المهرجان الأحمر الذي خطا فوقه نجوم عالميون وعرب هو طريق دبي إلى بؤرة الأحداث السينمائية العالمية.. ضمن الإستراتيجية التي أعلنها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم -نائب رئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء حاكم دبي- التي تركز بشكل كبير على زيادة الوعي والاهتمام بالنشاطات الثقافية وتشجيع وتعزيز المواهب الثقافية، والتأكد من وجود وإطلاق فعاليات ثقافية عالية الجودة؛ ولهذا جاء إنشاء مجلس دبي الثقافي لرعاية الأنشطة الثقافية ليرعى بشكل (رسمي) تنفيذ الإستراتيجية.

صيف تثقيفي

ويُعَدّ ملتقى دبي للثقافة والفنون آخر أنشطتها والذي تم افتتاحه نهاية الشهر الماضي وسيستمر حتى نهاية أغسطس؛ محولاً أنظار سياح دبي الذين يؤمونها من كل مكان في العالم إلى أنشطة ترفيهية تحمل بُعدًا ثقافيًّا. حيث يضم الملتقى فعاليات وأنشطة مختلفة، من ضمنها تلك الخاصة بالفنون الجميلة مثل الرسم والتشكيل والتصوير الفوتوغرافي وفنون الخط العربي والحفر على الجبس والخشب وترميم المباني التاريخية.

أما في قسم المسرح، فهناك فنون التمثيل المسرحي للمبتدئين والمتقدمين ودورات التعبير الجسدي والسينوغرافيا وفنون الإخراج المسرحي، بينما سيتميز قسم السينما بعروض لمجموعة من الأفلام الإماراتية البارزة.

وفي قسم التراث سيتم تنظيم دورات على الحرف التراثية، منها الصوف والسعف والبخور والتلي.

أما في قسم الموسيقى، فهناك دورات في المبادئ الموسيقية وورشة في التدريب على الفنون الشعبية وفنون الرقص الحربي.

وفي فئة الأدب والعلوم هناك العديد من المحاضرات والدورات التدريبية التي تدور حول مواضيع مختلفة، مثل الشعر النبطي وعلم الفلك وغيرها العديد من المواضيع الممتعة الأخرى.

وعلى التوازي وترسيخًا لمبدأ المتابعة الإعلامية للأحداث الثقافية فقد تحولت مجلة دبي الثقافية إلى مجلة شهرية بعد أن كانت فصلية، وأعلنت عن واحدة من المسابقات الأدبية ذات الجوائز الكبيرة (100 ألف دولار) للقصة القصيرة والرواية والشعر والتي تُعَدّ الأضخم من نوعها على مستوى المسابقات الأدبية.

ذهب الشعر

تلعب إمارة أبو ظبي دورها في تجميل وجه الإمارات الثقافي باحتراف أكبر، خصوصًا عند مقارنتها بما تملكه إمارة دبي من شهرة؛ إذ بقيت أبو ظبي مقرًّا سياسيًّا للحكم ولا تملك سوى قصر الحصن تاريخًا يسندها في سعيها نحو الأضواء.

ومن هنا كانت هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث التي خطت بوضوح خطوطًا عريضة لملامح أبو ظبي الثقافية وإن ظلت رسمية، فقدمت وجبة دسمة من المسابقات الثقافية الشعرية على وجه الخصوص مثل مسابقتي "أمير الشعراء" لشعر الفصحى التقليدي.

والمسابقة تتم عبر حلقات تلفزيونية يتبارى فيها عدد من الشعراء للحصول على لقب أمير الشعراء عن طريق لجنة تحكيم مكونة من عدد من أساتذة الشعر على مستوى العالم العربي، وكان قد تقدم للمسابقة أكثر من 5500 شاعرًا وشاعرة من 25 دولة عربية وأجنبية تأهل منهم للمرحلة النهائية 35 شاعرًا يتسابقون على الهواء لمدة عشرة أسابيع لاختيار الأمير.

ويلاحظ أنه لن يقتصر التكريم عند حدوده الأدبية فقط والحصول على اللقب، بل سيتعداه إلى الحصول على مبلغ مالي ضخم، فسينال الفائز الأول مبلغ مليون درهم إماراتي وميدالية ذهبية ووشاح يحمل شعار المهرجان، أما الفائز الثاني فسيحصل على 500 ألف درهم إماراتي وميدالية فضية ووشاح يحمل شعار المهرجان، وسيحصل الفائز الثالث على 300 ألف درهم إماراتي وميدالية برونزية ووشاح يحمل شعار المهرجان، هذا بالإضافة إلى أن إدارة المهرجان ستتكفل بإصدار دواوين شعرية مقروءة ومكتوبة لأصحاب المراكز الخمسة في المهرجان.

وتأتي مسابقة أمير الشعراء استثمارًا للنجاح الجماهيري الكبير الذي حققه مهرجان "شاعر المليون" للشعر النبطي الذي أقيم في إبريل الماضي في محاولة لاجتذاب محبي الشعر النبطي، والتأكيد على خصوصية الثقافة الخليجية في واحد من وجوهها.. فقد حظي المهرجان والبرنامج الذي عرض على حلقات بنسبة مشاهدة عالية لينافس بقوة "ستار أكاديمي" ومباريات كرة القدم مع المنافسة الدائرة بين 40 شاعرا وشاعرة يمثلون قبائل المنطقة التي استنفرت قواها للحصول على اللقب.

وبالتوازي مع هذه المهرجانات وفي سابقة جديدة على الشعر العربي افتتحت "أكاديمية للشعر العربي" التي تعنى بالإبداع الشعري بشكل علمي ومنهجي؛ لتعزيز الهوية الوطنية والعربية ومنح الشعر ما يستحقه من دراسة ومتابعة بصورة معاصرة، وتتبنى الشعراء الشباب وتوجههم وتوفر لهم الفرصة للنشر والانتشار.

ولا تهدف الأكاديمية إلى تكوين شعراء "لأن الشعر لا يعلَّم"، وإنما رعاية الموهوبين وإفادة العامة الراغبين في دراسة الشعر وصقل ثقافاتهم. وتنقسم الأكاديمية إلى ثلاثة أقسام: القسم العلمي ويتولى عقد الدورات العلمية والندوات البحثية الخاصة بالأدب الشعبي ومكوناته وجمعه من مصادره الأصلية وتدوينه وتوثيقه وأرشفته، يليه قسم المسابقات الشعرية المشرف على المشاريع الثقافية والمسابقات والبرامج المرتبطة بالشعر والثقافة كمسابقتي أمير الشعراء وشاعر المليون. أما الثالث فهو قسم الإصدارات الذي يشرف على المطبوعات ومختلف وسائل النشر وإعداد الموسوعات الشعرية (الفصيحة والنبطية) والمكتبة والمخطوطات والدوريات.

مشاريع رسمية

كما تقيم هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث معرض أبو ظبي للكتاب الذي حجز مكانًا له على جدول معارض الكتاب الدولية وأتم عامه السابع عشر العام الحالي، كما تبنت الهيئة فكرة جائزة علمية باسم الشيخ زايد في 9 فروع من المعارف.. جائزة للتمنية وإدارة الدولة، وأدب الأطفال، وللمؤلف الشاب، وللترجمة، وللآداب، وللفنون، ولأفضل تقنية في المجال الثقافي، وللنشر والتوزيع، ولشخصية العام الثقافية.. الجائزة التي تحمل تقديرًا لمجهودات الشيخ زايد في فروع التنمية والثقافة هي صيغة جديدة لجذب انتباه المثقفين العرب والأجانب على حد سواء.

لم يقتصر اهتمام الهيئة على الثقافة المكتوبة والمقروءة فقط، ولكن تعداها إلى الموسيقى المتناسبة مع الثقافة والتراث العربي؛ فاستقطبت بيت العود للفنان العراقي نصير شمة؛ ليفتح فرعًا لبيته بأبو ظبي يدرس فيه العود وفنونه، بالإضافة إلى عدد من الآلات الأخرى في الطريق إلى تكوين فرقة أساسية بالإمارات.

أشياء لا تشترى

قد يقبل الفرنسيون وغيرهم بترحيب افتتاح فرع للسوربون خارج الأراضي الفرنسية، على اعتبار أن العلم للجميع ومن هنا جاء إنشاء فرع السوربون بأبو ظبي خبرًا سارًّا لجميع الأطراف.. لكن الأمر لم يكن بذات السهولة مع توقيع عقد بناء فرع للّوفر الفرنسي في إمارة أبو ظبي الثرية ذلك المتحف الذي يضم تاريخ العالم بين جدرانه.. ويُعَدّ معلمًا أساسيًّا من معالم باريس ويشكل جزءًا من هوية فرنسا.

هذا ما دفع الفرنسيين وغيرهم من عشاق الفنون لإعلان استيائهم من توقيع الحكومة الفرنسية عقدًا مع حكومة أبو ظبي بعد مفاوضات دامت لمدة عام نجحت خلالها أبو ظبي في الضغط على باريس للقبول بشروطها وإتمام الصفقة المربحة بالنسبة للطرفين على حد سواء، ففرنسا ستتقاضى 700 مليون دولار سنويًّا على مدى عشرين عامًا، في مقابل سماحها لأبو ظبي بعرض أعمال موجودة في المتاحف الفرنسية، فيما ستتمكن أبو ظبي من تحقيق السياحة الثقافية التي تفتقدها الإمارات عمومًا؛ نظرًا لحداثة عهدها بالمدنية.

ليس اللوفر وحده هو الذي يستعد لافتتاح فرع له في أبو ظبي مع حلول عام 2012، ولكن أيضًا متحف غوغنهايم في نيويورك والذي لا يُعَدّ فرع أبو ظبي الأول بالنسبة له.. فهو حريص على استثمار ما يضمه من كنوز ثقافية عن طريق تسويقها في الثقافات القادرة على دفع الثمن.. وربما هو ما سهل على أبو ظبي المهمة.

بين ثقافتين

تواجه الثقافة في الإمارات مأزقًا مزدوجًا بين رسمية الأداء الثقافي الممارس حاليًّا والذي تتبناه مؤسسات حكومية بمشاركة غير مذكورة من الشعب الموكل الحقيقي بإفراز الثقافة الحقيقية لأي شعب؛ وهو ما يجعل الثقافة تبدو كمكون مفصول عن الأرض معلق كناطحات السحاب التي تغطي سماء دبي.. المأزق الآخر يتمثل في الاعتماد على الثقافات الأجنبية في إكمال نواقص اللوحة الثقافية للدولة والتي تبدو كأنها بناء على ماء.

ومع هذا تظل الأسئلة قابلة لإجابات تأتي على غير المتوقع.. إلام ستئول الإمارات في غضون السنوات القليلة القادمة؟ هل تكمل الإبحار مع التيار الجارف الذي ينذر بتحولات باتت ملموسة في هوية البلد الأصلية؟ هل تتحول دبي إلى عالم صغير متعدد الهويات، فيما يشبه الولايات المتحدة الأمريكية، ويفقد البلد هويته الأصلية حقًّا، كما يتخوف البعض؟ أم تنتبه من أسْر التجربة المبهرة وتحتفظ بهويتها العربية الأصيلة المحافظة؟ هل يتخلص السكان الأصليون مما علق بألسنتهم من مئات الألفاظ، ومن عشرات اللغات التي أحاطت بهم في دارهم؟ ماذا ستلبس الأجيال القادمة؟ هل تصبح "الدشداشة والشماخ" والعباءة النسائية تراثًا؟.