رسالة عتاب إلى الدكتور توفيق السيف


د . أحمد التويجري
كنت - وما زلت - أعتقد أن الأخ العزيز الدكتور توفيق السيف واحدٌ من أكثر مثقفي الشيعة اعتدالاً، وكنت - وما زلت - أعقد عليه وعلى أمثاله من مثقفي الشيعة المستنيرين آمالاً عريضة في تصحيح التشوهات الكبيرة والكثيرة التي أصابت المذهب الاثني عشري، لكنه فاجأني - وللأسف الشديد - قبل أسابيع بمداخلة له في برنامج حراك، الذي يقدمه الأخ الحبيب والصديق العزيز الدكتور عبدالعزيز قاسم، كشفت عن جانب مختلف عمّا عهدته فيه، جمع بين بُعد طائفي، واستعداء للسلطة على المخالفين، وكلا الأمرين يصعب تصور صدوره من مثقف مستنير بمكانة الدكتور توفيق - وفقه الله -. وقد تصورت حينها أنه كان ضحية انفعال لحظي، دفعه إلى قول ما لا يعبّر عن حقيقة مواقفه وتصوراته، لكنني فوجئت مرة أخرى - وللأسف الشديد - بإطلاقه قبل ثلاثة أيام تغريدتين يعلّق فيهما على كلام لفضيلة الشيخ عبدالعزيز الفوزان، كشفتا عن توفيق آخر يختبئ في ثيابه غير توفيق الذي نعرف.

يقول الدكتور توفيق - وفقه الله إلى الحق والخير - في أولى تغريدتَيْه موجهاً كلامه لفضيلة الشيخ عبدالعزيز الفوزان ما نصه: "لا أدري أيهم أكثر، جهلك بالمسيحية أم جهلك بالتشيع أم سوء أدبك. أسفي لشباب ينزلقون للتكفير والتفجير تبعاً لتوجيه أمثالك". ويقول في الثانية ما نصه: "التأمل أن تعيين الفوزان مع شدة ميوله التكفيرية في هيئة حقوق الإنسان أشبه بتعيين الحرامي حارساً".

حاولت جاهداً أن أجد أعذاراً لأخي توفيق تبرر حدته وسوء تعبيره، لكني لم أجد عذراً مقنعاً - وللأسف الشديد -. ولا أدري ما ستكون ردة فعله لو قلت له كارهاً غير راضٍ، ومضطراً غير مختار، وبمنهجه الذي اتبعه: "لا أدري أيها العزيز توفيق أيهم أكثر، أهو جهلك بعقائد مذهبك أم جهلك بالنصرانية أم سوء أدبك الذي جعلك تصف عالماً من خيرة العلماء بالحرامي؟".

إن الشيخ عبدالعزيز الفوزان - حفظه الله - لم يقل ما قاله عن التشيع في تغريدته من عند نفسه، وإنما كان يعلق على أقوال قس نصراني مصري مشهور، وقد وضع الرابط للفيديو الذي تحدث فيه القس عن استنساخ الشيعة الاثني عشرية لكثير من معتقدات النصارى. وإن من أعجب العجب أن تثور ثائرة الدكتور توفيق على فضيلة الشيخ عبدالعزيز وهو معلق على ما قاله القس المصري، ولا يحرك ساكناً على الإطلاق تجاه القائل الأصلي!!!

كما أن من أعجب العجب حشر موضوع التكفير والتفجير من قِبل الدكتور توفيق في تغريدتَيه دون مبرر على الإطلاق، بل هو في نظري أمر مستهجن من أوجه عدة: فمن جانب لم يُعرف عن فضيلة الشيخ عبدالعزيز الفوزان - حفظه الله - إلا الاعتدال والوسطية والتوازن في الفكر والسلوك، كما لم يُعرف عنه إلا أنه من أكبر المحاربين للتطرف وأشد الفاضحين للتكفيريين. وإن محاولة إلصاق تهمتَيْ التكفير والتحريض على التفجير بفضيلته افتراء محض، وفجور في خصومة، وسقوط أخلاقي لا يليق بمثل الدكتور توفيق - وفقه الله -. ومن جانب آخر، فإنني أعتقد أن آخر من لهم الحق بتوجيه الاتهامات فيما يتعلق بالتكفير والغلو فيه هم إخواننا الشيعة الاثنا عشرية لأسباب يعلمها الراسخون في العلم منهم، سأوضح بعضها لاحقاً - بإذن الله -.

كنت أتمنى لو أن الدكتور توفيق –وفقه الله للحق والخير- قرأ قبل أن يتورط فيما تورط فيه مقالاً كتبه الأديب والكاتب المبدع الدكتور زياد الدريس ضمن مقالاته الأسبوعية في صحيفة الحياة بعنوان: ("سوسيولوجيا الدماء الدينية" ثنائية المسيح/ الحسين)، أورد فيه في إطار سوسيولوجي محض مقارنات كثيرة بين معتقداتٍ وممارساتٍ شيعية ونصرانية، واستشهد بدراسات بيّنت حجم الاقتباسات الشيعية من النصرانية بوجه عام، وفيما يتعلق بطقوس عاشوراء بوجه خاص. كان من ضمن الأمور المهمة الكثيرة التي أوردها الدكتور زياد - حفظه الله - في مقاله المتقن ما نقله عن المؤرخ حسن الأمين، وهو قوله: "إنه كان في بلاد القفقاس مسيحيون يقومون بتعذيب أجسادهم فداء للسيد المسيح، وكان في القفقاس عدد قليل من الشيعة نقلوه إلى إيران عندما كانوا يذهبون لزيارة ضريح الإمام علي بن موسى الرضا".

كما نقل عن الدكتور علي شريعتي قوله في كتابه المشتهر (التدين العلوي والتدين الصفوي): "إن وزير الشعائر الحسينية في ظل الحكم الصفوي بإيران قد ذهب إلى أوروبا الشرقية، وأجرى هناك تحقيقات ودراسات واسعة حول المراسيم الدينية والطقوس المذهبية والمحافل الاجتماعية المسيحية وأساليب إحياء ذكرى شهداء المسيحية والوسائل المتبعة في ذلك، حتى أنماط الديكورات التي كانت تزين بها الكنائس في تلك المناسبات، واقتبس تلك المراسيم والطقوس وجاء بها إلى إيران بعد إجراء تعديلات عليها. وإن من بين تلك الطقوس النعش الرمزي والضرب بالزناجيل والأقفال والتطبير".

إن كل متأمل بإنصاف في التقاطعات بين التشيع والنصرانية لا يملك إلا أن يجزم بعمق التأثر الشيعي الاثني عشري بكثير من المفاهيم والطقوس في الديانة المسيحية، بدءاً من منحى التثليث في المسيحية (الرب - المسيح - مريم العذراء) الذي يقابله وبخاصة لدى الغلاة من الشيعة (علي - الحسين - فاطمة)، وانتهاء بمفهوم التطهر بالدماء وعودة ظهور المخلّص. وإن من أعجب العجب ألا يكون مثقف بمكانة الدكتور توفيق السيف مطلعاً على هذه الحقائق، بل على الدراسات العلمية الكثيرة التي ناقشت وبيّنت بمنهج علمي أوجه التشابه بين المعتقدات والممارسات الشيعية والنصرانية، ومنها الدراسة التي أجراها الأستاذ فتحي محمد الزغبي في جامعة الأزهر عام 1985م بعنوان "غلاة الشيعة وتأثرهم بالأديان المغايرة للإسلام (اليهودية، المسيحية والمجوسية)"، ورسالة الدكتوراه التي أعدتها بسمة بنت أحمد محمد جستنية عام 1425هـ بعنوان "أثر الديانات الوثنية في عقائد الرافضة"، ورسالة الماجستير التي أعدها الباحث أحمد محمد المغربي تحت إشراف العلامة الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله - عام 1401هـ بعنوان "دور اليهود في الفرق الباطنية".

ولعل أخي توفيق -وفقه الله للحق والخير- يتأمل مليّاً في هذا النص من العهد القديم (سفر العدد الإصحاح ٢٧) ويقارنه بمرويات الشيعة عن حادثة غدير خم التي تعد المرتكز الأعظم للولاية التكوينية في المعتقد الاثني عشري:

"فكلم موسى الرب قائلاً ليوكّل الرب إله أرواح جميع البشر رجلاً على الجماعة
يخرج إمامهم ويدخل إمامهم ويخرجهم ويدخلهم لكيلا تكون جماعة الرب كالغنم التي لا راعي لها فقال الرب لموسى خذ يشوع بن نون رجلاً فيه روح وضع يدك عليه وأوقفه قدام العازار الكاهن وقدام كل الجماعة وأوصه أمام أعينهم واجعل من هيبتك عليه لكي يسمع له كل جماعة بني إسرائيل فيقف أمام العازار الكاهن فيسأل له بقضاء الأوريم أمام الرب حسب قوله يخرجون وحسب قوله يدخلون هو وكل بني إسرائيل معه كل الجماعة ففعل موسى كما أمره الرب أخذ يشوع وأوقفه قدام العازار الكاهن وقدام كل الجماعة ووضع يديه عليه وأوصاه كما تكلم الرب عن يد موسى".

هل يمكن حتى لجاهل - دع عنك مثقفاً - ألا يلحظ التشابه الكبير بين الروايتين؟

إنني لا يساورني شك في أن أخي الدكتور توفيق - حفظه الله - يعلم ويدرك حجم ما تعرض له المذهب الاثني عشري من دس وتشويه على امتداد التاريخ، سواء أكان ذلك من قِبل أعداء الدين في المراحل الأولى لتكوّن المذهب، أم من قِبل سياسيين انتهازيين كما حصل في العهد الصفوي الفارسي. كما لا يساورني شك في أن أخي الدكتور توفيق - حفظه الله - من طلائع الإصلاحيين في المجتمع الشيعي، ومن أحرصهم على تصحيح المذهب الاثني عشري وتنقية معتقداته، وإعادته إلى أصوله النقية التي كان عليها أئمة آل البيت - عليهم رضوان الله وسلامه -.

وأما موضوع التكفير الذي شغب به الدكتور توفيق على فضيلة الشيخ عبدالعزيز الفوزان، واتهمه به، وما أكثر شغب الشيعة على مدرسة السلف التي يسمونها الوهابية، واتهامهم لها زوراً وبهتاناً بالتكفير، فكما قلت من قبل: إن الشيعة الاثني عشرية بعد الانحرافات التي أصابت المذهب هم آخر من له الحق في الحديث عن التكفير؛ لأن جمهور علماء المذهب الاثني عشري هم في نظري أكبر التكفيريين في العالم.

ولكي يكون أخي الدكتور توفيق على بيّنة من هذه الحقيقة التي يصعب عليّ تصور أن مثله يجهلها، فإنني أذكره بما قاله المفيد إمام الطائفة –وهو من غفر الله له- في أوائل المقالات ملخصاً موقف المذهب الاثتي عشري من جميع مخالفيهم، ومنهم الزيدية والإسماعيلية من الشيعة، ونصه: "واتفقت الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى من فرض الطاعة فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار".

وبناء على هذا التصور فقد حكم علماء المذهب الاثني عشري بردة جميع الصحابة ما عدا ثلاثة أو أربعة أو تسعة أو أربعة عشر، على اختلاف في الروايات، كما حكموا بكفر جميع المسلمين من غير الشيعة الاثني عشرية. قال يوسف البحراني في كتابه الحدائق الناظرة (ج5 ص177): "إن الأخبار المستفيضة بل المتواترة دالة على كفر المخالف غير المستضعف ونصبه ونجاسته". وقال أيضاً: "وليت شعري، أي فرق بين من كفر بالله سبحانه ورسوله ومن كفر بالأئمة عليهم السلام".

وقال الفيض الكاشاني في منهاج النجاة (ص48 ط دار الإسلامية بيروت): "ومن جحد إمامة أحدهم ـ أي الأئمة الاثني عشر ـ فهو بمنزلة من جحد نبوة جميع الأنبياء". وقال المجلسي في البحار (ج65 ص281): "إن من لم يقل بكفر المخالف فهو كافر أو قريب من الكافر".

وقال في البحار أيضاً (ج23 ص390): "اعلم أن إطلاق لفظ الشرك والكفر على من لم يعتقد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من ولده عليهم السلام وفضل عليهم غيرهم يدل على أنهم مخلدون في النار". وجاء في جامع أحاديث الشيعة (ج1 ص503): "والذي بعثني بالحق لو تعبد أحدهم ألف عام بين الركن والمقام ثم لم يأتِ بولاية علي والأئمة من ولده عليهم السلام أكبه الله على منخريه في النار".

وقال عبد الله المامقاني في تنقيح المقال (1/ 208 باب الفوائد ط نجف): ""وغاية ما يستفاد من الأخبار جريان حكم الكافر والمشرك في الآخرة على كل من لم يكن اثني عشرياً ".

بل لقد ذهب جمهور علماء المذهب الاثني عشري إلى ما هو أبعد وأشنع من هذا؛ فقد حكموا بنجاسة المخالفين. قال الخوئي في كتابه منهاج الصالحين (1/ 116 ط نجف) في عدد الأعيان النجسة: "وهي عشرة"، إلى أنْ قال "العاشر الكافر وهو من ينتحل ديناً غير الإسلام أو انتحل الإسلام وجحد ما يُعلم أنه من الدين الإسلامي.. ولا فرق بين المرتد والكافر الأصلي الحربي والذمي والخارجي والغالي والناصب". وقال محسن الحكيم في كتابه العروة الوثقى (1/ 68 ط طهران): "لا إشكال في نجاسة الغلاة والخوارج والنواصب".

وقال الخميني في تحرير الوسيلة (1/ 119): "غير الاثني عشرية من فرق الشيعة إذا لم يظهر منهم نصب أو معاداة وسب لسائر الأئمة الذين لا يعتقدون بإمامتهم طاهرون، وأما مع ظهور ذلك منهم فهم مثل سائر النواصب".

وقال في (ص 118 ط بيروت): "وأما النواصب والخوارج لعنهما الله تعالى فهما نجسان من غير توقف". وقال محمد بن علي القمي الصدوق في ثواب الأعمال وعقاب الأعمال (ص352 ط بيروت) عن الإمام الصادق أنّه قال: "إنَّ المؤمن ليشفع في حميمه إلاّ أنْ يكون ناصبياً، ولو أنَّ ناصباً شفع له كل نبي مرسل وملك مقرب ما شفعوا". ويروي في الصفحةِ ذاتها عن أبي بصير عن الصادق "إنَّ نوحاً عليه السلام حمل في السفينة الكلب والخنزير ولم يحمل ولد الزنا، والناصب شر من ولد الزنا".

ولكي يكون أخي الدكتور توفيق - حفظه الله - على بينة من حقيقة المقصود بالناصب في النقولات السابقة فإنني أؤكد له أن الناصب في المصطلح الاثنى عشري هو السني ومن نهج نهجه، أي من فضل وقدم أبا بكر وعمر وعثمان على علي - رضي الله عنهم أجمعين -. قال الجزائري في الأنوار النعمانية (2/ 307 ط تبريز): "ويؤيد هذا المعنى أنَّ الأئمة عليهم السلام وخواصهم أطلقوا لفظ الناصبي على أبي حنيفة وأمثاله، مع أنه لم يكن ممن نصب العداوة لآل البيت". وقال حسين بن الشيخ محمد آل عصفور البحراني في المحاسن النفسانية في أجوبة المسائل الخراسانية (ص157 ط بيروت): "على أنك قد عرفت سابقاً أنه ليس الناصب إلا عبارة عن التقديم على عليٍّ عليه السلام".

وقال في ص147 من الكتاب نفسه: "بل أخبارهم تُنادي بأنَّ الناصب هو ما يُقال له عندهم سنياً". ويقول في الموضع نفسه: "ولا كلام في أنَّ المراد بالناصبة هم أهل التسنّن". وقال حسين بن شهاب الدين الكركي العاملي في كتابه هداية الأبرار إلى طريق الأئمة الأطهار (ص106 ط1): "كالشبهة التي أوجبت للكفار إنكار نبوة النبي صلّى الله عليه وسلم والنواصب إنكار خلافة الوصي".

وأفظع من هذا كله أن الاثني عشرية بناء على هذه التصورات أباحوا دم غيرهم وماله وعرضه. قال الصدوق في علل الشرائع (ص601)، والحر العاملي في وسائل الشيعة (18/ 463)، والجزائري في الأنوار النعمانية (2/:308): "عن داود بن فرقد قال: قلتُ لأبي عبد الله عليه السلام: ما تقول في قتل الناصب؟ قال: حلال الدم، ولكن اتق عليك فإن قدرت أن تقلب عليه حائطاً أو تغرقه في ماء لكيلا يشهد عليك فافعل. قلتُ: فما ترى في ماله؟ قال: توه ما قدرت عليه". وقال الجزائري في الأنوار النعمانية (2/ 308): "وفي الروايات أن علي بن يقطين وهو وزير الرشيد قد اجتمع في حبسه جماعة من المخالفين، وكان من خواص الشيعة، فأمر غلمانه وهدوا سقف الحبس على المحبوسين فماتوا كلهم، وكانوا خمسمائة رجل تقريباً، فأراد الخلاص من تبعات دمائهم فأرسل إلى مولانا الكاظم فكتب عليه السلام إليه جواب كتابه بأنك لو كنت تقدمت إلي قبل قتلهم لما كان عليك شيء من دمائهم وحيث إنك لم تتقدم إلي فكفّر عن كل رجل قتلته منهم بتيس والتيس خير منه".

وقال أبو جعفر الطوسي في تهذيب الأحكام (4/ 122 ط طهران)، والفيض الكاشاني في الوافي (6/ 43 ط دار الكتب الإسلامية طهران) عن الإمام الصادق: "خذ مال الناصب حيثما وجدته وادفع إلينا خُمسه". وقال الخميني في تحرير الوسيلة (1/ 352): "والأقوى إلحاق الناصب بأهل الحرب في إباحة ما اغتنم منهم وتعلق الخُمس به بل الظاهر جواز أخذ ماله أين وُجد وبأي نحو كان وادفع إلينا خُمسه".

وقال يوسف البحراني في الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة (12/ 323-324): "إن إطلاق المسلم على الناصب وإنه لا يجوز أخذ ماله من حيث الإسلام خلاف ما عليه الطائفة المحقة سلفاً وخلفاً من الحكم بكفر الناصب ونجاسته وجواز أخذ ماله بل قتله".

هذا، وللأسف الشديد هو موقف جمهور علماء المذهب الاثني عشري، وهو يلخص مدى الانحراف الذي أصاب هذا المذهب، ومدى الغلو والتطرف الذي بلغه في التكفير، وما أبعد مدرسة آل البيت - عليهم رضوان الله - عن مثل هذا الغلو، ورضي الله عن الأئمة من آل محمد فما كانوا والله ليقروا مثل هذه الشناعات، دع عنك أن يقبلوا أن تنسب إليهم أو إلى مدرستهم.

وفي المقابل، فإن من المعلوم المشتهر أن أهل السنة والجماعة بجميع مدارسهم، وفي مقدمتها مدرسة السلف التي ينتمي إليها فضيلة الشيخ عبد العزيز الفوزان حفظه الله، لا يكفرون أحداً من أهل القبلة، دع عنك أن يحكموا بنجاسة مخالفيهم من المسلمين، أو يستحلوا دماءهم وأعراضهم وأموالهم كما فعل الاثنا عشرية والعياذ بالله. قال ابن تيمية - رحمه الله - في الفتاوى (١/ ٣٨١): "فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم؛ لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمن كذب عليك وزنى بأهلك ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله؛ لأنَّ الكذب والزنا حرامٌ لحق الله، وكذلك التكفير حق لله، فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله".

وقال الشيخ محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله -: "وأما القول: إنا نكفر بالعموم فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون به عن هذا الدين، ونقول سبحانك هذا بهتان عظيم" (الرسائل الشخصية 15/ 101). وقال رحمه الله: "من أظهر الإسلام وظننا أنه أتى بناقض لا نكفره بالظن؛ لأن اليقين لا يرفعه الظن، وكذلك لا نكفر من لا نعرف منه الكفر بسبب ناقض ذكر عنه ونحن لم نتحققه" (الرسائل الشخصية ٢٣/ ٢). وقال رحمه الله: "وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله". (مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (3/ 34).

إن أملي أن يبادر الدكتور توفيق بالاعتذار لفضيلة الشيخ عبدالعزيز الفوزان - حفظه الله - على اتهامه زوراً وبهتاناً بالتكفير والتحريض على التفجير، وعلى تشبيهه بالحرامي، فما أظلم التهمتين وأشنعهما، وقبل ذلك وبعده إن أملي كبير بأن يشمر الدكتور توفيق ونظراؤه من مثقفي الشيعة عن سواعدهم، وأن يوحدوا جهودهم لتطهير المذهب الاثني عشري من الدسائس الكثيرة التي دست عليه والتشوهات الضخمة التي تعرض لها عبر التاريخ، وفي مقدمتها نزعة تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأعراضهم وأموالهم، بل وعدهم نجسين والعياذ بالله، وأن يعيدوا المذهب إلى ينابيعه الصافية التي كانت عليها مدرسة آل البيت عليهم السلام، التي هي نفسها ما كانت عليه مدرسة السلف الصالح من أهل السنة والجماعة.

أسأل الله - عز وجل - أن يهدينا جميعاً لما اختلف فيه من الحق، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. والحمد لله من قبل ومن بعد.