مشكلة التراث والتجديد في مشروع "التراث والتجديد"
الثلاثاء 25 نوفمبر / تشرين الثاني 2014 - 21:27
د. جيلالي بوبكر
استاذ جامعي / الجزائر
إنّ مشروع 'التراث والتجديد' لدى حسن حنفي ينطلق من التراث لا لإحيائه وبعثه والمحافظة عليه فحسب بل لتوظيف ما فيه من طاقات وشحنات مختزنة في الحاضر فيصير التراث بذلك ماض يحيا ويساهم بإيجابية وفعّالية في بناء الحاضر ومساهمته في الوصول إلى المستقبل، فالتراث مسؤولية شخصية وقومية في سياقها التاريخي والحضاري، تتفاعل مع الزمان والتاريخ والحضارة باستمرار من دون توقف. أما التجديد فليس من باب الدفاع عن التراث وتبجيله بكل الطرق، وبكل ما أوتينا من قوة، وليس التجديد غاية في ذاته، قيمة في ذاته بل هو وسيلة للبحث عن ذات الأمة وروح الإنسان وتطويرها كأداة ووسيلة لتطوير الواقع واكتشاف لعوامل الضعف والتخلف والنقص فيه من جهة ولعوامل القوة والإبداع والأصالة من جهة ثانية، فالتجديد هو دراسة الأمة في أبعادها الفردية، النفسية والاجتماعية والتاريخية والحضارية حصراً لأسباب التقهقر وتحديدا لعوامل الانطلاق في التحضر، وهذا يتأتّى من خلال موقف حضاري محكم، ومعلوم الأسس والمنهج والأهداف، وفي غياب هذا الموقف تزداد المشكلة تفاقماً، وبما أن مجتمعاتنا تراثية تاريخية ما زال التراث فيها هو مخزونها النفسي والاجتماعي يحدد ويوجّه سلوك أفرادها، لا يمكن الاستغناء فيها عن التراث البتّة، كان لزاماً على أفرادها التعاطي مع التراث بمنهج يسمح بقراءته من خلال الواقع المعاش الذي يعيش الوافد الحديث الموروث من فكر وثقافة وعلوم مصدرها الغرب. وأمام وضعية الأنا والآخر تُطرح مشكلة التراث والحداثة أو التراث والتجديد أو الأصالة والمعاصرة، ويغرق الفكر في العالم العربي والإسلامي المعاصر في هذه الثنائيات منذ بداية عصر النهضة، وتظهر الاتجاهات المختلفة بين دعاة القديم ودعاة الجديد ودعاة الجمع والتوفيق بين القديم والجديد. لكن في خضم هذا النقاش الفكري والخطاب الثقافي حول مشكلة 'التراث والتجديد' اتّضحت معالم وأفكار كل اتجاه من هذه الاتجاهات، واتضح النقص والقصور بعد ذلك في كل واحد منها، فلا نجد أياًّ منها استطاع أن يقدم مشروعاً حضارياً قومياً يتجاوز من خلاله أزمة 'التراث والتجديد' كمشكلة تاريخية وفكرية ونظرية وحضارية عامة.
أصبح الوضع الحالي لمشكلة التراث والتجديد تتنازعه ثلاثة حلول أو مناهج أو اتجاهات، اتجاه يكتفي بالحل الذاتي الأصيل ويرفض غيره من الحلول الأخرى المستوردة من أيّة جهة كما يرفض الحلول المبتكرة من هنا أو هناك بدعوى أن جميع الحلول لمشكلات التخلف والضعف الفكري والاجتماعي موجودة في تراثنا العربي الإسلامي الذاتي الخالص، "ولا يصلح آخر هذه الأمة إلاّ بما صلح به أوّلها." ويضفي هذا الاتجاه على التراث صفة القداسة ويجعل منه مصدر فخر واعتزاز في الحاضر، ولا يرى تعارضاً بين هذا التراث بسياقه التاريخي الاجتماعي الحضاري والواقع الحالي وله هو الآخر سياقه التاريخي والحضاري والاجتماعي الخاص به، فالتراث عنده قيّم وأبنية فكرية وأخلاقية واجتماعية وحضارية صالحة لكل زمان ومكان وتدهور الوضع الحالي للواقع المعاصر في الأمة يعود إلى كونها رمت التراث وراء ظهرها وانغمست في ثقافة غربية غريبة عن هوية الأنا فكان الفساد والتخلف والضياع في مختلف قطاعات الحياة. وأصبح "التاريخ يسير في تدهور مستمر، وأن قيمة التاريخ كانت في عصر ذهبي في الماضي، وأنه لا يمكن اللّحاق بهذه القمّة من جديد، فذاك عصر الطهارة قد انقضى وولّى." هذا الاعتزاز بالقديم على حساب الواقع والحاضر وسُنّة التغيير في حياة الإنسان في هذا العالم هو شكل من أشكال التعويض عن قصور الجيل وضعف النشء في حلّ مشكلة التراث والتجديد ومشكلة الحضارة بالهروب إلى الماضي التليد، وهو هروب من المسؤولية الشخصية والقومية والإنسانية، هروب يزيد المشكلة تفاقماً وتعقيداً وتعميقاً خاصة إذا صنع الفخر بالماضي الخضوع للعاطفة القومية التي تبعث النعرة المحلية التي وصلتنا من المسار الحضاري الغربي الحديث. كما يعمد الجيل بعد هروبه نحو القديم متجرداً من مسؤوليته بدرجاتها المختلفة وبعد تجاهله الواقع والعمل خارج الحاضر ومشكلاته وتحدياته المختلفة نجده ذا اتجاه خطابي حماسي استهلاكي سرعان ما ينكشف ضعفه وتظهر نقائصه ويعجز عن الاستمرار والتواصل لا مع الماضي ولا مع الحاضر و لا مع الواقع لأنه انفعالي وخالي من العقل والمعقولية.
فهو موقف لا يحافظ على التراث وعلى وحدة الأنا مثلما يزعم أصحابه لأن المحافظة على القديم وعلى الأنا يعني الوعي بالمشكلة، واليقظة في حلّها إلاّ أن "هذا الموقف يكشف عن وضع اجتماعي لفئة معينة من الناس، تبغي المحافظة على مكاسبها والبقاء في مناصبها إلى مكاسب أعظم ومناصب أعلى عن طريق المزايدة في الدين، والحمية في الدفاع عنه فهي ظاهرة اجتماعية أكثر منها ظاهرة فكرية وكثيراً ما تتحد الظواهر ببنائها الاجتماعي." فيفتقر هذا الاتجاه إلى النظرة الواعية واليقظة اللاّزمة، والمنهج العلمي، والفكر الحي لأن الماضي عنده قيمة مطلقة فقط لتثبيت سلطانه والدعوة إلى المحافظة على التراث وتمجيده ضرب من النفاق أدّى في النهاية إلى العجز والفشل مع الماضي والحاضر معاً مع التراث والعصر، مع الوحي والواقع، مع الأنا والآخر. بقيت الدعوة إلى التمسك بالماضي فوق الواقع والحاضر وتحدياته هي مجرد عزاء عن الواقع المرير المظلم في كل جانب من جوانبه. وهو فشل فكري وعجز تام عن القيام بأي دور في تغيير المجتمع ولم يبق لهذا الاتجاه إلاّ الارتباط بالجماهير في المناسبات الدينية.
أما الاتجاه الثاني الذي انبرى لمشكلة التراث والتجديد يعمل على حلّها على حساب التراث القديم. فالتراث عنده ليس قيمة في ذاته فهو خالي كلياً من عوامل التقدم ودوافع التحضر، ومجرد الاتصال به مدعاة إلى التخلف والتراجع والتقهقر وضرب من الاغتراب وغياب الشجاعة والإقدام وتجرد من المسؤولية في اتخاذ موقف جذري وشقّ الطريق نحو التغيير والبناء داخل المجتمع من خلال الجديد في الثقافة والعلوم، لأن الجديد علمي عالمي. "والحقيقة أن هذا الموقف يكشف أيضاً عن وجود فئة من الناس استطاعت أن تحقق ما لم يصل إليه سائر أفراد المجتمع من علم وحماس وشجاعة ورغبة في التغيير وجذرية ونقاء... فهي على حق من حيث المبدأ وعلى خطأ من حيث الواقع، فتسرع بإعادة البناء والقديم مازال قائماً بعد، تبني فوق بنيان متهدم قائم دون أن تُكمل الهدم لتعيد البناء من جديد. وحياة الشعوب لا تتغير في لحظة، ولربما يستغرق التغيير أجيالاً وأجيالاً لو أردنا للتغيير أن يكون جذرياً من الأساس وليس تغييراً سطحياً متسرعاً." إن نظرة هذا الاتجاه إلى التراث أو إلى الواقع أو إلى التجديد تفتقر إلى العلمية، فالتراث ليس عديم القيمة ولا يكون الجديد ذا قيمة دوماً، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تجريد الأمة من ماضيها لتذوب في أمة أخرى لها ماضي وتعتزّ به حتى وإن كانت هذه الأخيرة قد شيّدت الحضارة على أساس نقد وهدم القديم الموروث، "فالتراث جزء من المخزون النفسي للمعاصرين. فهو إذن إحدى مكونات الواقع، كالعادات والتقاليد والأمثال الشعبية، وهذه لا تُلغى أو تسقط من الحساب بل تُستخدم وتُعاد صياغتها. وتغيير الجماهير وتطوير الواقع لا يتم بطريقة آلية عن طريق استبدال جماهير بأخرى أفضل، وواقع بواقع آخر أكمل بل بتطوير الموجود بالفعل دون النظر إلى التكاليف أو الوقت أو الجهد فهذا هو البناء الأبقى... فبتغيير البناء التحتي لا يتغير البناء الفوقي آلياً بل لا بد من عملية إعادة تفسير القديم من أجل تغيير النظرة للعالم وهذا شرط التصنيع وأساس التقدم."
يتصف هذا الاتجاه بأنه يخاطر بالسقوط في ظاهرة التقليد، تقليد الغرب في أنماط التفكير والسلوك ولا مكان للخصوصية والذاتية في ذلك بدعوة أن العلوم والتكنولوجيات ذات طابع عالمي إنساني، وبهذا يفقد هذا التيار خصوصيته في مجتمعه وتاريخه وواقعه، يقع في التمرد على الواقع والتبعية للآخر، و"ذلك لصدور الجديد عن بيئة ثقافية مغايرة لبيئة الثقافة الوطنية. وهي في الغالب البيئة الأوربية سواء كانت الدعوة إلى النظم الليبرالية أم إلى النظم الاشتراكية. لذلك كان أنصار التجديد "متأوروبيين" سلوكيا وثقافيا. وقد نبّهت حركات الإصلاح الحديثة على خطورة التقليد والتبعية ولكن دون جدوى، فنظرا لانفصام عديد من المثقفين عن التراث القديم نتيجة للاغتراب الحضاري فإنهم لا يجدون بديلاً إلا في التراث الغربي الذي كانت له الريادة منذ أربعة قرون دون وعي منهم بانحسار هذه الريادة الآن، ودون دراية بأن هذه الثقافة التي ينهلون منها ثقافة محلية صرفة، وليس فيها أي أثر لدعوى العالمية والشمول." ومن المفارقات في هذا الاتجاه أن أنصاره يعيشون في ازدواجية فكرية ودينية، من جهة دعوتهم إلى ترك القديم وهو التراث العربي الإسلامي الديني ومن جهة أخرى تربطهم صلات حميمية مع الغرب وتراثه الديني المسيحي فهو دعوة "تريد منهجاً اجتماعياً جذرياً يحدد العلاقة بين الإنسان والإنسان، وتؤمن بمنهج صوفي خالص يحدد العلاقة بين الإنسان والله في حين أن النظرة العلمية تُحتم عليهم وحدة المنهج. هذا بالإضافة إلى أن التراث القديم سامي لا فرق بين لحظاته الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام بل إنه يجمع كل التراث السامي القديم، القومي والآشوري والبابلي والكلداني." إن ثقافة العصر الغازية الوافدة من الآخر هي ثقافة بيئة تدّعي الكونية وثقافتها ثقافة المركز وثقافات الشعوب الأخرى ثقافات الأطراف والأطراف محكوم عليها بأن تحيا وتعيش بثقافة المركز وتابعة لها وعاملة على اللّحاق بها في حالة تطورها وبالتالي فالحرص على نشر ثقافة العصر هو نشر لثقافة مغايرة تماماً لبيئتنا ولواقعنا المعاصر. "فهي تُعمي أكثر مما تكشف وتُغلق أكثر مما تبين. موقفنا من الثقافة العصرية لا يكون فقط باستعمالها كعلوم للوسائل بل أيضاً بأن نأخذ منها موقفنا وردها إلى بيئتها المحلية، واكتشاف أوجه قصورها في تحليل واقعنا المحلي بشعور محايد هو شعورنا، ويكون هذا أكبر إضافة جديدة مناّ على الحضارة البشرية والاكتفاء بين الحضارات."
أمام الدعوة إلى الاكتفاء بالتراث وحده في تغيير الواقع وحلّ أزمة التراث والتجديد والدعوة إلى الاكتفاء بالجديد على حساب التراث في إحداث التغيير الاجتماعي المنشود توجد دعوة ثالثة إلى التوفيق بين التراث والتجديد، "ويعني هذا الموقف الثالث الأخذ من القديم ما يتفق مع العصر، وإرجاع الجديد لمقاييس القديم، فهو موقف شرعي من الناحية النظرية يودّ أن يستوعب مزايا كلا الموقفين السابقين وأن يتخلى عن عيوبهما. وقد عبّر الكثيرون عن نواياهم للقيام بهذا الدور، ولكن إعلان النوايا شيء، وتحقيقها شيء آخر خاصة لو تمّ ذلك بأسلوب خطابي... لذلك بقيت المشكلة تحتاج إلى دراسة وإلى تجديد الصلة الدقيقة بين التراث والتجديد بنظرة علمية بعيدة عن كل خطابة أو عن تحقيق أيّة مصلحة شخصية. وقد ظهرت عدة محاولات جادّة للتراث والتجديد تتم بطريقتين: -التجديد من الخارج – التجديد من الداخل." يقوم التجديد من الخارج على انتقائية في الثقافة الغربية المعاصرة وإسناد التراث إليه ومن ثم النظرة إلى التراث القديم وقد سبق له أن حقق ما وصلت إليه المذاهب الأوربية المعاصرة من تقدم وازدهار أما التجديد من الداخل فيقوم بواسطة إظهار جوانب التقدم والازدهار في التراث القديم لتقوم بدورها في تلبية حاجيات العصر ومقتضيات الواقع وما يتطلبانه من تغيير وازدهار في كافة الميادين. "فتبرز الاتجاهات العقلية في تراثنا القديم عند المعتزلة، أو نظريات الإسلام في الشورى أو نظرياته الاقتصادية في الملكية العامة وفي تنظيم الزكاة، أو نظرياته القانونية في التشريع بوجه عام، ولكنها جميعاً محاولات جزئية تبرز بعض الجوانب التقدمية الأصلية في تراثنا القديم ولا تعطي صورة عامة للتراث كله وإعادة بنائه طبقاً لحاجات العصر، في حين أن المطلوب تطويرها وتوسيعها حتى تكون هي روح العصر، وإعطاء نظرة متكاملة للتراث."
إنّ أي موقف محكم تجاه الواقع ينتج عن تحليل موضوعي لهذا الواقع في صلته بالماضي والحاضر والمستقبل هو ما يعرف بالموقف الحضاري. وكل التفسيرات القائمة حالياً مازالت مرتبطة أساساً مبدئيا ومنتهى بظروف وأحوال البيئة الإسلامية التي نشأ فيها الإسلام خاصة من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، في حين أن الواقع المعاصر فله ظروفه وأحواله الخاصة به هي جملة التحديات والمشكلات التي أفرزتها صلة الواقع بالتراث القديم من جهة وبصلته بالآخر من جهة أخرى في ثقافته وعلومه. فإذا كان على سبيل المثال التفسير الطبقي للظروف الاجتماعية والاقتصادية التي قام فيها الإسلام فإن هذا التفسير "للظروف الحاضرة وللأوضاع التي توجد بها الأمة نجد أن كل تفسير طبقي يهدف إلى تأكيد التفاوت في الرزق لا يخدم مصالح المسلمين في شيء نظراً للإقطاع القديم والجديد الذي مازال موجوداً في كثير من بلاد المسلمين ولا بد أن يهدف التفسير إلى الدعوة إلى التقريب بين الطبقات أكثر من الدعوة إلى التفاوت بينها... هو تفسير لا يبدأ أبداً بالنقد وبالدعوة إلى الإصلاح والتغيير الجذري للأوضاع المنافية للشرع بل إنه تابع لكل إصلاح أو تغيير يبدأ من خارج النص الديني أي من الفكر الإنساني المستقل يعبر عنه ثائر ويقوم به... فالموقف الشرعي هو الموقف الأوّلي الذي يجب أن يأخذه المفسر. وبالتزامه يُصبح أكثر من مصلح أي ثائر على الأوضاع المنافية للشرع." فغياب تفسير مؤسس علمياً وواقعياً يجعل النظرة إلى الواقع والماضي غامضة وكل تغيير داخل المجتمع في هذا الغموض نتائجه مجهولة وعواقبه غير محسوبة.
إن قضية 'التراث والتجديد' في مشروع 'حسن حنفي' مشكلة حقيقية ارتبطت بها سائر مشكلات العصر والواقع في العالم العربي الإسلامي المعاصر بدأت المشكلة منذ بداية النهضة العربية والإسلامية الحديثة ومنذ أن تعرضت شعوب الأمة العربية و الإسلامية وأخرى في العالم الثالث إلى الغزو الاستعماري الفكري والعسكري ومنذ اتصال الأمة بحضارة الغرب الغازي العلمية والتكنولوجية وازدادت المشكلة تفاقماً وتعقيداً من وقت إلى آخر تبعاً لتغيرات الظروف ومتطلبات العصر وأحوال الواقع في صلة الأمة مع تراثها وفي جدلها مع الآخر خاصة بعدما أصبح التراث الغربي "أحد مصادر المعرفة المباشرة لثقافتنا العلمية الوطنية." وبوجود الحلول الثلاثة للمشكلة، الاكتفاء بالتراث وحده على حساب التغيير الاجتماعي أو الاكتفاء بالجديد وحده على حساب التراث والأنا أوالجمع والتوفيق بين التراث والتجديد تجاوزا للأحادية في إيجاد الحل، كل هذه الحلول لم تستطع تجاوز الأزمة أزمة التراث والتجديد، لذا قام مشروع 'التراث والتجديد' لدى صاحبه لتصحيح الأخطاء التي وقع فيها الفكر العربي والإسلامي المعاصر في تعاطيه مع المشكلة. والأخطاء كثيرة حصرها صاحب المشروع في اثنين: "الأول الذي يتحدث عن العصر وكأن العصر يحتوي على حلوله في ذاته وأنه يكفي مجرد إجابة متطلباته حتى تُحل مشاكله، ويتحرك بعد ركود،. ولكن العصر ذاته يحتوي على المخزون النفسي القديم باعتباره أحد مكونات الواقع... والخطأ الثاني هو الذي يبدأ باستنباط الواقع من نظرية مسبقة سواء كانت موروثة أو منقولة أو عصرية تجمع بين الموروث والمنقول. فالتراث والتجديد ليس المقصود منه التعامل مع معطيات ثقافية والإصلاح بينها بل المقصود منه إدراك الواقع بنظرية علمية."
ويؤكد 'حسن حنفي' على أن مشروعه "التراث والتجديد" هو وحده الكفيل بحل المشكلة، لذلك يقول: "أما 'التراث والتجديد' فهو القادر على التنظير المباشر للواقع لأنه يمدّ الواقع بنظريته التي تفسره، وقادرة على تغييره. فالتراث هو نظرية الواقع، والتجديد هو إعادة فهم التراث حتى يمكن رؤية الواقع ومكوناته. وسواء بدأنا من التراث لفهم الواقع أو التنظير المباشر للواقع، فكلا المنهجين النازل والصاعد، يؤديان إلى نفس النتيجة، ويصلان إلى نفس التحليل إن تمّ تطبيقها معاً وليس كلا منهما على انفراد، فلا الواقع يُستنبط من الفكر، ولا الفكر يأتي من الواقع المسطح الجزئي وإن كان يأتي من الواقع العريض، وذلك راجع إلى واقعة الوحي الذي هو مصدر التراث، وكيف أنه جاء لتلبية الواقع، وتكيّف معه."


الدكتور جيلالي بوبكر