منتديات فرسان الثقافة - Powered by vBulletin

banner
النتائج 1 إلى 4 من 4
  1. #1
    Moderator
    تاريخ التسجيل
    Feb 2011
    الدولة
    فلسطين - رام الله
    المشاركات
    355

    كِبْرٌ ما هُمْ ببالِغـيه !

    كِبْرٌ ما هُمْ ببالِغـيه !


    هو خلق ذميم كانت الذرّة منه كفيلة إذا ما تسلّلت إلى قلب صاحبها بأن تصرعه وترديه مهما أوتي من بسطة في العلم والجسم ، أو سعة من المال ووفرة من الجاه والسلطان ! إنه الكِبْر ذاك الخلق المذؤوم ، والخََـلَّة المُردية ، التي قال عنها النبيّ – صلى الله عليه وسلم – في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه : ( لا يدخل الجنة أحدٌ في قلبه مثقال ذرة من كبر )
    والكبر هو : ( استعظامُ النفسِ ورؤية قدرها فوق قدر الآخرين )
    والكبر يفضي بصاحبه إلى بَطَر الحق أي ردّه والتعالي عليه ، وإلى غمْط الناس أي ازدراءهم وانتقاصهم !
    وبهذا صار الكبرحجاباً دون الجنان ، لأنه يحجب صاحبه عن هداية الرّحمن ، كما يحجبه عن التخلّق بأخلاق المهتدين ، لذا قال عزّ وجل : { سأصرف عن آياتي الذين يتكبّرون في الأرض بغير الحق } ( الأعراف 146)
    وكفى بالكبر جرماً أنه أولُ ذنب عُصي به الله تعالى , فلمّا أمر الله الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا : ( إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين )
    ( البقرة 34) فالكبر إذن خصلة إبليسيّة مقيتة ، من تورّط به فقد جارى إبليس في صفة من صفاته .

    كما حجب الكبر أقواماً عن الإيمان بالله تعالى ، والإذعان للحقائق الشاخصة الماثلة ، فقوم نوح يقولون له : ( أنؤمن لك واتبعك الأرذلون )
    ( الشعراء 111) يقصدون ضعفاء الناس وفقراءهم ، وكذا قايض ساسة قريش وزعاماتها إيمانهم بطرد النبي – صلى الله عليه وسلم - لفقراء المسلمين وضعفائهم فكان جواب ربّ العالمين { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه } ( الأنعام 52)

    واقترن الكبر والعلو بالفساد : فالكبر يورث العلوّ ، والعلوّ يسوق إلى الفساد في الأرض ، وعليه :
    فمن الناس من اتخذ العلو سبيلا للفساد كفرعون : (
    إنّ فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ) ( القصص 4 )
    ومنهم من اتخذ الفساد سبيلاً للعلو كاليهود : ( لتفسدنّ في الأرض مرتين ولتعلنّ علوّا كبيرا ) ( الإسراء 4 ) وكلّ من الفساد والعلوّ خصلتان مذمومتان مشؤومتان موصّدة دونهما أبواب الجنان ، قال تعالى : { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين }
    ( القصص83)

    في ضوء ذلك : أشعرت السنن الرّبانية بانقلاب حال المتكبّر ومجازاته بنقيض مقصوده و بضدّ أهدافه ؛ وعليه : فكلّ من آتاه الله تعالى مالاً ، أو حباه جاهاً ، أو بوّأه مقاماً ، أو أورثه سلطاناً أو أنزله منزلاً فتكبّر به على الله تعالى أو شرعه أو نبيّه أو خلقه كان عُرضة لأن تتناوشه وتطاله ثلاثُ عقوبات دنيوية فضلا عن الأخروية ، هذه العقوبات جرت في ربوع المتكبّرين مجرى السنن الإلهيّة والقوانين الرّبّانيّة التي لا تتخلف ولا تحيد :
    أولاها : إخراجه وتجريده من تلك الحال !
    ثانيها : تصغير حاله !
    ثالثها : تعذيبه بمآله الذي آل إليه !
    فهذا إبليس حينما قال مستكبراً مستنكرا عن السجود مستنكفا: ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) ( الأعراف 12) و قال: ( أأسجد لمن خلقت طينا ) ( الإسراء 61) كانت عاقبته:
    أولاً : إخراجه وتجريده من تلك الحال { فأخرج منها فإنك رجيم }( ص77 ) أخرجه الله تعالى من زمرة الملائكة التي رفع إليه ، ومن الجنان التي فتحت له أبوابها !
    ثانياً : تصغير حاله : { فاخرج إنك من الصاغرين } ( الأعراف 13)
    ثالثاً : تعذيبه بمآله الذي آل إليه : { وإنّ عليك اللعنة إلى يوم الدين }( الحجر35)
    فكبر إبليس كبر نفسيّ ، فمن اختزن في نفسه الكبر النفسيّ فمَثلُُهُ مَثلُ إبليس في حاله ومآله !
    وهذا فرعون قد مسّته نفخة الكبر السياسيّ ؛ كبْر الجاه والملك والسلطان السياسيّ ، فها هو يقول لرعيّته { ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرّشاد }( غافر29 ) فلا رؤية سياسية إلا رؤيته ولا مشروع إلا مشروعه ، وبلغ به الأمر أن ينازع الله تعالى في ربوبيته فقال ( أنا ربكم الأعلى ) ( النازعات 24 ) ثم نازع الله تعالى في ألوهيّته فقال ( يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري ) ( القصص 38) وبلغ به الاغترار بالجاه والسلطان أن يقول : { أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يُبين } ( الزخرف 51،52) ) فكانت عاقبته :
    أولا : تجريده من ذلك كلّه { فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل } ( الشعراء 57-60 )
    ثانياً : تصغير حاله : فقال تعالى بحقّ فرعون وجنده وسحرته { فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين } ( الأعراف 119 )
    ثالثها : تعذيبه بمآله الذي آل إليه ؛ فقد قال حين مسته نفخة الكبر ( أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ) فأجراها الله من فوقه وهو غريق !
    { فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليمّ ما غشيهم وأضلّ فرعون قومه وما هدى } ( طه 78 )
    فكبر فرعون كبر المُلْك والجاه والسلطان السياسيّ ، فمن اختزن في نفسه كبر المُلْك والجاه والسلطان السياسيّ فمَثلُه مَثل فرعون في حاله ومآله !
    وعلى هذه الشاكلة درج يهود ؛ فتكبّروا كِبْر البغي والاستطالة والعدوان ، بغو وطغوا واستطالوا على حرمات البلاد ورقاب العباد فلم يسلم منهم البشر ولا الشجر ولا الحجر ، فقالوا بلسان الكبر { نحن أبناء الله وأحباؤه } ( المائدة 18 ) { وقالوا ليس علينا في الأمّيين سبيل } ( آل عمرا ن 75 ) يعنون بالأمّيّين أمّة العرب ، فليس دونهم حرمات ولا مواثيق ولا عهود ولا وعود فهم يستحلّون ذلك كلّه بلا حسيب ولا رقيب .. فكان أن جرت عليهم تلكم السنة الرّبانيّة والقانون الإلهيّ :
    فجرّدهم الله تعالى من ذلك كلّه: سحبت منهم النبوّة وميراثها التليد ، فقد كانوا يستفتحون على أمّة العرب بنبيّ منهم يظهر في آخر الزّمان ولسوف يؤمنون به ويتبعونه وينصرونه ويقاتلون به أمّة العرب { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكوننّ أهدى من إحدى الأمم، فلمّا جاءهم نذير ) ( فاطر 42 ) لكنه ليس من بني إسرائيل بل من أمّة العرب إنه محمّد – صلى الله عليه وسلم – فعندها ( ما زادهم إلا نفورا استكباراً في الأرض ومكر السيّء } (فاطر 42) قد جرّدهم الحقّ ممّا كانوا به يتكبّرون على الخلْق ، من شرف النبوّة ومجدها التليد !
    ثمّ صغّر اللهُ حالهم { وضربت عليهم الذلّة والمسكنة } ( البقرة 61 )
    ثمّ عذّبهم الله تعالى بمآلهم الذي آلوا إليه : { وباءوا بغضب من الله } ( البقرة 61 ) ، { وإذ تأذّن ربك ليبعثنّ عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب } (الأعراف 167) فليبعثنّ الله تعالى عليهم من يجرّعهم الغصّات ، ومرارة الهزائم ! ليصير بذا بغيهم إلى انخزال وانخذال وانهزام !
    فكبر يهود كبر البغي والاستطالة والعدوان، فمن اختزن في نفسه كبر البغي والعدوان والاستطالة على رقاب العباد فمَثلُه مَثل يهود في حالهم ومآلهم !
    ومن بغي يهود وعدوانهم المتجدّد : استطالتهم على المسجد الأقصى المبارك ، وإصرارهم على تدنيس حرمته مرّة تلو أخرى ، على مسمع ومرأى من العالم أجمع ، وأمّة العرب والإسلام لاهية قلوبها ، شاخصةً أبصارها ، تقاصرت ألسنتهم حتى عن التنديد ، كما قصرت أيديهم عن الذود عن حمى فلسطين ومجدها التليد ، فتركوا أهل فلسطين وحدهم في مقارعة عدوّها وعدوّهم !
    كما هم يتركون الآن أهلنا في الشام كلأ مباحاً لكلّ سائمة سوء ترتع في ربوعهم ، وتولغ في دمائهم ، وتستبيح حرماتهم ، وتستحل ّ بيضتهم ، وتثب على أموالهم وأعراضهم وخيرات بلادهم بلا حسيب ولا رقيب ، ولا نصير لهم ولا مجير ولا مجيب ... والله المستعان على ما مسّ أهل فلسطين والشام من بغي وظلم وعدوان وخذلان !
    وبعد : فقد توعّد الله المستكبرين وقوى البغي والاستكبار العالميّ في كل وقت وحين ، بسنة نفسية جارية تطاردهم وتلاحقهم : ( إنّ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ) (غافر 56) إن ْفي صدورهم إلا عظمة ما هم ببالغي تلك العظمة لأنّ الله تعالى مذلهم ، و ما هم ببالغي مقتضى ذلك الكبر وليسوا بمدركيه ولا نائليه ؛ فلن يبلغوا الارتفاع الذي أمّلوه بالكبر ، فلن يبلغوا بالكبر مآربهم ، ولن يحققوا أغراضهم ! فالمتكبّرون الباغون هم أصغر وأضأل من هذا الكبر الذي يحيك في صدورهم
    وعليه : فما متكبّرو هذا الزمان الآخِرين من قوى البغي والاستكبار العالميّ الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحقّ ، ويثبون على حرمات الشعوب ، ويستحلّون دماءهم وأعراضهم وأموالهم وديارهم ، ويدنّسون مقدّساتهم ويبذرون بذور الفتنة والفرقة فيما بينهم ، ليسوا بخير من أولئكم الغابرين ، فسيحيق بهم ما حاق بأسلافهم ، وسيفعل بهم ما فعل بأشياعهم من قبل ، إنهم كانوا في شك مريب ، ألا فاعتبروا يا أولي الأبصار !!
    ( ويستنبئونك أحقّ هو ؟ قل إي وربّي إنه لحقّ وما أنتم بمعجزين ) ( يونس 53) .
    وختاماً : ( فارتقبهم واصطبر ) ( القمر 27 )

  2. #2
    جزاك الله كل الخير يا دكتور عيد دحادحة , لقد أجدت وأفدت, وشرحت فأوفيت الشرح , ووضعت الأحرف على النقاط, ففهمنا وتعلمنا واكتسبنا درساً لم يفدنا به أحد من قبل , وبخاصة أن موضوعك هذا قد تضمن فكرة واحدة واحدة وهي ( الكبر ) والكبر شرك لأن الله انفرد به وحده , وعلينا أن ندرك بأن الله امتحن أمتنا العربية والإسلامية بما يجري الآن على الساحة من مشارقها ومغاربها , وعلى أماكننا المقدسة والمسجد الأقصى , ليأتي بعد ذلك قتام المعركة الحاسمة مع عدو الله وعدونا , لينصر الله من ينصره .
    شكراً جزيلاً وبارك الله بك وبمدادك أخي الحبيب .

    وتثبيت للموضوع لأهميته .

  3. #3
    كم واجهت الفساد وواجهت أصحابه ، ولكن تأصل في البشر.
    شكرا دكتور عيد
    ع ك
    موقع عدنان كنفاني
    http://www.adnan-ka.com/

  4. #4
    للاسف المتكبر ضعيف من الداخل، حديث نعمة، حديث علم حديث في كل شيئ..وإلا لم كل هذا؟
    فالعالم، يشعر بأنه فقير في العلم كلما توغل..
    والمتصدق يشعر بأنه مقصر في كل شيئ..
    إذن الكبر علة في النفس.
    شكرا دكتور لفتح الموضوع.

المواضيع المتشابهه

  1. هَلْ المُشْكِلَةُ فِي الحِمَارِ. أَمْ مِنْ يويد الحِمَارُ
    بواسطة ابو برزان القيسي في المنتدى فرسان العام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 06-27-2015, 01:36 PM
  2. ثم جمع( وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) ؟
    بواسطة ريمه الخاني في المنتدى فرسان التصويب
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 03-08-2014, 07:05 AM
  3. هَلْ غَيّرَ الغَربُ جِلْدَهُ؟
    بواسطة د. فايز أبو شمالة في المنتدى فرسان المواضيع الساخنة.
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 03-21-2011, 03:43 PM
  4. مشاركات: 16
    آخر مشاركة: 07-08-2006, 07:02 PM
  5. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 05-20-2006, 10:50 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •