- هل في القرآن الكريم لفظ أجنبي؟
فقلت: لا.
فقام من مقعده مستنكرا، وماذا تقول عن: فردوس، إستبرق، سندس، سجيل ...إلخ.
- اجلس يا أخي، واهدأ، وصل على الرسول (صلى الله عليه وسلم). وحاول أن تفهم هذا المثال.

أي دولة لها "نظام الجنسية"، والإنسان فيها ينال الجنسية في حالتين، الأولى: إن كان مواطنا أصليا. والحالة الثانية: إذا اكتسب شروط التجنيس كما تحددها الدولة، فيصبح مواطنا بالتجنيس، وينال الحقوق التي ينالها المواطن، بحسب ما يقره النظام والقانون.
**

- وما علاقة هذا بموضوعنا؟
اللغة العربية - الألفاظ التي يستعملها العرب نوعان: عربية بالأصالة، وعربية بالتجنيس (وتسمى معربة). فالمعرب يعني: أن اللفظ اكتسب شروط الجنسية العربية، ولذلك يخضع لنظام اللغة العربية: الصوتي والصرفي والنحوي والدلالي.

"فردوس" مثلا، الراجح أنها مأخوذة من الفارسية الوسطى (المعروفة بالفهلوية)، وتنطق: (پَرْدِیز). وتعني: الجنة الكبيرة. ولننظر ماذا حدث لها من تغيرات حتى اكتسبت الجنسية العربية:
- على المستوى الصوتي: استبعد العرب صوت (پ p) وعدلوه إلى (ف)، وكذلك صوت (ز z) صار سينا. وأيضا أعادوا تنظيم النظام المقطعي فأصبحت (فِرْدَوس).

- على المستوى الصرفي، خضعت للاستعمال الصرفي العربي، نقول (الفردوس، ونجمعها بالنظام العربي: فراديس، وننسب إليها: فردوسي...).

- على المستوى النحوي، تدخل عليها حركات الإعراب، وتخضع للنظام التركيبي العربي.

- على المستوى الدلالي، استخدمها العرب بمعنى: البستان، ودلت على مكان بعينه في الجنة، وهذا المعنى لم يكن لها في الفارسية. بعبارة أخرى يصبح للعرب حق التصرف في اللفظ كما يتصرفون في أي لفظ عربي.
**

فإذن لفظ "فردوس" صار عربيا بالتجنيس، ولم يعد أجنبيا، ولا يصح أن يقال عن واقع اللفظ: غير عربي.

ومن المعلوم أن العرب لا يهتمون بأصل الإنسان والبحث في جذوره العر قية، بل المهم ما عليه الإنسان في حاله وواقعه. وهذا ما جاء به القرآن الكريم الذي أقر مبدأ استحقاق الحق بالعمل وألغى مبدأ الاستحقاق بالنسب (إلا في أمور خاصة، كالميراث). فإذا كانوا يقولون عن من تعلم العربية إنه عربي منهم، وجاء في الأثر – وبعضهم يرفعه للنبي ولا يصح: (وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، فإنما هي اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي). فمن باب أولى الألفاظ المعربة.

فالعرب إذن ينظرون إلى واقع اللفظ لا أصله.
وعليه فالقرآن الكريم استخدم ألفاظا عربية أصلا أو تجنيسا. ولا يصح بأي حال أن يقول أحدهم: في القرآن ألفاظ غير عربية؛ لأن اللفظ ينظر إليه في حال استعماله لا من حيث أصله وعر قه.
**

- إذن؛ فما الذي يمنعنا اليوم أن نستعمل الألفاظ الأجنبية، وتصبح لدينا معربة؟!

- نرجع لمثال "نظام الجنسية". لو أن الدولة تركت نظام الجنسية مفتوحا بلا شرط أو قيود لتحول الأمر إلى عبث، ولكن الدولة تحدد شروطا كمية وزمنية ومواصفات عديدة لسريان النظام.
وكذلك اللغة العربية، فلا بد من عدم ترك تجنيس الألفاظ مفتوحا على مصراعيه، وإلا تحول الأمر إلى فوضى عابثة.. تخيل دولة مفتوحة حدودها وكل من تسلل إليها أصبح مواطنا فيها!!
لا يوجد مانع من تجنيس الألفاظ الأجنبية، بشروط وقيود... وللعربية اليوم الحق في تضييق هذا النظام؛ حتى لا يؤدي إلى تعطيل العربي الأصلي!!
تخيل أن دولة تقوم بتجنيس الآخرين وتمنحهم الامتيازات والحقوق والمناصب، ثم تترك مواطنيها الأصليين بغير حقوق!!
فهل يصح أن نهمل لغتنا لنستعمل لغات الآخرين؟!

ولو فتح الباب على مصراعيه لانقرضت ألفاظ اللغة ومفرداتها الأصلية، وأصبحت أقلية في موطنها!! وهذا يشكل خطرا كبيرا على الهوية، لا سيما حين يكون علماء اللغة وأبناؤها كسالى معرفيا ومتخلفين حضاريا، ويعتمدون فقط على استيراد العلوم والتقنيات، دون أن يسهموا بالإنتاج. وهذا يؤدي إلى التقليص المستمر لنفوذ اللغة وعناصرها؛ حتى تشيخ ثم تموت.

فالدعوة إلى حماية الهوية العربية دعوة مشروعة وشرعية وقانونية، وينبغي أن يتكاتف حولها الغيورون على لغتهم وهويتهم وثقافتهم...

وفي الوقت نفسه نرسخها بالدعوة إلى إصدار قانون حماية اللغة العربية من عبث العابثين وتطاول المتطاولين.. حمايتها من عالم عاق، أو شركة تجارية مسيئة، أو مسؤول مستهتر، أو ابن غير مبالي.

ولهذا نقول للجميع: لغتك العربية، ثم لغتك العربية، ثم لغتك العربية.
اللهم فاشهد.

#رحى_الحرف
#د_عبدالمجيد_الغيلي