منتديات فرسان الثقافة - Powered by vBulletin

banner
صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 27
  1. #1

    العاشق والوردة: دراسات في شعر حسين علي محمد

    النص الكامل لكتاب «العاشق والوردة: دراسات في شعر حسين علي محمد»
    ***
    يضم هذا الكتاب معظم المقالات التي كتبت في نقد شعر الدكتور حسين علي محمد
    ***



    ( 1 ) ديوان «شجرة الحلم» لحسين علي محمد،
    والرحيل داخل الذات

    بقلم: مصطفى نجا
    .....................

    في ديوان "شجرة الحلم" للشاعر حسين علي محمد يضعنا الشاعر وجهاً لوجه أمام مأساة الإنسان الحالم، هذا الإنسان الذي يُحاول جاهداً ـ ولا نقول عبثاً ـ تغيير الواقع المعيش، الذي يحمل في أعماقه بذور العقم والموت والبؤس، ومن ثم يتخذ الشاعر من الأمل ـ وليس من اليأس ـ الركيزة الأساسية التي يقف عليها بنيانه الشعري:
    أقفُ على رأسِ قٍبابٍ نصبوها في الطرقِ الوهميَّهْ
    يشربُ غيري منقوعَ الكلماتِ الشافيةِ من الأدواءْ
    ويبيعُ الفجر الآتي ذات صباحٍ أبيضَ للضُّعفاءْ
    أقفُ وأصرُخُ في الأمواتِ: أفيقوا
    هذا زمنُ الحجرِ الصَّنَمِ الرابضِ في الأبْهاءْ !
    فلتخرُجْ كلُّ شجيراتِ الأحلامْ
    ولتنفضْ عن عاتِقِها ظلَّ غُبارِ الأيَّامْ !
    كي تحمينا ـ نحنُ الإخوة والأبناء ـ
    من هذي الشَّمسِ الحارقةِ الصَّمَّاءْ
    إن الشعر في هذا المقطع من قصيدة "شجرة الحلم" لا يستخدم ألفاظا رقية ناعمة، بل يستخدم ألفاظاً حادة وعميقة ومتوترة وصارخة بالحركة، ومع ذلك فإننا نحس بجمال الصورة، هذا الجمال النابع من تركيب الصورة الكلية، وليس من جمال جزئياتها المتنافرة، فالشاعر لا يتعامل مع الكلمات باعتبارها ترفاً عقليا، بقدر ما يتعامل معها باعتبارها سلاحاً وتصعيداً وجدانيا في مواجهة هؤلاء الموتى الذين يتحدث عنهم الشاعر:
    أقفُ وأصرُخُ في الأمواتِ: أفيقوا
    إن المسيح كان قادراً على إحياء الموتى ـ بإذن الله ـ فهل يستطيع الشاعر أن يكون مسيحاً في القرن العشرين؟ هذا ما سنراه من خلال المقطع السابع من قصيدة "شجرة الحلم":
    هأنذا مُلقى في اليمِّ الجامحِ
    أسبحُ نحو المُدُنِ المجهولهْ!
    وجهي يا تُعساءْ
    يرجو أنْ يأتي ذاكَ الشَّطُّ الطَّيِّبْ
    (وأنا أسألُ نفسي:
    هلْ أصِلُ إليهِ الآنْ؟
    أمْ تُبصِرُني حبَّةُ قلبي جسداً ميْتاً؟
    أمْ أصلُ إليهِ قتيلاً بعدَ فواتِ الوقتْ
    جسداً ميْتاً يُلقى للغربانْ؟)
    إن الشاعر يجسد لنا في هذا المقطع الجو العام لمأساته، وذلك من خلال وعيه لذاته، ورغبته المعذبة في تخطي هذه الذات، والرحيل إلى عالم محكوم عليه بالصمت والموت، إلى عالم مجهول يكون أكثر بهجةً وأكثر إشراقاً.
    إن رحيل الشاعر هنا يُذكِّرني برحيل الشاعر جبران خليل جبران في قصيدة "البلاد المحجوبة":
    هُـو ذا الفجْرُ، فقومي ننْصَرِفْ
    عنْ بـــلادٍ ما لنا فيها صديقْ
    ما عسى يرْجـــو نباتٌ يختلِفْ
    زهْرُهُ عنْ كـــلِّ ورْدٍ وشقيقْ
    وجديدُ القلْــــبِ أنَّى يأْتَلِفْ
    معْ قلوبٍ كلُّ ما فيهـــا عتيقْ
    ولكن إلى أين يكون رحيل الشاعر؟
    إن رحيل الشاعر حسين علي محمد لن يكون رحيلاً عن الديار كرحيل الشاعر جبران خليل جبران، بل سيكون رحيلاً إلى الدّاخل، إلى أعماق ذاته الثائرة، ومنطقية حلمه الميتافيزيقي، وهو يُحاول خلال هذا الرحيل أن يحتفظ بإيمانه بنفسه حتى لا يصل إلى موقف عدمي كما يفعل البعض. كما أنه يحاول أن يقدم خلال عالم الإحباط والهزيمة وعياً حادا بضرورة تغيير الواقع، وهو حينما يتماسك ضد السقوط في اليأس، فإنه يلجأ إلى ممارسة نوعيْن من الحب علهما يُحققان له تلك المعادلة الحياتية الصعبة.
    أما الحب الأول فهو الحب الصوفي تجاه الواقع المدان، وأما الحب الثاني فهو الحب العاطفي تجاه المرأة، ففي الحب الصوفي يقول الشاعر في قصيدة "التجربة":
    اترُكْ أحزانَكَ قُدَّامَ البابِ،
    اخْلعْها جنْبَ حذائكَ،
    وتعالَ إليْنا،
    فستحْيا أحلى لَحَظاتٍ
    في ظِلِّ الشيخِ "وليِّ الدِّينِ" الليْلَهْ!
    فهل حقّق له هذا الحبُّ الصوفي ذلك التوازن النفسي؟
    حينَ صحوْنا
    حاولَ كلٌّ منا أنْ يفتَحَ أُذنيْهِ،
    وأنصَتَ كيْ يستمِعَ إلى موْعظةٍ
    يلقيها شيْخُ الدُّنيا في أحلى كلماتٍ ..
    يتفتَّقُ عنها قلبٌ
    هامَ بحُبِّ اللهَ، وعرَفَ اللهَ فقرّْ.
    *
    لكنَّ الشَّيخَ العاشقَ شربَ الكأْسَ،
    ونظَر ملِيًّا في الصَّدْرِ النَّابِضَ بالحبِّ الأسمى للخالقِ،
    نظرَ وقالَ: أحبَّائي،
    إنِّي أضعفُكُمْ،
    إنِّي آخرُكُمْ قُدَّامَ اللهِ،
    وأعطى ساقيْهِ للريحِ، وفرّْ.
    إن الشاعر الذي بدأ يُمارس حريته المُطلقة من خلال ذلك الحب الصوفي الميتافيزيقي ظن أنه حقق (اليوتوبيا) التي يحلم بها، والتي سيجد فيها الحرية الحقيقية والسلام المنشود، ولكن الشيخ "ولي الدين" الذي كان يُمثِّل لدى الشاعر النقاء الجديد والحقيقة المجردة، أصبح يُمثِّل الخيبة والانهزامية والإحباط.
    ولذلك يلجأ الشاعر إلى النوع الثاني من الحب، وهو الحب العاطفي الذي يتمثّل في المرأة كمعادل موضوعي يُحقق من خلاله التوازن النفسي، فهل تظل المرأة أمامه مجرد حلم يخاف من الاقتراب منه واكتشاف أسراره وخلفياته:
    حينَ أردْتُ دخولَ العالَمْ
    وانفَتَحتْ قُدَّامي
    كلَّ خرائطِ جسدِ امرأةِ الشهوهْ
    كانتْ تلكِ مُغامرةَ العُمرْ
    لكنِّي لمْ أشعُرْ بالعطَشِ،
    ولمْ يهزمْني الدَّيْجورْ
    لمْ تتْعَبْ خيلي في المعركةِ الشَّرِسَهْ
    لمْ تهْرَبْ من هذا النَّقْعَ القاني
    واقتَحَمتْ هذا الحِصْنْ!
    لقد اقتحم الشاعر جسد المرأة، ولكن هل كانت المرأة بالنسبة للشاعر رغبة جنسية يلهث وراءها أم كانت مجرد حب أفلاطوني نقي؟
    إن المرأة لدى الشاعر كانت تُمثل مجرد وهم وحلم في امتلاك هذا الجسد / الشهوة، وتحطيم ذلك الحصن الغامض، عله يستطيع أن يُطفئ في أعماقه ذلك الشوق العارم للمجهول، ذلك الحب الغامض لشيء لم يتحدد بعد، وهو بهذا يُمكن أن تتحول المرأة / الشهوة إلى أكثر من حبيبة حسية، إنها رمز للشيء المفقود الناقص الذي ظل ينتظر مجيئه:
    هاتي عينيْكِ، وهاتي ...
    أعطيني الكوْثَرْ
    قولي إنَّكِ نَجْمٌ أشرقَ في ليْلِ العُمْرْ
    إنكِ قديسَةُ هذا الدَّيْرْ
    وأنا مجنونُكِ ياامْرأةً فاتِنَةً
    تخرجُ من شرنقَةِ الشَّبَقِ،
    وتأسِرُني
    هذا قلبٌ مُلتاعٌ
    يُطْفِئُ وَهَجَ الرَّغبةِ في بحرٍ لُجِّيّْ
    قولي، هذا الشَّعرُ الغَجَرِيّْ
    إنْ لمْ نجعلْهُ غِطاءً
    في الليْلِ المفتونِ بنورٍ قُزَحِيّْ
    .. فماذا .. ماذا؟
    ولكن هل تُعتبر المرأة الملاذ الأخير للشاعر؟ والطريق الوحيد إلى خلاصه من مُعاناته الذاتية؟ أم هل يعود الشاعر حاملاً مرارة الإحباط والهزيمة حتى بعد أن اقتحم أسوار هذه القلعة الحصينة:
    هأنذا مُلقى في القاعِ
    أمُدُّ يَدَيَّ إليها
    لكنَّ حبيبة قلبي
    تهربُ منْ وجهي
    من نظرةِ عينيَّ الخائفتيْنْ
    لقد هربت المرأة المحبوبة من الشاعر، وها هو ملقى في القاع، لقد انتهت رحلته مع المرأة بإحساس أعمق بالانسحاق ومرارة الهزيمة والإحباط:
    أسقُطُ من فوقِ الحبلِ كسيرا
    تُدميني الطَّعَناتْ
    يصرخُ توأم روحي في فَرَحٍ صوفِيّْ:
    "ها قدْ أشْرقَ وجْهُكْ"
    لكنْ لايلْبثُ أنْ يرْفَعَ صوتاً مذبوحاً
    ويُنادي مَنْ لا أَعرفُهُ:
    "يا مَنْ علَّمْتَ أخانا الحُبَّ ونحنُ صغار
    نتوسَّلُ لكْ
    أنْ تقلعَ هذا النَّبْتَ الطيِّبَ
    .. من غاباتِ الشَّجرِ الثَّرثارْ
    وتُعيدَ الغُرسَ إلى تُربتهِ النِّيليَّهْ
    نتوسَّلُ لكْ
    أنْ تقتُلَ أشباحَ الذُّعرِ المُتوحِّشْ
    في الكلماتِ العارِ وفي الرَّغباتِ السريهْ
    إذن لقد سقط الشاعر كسيراً بعد أن أدمته الطعنات، ولكن هل يستسلم الشاعر لهذا السقوط وهذه الطعنات؟ وهل تذوب أحلامه وأمنياته كشيء خرافي يفتقد الوجود والصيرورة؟
    إن الشاعر يندفع نحو نداء صوفي ميتافيزيقي يتراءى له خلال رحلته الضبابية الدائمة لاكتشاف عالمه السرابي المجهول:
    يصرخُ توأم روحي في فَرَحٍ صوفِيّْ:
    "ها قدْ أشْرقَ وجْهُكْ"
    لكنْ لايلْبثُ أنْ يرْفَعَ صوتاً مذبوحاً
    حتى هذا النداء الذي تراءى للشاعر كمعادل موضوعي يُعيد له التوازن النفسي، ما لبث أن تحوّل إلى حلم سرابي لم يستطع الشاعر خلاله أن يتجاوز همومه الذاتية، وأزمته الإنسانية عبر عالم منسحق، لا يفهم مشرعية تطلعه وأحلامه:
    أعينُكم في عينيَّ المُتعَبَتينِ الآملتيْنِ تقولانِ كلاماً
    يُشعرُني بالحبِّ وبالصِّدْقِ،
    وهاأنتم تبتعدونَ وأبقى وحدي
    في ليْلِ الثَّلْجِ، أُجالسُ غربةَ نفسي،
    وأُقاسي عَبَثَ الزَّمنِ وصمتَ الغُربةِ والأحزانْ.
    إن الشاعر هنا يفشل في إقامة استجابة وتقابل متبادلة مع عالمه الإنساني، لذا فإنه يبقى وحيداً في ليل الثلج، وهو يستسلم بسهولة لهذه الوحدة الثلجية، بل إنه يُحاول جاهداً أن يُعيد ذلك التوازن النفسي والاجتماعي من خلال ذلك التساؤل المستقبلي:
    هلْ يتكلَّمُ حضنُ مديحةَ،
    يمنحُني دفئاً وحناناً،
    يتبرْعمُ حُبًّا،
    يحملُ باقةََ ورْدٍ، ويُضِيءْ ؟
    في الشُّباك أُطِلُّ،
    وأنتظرُ الوجْهَ الغائبَ
    ـ وجهَ مديحةَ ـ
    (هلْ يأْتيني معْ نَسَماتِ الصُّبحِ،
    وفي أزهارِ ربيعٍ؟
    حتْماً سيجيءْ.
    إن تجربة الشاعر حسين علي محمد تمثل تجربة إنسانية منسحقة تكشف عن خواء العالم، وفقدانه للتوازن واليقين، لذا فإن الشاعر ينسحب من هذا العالم، ويسبح في تهـويمات حب غامض، ويستغرق في هذا الحلم الميتافيزيقي السرابي، الذي يقوم بنيانه على دعائم الحزن والأسى والانتظار اللامجدي.
    وأخيراً فإن الشاعر حسين علي محمد يعد واحداً من الشعراء القلائل الذين أرسوا تجربتهم الشعرية على مقومات وخصائص وأسس مميزة؛ فالشعر لديه يشكل عنصر مكاشفة ومواجهة مع النفس أولاً، ومع الواقع ثانياً، ومع العصر ثالثاً، وذلك من خلال البساطة والعمق، حيث ابتعد نهائيا عن الكلمة القاموسية إلى الكلمة المألوفة، ولجأ إلى لغة الإيحاء، وحاول استبطان القيم الجمالية التي تحقق عنصر الإدهاش والمفاجأة، فجاءت تجربته الشعرية محمّلة بالإضافة والجدة والثراء.
    مصطفى نجا


    </i>

  2. #2
    ( 2 ) لمــحــــة

    بقلم: محمد جبريل
    .....................

    حين كلَّفني أستاذي سليمان مظهر بالإشراف على الصفحة الأدبية بـ"التعاون" القاهرية، لم يكن قد مضى على اشتغالي بالصحافة أكثر من بضع سنوات، ولأني كنت في حاجة إلى تقديم يفوق حاجة الآخرين إلى تقديمي، فقد قبلت المقابل المادي الذي يقل عن معنى الرمز، وحاولت أن أوسّع دائرة صداقاتي بأسماء موهوبة في امتداد الأقاليم المصرية.
    جاءتني رسالته الأولى تحمل قصيدة شعرية، أتبعها برسالة ثانية قبل أن ينقضي الأسبوع، يتساءل فيها: هل رفضت نشر قصيدتي لأني في المرحلة الإعدادية؟
    لم أكن قد قرأت القصيدة بعد، ولم أكن أعرف إذا كان الشاعر طالباً أم شيخاً، لكنني تناسيْتُ تعجله ـ عرفت فيما بعد أن هذا بعض طبعه! ـ لمّا قرأت القصيدة، فدفعت بها إلى المطبعة متحمساً.
    وتراسلنا، يبعث إليَّ بقصائده فأنشر بعضها، وأُبدي الرأي في البعض الآخر، ثم زارني في "المساء" يطلب مني تقديمي لأول دواوينه "عشان مهر الصبية".
    ولأن عين الرضا عن كل عيب كليلة، فقد أغضب تقديمي لديوان حسين الأول ـ تجاوزه فنيا حتى أسقطه من قائمة مؤلفاته ـ معظم الشعراء!، وجدوا فيها مجاملة أساءت إلى الموضوعية ـ النفتقدة أصلاً ـ في حياتنا الثقافية.
    يصعب الآن أن تُخطئ العين مكانة حسين علي محمد في حياتنا الثقافية عموماً، والشعرية على وجه التحديد. إنه يمثل صوتاً واضحاً ونقيا ومتميزاً بين الأصوات الشعرية في وطننا العربي. ومع أنه لم يُجاوز بداية العقد الرابع من عمره، فقد استطاع أن يستقطب مريدين وتلاميذ، يحتذون خطواته، ويُحاولون الاستفادة من تجاربه ورؤاه الفنية.
    وإذا كانت "الوطن" قد استطاعت ـ خلال إصدارها الأسبوعي ـ أن تضم حسين علي محمد بين قائمة كتابها، فإن إحساسنا بالسعادة يتضاعف في خاطرة ثقافية، وعد حسين علي محمد أن يخص بها الصفحة الثقافية في العدد اليومي تحت عنوان "قطرة ندى".
    محمد جبريل
    ..............................
    *الوطن (العُمانية) ـ في 28/12/1982م.


    </i>

  3. #3
    (3) الأسود والأبيض في شعر حسين علي محمد (1)

    بقلم: مصطفى النجار
    ..........................

    حسين علي محمد شاعر من القطر المصري الشقيق، يمتاز بنشاطه الأدبي المتعدِّد، فمثلما يكتب الشعر يكتب الدراسة الأدبية والنقدية، وقد فاز بالجائزة الأولى في المسابقة التي أجرتها دار البحوث العلمية في الكويت 1976م عن بحثه القيِّم "نظرة إيمانية للصراع الدرامي والشخصية في الأدب المسرحي". وله نشاط في المسرح الشعري، فقد أعدَّ مسرحية للطبع بعنوان "الرجل الذي قال"، كما أنه يُسهم كمحرر بارز في مجلة "صوت الشرق" القاهرية.
    وفي هذا المقال عنه سأكتفي بجانب واحد، إذ سأعرض على القارئ مجموعة من قصائده التي طالعتها عدة مرات. وفي كل مرة أشعر بمتعة جمالية، فالشعر من النوع البسيط العميق، والغنائي الشفاف رغم ما يحمله من معاناة جماعية هي هموم كل إنسان يعيش الواقع اليومي.
    وإن الحديث المُجزَّأ عن شاعر هو غبن له، فالصورة الكاملة تُعطي أبعاداً كاملةً، وبخاصة عن شاعر شاب لم تكتمل عنده ألوان تلك الصورة، ولعل مجموعة شعرية كاملة لحسين علي محمد تساعدنا يوماً في إحاطة تجربته على مدى سنوات العطاء.
    والقصائد التي بين يديَّ وليدة الزمن الأخير (ما بين 1975-1976م)، وهي منشورة في مجلات مصرية (الكاتب ـ الزهور) وفي مجلات سورية (الثقافة ـ الفداء).
    إن قصائد حسين علي محمد وليدة الحالة النفسية التي يعيشها الشاعر إذ أن بعضها يمتاز بالبساطة والوضوح والآخر يمتاز بالغموض. والنفس كالبحر بين مدِّ الحزن وجزر الأفراح! وهذا عائد إلى الصدق عند حسين.
    فمضامين قصائده تأملية واقعية. يُحاول خلق معادل موضوعي لمشاعره، فيبني من خياله الثر أحلاماً تتجاوز هذا الواقع، ورغم ذلك فإن شعره لا يخلو من نبرات اللوعة والأسى، وحتى الخيبة والخوف من الغد. وقصيدته "نهاية الرحلة" تجسِّد المرارة والفراغ النفسي. يقول فيها:
    .. وحينما رحلْتُ في عيونِكِ البُحيْرَهْ
    (أكنتُ راكِباً بساطَ الموْجةِ المُنطفِئهْ ؟
    أكنتُ مُمْسِكاً زِمامَ الماءِ والأعشابِ ..
    والطَّحالبِ المُلوَّنَهْ ؟)
    كانتْ عناكِبُ الخريفِ في انتِظاري !
    تُراقِبُ انكِسارَ ضَوْئها الهتونِ ..
    في مدامِعِ النهارِ !
    هي تصوير دقيق لحالة الإحباط النفسي؛ فالعيون بحيرة، والموجة منطفئة، والطحالب ملونة، والخريف، والانكسار.
    وتزداد الموجة حدة حينما يقول في القسم الثاني من القصيدة:
    ومركبي في الوحلِ ياصديق
    أخافُ منْ عوائقِ الطريقْ
    أخافُ من غدي المجهولْ
    وفي قصيدة "السقوط في الليل" وللعنوان دلالة نفسية مركّبة تُعمِّق من تلك الحالة النفسية التي أتيْنا على ذكرها .. إنه يُخاطبها ـ تلك التي ينتظرها ـ فتطلع عليه في الصباح فيقول:
    والعاشقُ الذي ألقتْهُ في الطريقْ
    عواصفُ الحنينِ والأشواقْ
    يظلُّ مُغمضَ العيْنيْن
    حالماً بقطرةٍ من مائكِ اللُّجيْن
    هي بين يديه ويحلم بقطرةٍ من ماء! وعندما يرى أميرته غمامةً ساعة الظهيرة، يشعر بالطمأنينة والسلام هنيْهات، فلا يُصدِّق هذا الانسجام الشاعري، يقول:
    تُرى كمْ يستمرُّ ذلك الأمانُ
    في أحضانكِ المُظِلَّهْ ؟
    وصحَّ ما توقَّعه، فالنهاية واحدة مهما أخذت أشكالا، وفي أي الأوقات:
    أراكِ في المساءِ تخرجينَ منْ يدي
    وتفلتينَ منْ أصابعي
    يا فُلَّتي البيضاءُ أين تذهبينْ؟
    وتحتدم المأساة حين يراها:
    أراكِ تسقطين
    فراشةً محروقةً في الليْلْ
    أراكِ تسقطينْ
    والليلُ يستمر
    ولعلَّ القارئ يتساءل: ومن السبب؟ فيأتي الجواب من الشاعر:
    والخاطفون
    أنوارُهم مثيرهْ
    أموالهم كثيرهْ
    عيونهمْ ضريرهْ
    لا يُبصرونَ العاشقَ المسكينَ في الظلامْ
    بهذه اللفتة الذكية استطاع أن يُعمِّق من مسار القصيدة فكريا وأن يخلق عنصراً دراميا يُثير فينا الحركة والانفعال.
    الشاعر يسأل دائماً، ولا يرضى السكينة، أو هي التي تفر منه، إن في أعماقه الحركة والمشاعر المنطلقة، لذا عندما كتب قصيدته "تأملات" التي تتألف من ثلاثة مقاطع أخذ الأول شكل القصة المكثفة والمرمزة قد شابها بعض التشويش في مضمونها، مثلاً: كيف المارد يُصبح قزما؟ ثم يصبح القزم فارساً ثم يموت؟ الحقيقة لم أستطع الولوج في تكوين هذا المقطع، وذلك بخلاف المقطع الثالث الجميل المنساب شكلا ومضموناً:
    افتحُ بيتي للآتْ
    وهي جملة تلخص أفكاراً وحالات، فهو يسمع ويشهد ويبحث ـ وهذا ديدن كل المفكرين في العالم ـ، إنه لا ييأس كما لمحنا ذلك في نبرات الخيبة الحزينة، بل يقول:
    أسمعُ موَّالَ البحرِ، وموَّالَ الليلِ
    .. وموَّالَ الأحياءِ / الأمواتْ
    أبحثُ في الصَّدَفاتْ:
    عنْ سرِّ الحسرةِ في الضَّحِكاتْ
    عن سرِّ الدُّودةِ في قلبِ الصَّخْرهْ
    والأوعيةُ المثقوبَهْ
    لا تحتفظُ بقطرةِ ماءْ
    أمشي في طرقاتٍ الليلْ
    أسمعُ وشوشةَ الأغصانِ المنكسرهْ
    في ليلِ الصًّيفِ .. وفي ليلِ البرْدْ
    أنتظِرُ الشمسَ تعودْ
    أنتظرُ عصافيرَ الفجرِ تُوشوِشٌ شجرَ الصبرِ
    بأحلى الهمساتْ
    وحبذا لو توقف هنا ولم يشرح هذا الموقف! إذن ماذا تُضيف على القصيدة تلك الكلمات:
    أنتظرُ الغَدْ
    ما أحلى شمسَ الغدْ
    تقتلُ ميكروبَ الخوفِ،
    وميكروبَ الحَسَراتْ!
    والشاعر حسين علي محمد يُجرِّب تشكيلات مختلفة لقصيدة "الشعر الحديث"، منها ما يحتفظ بالقوافي وتنويعها مما يُضفي جوا موسيقيا محببا يقترب بها من معمار الشعر العربي وما يسميه بعض المتطرفين الجدد بـ "الجديد الكلاسيكي"، ومنها ما يأخذ شكل "الرباعيات"، ولهذا النوع نكهة تنتسب إلى الشعر الفارسي والعربي شكلا.
    وأمامي الآن قصيدة "لماذا تظل العصافير تشدو؟" تتألَّف من خمسة مقاطع، كل مقطع: طريقة كتابته ككتابة النثر وينتهي بروي الميم، مع أن المقاطع غالباً لا تأبه بالقوافي من داخلها. وهذه كتابة مارسها بعض الشعراء عندنا كصلاح عبد الصبور في قصيدة "توافقات" التي نُشرت في مجلة "الشعر" القاهرية عام 1972م، ومارسها غيره تقليداً لبعض الشعراء الأجانب أمثال سان جون برس، ويمكن أن أنسبها إلى العربية إذا ما قورنت بالشكل الكتابي الذي قام به الشاعر أبو العلاء المعري في "الفصول والغايات".
    فالتشكيل نفس التشكيل سوى أن كلامه من غير إيقاع عروضي، وألفت نظر الباحثين والدارسين لهذه النقطة بالذات مما يفتح النوافذ المضيئة على كنوز تراثنا الخالد وارتباطه بالعصر الراهن.
    وشاعرنا حسين علي محمد قام يجرب، ووراء تجريبه ذخيرة من الموهبة والمعاناة، وهذا ما يُميِّز تجريب الأصلاء عن تجريب الدخلاء وأصحاب الألعاب الشكلية والألفاظ الخلبية الذين ابتُلي بهم شعرنا العربي، وكأنما شاعرنا حسين عناهم حين قال:
    قدْ كرِهْتُ الشعرَ والعِشقَ وإني
    راحلٌ يا نفْسُ للأرضِ البعيدَهْ!
    لنْ تراني هائماً أمضي أُغَـنِّي
    فالأغاني كلُّهـا أضْحَتْ بليدَهْ !
    أو في قوله:
    لا تقُلْ نثْراً ولا شعراً كهــذا
    لا تقُلْ شيئاً ففي الصمتِ النجاةْ
    قدْ قضيْنا العُمرَ تغريداً فمـاذا
    قــدْ جَنَيْنا غيْرَ تنكيلِ الطُّغاةْ ؟
    وفي قصيدة "لماذا تظل العصافير تشدو؟" روح تساؤلية قلقة، وشاهدة ومنتظرة، ويمكن أن نفرد لها مقالة خاصة لدراستها وتحليلها، ولعلي أفعل ذلك تحت عنوان "شاعر وقصيدة" إن شاء الله.
    أما رباعياته فهو يحاول فيها أن يُفلسف الوجود من حوله فينقل شرائح مختزلة ناقدة للمجتمع وللحياة، ومصورة لحيثيات الواقع وأسرار الطبيعة الإنسانية.
    وأقتصر على ذكر بعضها، فإن بعضها يغني:
    هذهِ الأرضُ سعـيرٌ في دِمــانا
    ولظاها في حنايانا حــــرائقْ
    قدْ كرهْــنا العيْشَ فيها ونهـانا
    أنَّنا منذُ وُلِــدْنا في الخنــادِقْ
    ولا أجد ما يبعث على استمرارية التغريد على أفنان هذا العمر بكل جسارة إلا ترديد المقطع الأول من قصيدة "الظل والموت" للشاعر حسين علي محمد المنشورة في مجلة "الكاتب" المصرية (عدد نيسان 1976م)، ما يُعطي القارئ مفتاحاً من مفاتيح شخصية هذا الشاعر، وما يدل على اللون الأبيض في اللوحة الرمادية:
    حين تلاقيْنا
    واستلْقى ظلُّكِ في وادي الصَّمْتْ
    كانتْ أُغنيَةُ الحُبِّ السَّكْرى النَّشْوانهْ
    تضْحكُ في عيْنيْنا
    تزرعُ في صحراءِ النَّفْسِ
    ورودَ الأملِ ، وفُلَّ الأحلامِ الرَّيَّانَهْ
    كانتْ تقْتُلُ في داخِلِنا الموْتْ !
    مصطفى النجار
    ..................................
    (1) نشر في مجلة "الأديب"، مايو 1979، ص28-30.

  4. #4
    ( 4 ) حسين علي محمد من خلال قصيدتين

    بقلم: أحمد فضل شبلول
    ............................

    الشاعر حسين علي محمد صوت شعري متميز بين جيل شعراء السبعينيات في مصر، وهو منذ بداياته الأولى يُحاول أن يخلق لنفسه معجما وقاموساً شعرياً يفرقه عن شعراء جيله، فينجح في ذلك أحيانا، ويُخفق أحيانا أخرى. وهو يمتاز بتدفقه الشعري وبغزارة إنتاجه الأدبي وتنوعه، ولعله من شعراء جيله القليلين الذين خاضوا غمار التجربة الشعرية المسرحية، ولعله أيضا من شعراء جيله القليلين الذين يُجيدون الكتابة في الشكلين المعروفين الآن للشعر العربي المعاصر، وهما الشكل ذو الشطرين، والشكل التفعيلي، فإلى جانب حسين علي محمد نذكر د. صابر عبد الدايم، وعبد الله السيد شرف، وأحمد محمود مبارك، وجميل محمود عبد الرحمن، وعزت الطيري، وفوزي خضر، وعبد الستار سليم ممن يجيدون الكتابة في هذين الشكلين من شعراء السبعينيات.
    فهذه الكوكبة من الشعراء لم يُضحوا بالموسيقا في سبيل الفكرة، ولم يُضحوا بالمعنى من أجل اصطياد الصورة الشعرية الغريبة أو غير المألوفة، فإذا أراد القارئ المتابع لمسيرة الشعر المصري المعاصر أن يعرف خصائص هذا الشعر السبعيني ويقف على أرضيته الحقيقية، وصوره المنتزعة من الواقع والبيئة المحلية، في احتكاكها مع الصورة الفنية واللغة الموسيقية، عليه أن يتجه إلى دواوين هؤلاء الشعراء وغيرهم، فهي تمثل بحق خريطة الشعر المصري في تلك الحقبة وما تلاها، ذلك أن هؤلاء الشعراء مازالوا يبدعون وينتجون ويُضيفون رصيدا فنيا جديدا إلى ديوان الشعر العربي المعاصر.
    ومن أعمال الشاعر حسين علي محمد المتعددة ديوانه "ثلاثة وجوه على حوائط المدينة" الذي يتفاوت مستوى قصائده وطولها، ويبدو أن معظم قصائد هذا الديوان كتبت في السنوات 1975-1979م، وخلال تلك الفترة أخذ الشعراء يطبعون أعمالهم الشعرية على نفقتهم الخاصة بطريقة التصوير "بالماستر"، ويجيء ديوان "ثلاثة وجوه على حوائط المدينة" ليكون واحدا من هذه الأعمال التي تدل طريقة طباعتها على وجود أزمة حقيقية في النشر خلال هذه السنوات.
    يحتوي الديوان على ثماني عشرة قصيدة من الشعر التفعيلي، إلى جانبه ثنائية واحدة من الشعر ذي الشطرين يختتم بها الشاعر صفحات ديوانه الصغير الحجم، والذي وقع في 36 صفحة فقط من القطع الصغير، يقول الشاعر في ثنائيته التي جاءت بعنوان "نهر البلادة":
    يا صديقاً باعَ في الدُّنيا رشادَهْ بقروشٍ للمــلاعينِ الطُّغــاهْ
    كيفَ أجتــازُ أنا نهْرَ البلادَهْ وصديقي .. البومُ في الفجرِ نعاهْ !
    غير أني سأتوقف عند قصيدتين فحسب من قصائد الديوان، وهما: "هذا ما حدث لي أمام قبر أمي" و"عنبر الأموات"، لأنهما تعبران عن الاتجاه الفني لبعض أعمال الشاعر في هذه الفترة الزمنية التي كان يكتب فيها قصائده الأولى.
    في القصيدة الأولى "هذا ما حدث لي أمام قبر أمي"، يرسم لنا الشاعر في البداية لوحة منتزعة من المقابر حيث الزمان ليلا، وشخوص اللوحة عبارة عن الشاعر، والصرصار، والشرطي، والأم المسجاة في قبرها.
    جئتُكِ في الليْلْ
    لمَّا نامَ الناسْ
    وزحفْتُ كصرْصارْ
    خوفاً منْ أنْ يلمحَني الشُّرْطِيُّ
    ويعرفُ أنِّي جِئْتُكِ
    كيْ أقتبِسَ شُعاعاً من سرِّكِ
    فيُلازمُني .. ويُقاسِمُني في الميراثْ !
    صراع درامي يتصاعد منذ البداية، وتشبيه ذكي يلجأ إليه الشاعر في قوله: "وزحفت كصرصار"، ومظهر اجتماعي استطاع إبرازه بنجاح وبجرأة في قوله:
    خوفاً منْ أنْ يلمحَني الشُّرْطِيُّ
    فيُلازمُني .. ويُقاسِمُني في الميراثْ !
    وهكذا تجتمع العوامل الإنسانية والفنية والاجتماعية منذ السطور الأولى للقصيدة، ثم يبدأ الحوار الذاتي، ويبدأ البوح في الصعود إلى أجواء القصيدة، وتبدأ الانفعالات والأطوار النفسية التي يمر بها الشاعر في الظهور (أصرخ، أتلولب، أُلقي بالرأس المتعب).
    هأنذا أقفُ على رأسِك
    معذرةً ..
    أقفُ على رأسِِ المقبرةِ أُنادي
    لكنْ ..
    هلْ تسْمعُ أُذناكِ ندائي ؟
    أصرُخُ ..أتلوْلبُ ..
    أُلْقي بالرأسِ المُتْعَبِ في اسْتِخْذاءِ
    ويبدو أن هذه الأطوار النفسية ستقود الشاعر إلى رؤية أمه عن طريق البصيرة:
    أبصرُكِ على ظهرِ جوادِكِ
    تمتشقينَ السيْفَ .. وتبتسمينْ
    وتمدِّينَ إليَّ ـ بيدكِ البضَّةِ ـ وردهْ !
    لكنِّي أخشى هذا الفرَسَ الجامِحْ
    أخشى أنْ يركُلَني في بطني ، ويَفِرْ
    وأنتِ تقولينْ:
    "ثَبِّتْ قلبَكْ
    فسيحْمِلُكَ الفرسُ إلى الشَّطِّ الآخَرْ ...
    قبلَ أذانِ الفجْرْ !"
    إنه فرس الموت الأبيض .. حيث تتنبأ الأم بموت ابنها قبل بزوغ الفجر .. إنها تريده "فسيحْمِلُكَ الفرسُ إلى الشَّطِّ الآخَرْ ..."، وبالعل تتحقق نبوءة الأم في نهاية القصيدة .. ولكن المشكلة أن الشاعر يخاف الموت ـ رغم مناجاته لأمه الميتة أو المسجاة أمامه في قبرها ـ إنه يخاف الموت، ويخاف هذا الجواد الصاهل الذي سيحمله إلى الشط الآخر:
    فالخوْفُ من الصَّاهلِ أجهضَني
    جفَّ النَّبْضُ بصدْري .. وتعقَّبَني
    فوقَعْتُ على الأرضِ قتيلا !
    إنه يخاف الموت خوفا شديدا، ويخاف الفرس الذي سيحمله إلى الشط الآخر، لدرجة أنه مات ، أو قتل من الخوف نفسه، وهذه لقطة ذكية من الشاعر استطاع أن يُجيد التعبير عنها فنيا، ثم ينقل الشاعر قصيدته إلى الإحالة الدينية موظفاً أو مستثمراً قصة موت سيدنا سليمان ـ عليه السلام ـ وقصة عصاه التي نخرها السوس وهو ميت، ولم يُدرك ذلك من حوله من الإنس والجان:
    نصبوني تمثالا
    ما عرفوا أني مُتّْ
    إلاَّ منْ أدنى حشَرَهْ
    نخَرَتْ جوْفي ..فسقطْتْ
    ضحْكَ الجُبناءُ كثيراً .. وعرَفْتْ
    أسرارَ العالَمِ ..!
    لكنْ بعدَ فواتِ الوقْتْ !
    وعلى الرغم من عدم ذكر العصا في القصيدة إلا أن الإحالة الدينية تنجح في تمثل قصة موت سيدنا سليمان ـ عليه السلام ـ بأكملها، حيث تتداعى إلى ذهن القارئ أو المتلقي تفاصيل هذا الموت الذي لم يُعرف مثله في التاريخ، وقد وردت هذه القصة في قوله سبحانه وتعالى: "فلما قضينا عليه الموت مادلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته، فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين" (سورة سبأ ـ الآية 14).
    إن الشاعر يؤمن بأن الحقيقة الكبرى أو أسرار العالم لا تُعرف إلا بعد رحيل الإنسان عن عالمنا هذا إلى عالم ما بعد الموت، حيث العالم غير العالم، والحواس غير الحواس، والإدراك غير الإدراك.
    لقد استطاع الشاعر أن يتعامل مع هذه القصيدة من أكثر منظور، حيث نجد فيها المنظور الإنساني، والمنظور الاجتماعي، والمنظور الديني. كل هذا إلى جانب المنظور الفني .. مما أدّى إلى خروج هذه القصيدة على هذا المستوى الجيد.
    (2)
    وبالنسبة لقصيدة "عنبر الأموات" فقد جاءت قصيدة مضغوطة كل الضغط، إلا أنها كانت تحتاج إلى شيء من الإضاءة، فالغموض الذي أراده الشاعر لهذه القصيدة جاء في غير صالحها تماما، ولكونها قصيدة قصيرة ومضغوطة فإننا سنضعها أولا بين يدي القارئ:
    في عنبرِ الأمواتِ
    كانتِ القصيدةُ الجديدهْ
    على لِسانِ الوردةِ المُلقاةِ
    تحتَ الشُّرْفةِ الوحيدَهْ
    وحينما تنفَّسَتْ
    بأوَّلِ الحروفِ
    كانَ الليْلُ في شراسةٍ عنيدةٍ ..عنيدهْ
    يُجرْجرُ الأصحابَ
    والزَّنابِقُ السوداءُ ..
    ترقُبُ المجهولَ
    في تعاسةٍ بلِيدَهْ !
    المكان: عنبر الأموات.
    الوقت: ليلا.
    الأشياء المنثورة في اللوحة والمبعثرة في هذا الجو القاتم عبارة عن قصيدة جديدة ملقاة على لسان وردة، تحت شرفة وحيدة في هذا المكان، وحينما تنفست بأول الحروف .. وهنا نتساءل: من المتنفس هنا؟ هل القصيدة التي تنفست بأول حروفها؟ أم أن الوردة هي التي تنفست بأول حروف القصيدة الملقاة على لسانها؟ لا توجد إضاءة تهدينا للإجابة.
    وحينما تم هذا التنفس ـ والذي يعني الحياة ـ كان الليل يجرجر الأصحاب في شراسة عنيدة، ولكن إلى أين؟ هذا هو الغموض الفني الجميل والمحبب للنفس البشرية .. ولا ينبغي على الشاعر أن يُفصح لنا إلى أين، فليتخيل كل منا إلى أين هذا الليل الشرس العنيد يجرجر أصحاب الشاعر، أصحاب الليل نفسه. إن الليل نفسه يخون أصحابه. إن الفعل المضارع "يجرجر" جاء فعلا قويا مناسبا في هذا الإطار، وإسناد هذا الفعل إلى الليل يوحي لنا بمدى شراسة هذا الليل العنيد كما أراد الشاعر أن يُصوره لنا، وفي هذا الليل الشرس تقف الزنابق السوداء ترقب المجهول، ترقب ما يحدث للأصحاب، ترقب ما يحدث في تعاسة بليدة لأنها لا تملك أن تفعل شيئا، ولا تملك أن تُدافع، أو تدفع الليل عن الأصحاب، أو أن تنظر إلى المجهول، ولا ندري ما الذي سيفعله الليل الشرس بهؤلاء الأصحاب؟
    إن كل الأشياء سوداء في هذه القصيدة، أو في هذه اللوحة التي رسمها لنا الشاعر؛ فكل شيء يوحي بالموت والخمول، ولا يوجد شيء مضيء، وكل ما هنالك .. أموات. قصيدة جديدة، ولكنها تولد موؤودة، وردة مُلقاة مهملة، وربما تكون سوداء اللون كما الزنابق السوداء، والشرفة الوحيدة لا يدخل منها ضوء، والليل الشرس، والأصحاب الذين يجرجرون، والمجهول، والتعاسة البليدة.
    اللوحة سوداء، والألفاظ سوداء، والمعاني سوداء، والإحالات كلها سوداء، والشاعر لا يُريد أن يعطينا أية إضاءة.
    أحد عشر سطرا هي كل سطور القصيدة، ولكن نحس أن هناك شيئا يجب إدخاله، أو إضافته، فاللوحة إذا كانت كلها سوداء فإنها لا تُرى بوضوح، وربما الضوء ـ أو اللون الأبيض ـ حينما يدخل على اللون الأسود يُبرز أشياء كانت لا تُرى في اللوحة من قبل.
    أحمد فضل شبلول

  5. #5
    ( 5 ) الانتظار الحزين في ديوان
    «أوراق من عام الرمادة» لحسين علي محمد*

    بقلم: أحمد زرزور
    .......................

    نهرُ الغضبِ المالئِ كلَّ شغافِ القلبِ
    أراهُ يثورُ، يفورُ ،
    ويملؤ كلَّ مساربِ تربتِنا القاحلةِ ،
    ويحملُ في راحتِهِ الخصْبَ ،
    اندفعتْ منْ شرنقةِ الليلِ نساءُ الفجْرِ ،
    هتفْنَ بصوتِ الغضبِ الثورةِ :
    هذا النهرُ عنيدْ!
    ويفتح لنا الشاعر حسين علي محمد دفاتر أحلامه المسبية في أزمنة الجفاف والزيف والمداهنة مُشيراً إلى مأساة إنسان العصر، وهو يشهد سقوط الكلمات وتهاوي المواسم المعطاء، واندماج المنى وتدحرجها أمام أقدام الموت المثلوج، إنسان يقف وحيداً في مواجهة عوامل الانسحاق والعسف، يتقي الضـربات بالغناء والحلم، متشحاً بثوب الرومانسي، محاولاً ـ في استكـناه حزين ـ أن يكتشف شيئاً متوافقاً مع الومضات الخافقة في حناياه، وسط رُكام العقم والسلبية والإحباط!
    وهو شاعر بسيط يعترف بتواجده الدائم في منطقة الحلم، الحلم بعالم سعيد يسكن مدينة فاضلة، يحلم بترنيمة حب خضراء تُضيء الدروب الفقيرة، يحلم بنهر غضب عنيد يثور إذا دنسته الأقدام الهمجية، يُعطي الخير للفقراء حول ضفتيه، يرفض أن يزف إلى عروس الجدب، وهي تتزيَّن للسذج والواهمين.
    إنه نهر التاريخ الذي جسّده الشاعر في نجيب سرور.
    وهكذا يتوازى نهر الدم ونهر الحياة؛ دم الشاعر الذي رفض المهادنة، وامتشق سيف التبشير بوردة حب لا تركع إلا للظامئين المنسيين في الوطن، ونهر الحياة الذي لايكف عن الحب وهو يشهد الأحداث، لا تعوقه الأحراش أن يأتي يبتسم، يحمل للأطفال المُعدَمين صباحاً رائعاً حلواً:
    أقبلَ هذي الليلةَ منْ خلف الأحراشِ ،
    ويبسمُ في شوقٍ ،
    ويُمنِّينا
    أنْ يحملَ فوقَ قِلاعِ الغضبِ
    صباحَ العيدْ
    ولكن (النهر / نجيب) يغيب، وينطفئ الفجر الأخضرأ يسقط القمر على بساط الرمل. أي حزن فاجع يتولد بين هذا العناق الدّامي: ضوء الفرح وعدمية اليباب، فماذا يستطيع الشاعر فعله، وهو شاهد على الانكسار، إنه يصرخ على طريقة الطيبين، تُباغته فجاءة الرحيل، فيضحك ألم النهر، الصمت مياه راكدة، يتمدّد الغضب جارفاً شعراء البكاء والرطوبة والمزامير، إنها إدانة للكلمة / الموت، والشاعر هنا هو المُعادل للإنسان المسمم بحساباات الحذر، والمسكون بقصائد الرؤوس الطائرة، ولهذا فالشاعر يُواجه ذاته في هذا الموقف الاكتشافي / المحك، يُفتش عن ذاته فلا يجد إلا تصوراً رومانسيا حذراً، يستشهد ـ على أعتابه ـ مع شيء من الاعتذار يُزجيه إلى انطفاء النهر!
    سقطَ القمرُ الغاضبُ فوقَ بساطِ الرملِ ،
    تخبّطَ ،
    لا أقدرُ أنْ أفعلَ شيئاَ ، فصرختُ :
    كفى يا نهْرُ ،
    وملأَ الغضبُ الحذِرُ مساربَ نفسي ،
    ضحكَ النهرُ ،
    تمدّدَ ،
    ضربَ بقبضةِ صرختهِ جدرانَ الصمتِ ،
    وألقاني في اليَمّْ !!
    ***
    والفارس عند حسين علي محمد لا يلوذ بالصمت، ولا يتوارى خلف درع السلبية الخذول وحسب ، بل إنه فارس التساؤلات، إنه ينتظر معجزة تعيد للرؤى سلامتها، وتفتح للاخضرار نوافـذ النضارة المسبية، فالحليب يفسد، والفقراء الصغار يتضورون، والسيادة في هذا العصر للجنون، فلا مجال إذن لكون نبيل، شبه هلوسة تجتاح، فتُفقد الأشياء منطقها، تنهار المرافئ، يُرفرف الرعب فيتشح الفارس بخيبة الرجاء، وندور معه في معظم أغنياته حول حلمه المستحيل الذي لم يتحقق بعد، ولا نضيق معه، كما ضاق مع رفـيقه بالأغاريد القديمة والسعار، فأوان المعجزة ليس تهدجاً مرهفاً يتكئ على أغنيات الفقد والاستلاب، إنه كينونة فرسان لم يقرب الشاعر ساحاتهم بعد!
    فَسَدَ الحليبْ
    وتقولُ لي :
    "هذا أوانُ المعجزهْ"
    قدْ ضِقتُ مثلَكَ بالأغاريدِ القديمةِ
    والسُّعارْ
    والليلُ طالَ ..
    الليْلُ طالْ
    .. ومتى تجيء المعجزهْ ؟
    فلقدْ مللْنا الانتظارْ !
    وشاعرنا حسين علي محمد يتسلم بيمينه مفاتيح التوهجات الرومانسية على معكوسات الواقع، فتبدو بصمات الرومانسيين واضحة على شعره: الغنائيات الشديدة الوقع وما يستتبعها من توارد القافية التي كثيراً ما تأتي متعسفة ومفتعلة فتُفسد الصورة الجيدة (والتي يتفوّق الشاعر هنا من خلالها بتمكنه وخبرته الواضحة)، ومن النماذج المؤيدة لما ذكرت من القوافي الدخيلة، والتي كان من الممكن جدا طرحها والاستغناء عنها بدون أن يختل الوزن الشعري:
    1-أبتاعُ منْ حانوتِنا الليْليِّ أشعارَ الشفقْ
    وأقولُ أنغامَ (المَلَقْ)
    (من قصيدة "متى تجيء المعجزة؟"
    2-في اليومِ الثاني .. منْ ذاكَ الشهرْ
    راجعتُ الكلماتِ المخطوطةَ عندي
    في كراساتِ (الشعرْ)

    قلبي يخشى أن يخفقَ في أحشائي
    فالموْتُ أمامي .. وورائي
    يستشري في الأوردةِ ..
    وفي (أشلائي)
    (من قصيدة "عن الخوف والميلاد")
    3-وعيونُ الصَّخْرْ
    تحلُمُ بالخُضرةِ أنْ تزهرَ ذات صباحْ
    وعيونُ التمساحْ
    تحلمُ بالجسدِ الرّخْصِ ، وتشتاقُ التفاحْ
    (من قصيدة "القاهرة 1975")
    إن "الملق، الشعر، أشلائي، التفاح" لم تكن أكثر من تتمات لفظية واستكمالاً شكليا لوحدة القوافي في القصائد المذكورة، وقد كان في إمكان الشاعر حذفها بدون أن يهتز البناء الشعري عنده.
    وشاعرنا حسين علي محمد بما يمتلك من تميز الطاقة الشعرية وسيولة النفس الوجداني، وعمق الإدراك المعرفي بقضايا إنسان عصره: يستطيع أن يجد لأقدامه رسوخها الواثق في عالم القصيدة المُفجِّرة والمُغامِرة، والمنطلقة إلى دوائر جرأة الاقتحام الفكري دون انسحاب إلى هامشيات الشكلية!
    ***
    على أن أخطر ما يتهدّد هذا الصوت الشعري الجاد تلك النبرة الخطابية، والمُباشرة السياسية فيه، واعتماد القصيدة على الصوت الواحد، الأمر الذي يُصيب الشعر بالنثرية والتقريرية والوقوع في فخ التعبير المشحون بحماس اللحظة وآنية الظرف، ولا شك أن البناء الشعري القائم على أكثر من صوت واحد يُعتبر ـ من الناحية الموضوعية ـ درجة عليا من درجات الفهم للتجارب الإنسانية. وهذه الدرجـة العالية من الفهم ـ كما يقول الناقد رجاء النقاش ـ تحمي الفنان من رؤية السطوح الخارجية للتجارب، والاكتفاء بها، وتحمي الفنان من التعبير المُباشر عن قضاياه.
    ونلمس للشاعر بعض العذر، حيث إن القصائد المُتهمة بالمباشرة والوضوح هي قصائد مبكرة تاريخيا بالنسبة للشاعر، فقد كتبهـا بين عامي 1975و 1977م، وذلك إذا لاحظنا أن قصائده الأحدث بين عامي 1977و1979م تتخلص شيئا فشيئاً من تقريرية الصياغة، فتجده يتعمّق تجربته محاولاً الوصول بها إلى أن تكون تفسيراً أو تأويلاً، وهذا يعني أن الوصف ـ حتى وإن تغيّرت أبعاده في الشعر عمّا هو موجود في الواقع ـ كما يُقرر أرسطو لا يُغنينا شيئاً، ويدخل في الوصف التقرير، أي المُغالاة في التعبير عن الشيء الواقع بأساليب سهلة مُريحة مُسترخية ناعمة، تفرغ منها فور قراءتها.
    ومُطالعة نموذجين مختلفين قد تُبيِّن لنا مدى تطور الشاعر وتقدمه وتخلصه من فجاجة الانفعال الشعري وسكونيته إلى عناق درامي واعٍ للحياة من خلال الشعر:
    1-من قصيدة "القاهرة 1975م)، وقد كُتبت عام 1975م:
    ألِفٌ .. ياءْ
    علِّمْنا أنَّ الحبَّ لمصْرْ
    أنْ يعقِلَ كلُّ الشعبِ مسيرةَ هذا العصْرْ
    فإذا انتقلنا إلى النموذج الثاني وهو يمثل قفزة الشاعر، وتركيزه على التأويل القائم على التأمل العميق، ممّا يُعطيه فرصة الكشف عن وجداناته، إزاء ما يؤثر فيه ويبلـور ـ قبل أو بعد ـ مفهومه للواقع وللحياة كلها، وتلك رسالة الفن الصحيح، ذلك أن الشعر هو الذي يجعل الرؤية عن طريق الحدس تأويلاً عميقاً وذكيا!، وهذا يبدو واضحاً في هذا المقطع:
    2-من قصيدة "العصفور وكرة النار"، كُتبت في عام 1978م:
    هأنذا في غَضَبي الجامحِ لمْ أُبصِرْ ،
    والبصَرُ كليلْ
    خلفَ النّافذةِ المُغلقةِ الليْلةَ عصفورٌ
    يحلُمُ بالأرضِ الموْعودةِ ،
    فجزيرتُهُ ذائبَةٌ فيهِ ،
    وتحتَ الجَفْنِ .. حكايا وتراتيلْ
    الليْلُ يُدحْرِجُ خطْواتي ،
    والعصفورُ يُحاورُني:
    ـ خنتَ صباحاً ، وتراجعَ خَطْوُكَ
    ـ لم أتراجعْ!
    ـ لا تُنْكِرْ
    ـ لا أُنْكِرُ .. لكنَّ الفَرَسَ هزيلْ !
    وهكذا فإن الشاعر حسين علي محمد، وهو واحد من الشعراء الشبان الذين يُطلق عليهم جيل السبعينيات "جيل الاقتحام الشعري الجسور وطرْق أبواب التجربة الجديدة" يُثبت صوته الخاص والمتميز، وهو بقليل من الإصرار يستطيع أن يأخذنا معه في رحـلة مستثبلية تجوس العوالم الجديدة، وتضع أيدينا على مواطئ ومواطن كل ما هو موجع وسيئ ودميم واستلابي وتصادمي يُجابه حركة الإنسان الباحث عن الحق والخير والعدل والجمال!
    أحمد زرزور
    .................................................. .......
    *أحمد زرزور: الانتظار الحزين في "أوراق من عام الرمادة"، صحيفة "الجزيرة"، العدد (3298)، في 6/9/1981م.

    </i>

  6. #6
    ( 6 ) قراءة في ديوان «السقوط في الليل» للشاعر حسين علي محمد *

    بقلم: عزت الطيري
    .......................

    هذا الديوان الصغير الرشيق الذي يأخذ شكل الكراسة يطرح العديد من الأسئلة الهامة قبل أن نبدأ في رحلة القراءة الممتعة:
    ـ هل لكي يصل الشاعر إلى جماهير القراء لا بد وأن تصحبه تضحيات كثيرة؟
    ـ وهل وجود هذه الأعمال الشعرية بين أيدي القراء مرتبط أساسا بوجود المادة بين أيدي أصحاب هذه الأعمال من الشعراء والأدباء؟
    ـ وإلى متى سيظل هذا الحال على ما هو عليه؟
    وإذا قارنا بين الأعمال التي يُصدرها الأدباء الشبان على نفقتهم الخاصة والأعمال التي تتولّى إصدارها الهيئات الحكومية لهؤلاء الأدباء لوجدنا البون شاسعاً، فظهور عشرة أعمال «قطاع خاص» ـ إن جاز لنا هذا التعبير هنا ـ يُقابله عمل واحد لقطاع الحكومة.
    وبالرغم من طبع هذا الديوان على نفقة صاحبه الخاصة فإنه خرج لنا بصورة مرضية، تزينه رسوم معبرة لفنان شاب يشق طريقه في دنيا الفن والتصوير (هو الفنان يوسف غراب). ولا أكون مُغالياً إذا قلتُ: إن هذا الديوان عمل فني مشترك لفنانيْن واعدين أحدهما يُشارك بالكلمة، والآخر باللوحة.
    ويهمنا هنا أن نناقش العمل الشعري، تاركين مناقشة الرسوم لمن هو أقدر منا في معرفة أسرار الرسم والتلوين.
    ولنبدأ بالشاعر أولاً: فشاعرنا شاب دون الثلاثين يعمل بالتدريس في محافظة الشرقية: موطنه وحبه وهواه، وهو يقف بشعره على أرض صلبة تُساعده موهبته الأصيلة ودراسته لأسرار اللغة وفنونها بقسم اللغة العربية بكلية الآداب، وهو متعدد المواهب، فهو زجال بارع بلغ شوطاً كبيراً في هذا الفن، وفاز بجوائز عديدة، وطبع قصائده المكتوبة بالعامية في كتيبات صغيرة. ويبدو أنه ترك الزجل ليجرب حظه في الشعر الفصيح بعد أن أدرك بفطنته وذكائه أن لغتنا الجميلة هي الأصلح للتعبير، وهي الأكثر انتشاراً بين ربوع الوطن الكبير مهما تعدّدت اللهجات، وإلى جانب ذلك فهو باحث خصب وناقد جاد. ويهمنا هنا ـ أيضاً ـ ـن نستعرض الجانب الشعري من مواهبه.
    وكما قلنا مسبقاً فإن الشاعر ذو ثقافة عربية أصيلة، فهو يستفيد من هذه الثقافة ومن مختلف الثقافات والفلسفات في أشعاره في هذه المجموعة الشعرية. وقد ساعده ذلك على خلق موضوعات جديدة مبتكرة، وبالتالي فهو يُشارك في زملاءه المحدثين في تبني قضايا العصر وطرحها في مختلف أعماله. وهو لا ينغلق على ذاته وهمومها وهواجسها، بل ينفعل بكل ما يُحيط به وبقضايا وطنه وما يمر به من أحداث.
    فحينما يعيش لحظات الضياع عقب هزيمة الخامس من يونيو / حزيران نجده يتخذ موقفه الخاص به؛ فهو لا يُطنطن بالكلمات الرنانة، ولا يؤلف أغنيات الأمل الزائف ليذيعها المذياع، ولا يُبشِّر بنصر يُلقي بالمحتل في أعماق البحر، بل يقف مذهولاً حائراً متأملاً، مُحاولاً معرفة موقعه ومكانه، ويتغلغل بتفكيره كشاعر، ليعرف الحقيقة، طارحاً أسئلة يود لها جواباً شافياً:
    *لماذا تظلُّ العصافيرُ تشدو ؟ وصوْتُ البنادِقِ يعلو ، ويشتعلُ الدَّمُ ، يُشعِلُ فينا الحرائقُ قهْرا ، وأنتِ تموتينَ غدْرا ، وصوْتُ البلابلِ ينسابُ بيْنَ الخلايا ، فتصرُخُ فينا الحنايا بكلِّ حنينِ الشموعِ القديمةِ، تشتعلين فيهدرُ فينا الشبابُ غناءً قديماً عرفناهُ منذُ سنين ، حلمنا بشمسٍ تجيءُ وتُشرِقُ فوقَ جبينِ الربيعِ ، وأشواقنا المستحيلةُ تملؤُ نهرَ الطفولةِ طُهراً ، وتشدو البلابلُ فوق الرؤوسِ ، وتحلمُ بالصُّبحِ يأتي ، ويذهبُ عنَّا الألمْ .
    * لماذا تظلُّ العصافيرُ تشدو ..ونبكي ؟ وجرحُكِ هذا صلاتي ونُسكي ، وجُرحك هذا ربيعي .. وخوفي من القادِمِ الهمجيِّ يُحطِّمُ كالثورِ حانةَ بللورنا المستباحِ ، ودمعُكِ كانَ لآلئ حزنٍ بجِيدِ الزمانِ ، وأنتِ أراكِ مع الليلِ تنتفضينَ .. فيقْمعُكِ اللصُّ ، صوتُ الرصاصِ بأُذني ، وأنتِ تعودين حُلماً قديماً يُشوِّقُنا للخلاصِ ، أراكِ تثورينَ .. تنتفضينَ ، فتسقُطُ كلُّ التَّشابيهِ والمُفرداتِ القديمةِ خوفاً من السَّحْلِ تحْتَ القدَمْ .
    وقبل أن نكمل الحديث يهمني أن أوضح إعجابي الشديد بهذه الصورة الجميلة الرائعة «يُحطِّمُ كالثورِ حانةَ بللورنا المستباحِ».
    وبعد أن يطرح الشاعر أسئلته، يضع النهاية لقصيدته:
    *تظلُّ العصافيرُ تشدو ، وتحلمُ بالفجرِ يأتي ، وتذهبُ مملكةُ الليلِ والأقْبيهْ .
    *وأحلامُنا مُجهضاتٌ على الرَّملِ ، تحتَ السنابكِ والأحذيهْ .
    إذن فشاعرنا يحلم بفجر جديد، جميل المحيا، يزيح عن كاهله الحزن، وحين يلمح تباشير هذا الفجر أو يكاد، يُطالعنا الشاعر بقصيدته «ترنيمة إلى سيناء»:
    وجهُكِ الغالي الذي قدْ غابَ عنا
    تحتَ أثقالِ العذابْ
    وجهُكِ المملوءُ حزناً وصلابهْ
    يرجعُ اليومَ فتيًّا في مهابَهْ
    ولكن هل يظل الشاعر هكذا منفعلاً بكل ما حوله دون أن يُعطي نفسه وروحه بعضاً من التأمل ليُراقب عن كثب همومه وعذاباته؟! إنه سرعان ما يعود إلى نفسه الشاعرة مُحاولاً إفراغ جرعات الحزن الكامن في قلبه:
    هأنذا مُلقىً في الطرقاتْ
    يذبحُني سكِّينُ الوحدهْ
    يُطفئُ فيَّ الخوفُ البسماتْ
    والحزن هو السمة المميزة لهذه المجموعة، فنحن نلمح في معظم القصائد كل مسببات الحزن:
    الخوف مثلاً:
    ومرْكبي في الوحْلِ يا صَدِيقْ
    أخافُ منْ عوائقِ الطَّريقْ
    أخافُ منْ غَدي المجْهولْ ..
    الخَوْفُ في خُطايْ ..
    والموْتُ فيكِ يا سهولْ
    فهذه المقاطع الصغيرة اللاهثة تبين لنا مدى ما يُعانيه شاعرنا من الهواجس والظنون، وبالتالي فإن كل هذا يُكبله ويقيده، ويحرمه من متعة التجوال بين دروب الحياة.
    وإلى جانب الخوف كسبب أساسي لأحزان الشاعر نجد أسباباً أخرى، مثل: القلق، والغدر بشتى صوره: غدر الأصدقاء، وغدر الأحباب، وغدر الزمن والأيام.
    ويجرنا ذلك إلى شيء هام في حياة الشاعر، إنه يُبصرنا بنشأته الريفية وأثر القرية بكل قيمها وأخلاقها ومعتقداتها وموروثاتها وحكاياتها وأساطيرها وأهازيجها وأغانيها. وحين يُهاجر شاعرنا إلى المدينة بكل حضارتها وتحضرها وزيفها تظل كل هذه الأشياء عالقة بذهنه وذاكرته وسط هذا الخضم الكثيف، وحين يحزن شاعرنا يُحاول بينه وبين نفسه أن بتشبّث بأي شيء ليُساعده، ويخفف عنه هذا الحمل الثقيل الملقى على عاتقه وعاتق قلبه مع علمه التام بأن أي شيء من هذه الأشياء التي يلجأ إليها لن يجدي معه شيئاً بأي حال من الأحوال، فهي بعيدة عنه تماماً.
    وهو تارة يلجأ إلى محبوبته:
    انتظريني
    فالشمسُ القاسيةُ صباحا
    فوقَ شبابيكِ مدينتنا المسكينهْ
    تُدنيني
    منْ أهوالٍ تملؤني رُعباُ وجراحا
    تُفزعُ روحي التوّاقةَ لاستقرارٍ وطمأنينهْ
    وتارة يلجأ إلى أمه يسترجع ذكريات الماضي الذي ولّى، حالما بأبسط الأشياء التي كانت تملأه، وتملأ قلبه الصغير سعادة وراحة ودعة: فنجان القهوة، الابتسامة الحنون، الكلمة الطيبة، الدعاء الصالح:
    أحنُّ يا أُمي لقهوةِ الصباحِ من يديْكْ
    أُحسُّ أنني غريبْ
    مُسافرً بلا رفيقْ
    تقطَّعتْ من دونِهِ الأسبابْ
    فَدَقَّ كلَّ بابْ
    ولم يفُزْ بما أرادْ
    وحينما أراد أن يعودَ ثانيا
    لم يُبصرِ الطريقْ
    *
    أحنُّ يا أُمي .. أحنُّ لابتسامهْ
    فمنذُ أنْ رحلتُ من حضنيْكِ
    لمْ أجدْ سوى القتامهْ
    ومنذُ أنْ خَلعْتُ جذريَ العميقْ
    منْ تربتي الطينيهْ
    ونمتُ في العراءِ .. في القواقعِ الصَّدفيَّهْ
    ذبلتُ في مُستنقعِ البلاهةِ الملحيَّهْ
    وجفَّ عودي
    ولأنه حزين فهو يتعلّق بكل المحزونين، يعشقهم، يُناديهم، يرثيهم، يحل طلاسم أحزانهم، فهو يتحدث عن علي بن أبي طالب، وابن الرومي، وبدر شاكر السياب، حتى يصل إلى ياسين وبهية.
    وحزن شاعرنا ليس هو الحزن السلبي الذي يودي بصاحبه إلى هوة التقوقع والتخاذل والانهزامية، بل هو حزن ثائر يُولِّد في النفس طاقات مجتاحة تحطم كل العوائق في عزيمة ومُثابرة، وهو حزن نبيل شفاف يُطهِّر النفس ويوصلها إلى درجة عالية من الشفافية والصفاء، وفي هذه العجالة السريعة لن أتعرّض إلى قضايا الشكل والمضمون لقناعتي أن هذه التقسيمات تهم الدّارسين أكثر مما تهم القارئ العادي، ولقناعتي أن القصيدة أو العمل الجيد هو الذي يترك أثره فينا إلى ما بعد الفترة الزمنية اللازمة لقراءته، وبحث يغرينا دائماً بالعودة إليه، وفي كل مرة يُشعرنا بنكهة أفضل، ورؤية أعمق وأشمل من تلك التي كانت لدينا قبل آخر قراءة.
    لكن لا بأس من إيراد بعض الملاحظات:
    1-نُلاحظ انفلات الموسيقى من الشاعر أحياناً في بعض القصائد، وجنوح العديد من هذه القصائد إلى النثرية الواضحة، مما يُفقدها طعم الشعر ونكهته.
    2-أهمل الشاعر تأريخ القصائد، وهذا ضروري للدارسين الذين يهمهم معرفة مدى التطور الذي حدث لإبداعات الشاعر في فترة زمنية معينة أو بين فترات متقطعة.
    3-الكثير من قصائد الديوان كانت تحتاج إلى مُراجعة قبل أن تُدرج في هذا الديوان الجيد.
    وبالرغم من ذلك فإنه يهمنا في النهاية أن نقول: إن حسين علي محمد في رحلته الشاقة مع الحرف يُحاول بشكل جاد أن يشق طريقه، وأن يبني لنفسه منهجاً معيَّناً يسير عليه.
    وهو كما قلنا في البداية موهبة أصيلة يجب أن يُنظَر إليها بعين العناية والاهتمام، وألا تُترك هكذا سدى، تعتمد على مجهود فردي يقوم به صاحبها!، وأجدني في النهاية أقول كما قال الشاعر:
    هذا الصقرُ الغائبُ عادَ يدُقُّ علينا بابَ البيتِ،
    ولكنْ .. من يفتحُ للطارقِ
    من يفتح للطارق؟ تلك هي المشكلة، وهذا محور السؤال!
    ................................................
    * نشر في مجلة «الثقافة الأسبوعية» الدمشقية، العدد (39) في 7/10/1978م.


    </i>

  7. #7
    ( 7 ) بين تحديث الأصالة وتأصيل الحداثة:
    قراءة في ديوان «النائي ينفجر بوحاً» للشاعر الدكتور حسين علي محمد

    بقلم: محمد سليم الدسوقي
    ................................

    ليس كل من أمسك القلم بمستطيع أن يكتب عن الدكتور حسين علي محمد، لأنه شاعر ذو أبعاد عديدة:
    فهو عندما يكون شاعراً يصعد فوق قمة الدلالات والمرامي، ويمتلك ناصية الهدف.
    وبين هذا وذاك يملك لغة مطواعاً، وجدة فيّاضة يقطفها من أغصانها، ويضعها في سلاله باقتدار وبفن جذاب خلاّب، ويجعلك تراها وتتذوّقها بفطرتها هي لا بشهيتك أنت، وكأنها خلقت هكذا في بهاء وجمال، وتأبِّي هذه السلال اللهم فيما يفوح فيها من قطوف ومن عبير، وفيما يُرى فيها من طيوف ومن حرير، وفيما يُسمع منها من هموم ومن هدير.
    وعندما يكون قاصا فإنك تغوص معه في معاني القص ودروبه وأزقته وعذوبته.
    وعند اختلاط السبل وتعدد المسارات تقف قليلاً لتسأل أين أنا الآن؟ فتجد لافتة أمامك برقم الهاتف وإشارات الطريق.
    وعندما يكون ناقداً فإنك تقرأ له أو تستمع إليه وهو يسوق إليك المنهج والأمثولة، وقد أسلمت إليه القياد لترى وتلمس ما كنتَ تود أن تسمعه وأن تراه.
    وأعتقد من واقع تجربتي الشخصية معه، أنه واحد من أولئك الأدباء الكبار الذين لهم طابعهم الخاص، وتميزهم المتفرد الذي يعشق الأدب ويهضمه لحماً وشحماً ويُعايشه بشكل غير عادي قراءةً وكتابةً.
    فهو غيطه وهو بيته، وهو حياته، بل كل ثانية من ثواني هذه الحياة الخصيبة قراءةً وكتابةً وحديثاً وتفكيراً.
    فهو قد ينسى ماذا طعم وماذا شرب؟ لكنه بالتأكيد لا ينسى فكرةً أو أسلوباً أو تعبيراً قاله منذ سنين، أو زميلاً عايشه هنا أو هناك جمعته به أدنى الصلات، والحديث الذي دار والزمان والمكان وكأنه يقرأ من كتاب.
    وأشهد وأنا واحد من هؤلاء أنه دفع بي دفعات قوية إلى الأمام، وأنني إذا كنتُ حققتُ أعمالاً فهو مَن وراء ذلك، وأنه الصاحب الحقيقي لما كتبتُ من «صلوات على زهرة الصبار»، و«طقوس الليلة الممتدة»، و«الحب في زمن الرمادة»، و«من دفتر العشق الإلهي».
    فطالما كان يسألني عندما كنا نلتقي زمان اغترابي عن الأدب فترة طويلة هذا السؤال الذي أرجعني سريعاً إلى جادة العمل الأدبي وهو: ماذا عن الإبداع؟
    وكنتُ أجلس لأقرأ وأكتب لأجيبه على هذا السؤال الصعب عندما أقابله.
    وأعتقد أنه كذلك كان مع الكثير من الزملاء غيري، وتلك لمحة ما كان بالإمكان أن أداريها أو أنكرها عليه أو على نفسي فهو محب لزملائه، محب لأعمالهم، ومشجع لهم، وموجه إلى تصويب العمل وتجويده.
    ولستُ أنسى عندما قال لي يوماً: «عليك أن تسلك دروب الجديد وأنت قادر على ذلك»، وقد كان.
    ***
    وبالقراءة المتأنية لهذا الديوان الجديد «النائي ينفجر بوحاً» نجد أنه خطرات جميلة لما يعتمل في نفس الشاعر من لواعج الغربة وتداعياتها من غربة في الوطن، وغربة عن الأهل والسكن، وغربة عن الأصدقاء، وحنين إلى ذكريات الراحلين.
    وتلك دلالات ومواقف في الشعر العربي قديمِه وحديثِه، ومنذ عُرف الشعر والشعراء والتعبير الجميل.
    لكنه في جذورنا القديمة كان على بكاء الأطلال، وحنيناً إلى الديار الدوارس.
    ففي الأدب الجاهلي:
    قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزلٍ
    بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ
    وفي الأدب الأندلسي:
    جادك الغيْثُ إذا الغيْثُ همى
    يا زمانَ الوصْلِ بالأندلـسِ
    لكن لغة العصر وتناولاتها تختلف مع التوحد في الرؤية والهدف: وهذا هو الاستحداث الذي أفرزته العصور المتتالية والمتتابعة تتابع الأيام والليالي.
    ***
    ونستطيع أن نستطلع البوح الذي جاء بهذا الديوان ما بين:
    *بوح الأسرة والأولاد وأولاد الأصدقاء,
    *بوح للوطن، وتصد بالقلم والوجدان لأعدائه الخارجين من المستعمرين وجنرالاتهم، أو لأعدائه من داخل الوطن نفسه والمتعالين عليه تعاليَ جنرالات الأعداء.
    *بوح رثائي لزملاء الغربة وأصدقاء الكلمة ممن دهاهم الدّهر، ولفهم الموت بعباءته السوداء.
    *بوح إخواني لأصدقاء فارقوا دار الغربة فقط إلى ديارهم بعد طول غياب عن أرض الوطن يُذكِّره بهم دموع الحاسوب، وكوب الشاي، وفنجان القهوة، ولقمة الخبز.
    وذلك كله في إيقاع حداثي رتيب، يمتاز بالصقل والتجويد، ونبض اللغة، وفيض الدلالات.
    أو في إيقاع خليلي قشيب يمتاز بالشجو والتطريب والتجديد ودوران الألفية الثالثة بعد القرن الفائت ـ (انظر هذه اللغة: سوحي ـ شيّأني الحاسوب ـ الأوانس ـ ذوات الحجال).
    1-فالبوح الأول تجلى في هذه القصائد: «النائي ينفجر بوحاً إلى فاطمة»، و«فراشات زرقاء»، و«أغان صغيرة إلى فاطمة»، و«عرس أمينة» .. وذلك على سبيل المثال لا الحصر، يقول في قصيدة «النائي ينفجر بوحاً»، (ص40):
    كانتْ كالوَتَرِ المقطوعِ
    تُدنْدِنُ أغنيةً خضراءَ الأحرُفِ
    في عيْنيْها حُزْنٌ يَدْفُقُ
    في رَهَقِ أُنوثتِها
    ويقول:
    ـ وأنتَ النِّيلُ المانحُ سرَّ التَّكوينِ
    نشيدَ الخلْقِ
    ـ دمي طوْعُ بنانِكَ
    ـ شيَّأني هذا الدَّرْبُ الصَّامتُ
    ـ حاصرني فيْضُ حنينِك
    ويقول في قصيدة « فراشات زرقاء» (ص5):
    في صُبْحٍ آخَرْ
    ـ وصهيلي في الآفاقِ يُردِّدُ أُغنيةَ البدْءِ
    أراني قُدَّامَكِ
    تتفتَّحُ أزْهارُكِ
    ويُمازِجُني عِطْرُكِ
    وتُفاجِئُني أطيارُكِ إذْ تخْرُجُ
    في كَفَّيَّ لآلئَ خضْراءْ
    تنفَتِحُ على القلْبِ
    أماكِنَ
    ومجالاتٍ
    ورُؤى
    تتجدَّدُ ، أوْتُخْصِبُ باللذَّةِ
    (هذا النَّصُّ يُغايِرُ
    ما ألِفتْهُ العيْنُ قديما
    في آفاقِ الشُّعراءْ !)
    ...
    فلماذا يقْبَعُ حسْنُكِ
    في الطَّلَلِ الباكي
    إيقاعاً
    خاصًّا
    يتَنَزَّى في شريانِ القلْبِ
    صباحاً
    ومساءْ!
    فوْقَ رُخامِ الحسَدِ الجنَّةِ
    فوقَ النَّهْدِ
    وتحتَ الخَصْرِ
    وحوْلَ العيْنيْنِ
    وفَوْقَ جبينٍ
    كاللؤلؤةِ يُضِيءُ
    حنين كامل إلى رفيقة دربه، وهو يحلم بالضوء والخضرة والعشب والصباح الذي يُبدد تعب الأم الرؤوم بين أبنائها، تُكافح وتُنافح لتبني مُستقبلاً وتُنشئ جيلاً، وهي راضية مبتسمة ابتسامة الصباح الجديد الوليد، رغم الإحساس باغتراب الأب الحاني صاحب الحديقة المونقة الخضراء التي تنتج عطراً وأملاً وارتواء.
    ويشتاق للأبناء والبنات وهن تذهبن وتجئن في رعاية الأم وحلم الأب وحنين اللقاء.
    وفي « أغان صغيرة إلى فاطمة» ابنة الصديق، يقول:
    أهذي العصافيرُ جاءتْ
    تُغنِّي بشدوِكِ يا فاطِمَهْ ؟
    وهذا غِناؤكِ يقتحِمُ الصَّمْتَ
    يلمسُ أحلامَنا القادِمَهْ
    ويقول:
    أطِلِّي على ضِفَّةِ الغَيْمِ
    هاتي ظلالَ النَّخيلِ .. عطاءَ السَّعَفْ
    وقولي لعمِّكِ: يا كمْ تعِبْتَ منَ السُّهْدِ
    .. والمَشْيِ في المُنتصَفْ
    فهو يُداعب فاطمة الصغيرة، ابنة صديقه ورفيق عمره الدكتور حلمي محمد القاعود، ويبعث لها بتهنئة عيد الميلاد الذي يراه يستحق التهنئة الجميلة في ثوب شعري غنائي، تنمو فيه الفكرة وتشب عن الطوق بنموها هي.
    فهو يستقرئ أسماء ثلاث فواطم أثيرة لديه؛ من الرفيقة أم الأبناء، إلى الوليدة ابنة الصديق، إلى صاحبة البيت الأثير والمنزلة السامية لدى المسلمين جميعاً فاطمة الزهراء رضي الله عنها.
    وفي قصيدة « عرس أمينة»، (ص12)، وهي عروس الديوان لجماليتها وغنائيتها يقول:
    العُرسُ حان وقتُهُ
    فأيْنَ يا صِغارْ ..
    الدّفُّ والمزمارْ ؟
    لا تُبْعِدوا الصِّغارْ
    سناءَ أوْ سميحَهْ
    فالدَّارُ عندنا فسيحَهْ
    ويقول:
    زَغْرِدْنَ يا بناتُ لِلْفَرَحْ
    حسيْنُ قدْ نَجَحْ
    كأنَّما النَّخيلُ قدْ طَرَحْ
    والموْجُ للسَّلامِ قدْ جَنَحْ !
    جميل جداً أن يخلد الحلم للراحة، ويميل الخاطر إلى هذه الآفاق المبهجة، ويطلب العرس على أوسع نطاق، حيث الدار عندنا فسيحة، وهو تعليل رائع لرحابة الصدر وجيشان الخاطر.
    وفي المقطع الثاني هنا يقول:
    حسيْنُ قدْ نَجَحْ
    كأنَّما النَّخيلُ قدْ طَرَحْ
    والموْجُ للسَّلامِ قدْ جَنَحْ !
    وهو إحساس كبير بنجاح المقصد، واستواء القطاف بعد طول الغربة والسنوات العجاف.
    2-والبوح الثاني: في قصيدتيه «الجنرال والوطن المنفى» و«الشاعر والجنرال».
    يقول في الأولى، (ص20):
    لنْ أُبرئَكَ من الجمْهَرَةِ بسوحي
    المُمْتلئةِ بالرُّعْبِ،
    وبالأقذاءْ
    وببحرِ دماءْ
    يتفجَّرُ منْ ظلِّ الجنرالِ الضَّخْمْ
    لنْ أُبرئكَ من الوهْمْ
    في خِسَّةِ ليْلٍ يتمدَّدُ ،
    يبتلِعُ العصفورَ الأخضرَ
    في ساحِ الشُّهداءْ
    إلى أن يقول:
    نمشي فوقَ مناكِبِ قتلانا
    كلَّ مساءْ
    تصفعُنا ذكراهُمْ
    ليلاً ،
    فجْراً ،
    ظُهْراً ،
    عصراً ،
    صيفاً ،
    وشِتاءْ
    فلماذا تُمسِكُ مرآةَ الأيامِ السوداءْ
    وتُحدِّقُ في الأُفْقِ المجدولِ بعارِكَ
    في خُيَلاءْ ؟
    وفي القصيدة الثانية، (ص24):
    لا أدري لِمَ تحقِدُ يا إنسانْ ؟!
    ولماذا في شعرِكَ ..
    تتخصَّبُ تلك الثَّمَرَاتُ المُرَّهْ
    بِلقاحِ الحرمانْ؟
    لا تسْألْني
    هلْ هذا آخرُ شعرِكْ ؟
    آخرُ شعري لمْ يُكْتَبْ بعْدْ !
    فاكتُبْهُ أنتْ!
    القصيدتان تحكيان موقفين يختلفان في الوسيلة، ولكن الغاية واحدة، وهي أن الجنرال المعتدي والجنرال السلطوي كلاهما جنرال، وكلاهما معتدٍ، سواء أجاء غازياً أم جاء نبتاً من شوك الوطن؛ فالعدوانية واحدة، ولذا كانت البكائية والصيحة واحدة، فهي تحمل الشهد المضرّج بالدماء من وسط الميدان مرة، وتحمل الكرامة المضمخة بالتراب فوق أرض الوطن مرة أخرى.
    (يتبع)

  8. #8
    ويلحق بنبرة المقاومة والتأبي هنا قصيدتان، هما: «سبع سنابل خضر إلى بغداد» (ص63)، و«هوامش المسلم الحزين» (ص46).
    جاء في الأولى:
    وهذي مآذنُها في الفضاءِ
    البعيدِ
    تُناجي السماءَ
    .. وهذي الصَّواريخُ تنهالُ
    فوقَ رؤوسِ الشيوخِ / الصبايا / النساءْ
    إلى أن قال:
    .. وهذي مروجُ الضِّياءِ
    وهذي قناديلُنا في الليالي البهيجةِ
    تضحكُ "نازكُ" ..
    يُشرقُ وجْهُكَ يا "بدْرُ"
    يُشْعَلُ في الليْلِ ضوْءُ السِّراجْ
    وجئتُكِ بغْدادُ ..
    .. غنَّيْتُ شعبَكِ ، أرْضَكِ ..
    ما عاقَني ـ في الطريقِ ـ السِّياجْ !
    وفي الثانية:
    هذا هو القرآنُ في العيونْ
    رفيقي الحنونْ
    يضيءُ دربيَ المسكونْ
    بالرُّعبِ والجنونْ !
    متى سنتلو "سورة القتال"
    نكونُ خيرَ أمةٍ قدْ أُخرجتْ للناسْ
    العدو واحد إذن، فالهتاف واحد كذلك، وهو قمة أدب المقاومة، وإن كنتُ لا أرى «وذاكَ العتلُّ الزنيمُ على صدْرها جاثمٌ في اشْتهاءْ» في المكان الصحيح من قواميس السياسة والمداورة على الأقل، فقد تدور الأيام، ويُصبح صديقاً للشعر العربي والحلم العربي كما كان.
    أما الصرخة المطلقة إلى مسلمي العالم في: هذا هو القرآنُ في العيون" فهي صحيحة تسامتْ فوق ما نعرف وما نقرأ من صيحات ودلالات.
    3-أما النوع الثالث وهو البوح الرثائي والمتمثل في قصائد «صبيحة الغياب» و«انكسار» و«رحيل آخر عام 1996م» و«الصارخ في البرية» و«فخاخ الصحراء» و«الغائب» و«نام في سلام» و«مكان في القلب»، وسأمثل لبعض هذه القصائد.
    وهي قصائد رثاء في لهجة حميمة إلى أصدقائه الذين طواهم الموت، وقد خلّفوا أعمالاً وأحلاماً لا يطويها الزمن، ولا تمحوها الأيام
    يقول في « صبيحة الغياب» (ص16) يرثي صديقه المرحوم عبد الله السيد شرف:
    متى ستُشرقِينَ في غيابِهِ الطويلْ ؟
    (تُجيبُ في قَلَقْ)
    ـ غداً
    ـ إذنْ متى ستكتُبينَ سطرَكِ الجميلَ
    في الرسالةِ الأخيرَهْ ؟
    إلى اللقاءِ يا حبيبتي المُسافِرهْ
    في دوْرَةِ الفَلَكْ ؟
    ويقول في «الصارخ في البرية» (ص44) يرثي صديقه المرحوم كمال النجمي:
    كنتَ وحيداً تقفُ على رأسِ طريقِكَ
    تصرُخُ في جمْعِ الشُّعراءْ :
    كونوا مِلْحَ الأرْضِ
    سياجاً للضُّعفاءْ
    نوراً في الظَّلْماءْ
    ازْوَرُّوا عنْكَ جميعاً ،
    كانوا في الليْلِ فراشاً
    يتساقطُ دونَ الأضواءْ
    ويقول في « فخاخ الصحراء»:
    تعالَ إلى حِضْنِ "عصايِدِكَ" الملهوفةِ
    بالشوقِ
    أعدْني طِفلاً ، لأهازيجِ الحقلِ
    ولغوِ السُّمَّارِ
    وقُلْ لي :
    كيفَ تُضِيءُ حقولَ الصمتِ / الثرْثارِ
    وتُسْرِجُ في قفْرِ هزائمِنا
    خيْلَ النار ؟
    ويقول في قصيدة «ونام في سلام»:
    تعودُ للترابْ
    يا أيُّها المسافرُ الحبيبْ
    تعودُ .. في العينيْنِ أُغنيهْ
    وفي الدروبْ:
    مقاطعُ الغيابْ /
    مدى كيانِكَ الرَّحيبْ /
    ونبْضُ أُمسيَهْ
    .. ملأتَها بالشعرِ والسَّمَرْ
    يا أيُّها الغريبْ !
    متى يعودُ صوتُكَ المليءُ بالبروقِ والضِّياءْ
    يقصُّ لي حكايةً خضراءْ
    عنِ الفراشةِ الزرقاءِ،
    والغيوبِ،
    والأحلامْ
    وطفلةٍ كفلْقةِ القمرْ
    تدعو .. بأنْ تعيشَ ألفَ عامْ
    ويقول في قصيدة «مكان بالقلب» الخليلية:
    لئنُ غالنـا عاصِفٌ في شتـاءٍ
    ومزّقتِ القلبَ ريـحُ الشمالْ
    فإنكَ بالقلبِ نبضُ اشتيــاقٍ
    وذكرى وجــودٍ عصيِّ المنالْ
    ***
    وفي مكــةَ الحـلمُ كمْ ضمّنا
    خيــالٌ لـهُ في الفيافي جلالْ
    وقُلتَ: أنـا في القـصائدِ نبْضٌ
    وفي الشعرِ عاطفةٌ لا تُنـــالْ
    كذلكَ أنتَ صديقـــي هنا
    مكــانُكَ بالقلبِ أغلى اللآلْ!
    دلالات واضحات على مدى حبه لرفاق دربه وغربته، وقصيدة عبد الله السيد شرف، وكمال النجمي، وكذلك أحمد الذي لم يعرفنا به، ويبدو أنه رمز لعزيمة يونيو وشهدائها.
    وتتداعى الأحلام والرؤى فيذكر قريته الجريحة بالشوق، ويتمنى أن يعود الزمن إلى الوراء، فتعود أغنيات الحصاد واللهو البريء، فيقاوم الهزيمة بلعبه وخيوله.
    أما رثاؤه الكبير في قصيدتيه إلى صديقه الراحل الدكتور محمد علي داود، فيذكر بالتفصيل لمسات اللقيا، وطفلته الغريرة الجميلة كفلقة القمر التي تدعو لأبيها أن يعيش ألف عام.
    ولكنني هنا أسأل: وماذا بعد الألف عام؟
    ويودع صديقه الوداع الأخير، ثم يستدرك: ولكن وداعك إلى مكانك الأثير بالقلب يا أجمل الكنوز وأحلى اللآلئ.
    4-والبوح الإخواني لصديقه الشاعر أحمد فضل شبلول، وقد تركه وعاد إلى وطنه وبلده الإسكندرية. فيقول في قصيدة «دموع الحاسوب» (ص37):
    هذا شايٌ باردْ
    لنْ التفِتَ إليْهْ
    لنْ أُبعِدَهُ عنْ طاوِلَتي
    في هذا الصُّبْحْ
    فالحاسوبُ يُراقِبُ بادِرتي
    هلْ يُمليني شيئا من حكْمتِهِ
    ويُداوي الجُرْحْ ؟
    تجارب إنسانية، كلها تشير إلى نفس صافية محبة عاشقة، عشق الروح للروح، مستقاة من وحي الغربة، فليس ثمة ما يبعد خواطر الاغتراب وأحلام العودة صباح مساء عن المغترب القابع في أقصى الباحة سوى أوراقه وقلمه، وجلسة وديعة، ودمعة شجية يسكبها يراعه الحالم، والذي يحس إحساسه وينبض نبضه.
    وتلك خلجات حزن وبارقات أمل، وأغنيات عشق نزجيها إلى أصدقائه وأحبابه وأهل بيته ورموز فكره علها تخفف لوعة البُعد ولواعج الفراق.
    بقيت قصيدتان هما «أحزان صباحية» و«القاهرة 1968م» وهما من قصائد النثر، وقد أضافهما الشاعر إلى بكائياته وهمومه في شكلهما النثري القصصي، فهو قد عبّر عن خلجاته بشتى فنون الشعر وأشكاله العمودي منها والحداثي والنثري وحتى العامي؛ فقد سمعته يقرأ قصيدة من هذا النوع العامي، ولكنها جميلة بكل المقاييس، ورامزة [يقصد قصيدة «جواب من بقرة إلى ساقية»]، وإن كان يعدها ذكرياتٍ درستْ من تراجم الماضي السحيق.
    وأنا هنا أسأله: وما الذي يعيب شعراً عامياً بهذا الجمال؟!
    وهنا أستأذن من يسمعون ومن يقرأون فأنا لستُ ناقداً ولا كاتباً له منهجه وفعالياته .. إنما هي فقط مشاركة إيجابية في المُدارسة والحكْي، فقد سمعتُ أخي وصديقي الدكتور حسين علي محمد صاحب هذا الديوان يقول:
    «إذا لم نكتب نحن عن أنفسنا فلن يكتب عنا أحد».
    ولذا رأيتُ أن أستجيب لهذه الوصية!
    وأعتقد أنني هنا ألوي عنان القلم مخافة أن يستطرد أكثر وأن يبوح أكثر سيما والحديقة أمامه تزخر بالطيوب والأزاهير.
    والبوح لا مدى ولا غاية له إلا إذا أوقفنا نحن دموعه ولواعجه، وأغلقنا فيوض النبع وقطوفه، ولكن إلى حين.
    وأشكركم، وتفضلوا بقبول تحياتي.
    محمد سليم الدسوقي
    ديرب نجم 12/8/2000م.


    </i>

  9. #9
    ( 8 ) مقدمة في شعر حسين علي محمد*

    بقلم: أ.د. طه وادي
    .......................

    من الظواهر الصحية لدى الشباب المثقف اليوم أن هموم الحياة لا تؤثر في عزائمهم، ولا تجعلهم يستسلمون أمام الضغوط الهائلة التي تحول دون التحام الفرد بالجماعة، والتي تسلبه ـ أحياناً ـ كل قدرة على التوافق حتى مع ذاته، ومن ثم تتحوّل هموم كثير من هؤلاء إلى توتر خلاق في محاولة لشجب الاغتراب، ونفي كل عوامل القهر والسلب التي تحول دون سعادة البشر على المستوى العام والمستوى الخاص.
    وتعكس المجموعة الشعرية "انتظار التي لاتجيء" لحسين علي محمد هذه الحقيقة بصدق ووضوح، تقرؤها فتحس أنك أمام شاب يستقطب أزمة جيل في الإحساس بتكاثف كل عوامل القهر المادي والمعنوي أمامه، وبسبب من هذا التكـاثف الأسود للضغوط تكاد تُحس ـ وهذا ما لا نُوافق شاعرنا عليه ـ أنه بـدأ يستسلم، ويُلقي السلاح .. أكثر من هذا لقد بدأ يحس الموت يسري في أوصاله وهو حي:
    لا قمر في حدائق الشتاء
    لا حبة من ضوء
    فلتغلقوا الأبواب
    فلتغلقوا الأبواب
    أشعر أنني
    أموت في العراء
    وإذا ما تساءلنا عن سر اغتراب الشاعر واستسلامه هذا لقوى القهر المحيطة به، فإننا يمكن أن نرد هذا إلى عاملين كبيرين، أحدهما عام، والآخر خاص مترتب عليه.
    العامل الأول المسبب لاغتراب الشاعر ـ كما تعكس ذلك هذه المجموعة ـ هو: عدم الإحساس بالأمان والعدل، يُضاعفه الشعور بالعجز عن استرداد كل الحقوق المغتصبة، وهذا ما تؤكده قصيدة "دموع من أورشليم":
    كرامتنا أريقت في أكفهمو
    وهمْ يلهون
    يبيعونَ القضيةَ بالجنيْهاتِ
    فقُمْ معنا
    ففي أُذنيَّ صوتُكَ منْ وراءِ الغيبْ
    يُناديني ،
    يُفتِّتُ في جراحاتي:
    أضاعوني
    وضاع دمي
    أضاعوني
    وفي أعناقهمْ ثاري
    والشاعر في معرض التعبير عن هذه الفكرة يستلهم أرواح أصحاب المآسي الحزينة في تراثنا مثل يوسف الصديق، وياسين الصريع ـ حبيب بهية ـ وأبي فراس الحمداني، وابن الرومي. والشاعر يُحاول أن يُنطق كل شخصية من هذه الشخصيات بجانب من جوانب المأساة العامة التي تعتصر شباب جيله، لترسم في النهاية صورة لكل ما يُعاني منه.
    العامل الثاني الذي سبّب اغتراب الشاعر في هذه المجموعة، أنه أمام كل هذه الضغوط بدأ لا يتعاطف مع أمه التي أنجبته إلى هذا العالم الكئيب:
    أأنتِ التي ..
    نذرتني للشمس منذ الولادهْ
    وأنتِ التي ..
    عرَّيْتني في طرق الصمتِ والبلادهْ
    وأنتِ التي
    ذبحتِني
    وبعْتِ لحمي في القرى ..
    وفي النجوعِ والدَّساكرْ؟!
    أكثر من هذا، لقد أصبحت هذه السلبيات كلُّها تحول دون استمتاعه بالحب، وتُعجزه عن أن يسعد بالحبيبة:
    فلا تنسَوْا حكايتَنا .. أحبائي
    وليلةَ عُرسِنا المأمولْ
    فياكمْ قدْ سهرتُ أعانِقُ المجهولْ
    وأبذُرُ حبَّنا في أولِ الفجرِ
    فيُنبِتُ في الأصيلِ لنا ـ ويا للهوْلِ ـ
    خفقَ شُعاعْ !!
    أموتُ هناكْ
    وأغمسُ أصبعي في الدَّمْ
    وأكتُبُ فوْقَ هامِ الموْجِ:
    "ذاتَ صباحْ
    رأيتُ الحبَّ مشنوقاً
    على بابي" !
    أمام هذا الاغتراب العام والخاص كان من المحتَّم أن نجد الموسيقى عند حسين علي محمد جنائزية خفيضة رقيقة مُوقَّعة، كأنها موكب خلف نعش ميت!
    ولعل ما يؤكِّد هذا أيضاً كثرة مراثيه في هذه المجموعة الصغيرة، وهذا ما يُفضي بنا إلى القول إن موسيقى شعر حسين علي محمد تنبع أساساً من مضمونه الفكري.
    أحياناً قليلة ونادرة نحس أننا أمام شاعر تشع من قصائده روح التفاؤل والأمل المضيء، وهذا ما نتمنّى أن يكون سمة عامة له في شعره القادم، فالشاعر شاب ريفي يحمل عراقة أرض مصر التي لا تعرف اليأس والاستسلام، ومن هذه الومضات المشعة بالأمل المقطع الأخير من قصيدة "طائر الرعد":
    .. ويُنادي طيرُ الرّعدِ بصوْتٍ باك:
    لا تقلقْ
    فالبابُ هو البابْ
    وغداً
    يتركهُ الحجّابْ
    وغداً
    سيعودُ الأحبابْ
    وأخيراً؛ فإن هذه هي بعض السمات العامة لشعر شاعر شاب جاد في أول الطريق، ونتمنّى أن يكون وتراً فنيا يُضاف إلى قيثارة الشعر العربي الحديث، كما نتمنّى أن تكون أشعاره طاقات أمل، وإشعاعات هدى تُضيء الطريق للغد المشرق.
    أ.د. طه وادي
    ............................................
    *طه وادي: مقدمة في شعر حسين علي محمد: نشر في "الثقافة الأسبوعية" الدمشقية العدد 9 في (4/3/1978م) كما نشر في "أخبار الأسبوع" الأردنية، في 25/5/1978م.


    </i>

  10. #10
    ( 9 ) «حوار الأبعاد الثلاثة» مجموعة شعرية جادة

    بقلم: بـدر بديـر
    .................

    كتب الأستاذ الشاعر حسين علي محمد "رسالة القاهرة الثقافية" في عدد 9/2/1978م من جريدة "أخبار الأسبوع"، وتعرّض في إحدى فقرات رسالته لسلسلة "كتابات الغد" التي قدمت عطاء خصبا وجادا تمثل في سبعة كتب أصدرتها خلال عام.
    وفي هذه الرسالة من القاهرة نعرض لديوان "حوار الأبعاد الثلاثة"، وهو الكتاب الثاني في هذه السلسلة، ويضم مجموعة شعرية للشعراء الشبان: حسين علي محمد، ومحمد سعد بيومي (وهما من مصر)، ومصطفى النجار (من سورية)، وقد قدمت السلسلة هذه المجموعة الشعرية بقولها:
    "تضم هذه الرحلة ثلاثة أصوات جديدة تُضيف إلى النبض الشعري حيوية وحركة وإثراء، ويُحاول كل منهم أن يُقدِّم رؤيته المتفردة للكون والحياة. وأصحاب هذه القصائد لا يثقدِّمون تجاربهم الأولى هنا، وإنما يحرصون على أن يقدموا شعاعا جديداً للقارئ العربي، وقلة القصائد لا تعني شُحا في الإنتاج بقدر ما تعكس أزمة النشر وضيق ذات اليد".
    إن صدور هذه السلسلة من "كتابات الغد" يدل على روح الإصرار التي يتمتع بها فريق من الأدباء الشبان، فهم بهذا الإصرار يتحدون أزمة النشر وانصراف معظم الصحف والمجلات عن الاهتمام بالناحية الأدبية عموما وبإنتاج الشباب على وجه الخصوص.
    ولولا هذا الإصرار لحُرمنا لحظات ثرية قضيناها مع "حوار الأبعاد الثلاثة".
    وإذا ألقينا نظرة على قصائد هذه المجموعة المشتركة طالعنا اللوحة التي تضم عدة صور حية تجمع اللون إلى الحركة إلى الصوت فـ "القاهرة 75":
    وجهُ مصبوغٌ بالألوانِ الصَّارخةِ الفتّانهْ
    عاهرةٌ تحبسُ جسداً رخصاً في فستانْ
    تجلسُ في مَرَحٍ نشوانَهْ
    وهي أيضا:
    رجلٌ لايملكُ نصفَ القرشْ
    كيْ يبتاعَ رغيفاً
    يرفعُ رأساً مخضوباً بالحنَّاءْ
    وهي أيضا:
    طفلٌ يتعلمُ: ألفٌ .. باءْ
    هذه الصور الجزئية التي تتقابل وتتجمَّع لتكوِّن لوحة حية نابضة بالحياة بكل ما فيها من خير أو شر.
    وإذا تناول النيل باعتباره معلما رئيسا للقاهرة بتناوله كفكرة للسخاء ورمز له:
    النيلْ
    يعطي، لا يبخلْ
    فيّاضٌ لا يتمهَّلْ
    ينسابُ الزورقُ فوقَ مياهِ النهرْ
    وعيونُ الصَّخْرْ
    تحلُمُ بالخضرةِ أنْ تُزهِرَ ذاتَ صباحْ
    وحسين علي محمد لايكتفي باللوحة الحية، وإنما هو شاعر استطاع في أكثر قصائده أن يوسع دائرة همومه، فهو لا يدور في فلك ذاته وإنما يقترب من هموم الناس بشكل غير مباشر، وهذه الخاصة تؤهله لكتابة الشعر المسرحي القادر على عرض آفاق الحياة.
    وحتى حينما يقترب حسين علي محمد من ذاته ويُعبِّر عن تجربة خاصة من أرق ما قرأت بعنوان "القيظ"، حتى في هذه التجربة الذاتية عندما يصف مدينته يصفها بأنها مسكينة، والشمس قاسية صباحا على شبابيكها:
    انتظريني
    فالشمسُ القاسيةُ صباحا
    فوقَ شبابيكِ مدينتنا المسكينهْ
    تُدنيني
    منْ أهوالٍ تملؤني رُعباُ وجراحا
    تُفزعُ روحي التوّاقةَ لاستقرارٍ وطمأنينهْ
    وإني لأحب أن أقرأ هذا الجزء الختامي للقصيدة مرات عديدة:
    مادمتِ معي
    أحزانُ العالَمِ لا تجتاحُ قلوعي
    أو تقدرُ أنْ تهزمني !
    اقتربي مني
    همساتُكِ تُذهبُ عني جزعي
    وتُعيدُ إليَّ ربيعي
    أما الشاعر محمد سعد بيومي ـ في قصائده الثلاث التي تضمها هذه المجموعة: الصوت الآخر، والغريق، والخروج من البحر ـ فإن الحيرة سمة بادية في شعره؛ فهو إما غريق، أوْ مصارع للموج، أوخارج من البحر، والبحر هنا تيه وحيرة وهموم تصبغ الكلمات بلون حزين:
    الجزرُ يُلاحقُ ظهرَ المَدِّ
    وطيْري المرجوُّ يُجافي أُفقي
    والبحرُ عنيدٌ يُزبِدُ في صفحاتِ النفسِ
    ويصعدُ بالموْجِ إلى حلْقي
    والجوعُ يُقلِّصُ أوردةَ القلْبِ
    ولا أملِكُ ما يكفي رمقي
    والعاصفةُ المحمومةُ في القلبِ تلوكُ خليّاتي
    والشوقُ الدوّامةُ يُطمعُني في الشاطئِ
    والبرُّ بعيدٌ .. بعدَ الأفقِ عنِ الشفقِ

    وقفتْ دفَّةُ عمري بينَ الموْجِ
    اختلطَ الأبيضُ بالأسودِ في عيْني
    ها قدْ أصبحْتُ طريداً للأمواجِ
    ولا عاصمَ منْ قبْضِ البحرِ ولا راحمَ
    إلا الشاطئَ
    والشاطئُ لا يبدو في عيْني !
    والسخط على النفس بارز في قصيدة "الغريق" فهو صندوق خرب، وأفئدة الأحباب والأصحاب والأحياء الموتى كلها صناديق خربة:
    صندوقٌ خربٌ أتحرّكُ
    في ضوضاءِ الطبلِ الأجوفِ
    آكلُ، أشربُ، ألهثُ
    أتحرّكُ نحوَ القمةِ
    فوقَ القمةِ صندوقي الفارغ
    وإذا كان السخط على كل شيء سمة بارزة للشاعر في هذه القصيدة فالشاعر في قصيدة "الصوت الآخر" صاحب قضية اجتماعية يُدافع عنها منددا بالانتهازية والانتهازيين الذين يعتصرون دماء الكادحين:
    نبضاتُ المطحونينَ هي الجانحةُ على الطرقاتِ
    لتُحصي أيديهمْ
    والإفرازاتُ الكادحةُ البكرُ هي الأجيالُ، وهاهمْ
    يردمُ كلٌّ منهم بركَ الضغْنِ المدسوسةَ حول الأشجارِ ..
    المشرقةِ الملأى بثمار المكدودينَ ، وهاهمْ ..
    يبسطُ كلٌّ منهمْ راحتهُ،
    لنْ تدمي قدماكِ من السيْرِ على راحاتِ المطحونينَ
    .. فغنِّي لشبابِ العُمْرِ ..
    فما أجملَ أنْ يتغنَّى فمُكِ الباسمْ
    وإذا كان اندماج شاعرينا السابقين في دائرة أوسع من دائرة ذاتيْهما قد سبب لهما أحيانا شيئاً من الغموض فإن شاعرنا مصطفى النجار بتركيزه على تجربته الذاتية يتميز شعره بالبساطة المحببة إلى النفس؛ فقد جاءت قصائده الثلاث من الغزل، فهو في الأولى يدعو صاحبته إلى الابتسام ومسح الدموع، وفي قصيدته الثالثة يجري من عيني محبوبته إلى عينيها، فالحب قدره ودربه.
    وأما قصيدته الثانية "في محطة الانتظار" فهي أرق نغمات هذا الشاعر الغزل، وهو يقترب فيها من مستوى الشعر الإنساني الخالد، فقد استطاع ان يعبر عن انفعال الإنسان في موقف خاص حيث تمر السنون والأمل في اللقاء يتجدد، ولا يضيع إلى آخر لحظة:
    ومرّت السنونْ
    وأزهر الحنينُ والحسُّونْ
    يستنظرُ الغصونْ
    هلْ يلتقي الحنينُ بالحسُّونْ؟
    أقولُ يا واعدتي
    ترمّدتْ مواقدُ البخورْ
    وصوّحتْ مشاتلُ الزهورْ
    أم أنني مخمور ؟
    أوّاه يا واعدتي
    لو يكذبُ الشعورْ !
    والشاعر في هذه القصيدة يستخدم أرق الألفاظ وأكثر العبارات ثراء بالحنين.
    تحية إلى الشعراء الثلاثة، ونرجو ان نقرأ لهم باستمرار.
    بدر بديــر
    .................................
    *أخبار الأسبوع" الأردنية ـ في 16/2/1978م.

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. دراسات في فقه اللغة - محمد الأنطاكي
    بواسطة محمد عيد خربوطلي في المنتدى فرسان المكتبة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 01-10-2015, 04:04 AM
  2. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 08-08-2013, 07:06 PM
  3. العمامة والوردة : فرانسوا نيكولو
    بواسطة محمود المختار الشنقيطي في المنتدى فرسان المكتبة
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 11-10-2011, 06:57 PM
  4. مهرجان ابن أحمد يزين مدينة ابن أحمد المغربية
    بواسطة ابراهيم خليل ابراهيم في المنتدى فرسان الأدبي العام
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 05-09-2008, 08:37 AM
  5. «محمد الماغوط العاشق المتمرد»
    بواسطة بنان دركل في المنتدى فرسان المكتبة
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 11-12-2006, 09:49 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •