ما حقيقة الحرف العربي؟ وهل ثمة من صلة بين نطقه صوتا ،مهموسا أو مجهورا، وكتابته خطا؟
ابو شامه المغربي

الاجابه:
الحرف العربي حرفان: جنوبي (كتابة المُسْنَد) وشمالي (كتابتنا الحالية).
لا ندري على وجه التحديد متى وضع عرب الجنوب (= العرب العاربة) خط المسند، ولا يعرف شيئاً عن مراحل تطوره، ويعتقد أنه أقدم كتابة أبجدية سامية على الإطلاق. فهو أقدم من الأبجدية السينائية (1500 ق.م.)، وقد يكون أقدم من الأبجدية الأوغاريتية (2000 ق.م.). وفي الواقع هنالك اختلاف شديد بين مؤرخي الأبجديات بخصوص تاريخ خط المسند. زد على ذلك أن هنالك لغزاً محيطاً بهذا الخط هو عدم تشابهه مع أي من الكتابات القديمة باستثناء تشابه جيمه مع الجيم في الأبجدية اليونانية /Γ/. فنحن نستطيع أن نتابع تطور الكتابة الفينيقية، المشتقة من الكتابة الهيروغليفية، ولكنا لا نستطيع ربط خط المسند بأي من الكتابات القديمة. ولخط المسند شكلان: الشكل القديم والجديد.
الشكل القديم لخط المسند (2000 ق.م.؟):
نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
الشكل الجديد (السبئي) لخط المسند: (600 ق.م.):
نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
وأما كتابتنا العربية الحالية التي وضعها عرب الشمال (= العرب المستعربية)، فهي مشتقة من الأبجدية النبطية. والأنباط المنسوب إليهم ههنا هم قبيلة عربية شمالية كانت تشتغل بالتجارة بين الجزيرة العربية والشام، وكانت عاصمة دولتهم "التجارية" في سلع المعروفة اليوم بالبتراء في الأردن. (البتراء ـ Πετρα ـ هي الترجمة اليونانية لكلمة "سلع" العربية وتعني الصخر). اشتقت الأبجدية النبطية من الأبجدية الآرامية كما توحي بذلك أشكال الحروف، وظهرت إلى الوجود في القرن الثاني قبل الميلاد. اتخذ بعض حروفها أشكالاً قريبة من كتابتنا العربية كما ظهرت في النقوش التي عثر عليها عشية ظهور الإسلام وبداية العصر الإسلامي. وهذا أمر طبيعي لأن الأنباط هم الذين طوروا كتابتنا العربية الحالية. فكتابتنا العربية الحالية من تطوير الأنباط وهم عرب أقحاح كما هو معلوم، ولا علاقة لهم بمن كان مؤرخو العصر العباسي يسمونهم بالنبط والنبيط أي أهل السواد. وأبجديتهم التي نراها هنا هي بداية كتابتنا العربية الحالية، وهيئتها:
نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
وأما الثموديون واللحيانيون، وهم من عرب الشمال، فقد استعملوا (ابتداء من القرن الخامس قبل الميلاد) كتابة المسند في النقوش والرقم التي تركوها لنا.
وكتابة المسند القديمة وكتابتنا الحالية هما كتابتان أبجديتان. والأبجديات أنظمة كتابة صوتية لا علاقة بين أشكال حروفها ونطقها باستثناء الأبجدية السينائية/الفينيقية المشتقة من الكتابة الهيروغليفية حيث نلاحظ أن هذه الأبجدية اشتقت من رسوم الكتابة الهيروغليفية في منتصف القرن الخامس عشر قبل الميلاد، لذلك نستطيع أن نتايع ذلك الاشتقاق بوضوح وجلاء، ذلك أن الفينيقيين استعملوا الصور الدالة على مسميات بعينها في الهيروغليفية (مثلاً: صورة الثور للدلالة على الثور؛ صورة العين للدلالة على العين؛ صورة المربع للدلالة على البيت؛ صورة الموج للدلالة على الماء وهلم جراً) ليس للدلالة على تلك المسميات، بل للدلالة على الأصوات الأولى لتلك المسميات كما سيتضح أدناه.
يسمى "الثور" في اللغة السامية الأم: /أَلِفٌ/ ـ بلفظ التنوين تَمِّيماً ـ و"البيت": /بَيْتٌ/ و"العين": /عَيْنٌ/ وهلم جراً.
في بداية القرن الخامس عشر قبل الميلاد بدأ الفينيقيون باستعمال الرمز الدال على "الثور" ـ وهو رأس ثور مثلث الشكل بقَرنَيْن وعينَيْن ـ ليس للدلالة على على كلمة /ألفٌ/، بل للدلالة على الصوت الأول من كلمة /ألفٌ/ فقط، وهو حرف الألف. ثم استعملوا الرمز الدال على "البيت" ـ وهو مربع ـ ليس للدلالة على على كلمة /بيتٌ/، بل للدلالة على الصوت الأول من كلمة /بيتٌ/ فقط، وهو حرف الباء. ثم استعملوا الرمز الدال على "العين" ـ وهو صورة العين ـ ليس للدلالة على على كلمة /عَينٌ/، بل للدلالة على الصوت الأول من كلمة /عَينٌ/ فقط، وهو حرف العين، وهكذا دواليك حتى أتوا على أصوات لغتهم، وهي اثنان وعشرون صوتاً فقط.
ثم رتب الفينيقيون الأبجدية مبتدئين بحرف الألف ثم الباء ثم الجيم ثم الدال إلى آخر ترتيب أبجد هوز. ونحن لا ندري بالضبط لم رتبوا أبجديتهم هكذا، أي لم بدؤوا بالألف ولم يبدؤوا بغيره؟ وقد يكون لذلك علاقة بالمعتقدات الدينية لقدامى الكنعانيين حيث كان الثور يرمز عندهم إلى كبير آلهتهم بعل. وقد يعني "البيت" للساميين ذوي الأصول البدوية لا شيء أكثر من "المعبد" الذي يعبد فيه إلههم، ولكن هذه مجرد تكهنات.
ثم أخذ الإغريق في أوائل الألف الأول قبل الميلاد الكتابة عن الفينيقيين وحاولوا كتابة لغتهم فيها إلا أنهم اكتشفوا أن الأبجدية الفينيقية لا تحتوي على كل الأصوات اليونانية من جهة (خصوصاً الحركات)، وأنها تحتوي على أصوات غير موجودة في اللغة اليونانية مثل حروف الحلق من جهة أخرى. فاستعمل اليونانيون حروف الحلق للدلالة على الأحرف الصائتة في اليونانية لأن الأبجديات السامية لم تكن تحتوي على أحرف صاتة فيها، فاستعمل اليونان حرف العين الفينيقي للدلالة على الـ o، والحاء للدلالة حلى حرف الإيتا (وهيئته في اليونانية: η وهو مثل حرف الـ i ولكنه أكثر مداً منه) وهلم جراً. ثم أسمى اليونانيون نظام الكتابة التي أخذوها عن الفينيقيين بـ αλφαβετα = Alfabeta والسبب في ذلك قانون صوتي في اليونانية يحول دون انتهاء الكلمة اليونانية بالفاء فأضافو إلى "ألف" فتحة وألحقوها بالباء أيضاً لتصبح "ألفابيتا" كما رأينا، وهي "الألفباء" في العربية. أما الـ Abecedarium في اللاتينية، فهي ترجمة حرفية لـ "أبجدية".
وأشير إلى أن الأبجديات السامية لا تحتوي إلا على حروف ساكنة، لثلاثة منها ـ وهي الألف والواو والياء ـ استعمالان اثنان الأول هو استعمالها أحرفاً ساكنة والثاني هو استعمالها أحرف مد للدلالة على الحركات الطويلة. وهذا يعني أن للغة السامية الأم ثلاث حركات فقط ترد قصيرة ويعبر عنها بالفتح والضم والكسر، وطويلة ويعبر عنها بالألف والواو والياء. والعلة في عدم ورود الحركات القصيرة على شكل أحرف كما هو الحال عليه بالنسبة إلى حروف المد، هو القاعدة السامية العامة التي تحول دون ابتداء كلمة سامية بحركة أو بحرف ساكن. وإذا عرفنا أن الأبجدية السامية اشتقت من الأصوات الأولى لكلمات سامية بعينها كما أبنت أعلاه، فهمنا جيداً السبب في عدم احتواء الأبجديات السامية حروفاً تدل على الحركات الثلاث القصيرة لأن ذلك غير موجود في كلامهم.
ومن الأبجدية الفينيقية اشتقت كل أبجديات الساميين ما عدا الأبجدية الأوغاريتية وأبجدية عرب الجنوب (المسند)، فهما أقدم من الأبجدية الفينيقية بحوالي خمسمائة سنة على الأقل. والأبجدية النبطية مشتقة من الأبجدية الفينيقية أيضا عبر الأبجدية الآرامية. ومن الأبجدية النبطية اشتقت كتابتنا العربية الحالية.
ونظرا لما تقدم لا أظن بوجود علاقة بين نطق الحرف العربي، وبين كتابته. وفي الحقيقة لا توجد علاقة بين نطق الحرف، أي حرف في أية لغة، وبين كتابته إلا في الكتابة الصورية، سواء أكانت صورية حسية (مثل الهيروغليفية، وبنسبة أقل: الأبجدية السينائية/الفينيقية)، أو صورية تجريدية (مثل الصينية)، وفي أذهان بعض المتصوفة وجميع السحرة والمشعبذين. ولابن منظور، صاحب لسان العرب، حديث طريف يتعلق بهذه العلاقية الوهمية في مقدمة اللسان. وأكثر الناس إيمانا بهكذا علاقة هم اليهود (أصحاب مدرسة القبالاه اليهودية منهم، وهي شعبذة مؤسسة على ما يسمى بطبائع الأحرف).
الدكتور عبد الرحمن سليمان