دراسة نقدية " بلا غة الجسد وإ بدالات الخطاب في ديوان" حياة صغيرة"
لحسن نجمي.

بقلم ا لباحث: خا لد عبد ا للطيف.

تمثل تجربة الشاعر المغربي حسن نجمي نقلة نوعية في صرح الشعر المغـــــربي المعاصر،إذ تؤسس لحداثة شعرية متميزة عــــــبرمجاميعــه الشعرية والتي نخص منها:
المجموعة الشعرية تضم(51) قصيدة.
ـ " لك الإمارة أيتها الخزامى" (1982).
ـ " سقط سهوا " 1990.
- الرياح البنية بالا شتراك مع الفنان محمد القاسمي 1993.
ـ " حياة صغيرة" ط1 1995 دار توبقال للنشر.
ويعتبرديوان" حياة صغيرة" لحسن نجمي مـــرحلة جد متقدمة في نضج رؤيته الشعرية وتبني خطاب الشمولية والإستمرارية في بعث الأسس الجديدة للشعرية المعاصر على ركائز ودعامات قوية تمتح من التجـــدد المواقف لدى الشاعروخلق بدائــــل جـــــديدة لــــــفهم العالم والإنسان.
" حياة صغيرة" مشروع الحوار الشعري بيـــــن رواد الحداثة في المشرق والمغرب من خلا ل استحضارأعلام الحداثة الشعــــــرية كأدونيس والخـــمار الكنوني ومحمد بنيس ومحمد الطوبي وغيرهم.
يزخر الديوان" حياة صغيرة" بكل تمـــــفصلات الجـــــــسد في أبعاده الفــــــــلسفية والتاريخية والإجتماعية والإيروسية لتصبح الرؤيا للعالم مكتملة في الديوان مفسرة لكل التيمات المسكوت عــــــــنها من خلال علاقة الذات بالآخر وعلاقة الإنسان بالطبـــيعة وعلاقـــــة اللغة بالــــــفكر.
فالديوان ومنذ البداية يفتح توهجه الشعري عــلى ايقاعات الحزن الكامنة في الذكريات والصور والإسترجاعات واستحضاركل المحـــــــطات الإ نسانية الـــــــــمحسوس منها والمجرد،الواقعي والإستيهامي.
لذلك سعت هــــــذه الدراسة النقدية المتواضعة لديوان" حياة صغيرة" للشاعر المغـربي حسن نجمي إلى رصد معالم شعرية جديدة في شعــــرنا المغربي المعاصر،من خلال تمفـصلات الجسد كرؤية وكـــــــفن وكحـضارة وكـــــفلسفة وكــــــتوجه لا كتناه أبعــــــاد هــــذا الجسد وتفاصيله الكبرىوالصغرى،وتبيان مطارحاته الميثولوجية والسوسيولوجية في تحويل خطاب الجسد الى مصطلح" جسدنة" الذي وظفه محمد بنيس في أطروحته الجامعية" الشعـــر العــــــربي بنياته وإبدا لا تها" والذي استقاه من المتصوفة خصوصاابن عربي.
وحتى تظل المقاربة وفية لشعرية الخطاب،اعــــــتبرنا " الجسد" في الديوان ليست مجرد دلالة سطحية/ لغوية/ تركيبية تتراص في اتجاه أفــــقي،لكنها كشفت أن الجسد مفهوم إجرائي خالص يمتح من مرجعيات سيميائية كما هو الأمر عـند عبد الكبير الخطيبي في كتابه" النقد المزدوج" في حديثه عن الجسد والــــوشم،ومرجعـــية جــــــــمالية فلسفية( الاستطيقا عند هيجل وسقراط وأفلاطون) ومرجعية شعرية عند أدونيس والــــــمجاطي وأمل دنقــل وسعدي يوسف وعبد الله راجع،وقد تداخلت هذه المرجعيات في " حياة صغيرة" لتكـــــــبر الدائرة فيصبح الجسد الأصل/ الكل،والحياة الفرع/ الجزء.
الجسد كخطاب إديولوجي ديـــــماغوجي يستـــقطب كل السلط/ معرفية/أركيولوجية/سيكولوجية يمحورها،يكيفها ويمططها ويكثفها في قوالب مشيئة تفتــــقد القدرة والإرادة عــــــلى الإحتجاج والتساؤل وإعادة ترتــــــيب الأوراق إنه أي (الجسد) لا يترك للعقل الفرصة في التفكيروالتدبير.
يقول حسن نجمي:
وهذه الفصول تتناوب على جسدي
لا تكلم بعضها ولا تكلمني(1)
إن تداخل الطبيعي بالإنساني من خلال رجة الفصول وتحولاتها الفجائية عــــلى امتداد الجسد،
لا تكـــــــون مجرد انطباع على مسار حولي/ دائري،وإنما تجعـــــل من الجسد مشهدا/ خريطة
لا ختبارالمواقع وتناوب مجريات الوشم.
الخريف /والشتاء /الربيع والصيف لا تفجر لغة الجسد،وإنما تكــــــتشفه/ تعريه،وبالتالي تدمره وتفقده مبدأ النعومة وتستبدله بالتفجر الدامي حيث يعيش الجسد رتابته/ تكراره/روتينيته على مر الفصول.
سيتغــذى دود العـــــتمة بآخرأوهام نفضت جسدي لم
أنس لابد من لعنة تليق بالمقام العالي وبي
لست مجرما
إنما أرجع الطين على طينه(2) ص20 .
مصير الجسد الإنحلال والتفسخ،ماقيمته إذا ماكان الموت مآله وقدره الحتمي،الدود المنتـثرعبر هذا الجسد،العظام النخرة مشهد يثيرالتـــــقزز والغثيان.
صورة الجسد الملقى/ الجسد المرتبط باللحد/ ذاك مكانه الــــــــنهائي والأخير.
هي طيات روحه تعيد ترميمي
وها أنا أنذر له جسدي(3) ص 21 .
بلاغة الجسد كامنة حينما ينـــــقاد إلى أفكاره الخاصة،لأن للجسد أفكار مروحية تحلق من خلال النفس.
الروح تــــقدم للجسد/معناه/صورته/أصــــــله/ انبهاره/ إنــــــها بصيــــــغة أخرى تعيد ترميمه.
الجسد في غياب الروح مجرد شبح/ظل/ طيف/خيال/ يتهاوى /يتساقط كأوراق الخريف.

في دمي بعض من مطريتمك
جسدانا من ريح تحن إلى ينابيعها
ونتآخى في الغيم(4) ص27 ـ
تـــتــقارب الأجساد الشعرية/الشاعرية في بوتـــــقة واحدة تهتـــــدي ببوصلة الشعر والشعراء.
الجسد الشعري/ النجمي (نسبة للشاعر) يتناسخ/ يتمازج/ يتواصل مع الجسد الشعري البنيسي.
رؤية شاعرين يمتلك الأول"هبة الفراغ" مرورا ب"مواسم الشرق" ويمتـــــــــــلك الثاني" لك الإمارة ايتها الخزامى" حتى" الرياح البنية"
يتمدد الجسدان في انصهارشعري / تنقيحي يؤولان حـــقيقة المشهد الجسدي أمام رداءة الحياة وصغرها وقزميتها الشوكية ليتحدا في القيم.
ها أنا اطفو في العتمة هل ينجو جسد
غريق من كل هذه المتاهة؟ (5) ص36.
يتماهى الجسد مع المتاهات،يسبح في العتمة حيث الظلام والدياجير،الرؤية مستحيلة والتمويه والتضليل حاضر،والغرق مسترسل، لكل أيد تطلب الخروج من اللجة الـــــى سطح الماء حيــــث الحياة والهواء.
جسدان يغتمضان
من أي نافذة في قلبك ستطلين علي؟
قمرا خلف السحاب أنا جيك
كيف أتحرى قبلتي إليك؟
لا تعتجل
جسدي أشلاء
وأنا بك سكرى(6) ص39 .
إن الجسد المعلن عنه في "حياة صغيرة" جــــــسد/لذة /جسد/شبق جسد/ إيروسية جسد/متعة،
وهي أجساد تحيلنا على النواسيات والفرضيات(ابن الفارض) وامرئ القيس وعـــمر بن ربيعة.
جسدان يمتلكان حق الإتصال والتوحد في مجالس الجذبة والحضرة والسكــــرة والشطـــــــحات
والا بتهالات.
جسدان على محفة الشوق والوصال والإتصال،والرغبة في الإنصهاروالإنبهار ومعانقة الكائن والممكن والمحال.
الجسد المطل/ الجسد المنتظر،جسد من؟ ينتظر جسد من؟
فليفة الجسد المؤرق/الساهر/ اليقظان/ تجربة تـــؤكد للجسد أن العـــشاق لا ينامون وأن الجسد يتملى برؤية نفسه في عذابات المكتوين بنار الصبابة والــوجد والوله وباقي المقامات الأخرى.
الجسد الذي أضمرفي الخفاء تحويل الجد الى هــــزل والمتــــــناهي الى لا متناهي والمنطق الى
لا منطق.
ليل جسدك يغتمض علي . وهذه الكأس متعطشة لفمي. جسدك الذي من رخام.(7) (ص40)
بلاغة الجسد/غامضة /زئبقية / تلبس لكل حال لبوسها تشرئب فيها الأعناق إلى عطش حقيقي لم تلحقه آخر الأفواه الظمآى وارتباط بجسد/ بض/مثيرجذاب تــــتناسل فيه الصبابة بالعـــــشق الابدي وعلى هيكل الحب تذبح رخامية الجسد/ انكشافه/ عـــــــريه الكينوني/ المنــــفتح للضوء والعلامة.
....أوه كم خف جسدك
كم خف جسدي؟ هل تطير الآن؟ وأين.
جسدان ينامان في حلم.(8) ص42.
يخف الجسد عـــــند الإنتشاء فيطلب التحليـــــق في الأعالي،لاشئ يوقظه،رضا الجسد من رضا النفس،الطمأنينة تشع في حبور،راحة الجسد انبجاس آخرلــتجاوزجسد آخرمستفز/قلق/ لا يحلم كجسدين يطلبان المتعة والسكينة.
بلاغة الجــــــسد الارجوانيـــــــة تستسلم للـــــواقع/ للتجربة/ للحس/ لتؤسس للصورة الشعرية المتعالية،توليد الإستعــــــارة من "شعـــــرية المتخيل" كما يقول جون بورغوس صاحب كتاب
« Poetique de l’imaginaire »

قلت أنام قليلا
لكن هذه المدينة جاءت تستلقي على جسدي(9) ص67 .
أنى لهذا الجسد أن يعــــرف الى النوم سبيلا،فالمدينة بصخبها ومعاناتها وآلامها وأحلامها تركت مخدعها وكبرياءها لتحل في جسم الشاعر.
الإستلقاء لا يأتي عادة بعد تعب شديد ومشقة أكبرلتكون المدينة مشجبا عــلقت عليه آمال والام جسد شاعر/عليل /منهك.
إن الجسد بتلويناته العضوية والحسية المتآلف منها والمتــنافر يشي بآفاق كبيرة قابلة للتحليل والتفكير والتعليق منها ماهوسيكولوجي/سوسيولوجي ومنها ماهوانثـــــــربولوجي.
بناء الجسد نحت لصورة مكشوفة/غامضة جماليتها لا تتم إلا وفق أنســــــــقة هندسية/ تقليدية/ وأخرى حداثية.
لقد تم توظيف الجسد داخل الديوان" حياة صغيرة" وفق تــــــقابلات ضدية يمكن تحديدها على الشكل التالي.
الجسد الكامل يقابله الجسد الناقص.
الجسد النموذج يقابله الجسد العشوائي.
يمكن اعتبارالجسد في شعرية الخطاب أنموذجا تركيــــبيا معقدا يحكمه تهافت التهافت من خلال الجسد/ المتعة في بحث دائم عن "الجسد/المعرفة.
واعتبار الجسد كما جاء في الديوان مبحثا فــــــــلسفيا للتـــــــأمل والتـــــــدبر والتفكيرمن خلال استقراء الجسد/الموت انتقالا الى الجسد /المعرفة/ كونه جسدا بيولوجيا.
الخجل الذي يؤهل جسدا للكلام
الكلام الكاتم الصوت. (10) ص 46 .
على الجـــــسد ترتسم علامات الخجل،وحـــــده الخجل قادر عــــــلى اخــــراج الجسد من صمته المطبق،يكشف عن تفاصيله التي انزوت تحت دائرة الـمسكوت عنه،في كل جسد تتحول الرموز والإشارات إلى متاهات متعددة المقاصد مختلفة الأشكال.
الخجل يتخذ من الجسد فـــــزاعة تتحول مستويات فتـــــــنتها كما الــــــنساء فــــــــــي الفراش.
الجسد يجسد الضوء المشتعــل،وبدون بصمات الخجل لا تستوي الحكاية،والخجل من الأوصاف المعـــــــنوية التي تهيء للجسد السفر في قوافل تتــــــقاطر جــــــنباتها بألف حـــكاية وحكاية.
عند المشهد الجسدي يتوقف الكلام وتتكلم العيون والقلوب والمشاعر.
الجسد الذي يحركه الخجل تـــتماهى بداخله رواسب الفجوة التي تستعد للإنعتاق في كل مرة من تمفصلات الخجل المتواصل الفعـــــل وردود الفعـــــــل.
في ليل عينيك.
لاضوء يسعفني سوى مصباح جسدي
بأي ساق سأراقصك
وكل النايات خرساء في جسدي؟ (11) ص 47.
عبر العيون في زمن الليل يتـــــمدد الجسد عاشقا متـــــــــــوهجا،ومن ضوئه الـــــــفطري يتخذ الشاعرقبسا،به ينير ويستنير،يضئ ويستضئ،يحول الحياة من الظـــــــلمة إلى الـــنور،فلاشيء يسعف العاشق غيرمصباح الجسد، الجسد/ القنديل/ الجسد/ المشتعل/ الجسد/ المتوهج/ الجسد/ المنير/الجسد/الضوء/ الجسد/ المتــــقد.
يشتعل الجسد،يتراقص/ يرقص / يتمدد/ يتـــــقلص/ ينفتح/ ينغلق/ يتوهج/يخبو/ يندفع/يتراجع/ يقدم/يحجم/ يظهر/ يختفي/ يفور/ يغور/ يواجه/ ينكص.
يحتفل الجسد بإيقاعات الرقص،ولــــــكن أي ساق ستـــراقص هذا الجسد الذي تتآكل بداخله كل هرمونات الإحتفال وتـــــدمرفي أحشائه كل مكامن القـــــوة والتوهج.
لماذا دفق الكلام؟
ودفق الصمت...كيف أمحوه من جسدي
كل شيء ينمحي في لوانمحي.
لا شيء يبقى بعد انمحاء جسدي. إلا هو: جسدي.(12) ص50.
*تتحول دلالة الجسد من معـــــناه المادي المحسوس إلى جسد متخيل غير مرئي يستشف أبعادا أخرى للإنسان في تمتلاثه الفـــيزيقية واللامرئية،وهم مايجعل من هذه الصورة التخييلة للجسد ملاذا آمنا لترسيخ رؤى اللاوعي ونسج إطارات هلامية لهــذا الجسد،مما يجعل المعنى الشعري يرتـــــقي إلى خلق تجليات متعــــــددة لبنية القــــــصيدة ككل.
يقول أدونيس" البديل الــــــشعري للانهاية هوالتخــييل أوالتصور،فالتخييل هوالملمح الأساسي الرابع في الحركة الشعـــــــــرية العربية الجديدة،وأعني بالتخييل القوة الرؤياوية التي تستشف ماوراء الواقع،فيما تحــــــــتضن الواقع،أأي القوة التي تـــــطل على الغيب وتعانقه فيما تنغرس في الحضور.
تصبح القصيدةجسرا يربط بين الاضروالمستقبل،الزمن والأبدية،الواقع وماوراء الواقع،الأرض والسماء" (13) (أدونيس ، مقــــــدمة للشعر العــــــربي،دار العودة ،بيروت 1971 ص 132.
والإنمحاء والمحوللجسد تحتل الصدارة الأولى في اعـــــــــتبار الجـــسد قابل للا نحلال للتشظي والإندثار،الجسد يفقد حقيقته بعد انفصال الروح عنه،يتلاشى وتختـــــــفي حقــــــــيقته النسبية.
الجسد ينتـــــــقل من الوجود إلى العــــــدم،من الحركة إلى الخـــــــمول والجـــــــــــــــــــــــمود.
والمحولفظ تدوول كثـــــيرا عـــــــــند المتــصوفة ك(ابن عربي ـ والنفري ـ والحلاج ـ أبوالقاسم الجنيد..........) والمحو لغة أخرى صوفية/زهـــدية/ تستبدل العـــقل بالذوق والإحساس بالنظرة الإشراقية/ النورانية/ المتوهجة،ليصبح معنى الجسد تخييلا/مجردا/ لايقاس الجـــسد بالحس بل بالمعرفة الذوقية.
والجسد كما في القصيدة ليس ذلك المشهد العيني المباشربل أنه مــــــــــقام مجرد مورس عليه المحو حتى لايبصر إلا من ذوي الرؤى الإشـــــــــراقية/ الصوفية.
يقول ابن عربي" ونحن،في تواليفنا،لسنا كـــــذلك.إنما هي قــــــــلوب عاكفة على باب الحضرة الإلهية،مراقبة لما ينفتح له الباب،فقيرة،خالية من كل علم،لوسئلت،في ذلك المقام عن شيء(ل) ما سمعت: لفقدها إحساسها.
فمهما برز لها، من وراء ذلك الستر،أمرت بادرت لا متـــــثاله،وألقته على حسب ما يحد لها في الأمر.فقد تلقي الشيء إلى ما ليس من جنسه،في العادة والنظر والــفكر....إنه يلقى إلى ذا القلب أشياء يؤمر بإيصالها وهولا يعلمها في ذلك الوقت،لحكــــــمة إلهية غابت عن الخلق"(14)
(محيي الدين بن عربي"الفتوحات المكية" تحــــــقيق وتقديم د.عثمان يحيى،تصديرومراجعة د إبراهيم مدكور،الهيئة المصرية العامة للكتاب،السفرالأول القاهرة1972 ص264 ـ265.
وانسي الجسد البارد في السراديب.
كم من سكارى في جسدي. وأستفيق كي أراك،وأراك فيتقد وجهي.(15) ص52
يتحول الجسد المعـــزول/ المنفي إلى جسد مؤنس يستبعد هلاميات الوحشة،يجعل الجسد من جسده ملاذا آمنا ضد ظلمة السراديب والدهاليزوالدياجيــــــر والظلمات.
في الجسد البارد يسكن السكارى المعـــــربدين/ الماجنين/المارقين/ الخارجين عـن سلطة الدين والمجتمع والدولة.
في جسد السكارى وسكارى الجسد تنبت فــــــلسفات وتنـــــشأ تيارات،وتصبح رغبة الرائي في مشاهدة المرئي أمرا يحتاج إلى أكثرمن وسيلة وأداة لا ستــــــكمال النظرة وتحــــــــقيق الغاية.
فــــــــرؤية السكارى في الجـــــــــسد مفـــــرد بصيغـــــــة الجمع،في الجـــــــسد الواحد يتناسل السكارى/المغمورين/المشـــــــردين/ المتيمين بغـــواية الإنتساب إلى جوقة الباحثين عن أسرار الرؤية المـــــتميزة/ المنتـــــــــقاة/المشتهاة/ والتي لايعرف بواطــنها غير هــــــؤلاء السكارى.
كان رامبو يرى أن" الدراسة الأولى للإنـــــسان الـــــذي يريد أن يـــــــــكون شاعرا هومعرفته الشخصية،الكاملة.يبحث عن روحه،يراقبها،يختبرها،يتعلمها....أقول إنه يجب أن يكون رائيا،أن تجعل من نفسك رائيا...فالشاعريجعـــــل من نفسه رائيا عن طريق تــــــشويش طــويل،عريض ومدروس،للحواس جميعها"
Guy michaud « message poètique du symbolisme.librairie Nizet.paris 1947 p136 –137.(16)

مساء يعبرنحو ليلك
كما تعبرظهيرة بشمس أغنية.
ولا تتعب .
كأنك بلا جسد.
ويرتعش الوقت قرب روحك.(17) ص56.
من فضاء السراديب حيث يسكن الجسد إلى إطلالة المساء العــابرنحو الليل،فالعلاقة بين الجسد والليل ذات روابط غير متناهية ومطلقة وتتميز بنكهة خاصة ونزعة فريدة ،فزمن الليل هوزمن البوح والإعــتراف والمكاشفة والمواجهة والمجابهة،الليل هــــــوبوصلة الهدى ومنارة الضوء والعلامة،الليل سراج المحبين وكتاب العاشقـــــــين،فيه تــــمارس طــــــقوس الشطحة والجذبة والحضرة،وفي فضاءاته الرحبة تكتب القصائد وتروى الحكايات وينظم الشعــروتسرد الروايات الطويلة،وتغنى سمفونيات الوله والعشق عــــــــــلى مقامات( الحجازي والبياتي ومقامات راحة الأرواح والعراقي..)
والعــــــبور نحوالليل يشبه عبور إطلالة ظهيرة بشمس أغنية تنفتح على هذا الكون وترسم في ظلال العروق متكأ للراحة والسكينة والهـــدوء،فالليل يلبس الجسد،والجسد يلبس الليل،ولاوقت للتعب أو الكلل.
على محفة الشوق تتعالى الطقوس السرية،ومحـــــــــــكوم على طالب التوهج الروحي أن يبقى بلاجسد،يخرجه من مخيلته،يلفظه كالنواة بعـــــــد أكل التمرة.
وعندما تحقــــــــق شرط التخلص من الجسد تصفى الروح ويتم التقــــــــرب منها.
هذا التجاوب الإيقاعي بين الجسد والليل يحمل دلا لات الــــــبحث عن الذات .
يقول أسعد رزوق" المشكلة هي البحث عــــــن الذات وتعيـين هوية الذات الحضارية.إنها بكلام آخر،مشكلة تحديد موقف هذه الذات من القضايا الكيانية الكبرى وإيجاد الــــقيم التي يتحتم على هذه الذات،أويجد بها أن تعتــــــنقها وتتبناها،وهي بالتالي تتعـــلق بمسألة هذه الذات الحضاري والقيمي ورصد اتجاهاتها ونزعاتها.
وفي هذه المشكلة تــــــتجلى أزمة هذه الذات وكأنها أزمة حضارية وأزمة كون"(18).
(أسعد رزوق" الأسطورة في الشعرالمعاصر" م،س ص 21 ـ 22.
" .... أنصاف أجساد في أشرطة العميد.عاشقان على الرصيف الأيمن.(19) ص"64).
يمتلك الجسد عدة امكانيات للتحول،جسد هو نصف جسد في زمن العاشقين..يرشف من لذة الشوق والإحتياج.
الجسد ينزاح من زمنه العام إلى الزمن الخاص..يؤثت للمشاهد المتعددة ويحصي كل الرغبات الدفينة ،يستسلم ويقاوم،يردد لازمة العشق مرات متعددة،يعتلي منصة المجد والخلود ويهبط منها إذا اكتوى بنار الخيانة والإنحراف.
الجسد مرآة للحياة/ للذة/ للإنـــــفلات من قــــيود السلطة..سلـــــــطة الدين والــمجتمع والأسرة.
للجسد قناعات أخرى غير قابلة للكشف والمكاشفة..على الرصيف الايمن..على الرصيف الأيسر..في السهل والجبل في الظاهروالباطن في السر والعلن..وحده يؤلف صورة الإيروسية والشبق.
فتعددية دلالة اللفظ"جسد" في الديوان يدفعنا للقول مع لوري لوتمان" التناغم ليس هو التجاوبات المثالية لأشكال نهائية في السابق،بل هوابتداع تجاوبات جديدة" (20)
.................................................. .................................................. ..................
هي ذي قدم حافية
والجسد العاري يمرعلى جسدي أرتديه.أستدفئ برجفته
وأمشي. وهذا الوجه الجائع أخفيه في شراييني وأغذيه" (21) ص79.
ترتبط علاقة الجسد بالقــدم الحافية في الميتولوجيات القديمة بصفاء الذات..وحميمية اللقاء في أرقى أوجهه...والجسد العاري يلهب أشواق جـــسد آخر...يشعره بالدفء والسكينة والطمأنينة.
من داخل الجسد تتوزع الإمدادات وتسترسل كل إمكانيات التخاطب والتحاور..شكــــل الشبع يمد من الجسد..وفي الشرايين الممتلئة تنتهي ملامح الوجه الجائع.
يقول محمد بنيس" ينزع النص الشعري المعاصرإلى تــوسيع حقل اللعبة النصية،فالكلمات التي تشكل مطالع الأبيات أوالكلمات التي لها وضعــــــية النعــــــت(الجائع) تــــــــــــكون في السياق النصي،مستعدة لنتائج احتراق الإيقاع لها،فينـــــــقلها من الدلالة العامة إلى الدلالة المنبثقة عن الإستعمال النصي،وهي بذلك تنحل لتتركب من جديد،بهيأة مجــــهولة قــــــــبل سكونها إلى ماء الإيقاع."(ص165). (22).
وهذا ما نلاحظه في البيت الشعـري" والجسد العاري يمرعلى جسدي أرتديه.أستدفئ برجفته"
الذي يعبر عن دلالة استعارية تجعل الجسد يمشي كما الإنسان.
فالدلالة التركيبية والبلاغية في البيت الشعري تجعله مفتوح على جميع الإحتمالات والتأويلات.

نضحك
لأن الجسد لا يملؤه السحاب(23) ص 91.
في الضحك يجد الإنسان انفراجا نسبيا...الضحك غير مطلق،لكنه ضروري على كل حال..يرسم علامات الغـــــبطة عـــــلى الوجوه والشــــــــــــــفاه ،لكنه يمحو أقـــــــنعة الحزن والـــــــكآبة.
الجسد بطبيعته كما يعتقـــــد الشاعرلا يملؤه السحاب..هو واضح وجلي...مفتوح ككتاب مقروء.
الجسد يكون مساره الخاص ويحدد العـــــــتبات التـي لا يعبرها إلا من سلم قياده لسلطة الجسد.
فالجسد باعتباره يدشن لخطاب اللذة ويفتــــح الباب على مصراعيه للمتعة ،يجعلنا نستحضر ما كتبه الباحث فهد عكام في بحث أكاديمي حول أبي تمام إذ يقول"خطوة مدهشة إلى أمام،وحقيقة مدهشة تحفز إلى الأعين باهرة جلية،فما كان ضبابا غـــــــير محدد يتضح كل الوضوح.فالعملية الخلاقة تعبر عن ذاتها وكأ نها حدث،وتجري في اللذة الحسية،ولكنها لـــــذة نسبية تتوقف على صفات المبدع.وبتعبيرآخر،الخلق الشعري تجربة رفيعة تحدث في فرح النـــشوة،وهدفها تحثيق متعة المبدع نفسه،فانظر كيف يصور أبوتمام هذه الصلات الجنسية بين الشــــــــــــعروصانعه:
والشعر فرج ليست خصيصته * طول الليالي إلا لمفترعه. (24) (ص98 ـ99).
خلصت هذه الدراسة التحليلية النقدية لديوان" حياة صغيرة" لحسن نجمي والتــــــي تـــضم51 قصيدة كون بنية الجــــسد تمثــــل مرجعا أساسيا في بناء الديوان ككل إذ أن وحدة القصائد كلها ترتبط برؤية الجــــسد المعبر عنه في الديوان بأكــــثر من دلالة ووجه.
فقد كان هاجــــسنا منذ بداية تحــــليل " حياة صغيرة" للشاعر المغــــــــربي حـــسن نجمي هو إضفاء تلك النزعة الحداثية للكتابة الشعرية عند الشاعر من خلال تمثل الجسد كفلسفة وكتوجه وإدراك للعالم وفهم هـــــذا الجـسد لا يتم إلا من خلال تحليل آلياته وميكانيزماته وصيرورته في الحياة واعتباره وحدة وجودية مــمتدة في الزمان والمكان ، وليست مجرد وعاء للمتعة واللذة.
لذلك لاحظنا أن الجسد له امتدادات شا سعة في الديوان،وجـــــذوره الـــــمعرفية والاركيولوجية والسيميائية جعلتنا نتحكم بشكــــل أو بآخر في التيمة الجوهرية والخصيصة العميقة الكامنة في الخطاب الشعري عند حسن نجمي.
إذ أن الوعي الإجتماعي والسياسي والتاريخي والمعــرفي عند الشاعرفي الديوان الأخير" حياة صغيرة" لم يكن وليد الصدفة بل هو نتيجة مخاضات سابقات وصراعـــات مريرة سابقة تشكلت في الدواوين السابقة بشكل أو بآخر لكنها لم تكتمل الا في " حياة صغيرة"
لقد كانت مساءلتنا للشعر المغربي المعاصرمن خلال الديوان تـــــتغيا استـــكناه شعرية القصيدة المغربية من خلال تحولاتها الفكرية والإيقاعية والدلالية.
ف"حياة صغيرة" حاولت أن تختزل المعاناة الإنسانية في الجسد باعتباره يخضع لعدة تحولات فسيولوجية وبيولوجية ويتأثر بالواقع الإجتماعي والسياسي..ويمكن إخضاعه للتطهيروالتجنيد والدربة والتجريب..ويمكن إخضاعه أيضا لمقياس الصدق والكذب والعــــــفة واللاعــــــــــــفة.
إن الجسد في الديوان يرسم خطوطا للمستـــقبل..لأنه مصدر المفاجآة والدهشة والإنبهاروالحب والكراهية والخنوع والإستسلام والمواجهة والمجابهة والإقــــــبال والإدبار.
عبر الجسد في الديوان عن الكينونة البشرية،وعــــــــن مدارات الحياة المتحولة..وفسح المجال لأكثر من مظهر للمعرفة للبحث في تــــــــقاسيمه الــــــــصغرى والكبرى وسبر أغواره المرئية واللامرئية.
إنه( أي الجسد) يظل التيمة الأساسية التي طبعت كتابات الشعراء العرب والغربين القدماء منهم والمحدثين لأنه موضوع لا يقــــــتصر على الجسد كمادة وكــــوجود بل الجسد كفلسفة وتساؤل ومعرفة.
إنه قيمة جمالية محضة تسائل الكائن والممكن والمحال وتـــظل قابلة للتحليل والتفسيروالتفكيك والبرهنة والإستدلال.
ولغة الجسد تختلف عن باقي اللغــــــات الأخرى ،فمنه نستــــــمد شــطحة المتصوفين وحركات الرياضيين وتأمل النساك والزهاد،منه ينهـــــل النحاة والفلاسفة وأهل الـــــــمنطق..أليس القبح والحسن نموذجين للنقاش في الفلسفة القديمة والحديثة؟ أليس علم الجمال نظرياته وعـــــلومه لا يجد ضالته إلا في الجسد؟
تساؤلات كثيرة طرحت حول الجسد وقيمته في إنتاج خطابات معرفية متعــــددة..وكان لنا شرف الإدلاء بدلالة الجسد من خلال تحليله ودراسته فــــــي " حـــــــــــــياة صغيرة" لحسن نجمي"



• الهوامش:
(1) ـ حسن نجمي" حياة صغيرة" دار توبقال للنشرط1 1995 ص1.
(2) ـ نفسه ص20.
(3) نفسه ص21.
(4) نفسه ص27.
(5) نفسه ص36.
(6) نفسه ص39.
(7) نفسه ص40 .
(8) نفسه ص42 .
(9) نفسه ص67.
(10) نفسه ص 46
(11) نفسه ص54 .
(12) نفسه 50
(13) (أدونيس ، مقــــــدمة للشعر العــــــربي،دار العودة ،بيروت 1971 ص 132
(14) (محيي الدين بن عربي"الــــــفتوحات المكية" تحــــــقيق وتــــــــقديم د.عــــــثمان
يحيى،تصديرومراجعة د إبراهيم مدكور،الهيئة المصرية العامة للكتاب،السفرالأول القاهرة1972 ص264 ـ265.
(15) حسن نجمي "حياة صغيرة" دار توبقال للنشرط1 ص52.
Guy michaud « message poètique du symbolisme.librairi (16) Nizet.paris 1947 p136 –137.
(17) حسن نجمي" حياة صغيرة" نفسه ص56.
(18). (أسعد رزوق" الأسطورة في الشعرالمعاصر" م،س ص 21 ـ 22.
(19) " حياة صغيرة" ص64.
Louri lotman. « la structure du ****e artistique » op.cit p318. (20) (21) " حياة صغيرة" ص79 .
(22) محمد بنيس " الشعــــر العــــــربي الحديث ـ بنياته وإبدا لا تها( الشعر المعاصرالجزء
الثالث) دار توبقال للنشرص 165.
(23) " حياة صغيرة" ص 91.
(24) فهد عكام" قدم الدراسة كأطروحة لنيل دكتوراه الدولة من جامعة السربون باريس 3 تحت إشراف د.جمال الدين بن الشيخ.والجزء المشار إليه منشورفي مجلة الموقف الأدبي.اتحاد الكتاب العرب،دمشق 1963 العدد 1983 141/142/143 ص266.